|
1 |
سجال الشريعة والنهضة والحامدي يتواصل
إقناع المسلمين في بلادنا بالتنصيص الصريح على الشريعة مهمة شبه مستحيلة من دون إعادة تأهيل طويلة النفس وصبر مديد وجميل
بقلم: أبو يعرب المرزوقي
· ليس المقصود بالإمارة إمارة من يولد أميرا أي من يرث الإمارة أو من يغتصب الحكم بانقلاب أو بحد السيف بل هو من أمرته الأمة تماما فبايعته · العلماني الذي يشترط في ولي الأمر أن يكون منتخبا انتخابا حرا أقرب ألف مرة إلى الشريعة الإسلامية من كل دعي يدافع عن تضمين الشريعة ويتحالف مع أمراء الحرب الذين يحرمون المسلم من الحقوق الدنيا ·
|
|
أهلا أخي عبد العزيز قاسم
تحية وبعد لن أطيل الكلام مع شيوخ وطلبة العلم في السعودية لأني احترمهم واحترم آراءهم لكني أشك في علمهم بأحوال الإسلام في غيرها من البلاد..
حيث تمت ممارسة ما يسمى بسياسة تجفيف المنابع طيلة عقود تجاوزت القرن ونصف، أعني خلال حقبة الاستعمار والتحديث المستبد فضلا عن عصور الانحطاط..
هذه إذن مداخلتي (.......) لعلها تكون مفيدة في مسألة العلاقة بين الشريعة الإسلامية ونظم الحكم الضامنة لتحقيق مسماها دون الاقتصار على اسمها ودمت في رعاية الله والسلام
أبو يعرب المرزوقي - تونس
بسم الله الرحمن الرحيم لست أشك في حسن نوايا شيوخنا الأفاضل إذ يتكلمون على ضرورة تضمين الشريعة في نص الدستور التونسي. فهم دون شك دافعهم حب الخير لكل المسلمين. لكني كنت أتمنى أن لو تفضلوا فشرحوا لنا قصدهم بهذا التضمين وما يترتب عليه فيطالبون به في كل أرجاء دار الإسلام لئلا يكون الكلام دائرا على الأسماء دون المسميات فيصبحوا من حيث لا يدرون مؤيدين للثورة المضادة التي تعادي عودة الإسلام لدوره التاريخي في تحديد آفاق البشرية من جديد. وحتى أكون واضحا فإن ما يسكت عليه شيوخنا الكرام من أبعاد الشريعة الإسلامية ليس أقل أهمية مما يتوجه إليه انتباههم أعني مجال تطبيقها الأساسي أي أحكام من يسمونهم بـ"أولي الأمر منكم" الذين تجب طاعتهم. فمن هم أولى الأمر منا وما شروط طاعتهم الواجبة علينا ؟
فالمعلوم أن شيخ الإسلام ابن تيمية يعرف أولى الأمر بأنهم الأمراء والعلماء المنتسبون إلى الإسلام. والمعلوم كذلك أن الإمارة والعالمية بهذا المعنى لهما شروط وخصائص هي من أهم مجالات الشريعة.
فليس المقصود بالإمارة إمارة من يولد أميرا أي من يرث الإمارة أو من يغتصب الحكم بانقلاب أو بحد السيف بل هو من أمرته الأمة تماما فبايعته على القيام بوظيفة الرعاية السياسية لفترة محدودة هي عين الفترة التي يكون فيها حاصلا على الرضا والقبول الطوعي من غالبية الأمة
وليس المقصود بالعالم مجرد الحاصل على كم معين من المعلومات الشرعية بل الذي يبذل الجهد ليصبح عالما بعلم لا يتوفر إلا مصحوبا بخلق العلم حتى يكون قدوة في السلوك الخلقي وشرط ذلك اعتراف أهل الذكر بعالميته واعتراف الأمة بخلق القدوة الذي يؤهله ليكون موثوقا به فيحق له الكلام باسم الأمة. فيكون التلازم بين هذين الوجهين من الحكم السياسي والتربوي جامعا بين نوعين من رضا الأمة على الوظيفة العملية والوظيفة الخلقية في إدارة الشأن العام فيعدل أهل العلم (العلماء بهذه الصفات) سلوك أهل العمل (الأمراء بهذه الصفات) لما في خصائص الوظيفة الأولى من الروية والحكمة الواجبتين لرعاية الشأن العام رعاية علمية ونظرية وفي خصائص الثانية من الحزم والشدة الضروريتين لرعاية الشأن العام رعاية عملية وتطبيقية. وهذا هو التعادل المتبادل بين الوظيفتين تعديلا لسلوك الأمراء وإرشادهم بما له من علم وحكمة. وبالتالي فالمرجع في الحالتين هو حكم الأمة على أهلية المرء في الجدارة بأداء دور الأمير والعالم لتوفر شروط الوظيفة. وبهذا المعنى وعند الاقتصار على المسميات فإن بعض العلمانيين ممن لا يشترطون الكفر بالدين بل يقتصر مطلبهم على حياد الدولة في المسألة العقدية لا فرضا ولا منعا يمكن أن يعتبروا قريبين من نصف مطالب أصحاب تضمين الشريعة في الدستور. وخشيتهم من حصر الشريعة في المجال الأول المتعلق بتدخل الدولة في فرض معتقد معين باعتبارها وصية عليه وحفية به وخاصة في ضوء ما ساد من ممارسات بدائية كما عند بوكو حرام أو عند طالبان هو الذي يجعل الدفاع عن تضمين الشريعة في الدساتير يتحول إلى شبه دعوة إلى سلوك من جنس سلوك بوكو حرام وسلوك طالبان حيث تكون الشريعة مقصورة على الرعية دون الراعي وحيث يصبح الراعي هلاميا بعد أن يصل إلى الحكم بحد السيف وليس بالشرعية الإسلامية التي هي البيعة الحرة والطوعية في ولاية الأمر ويصبح النصف الثاني من ولاة الأمر أعني العلماء مجرد مضفين للشرعية على ما هو نفي صراح للشريعة في وجه الراعي لفرض إرادته على الرعية التي لم يعد لها أي دور في الرعاية كالحال في مراحل تاريخنا خلال عصور الانحطاط.
إن تجاوز هذه المعادلة المزيفة لطرح إشكالية الشريعة والتنصيص عليها في الدستور هو الذي يخيف الكثير من حولنا من الربيع العربي. فالمسلمون اليوم تجاوزا المقابلات الشكلية بين الأسماء ليبحثوا في المقابلات المضمونية بين المسميات: فالعلماني الذي يشترط في ولي الأمر أن يكون منتخبا انتخابا حرا وأن يكون أي مواطن له الحق في التداول على الحكم بشرط أن تتوفر فيه شروط المواطنة والخلق الحميد أقرب ألف مرة إلى الشريعة الإسلامية في نظرية الحكم من كل دعي يدافع عن تضمين الشريعة في الدساتير الإسلامية ويتحالف مع أمراء الحرب الذين يحرمون المسلم من الحقوق الدنيا التي تجعله إنسانا بحق في الحكم وفي التربية وفي الاقتصاد وفي الثقافة ليكون كالأنعام أو أدنى في مجتمع عبيد يحكمهم من يتخفى وراء الكلام باسم الشريعة وهو يحيا حياة فضيعة بل وفجيعة بالنسبة إلى الخلق الحميد والقيم الإسلامية التي وضعها القرآن الكريم وجسدها الرسول العظيم في سنته الشريفة. تلك كانت حال المسلمين خلال عصور الانحطاط وهي لا تزال في بعض المناطق من دار الإسلام كما نلاحظ ذلك في الصومال وبوكو حرام وطالبان وهلم جرا. ومثل هذه الظاهرات هي التي تحول دوننا والدفاع عن أمر بديهي عند أي مسلم لو لم توجد فتجعل الأحكام المسبقة هي الغالبة ويصبح إقناع المسلمين في بلادنا بالتنصيص الصريح على الشريعة مهمة شبه مستحيلة من دون إعادة تأهيل طويلة النفس وصبر مديد وجميل على مصارعة الأحكام المسبقة المعادية للإسلام وشريعته السمحة. ذلك أننا لو فصلنا آية الشورى لأدركنا أن كل المتكلمين في هذه المسألة متناسين نظرية الحكم القرآنية ليسوا إلا من جنس القائلين بويل للمصلين. فالآية صريحة في بيان المقصود بالشورى باعتبارها نظام حكم يجمع بين طبيعة النظام وطبيعة آليات عمله مع بيان رهانيه الأساسين أعني الرهان الدنيوي والرهان الأخروي وما بينهما من ترابط يجعل الأخروي أصلا والدنيوي فرعا لأن الدنيوي وسيلة والأخروي غاية إذ إن الحياة الدنيا استعداد للحياة الأخرى: "والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون" (الشورى 38).
1-فالآية تقول "وأمرهم" أي إن الأمر أمر الجماعة فتكون طبيعة النظام مستمدة من مبايعة الشعب للحكام أعني الجمهورية: أمر الجماعة=راس بوبليكا.
2-والآية تقول "شورى بينهم" أي إن الجماعة هي التي تعالج أمرها بالشورى فتكون طبيعة الآلية في علاج مسائل الأمر التشاور بين أفراد الجماعة أعني الديموقراطية: شورى بين الجماعة= ديموكراسيا.
3-لكن الرهان الدنيوي هو "مما رزقناهم ينفقون"= أي علاج العدالة الاقتصادية والاجتماعية
4-والرهان الأخروي هو "والذين استجابوا لربهم"= أي التقوى التي هي المعيار الوحيد للتراتب بين الناس وتحديد منازلهم لدى خالقهم.
5-وعلامة الاستجابة للرب هي إقامة الصلاة والحكم الموصوف بهذه الأوصاف وعلاج القضية الاقتصادية والاجتماعية علاجا هو عين العدل والحق اللذين يمثلان شرع الله في استعمار الإنسان في الأرض استعمارا يكون أصحابه أهلا للاستخلاف بما أقاموا شرع الله وحققوا قيم القرآن في التاريخ الفعلي فيصبح الإسلام جاذبا ويكون المسلمون بذلك شهداء على العالمين.
فهل الشريعة هي غير هذا إذا كان المطلوب المسميات لا مجرد الأسماء ؟ ذلك ما تطلبه ثورة الربيع العربي وما يجمع عليه الطيف السياسي غير المنتسب إلى الثورة المضادة. لذلك فالثورة هي عودة الشريعة الإسلامية إلى الفعل الحقيقي في التاريخ الفعلي وهي استئناف للإسلام الجاذب وتحرر من الانحطاط الذي كاد يخرج المسلمين من التاريخ. والله ورسوله أعلم.
| |
|
مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى: azizkasem2...@googlegroups.com - أرشيف الرسائل |
|
2 |
التغليق على التفكيك
فؤاد أبو الغيث ملخص التغليق: - استغنى المُداخِل بالتلخيص عن الخوض في جزئيات الرد ثم رماه بالقصور المنهجي في الحجاج، وضيق الرؤية، وأنسل!! - القصور المنهجي في الحجاج، وضيق الرؤية: هو الرد على الأحكام دون تعليلاتها!! - تطبيق الشريعة بالقوة لا يعيد المؤمنين إلى الكفر، وإنما يكون سببًا لإظهار بعض الكفار للإيمان، مع إبطان الكفر!! - المداخل قرر الحجة التي لم يسمع في حياته حجة مثلها في الوهاء!! وأثبتها وأيدها!! ولم ينقضها؛ فقد ذهب يتكلم عن التدرج في أمر ليس معلومًا فضلاً عن أن يكون مكتملاً، وليس هذا فرض المسألة! - لا يلزم من المطالبة بالتنصيص على تحكيم الشريعة ومحاولة تبيين الحق وفرضه (بقدر المستطاع) قيام حرب أهلية تفرض فيها النهضة رأيها على بقية الشعب التونسي!! - المداخل توجه في أحد الموضوعات نحو شخص صاحب الموضوع، ولم ينظر إلى الموضوع بمعزل عما يعتقده في صاحبه! - الحكم في الأرض بالإسلام وإخضاع الناس له؛ ليس إكراهًا على الدين والإيمان والعبادة التي أمر الإنسان بها!! - يفهم من كلام المداخل أنه توجد مفاهيم صحيحة؛ صحة لا تنهي الخلافات، وهذه هي التي تعني الإنسان؛ فلا يعني الإنسان مفاهيم غيره!! - المسلم لا يبدأ بالحرب والقتال!! - كثير من مسائل العمل قطعية!! - لا يُظن بمن استغنى عن اللفظ أن يتمسك بالعمل !! | ||
|
مقدمة التغليق: عبارة "متواضع" التي وصفت بها الرد وقعت مني فلتة دون تدبر، وإلا فإني لا أستعمل مثل هذه التعبيرات، وقد شعرت بأنها غير مناسبة، ولا داعي إليها؛ فحذفتها من النسخة التي نشرتها في مدونتي بعد خمس ساعات من نشرها في مجموعة الفاضل عبد العزيز قاسم البريدية قبل أن يعلق عليها أبو يعرب المرزوقي بقوله: (هذا الوصف لا يصح بمعنى الخاصية الخلقية لصاحب الرد بل هو وصف للقصور المنهجي في الحجاج ولضيق الرؤية التي تحاكم بها استراتيجية النهضة السياسية). وهذا القول دعوى سننظر هل تقوم على بينة أم لا؟! والحقيقة أن من يعبر بهذه العبارة يستشعر أنه أقل من غيره مطلقًا في أخلاقه وعلمه وعمله، وقد يذم الإنسان نفسه بين الناس يريد بذلك أن يري أنه متواضع عند نفسه، فيرتفع بذلك عندهم، ويمدحونه به، وهذا من دقائق أبواب الرياء، والعياذ بالله، والله أعلم بما يفعل الإنسان، وبمن اهتدى، واتقى. والقصور المنهجي في الحجاج، وضيق الرؤية: هو الرد على الأحكام دون تعليلاتها، الذي عبر عنه قول المداخل: (فصاحب المحاولة لخص حجج الدحض تلخيصا يغنيني عن الخوض في جزئياته خاصة، وهي لم تتضمن شيئا آخر غير بيان الأساس الواهي الذي تنطلق منه هذه المحاكمة). وهذه دعوى أخرى سننظر أتقوم على بينة أم لا؟!! وسننظر في حقيقة أن الرد أو "ما سماه المحاولة" (هي رؤية كلامية لإعادة الأمة إلى الحروب الأهلية والطائفية فلا تحقق من ثم للمسلمين العودة إلى أداء دورهم في تحقيق قيم الإسلام في التاريخ الفعلي). ونسبة اسم "المحاولة" إليه حقيقية، ليست كقوله: (كلامي في هذه المداخلة على من يريد أن يدحض ما سماه تعليلات النهضة لموقفها من مسألة التنصيص على الشريعة في الدستور) لأن هذا هو اسمها في الأصل الذي جرت "محاكمته". "فلننظر" فيما أورده على تلك "الحجج واحدة تلوى الأخرى".
المسألة الأولى علة النفاق هي مرض القلب، وليس الحكم بالشريعة عندما يقابل صاحب النص بين هذين الحكمين فإنه يوهم القراء بأن النهضة تعتبر الحكم بالشريعة علة للنفاق. لكن قيادات النهضة مهما شكك البعض في حرصهم على قيم الإسلام وشريعته ليسوا أغبياء حتى يقولوا بمثل هذا الرأي. ورد في تعليل قرار النهضة عدم التنصيص على تحكيم الشريعة : (نعتبر أن الإسلام مبني على الحرية لأننا لا نريد إنتاج منافقين. وبالتالي يجب أن يمثل القانون القيم السائدة في المجتمع. ولا قيمة لقانون اذا لم يرتكز على رأي عام واسع). ويفهم من هذا: أن الحكم بالشريعة دون رضى عامة المحكومين ينتج منافقين، ومن المعلوم أن ما ينتج الشيء علة له ... ولو خاض صاحب المداخلة في جزئيات الرد التي استغنى بالتلخيص عن الخوض فيها؛ لعلم أن هذا هو معنى ما نسبته إلى النهضة . وقيادات النهضة ليسوا أغبياء حتى لو قالوا بمثل هذا الرأي؛ لأنه مما يمكن أن يخطئ فيه الأذكياء!! ومما عبر به المداخل عن هذا المعنى قوله: (تطبيق الشريعة بمعناها الشامل وليس المقصور على الحدود إذا كان مفروضا بقوة الدولة يعد من أهم مصادر التربية على النفاق والتقية). وتطبيق الشريعة بالقوة يكون خطأ منكرًا؛ لأنه من أهم مصادر التربية على النفاق؛ إذا لم يسبق بإقامة الحجة وتبيينها؛ أما تطبيق الشريعة بالقوة بعد ذلك؛ فليس خطأ منكرًا، وإن أدى إلى أن يصير بعض الناس منافقين؛ لأن تطبيق الشريعة بالقوة لا يعيد المؤمنين إلى الكفر، وإنما يكون سببًا لإظهار بعض الكفار للإيمان، مع إبطان الكفر. أما ترك فرض الشريعة بالقوة بعد إقامة الحجة على أنها الحق وتبيينها؛ فهو مناف لمقتضاها، ومقتضى الأمر بعقوبة من خالفها، والقتال، في قول الله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله). المسألة الثانية التدرج لا يكون في أمر معلوم مكتمل لم أسمع في حياتي حجة بهذا الوهاء. وهذا الكلام الذي أتى في صيغة تجعله وكأنه مبدأ عام مسلم به وغني عن المناقشة دليل على المغالطة الفجة. فالأمر معلوم ومكتمل عند من ؟ ألا يعلم صاحب هذه الحجة أن التصديق حتى العلمي فضلا عن التصديق الإيماني ليس معلوما ومكتملا إلا عند من أصبح لديه موصوفا بهاتين الصفتين النسبيتين إلى الذات العالمة بالأمر وباكتماله ؟ فلا أحد يجهل أن بعض النظريات معلومة وقد تكون مكتملة لدى المعلم لكنها ليست معلومة فضلا عن أن تكون مكتملة عند المتعلم. فهل يحق للمعلم أن يفرض هذه النظرية بالقوة على المتعلم ودون تدرج أم عليه أن يتدرج في تعليمه إياها وبكل رفق؟ ولما كان التصديق العلمي وحده غير كاف بل لا بد من درجة أمتن في التصديق الذي لا يمكن أن يناله التكذيب أعني التصديق الإيماني (بخلاف التصديق العلمي الذي يمكن أن يتغير فيناله التكذيب) فإن شرط الرفق والتدرج لصبغ القلب بصبغته من واجبات الدعوة. ولولا هذه الحقيقة التربوية لما نجم القرآن ولما توالت الرسالات ولما احتاج الرسول الأكرم إلى الكثير من الصبر والتأني والمعاودة إلخ ... من مراحل التعليم الديني. ومن ينكر أن المسلمين اليوم ليسوا جميعا سواء في العلم بالإسلام فضلا عن الاعتقاد المطمئن بقيمه وبأحكامه إما متجاهل لحقائق التاريخ الإسلامي الحالي أو جاهل بأحوال الأمة وبحال المغرب العربي مثلا بعد الاستعمار الأجنبي وسياساته التي واصلتها حركات التحديث المستبد. لذلك فلا داعي للكلام مع المتجاهل فضلا عن الجاهل الذي يريد أن يعلم الناس وهو غير دار بأحوالهم. سبحان الله! لم اختصر كلام المداخل في هذه المسألة؛ ليتبين أنه قرر الحجة التي لم يسمع في حياته حجة مثلها في الوهاء!! وأثبتها وأيدها!! ولم ينقضها؛ فقد ذهب يتكلم عن التدرج في أمر ليس معلومًا فضلاً عن أن يكون مكتملاً، وليس هذا فرض المسألة؛ فتأمل!!
المسألة الثالثة التنصيص على الحكم بالشريعة لا يحتاج إلى تدرج هذا أيضا من علامات سوء القصد وعدم سلامة الطوية إذ من العسير أن يصدق أحد أن صاحب هذا الكلام يقصد حقا ما يقول ويعي فعلا ما قصده أهل النهضة من أصحاب الحل والعقد فيها. فما يحتاج إلى تدرج ليس التنصيص على الحكم بالشريعة لأن ذلك يمكن أن يحصل بجرة قلم إذا أردناه مفروضا بالسلاح بعد حرب أهلية لا تبقي ولا تذر. فهذا أمر بين بذاته ولا خلاف فيه. إنما الأمر الذي يحتاج إلى تدرج هو إقناع المواطنين التونسيين بهذا التنصيص. وليس عدم اقتناع الكثير من التونسيين بذلك لخاصية موضوعية في الشريعة بل لأن ما بات يحوم حول تطبيقها من دلالة على حصرها في الحدود في ممارسات المتبدي من الجماعات الإسلامية وخاصة بعد أن لحق هذا الاستعمال من تشويه استعماري ونخبوي عند العلمانيين يجعل مهمة تحرير الشريعة من الأحكام المسبقة عليها وعلى كل من يدعو إليها من أعسر المهام السياسية في كل خطط استرجاع الساحات السياسية سلميا في بلاد العرب والمسلمين لاستئناف الرسالة الإسلامية دورها في التاريخ الحديث... رأس المسألة معطوف على رأس المسألة السابقة في سطر واحد؛ فجعلهما المداخل حجتين؛ لأنه استغنى بالتلخيص عن الخوض في جزئيات الرد ثم رماه بالقصور المنهجي في الحجاج، وضيق الرؤية، وأنسل!! وأهل النهضة لم يقولوا: إن التنصيص على الشريعة يحتاج إلى تدرج، ولم أقل: إنهم قصدوا ذلك، كما أنهم لم يقولوا: إن إقناع المواطنين التونسيين بهذا التنصيص يحتاج إلى تدرج. بل قرروا عدم التنصيص، والاكتفاء بالفصل الأول من الدستور، وأن الشريعة جزء من الإسلام؛ لذا لا يجب بالضرورة التنصيص على الخاص إذا كان مشمولاً في العام، وأن النهضة تنوي اقتراح التنصيص على مبادئ الإسلام في توطئة الدستور؛ ليكون الدستور مستلهمًا من مبادئ الإسلام، ومن أهداف الثورة، ومن مبادئ الحداثة. وما قلته أقره المداخل، ولم يثبت خلافه!! فارجع البصر كرة أخرى!! أما قوله: (لكن صاحب هذا الكلام يريد حربا أهلية تفرض فيها النهضة رأيها على بقية الشعب التونسي وهذا خيار له أن يختاره في سياسة بيته إذا أراد لا في سياسة شعب تونس) فلا يلزم من المطالبة بالتنصيص على تحكيم الشريعة ومحاولة تبيين الحق وفرضه (بقدر المستطاع) قيام حرب أهلية تفرض فيها النهضة رأيها على بقية الشعب التونسي!!
المسألة الرابعة الحل للإشكال في مفهوم الشريعة تحرير المفاهيم الصحيحة وليس الاكتفاء بنص مجمل؛ لا يمكن العمل به. كلما سمعت أحدا يتكلم على المفاهيم الصحيحة خامرني الشك في نواياه التسلطية. فدعوى امتلاك الحقيقة المطلقة التي تنهي الخلافات في ما لا يمكن تصوره من دونها دعوى تسلطية حتما. وضمير هذا الكلام هو دعوى صاحبه ملكية الحل النهائي لمصادر الخلاف في الفكر الإنساني بفضل المفاهيم الصحيحة التي يتصورها في حوزته. لكن ما رأيه إذا قلنا له إنه لا وجود لمفاهيم صحيحة صحة تنهي الخلافات حول مسائل الخيارات السياسية فضلا عن العقدية ناهيك عن الخيارات الوجودية. فأولا كونها مفاهيم يعني أنها حدود لتصورات بحسب فهوم معينة. والحد الجامع المانع في كل علم ليس ممكنا إلا في إطار نوع من الإجماع المؤقت بين العلماء إذا كان الأمر متعلقا بالنظر أو بين العاملين إذا كان الأمر متعلقا بالعمل. وفي هذه الحالة فالأمر لا يتعلق بمفهوم الشريعة ولا بمفهوم الحكم بها بل بخيار جعلها أصلا في التشريع لجماعة بعضها يريد ذلك وبعضها لا يريد. وفي هذه الحالة فالخيار هو بين الوصول إلى حل وسط بين المتنازعين أو إعلان أحداهما الحرب على أخراهما. ليس الأمر حلا لمسألة نظرية للخيار بين تصورين يمكن أن يحسم إما بالتواصل أو بالتفاصل بين الطرفين بل هو حل لمسألة عملية للخيار بين ضربين من تنظيم الحياة الجماعية التي ينبغي أن تبقى جماعية وتوافقية لأنها في خلاف ذلك لا تحسم إلا بالحرب. فهل يفضل صاحبنا على الإقناع المتبادل والحلول الوسطى والمرحلية بين طرفي النزاع الحرب الأهلية فيعيدنا إلى حروب الفرق الكلامية والطوائف المذهبية التي كانت من أهم علل انحطاط الأمة الإسلامية ؟ يفهم من كلام المداخل أنه توجد مفاهيم صحيحة؛ صحة لا تنهي الخلافات، وهذه هي التي تعني الإنسان؛ فلا يعني الإنسان مفاهيم غيره؛ والمسلم لا يبدأ بالحرب والقتال؛ لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله، كما قال الله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) .
المسألة الخامسة المصلحة التي قدرتم حصولها متوهمة وغير معتبرة شرعًا لن أطل [كذا، وهو خطأ طباعي؛ لأنها كتبت في مقدمة الحجاج على الصواب: لن أطيل] الكلام في مثل هذا الحكم المضاعف الدال على عنجهية وقلة تواضع مريبتين. فالقطع بأن غيري واهم وأني اقضي في الاعتبار الشرعي ما هو ليس إلا من علامات عنجهية التعالم الزائف. إن من يعتبر منع الاقتتال بين أبناء الأمة وضرورة اللجوء إلى خيار التربية اللطيفة بدل العنيفة أعني أهم المصالح العمرانية والمجتمعية ليست مما يعتبر شرعا لا يمكن الرد عليه إلا بالقول على الدنيا السلام. وإذا كان تحقيق ذلك ليس من المصالح الحقيقية بل هو من الأوهام فعلى السياسة السلام كذلك. فكر هذا الرجل أشبه بفكر أمراء الحرب في أفغانستان. لو علم صاحبنا أن الانبياء لم يقاتلوا أبدا لفرض العقائد بل لحمايتها ولحماية حرية الاعتقاد لأن الجهاد لم يفرض على المؤمنين إلا للدفاع أو للحيلولة دون منع حرية المعتقد أو للحيلولة دون الفساد في الأرض والعدوان على المستضعفين لأدرك أن كل محاولات فرض العقائد بالقوة ليست من الدين في شيء بل هي غالبا ما تكون من توظيف الدين عند المستبدين الذين يريدون أن يغطوا على استبدادهم وفسادهم بمغالطة الجماهير عامة والعامة خاصة أعني من جعلوهم عامة بالتربية العنيفة التي تخيف من حاكم الأرض والتسلط. ولولا هذا المعنى لما كان القرآن يدعو الأنبياء إلى التبليغ دون الفرض وينهاهم عن استعمال القوة في ذلك. ولو علم أن آية عدم الإكراه في الدين نزلت في أب أسلم أراد أن يفرض على ابنيه أن يسلما معه دون اقتناع منهما لما واصل هو وأمثاله إفساد النهج التربوي الإسلامي بالاستعاضة عنه بمنهج لم يصبح مما يقول به المسلمون إلا بعد أن بلغ بهم الانحطاط الدرك الأسفل فلم يعد خلق المسلمين جاذبا بل أصبح طاردا. ولو قرأ بتمعن سورة المائدة لعلم أن الإسلام لا يفرض شريعته على أهل الأديان الأخرى بل هو يدعوهم لتطبيق شرائعهم وللتسابق في الخيرات. فيكون المطلوب هو وجود ثمرات الشرائع لتيسير العيش المشترك بين البشر وليس فرض إحدى الشرائع على الناس بالقوة العامة. لم يناقش المُداخل الموضوع؛ لأنه – مرة ثالثة – استغنى بالتلخيص عن الخوض في جزئيات الرد التي بينت فيها علة هذا "الحكم المضاعف الدال على عنجهية وقلة تواضع مريبتين"؛ فهو هنا توجه نحو شخص صاحب الموضوع، ولم ينظر إلى الموضوع بمعزل عما يعتقده في صاحبه؛ فقال: فكر هذا الرجل أشبه بفكر أمراء الحرب في أفغانستان... ولو علم... ولو قرأ... لأدرك... ولعلِم... وقد أدركت ذلك، وعلمته، ولم أخالفه، ولله الحمد والمنة.
المسألة السادسة موقف الحزب مخالف لأمر الله جل وعلا بأن يكون الدين كله لله المعلوم أن أمر الله هو العكس تماما: فالله لا يريد أن يكون الدين كله لله بل يريده أن يكون لمن خلقهم ليعبدوه. لكن العبادة التي أمر بها الإنسان لا تكون إلا طوعا لا كرها لأن ما يحصل كرها لا يمكن أن يثاب عليه الإنسان إيجابا ولا سلبا: فمثلما أن المكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان لا يعاقب بل يجازى فكذلك المكره على الإيمان وقبله غير مطمئن لا يجازى بل يعاقب. وما يكون من الإنسان كرها ليس عبادة لله بل هو عبودية للرب وهي مشتركة بين جميع الموجودات التي تسجد لربها. فإذا حولنا العبادة إلى ممارسة خارجية خوفا من الحاكم كانت نفاقا وهي من ثم عبودية للحاكم لا عبادة لله وحده. لذلك فموقف النهضة هو عين الصواب لأن الدين بهذا المعنى هو الأمانة التي قبلها الإنسان وحسابه على أدائها يكون له بما كسب وعليه بما اكتسب وليس من مسؤولية الحاكم الأرضي أن يفرض عليه العبادة حتى وإن كان من واجبه وضع نظام تربوي يدعوه بالطرق التربوية السليمة حتى يعرف الإسلام ويحبه بحبه لمعلميه أولا ولما في اخلاق المسلمين من جذب لحب الخير والعدل والجمال والحقيقة. ألا يعلم المداخل أن الله تعالى قال في سورة الأنفال: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)؟!! وكيف يكون العكس لذلك تمامًا قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)؟!! فالحكم في الأرض بالإسلام وإخضاع الناس له من عبادة الله، ولا منافاة بينهما، والحكم في الأرض بالإسلام وإخضاع الناس له ليس إكراهًا على الدين والإيمان والعبادة التي أمر الإنسان بها، ولا يوجد حاكم يكره الناس على العبادة التي تكون بينهم وبين الله، ومن الحكم في الأرض بالإسلام وإخضاع الناس له أنه " يجب تطهير الأرض من إظهار سب رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسب الإمكان؛ لأنه من تمام ظهور دين الله، وعلو كلمة الله، وكون الدين كله لله؛ فحيثما ظهر سبه، ولم ينتقم ممن ذلك فعل ذلك؛ لم يكن الدين ظاهرًا، ولا كلمة الله عالية، وهذا كما يجب تطهيرها من الزناة والسراق وقطاع الطريق بحسب الإمكان، بخلاف تطهيرها من أصل الكفر؛ فإنه ليس بواجب. وجواز إقرار أهل الكتابين على دينهم بالذمة ملتزمين جريان حكم الله ورسوله عليهم لا ينافي إظهار الدين، وعلو الكلمة، وإنما يجوز مهادنة الكافر وأمانه عند العجز أو المصلحة المرجوة في ذلك، وكل جناية وجب تطهير الأرض منها بحسب القدرة..."(الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية 2/539). المسألة السابعة القرار ذهب إلى وجهة نظر العلمانيين!! رغم أن الحق واجب القبول أيا كان مصدره فيكون بالوسع الذهاب مذهب العلمانيين في ما يكون صوابا من آرائهم (لأنهم ليس جميعا كافرين بالدين إذ إن بعضهم يكتفي بالقول إن الدولة محايدة في التعامل مع العقائد ولا تفرض واحدة منها دون أن يشترط ما يشترطه الماركسيون مثلا من ضرورة محاربة الأديان) فإن دعوى الذهاب إلى وجهة نظر العلمانيين ليست صحيحة في هذه الحالة. فالنهضة تفهم من القول إن "دين الدولة هو الإسلام" أن مقتضاه هو أن يكون تشريعها على الأقل غير مناف لثوابت الشريعة الإسلامية لا يمكن أن يعد ذهابا إلى وجهة نظر العلمانيين بل هو عين المنطق للتلازم بين الدين وشرعه. ولا ضير إذا وجد العلمانيون في عموم هذا التنصيص ما يسكن خوفهم من الحدود ومهربا من فهمهم الضيق للشريعة التي يقصرونها على الحدود التي تخيفهم. فمن المعلوم أن ذلك هو مقتضى الحلول السياسية التي تبقى على شعرة معاوية بين الأطراف المختلفة والمتعددة شرطا في كل حياة مشتركة. والتأويل يكون في ما بعد خاضعا لعلاقات الوزن السياسي الذي يحدد التشريعات النافذة. فإذا أضفنا إلى ذلك أن التشريع الإسلامي ليس مقصورا على الشريعة بمعناها النصي بل هو يتضمن دائما مستويين أحدهما صادر مباشرة أو بصورة غير مباشرة عن مصدري التشريع النصي (القرآن والسنة) والثاني صادر عن الاجتهاد والعرف وما لا يتنافى مع المصدرين النصيين حتى وإن لم يكن منهما كما في استصحاب الحال بات واضحا أن الكلام على المقابلة بين التشريع المستند إلى الشريعة بوصفه الوحيد المقبول ونفي التشريع المستند إلى ما يمكن أن يعد علمانيا بمعنى كونه ناتجا عن العقل في صلته بعلاج قضايا العالم التي لم يرد فيها نص ولا تقبل القياس على ما ورد فيه نص ليس من الفقه الإسلامي في شيء حتى في زمن الرسول الأكرم لأنه أقر قاضيه بأن يقضي برأيه ولا يبالي عندما لا يجد في القرآن ولا في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم مستندا لحكمه. ورد في تعليل القرار ثلاث وجهات نظر: - وجهة نظر بعض الإسلاميين الداعين لتضمين الشريعة كمصدر أساس ووحيد في الدستور. - ووجهة نظر العلمانيين. - ووجهة نظر أصحاب القرار التي عبروا عنها بقولهم: نرى أن من واجب كلا الطرفين أن ينظر بموضوعية وتوازن، وأن يتفهم تخوفات الطرف الآخر... فعلقت على هذا التعليل بأنه اعتراف بأن القرار ذهب إلى وجهة نظر العلمانيين!! ولم يأخذ بوجهة النظر الموضوعية المتوازنة المبينة في تعليل القرار. ومثلها ما أورده المداخل هنا؛ فالنهضة تفهم من القول إن "دين الدولة هو الإسلام" أن مقتضاه هو أن يكون تشريعها على الأقل غير مناف لثوابت الشريعة الإسلامية، ولكنها لم تنص حتى على هذا المقتضى على الأقل !!
المسألة الثامنة الاستغناء عن بعض واجبات الشريعة التفصيلية المقطوع بها؛ لأجل أن بعض الناس لا يقر بها؛ هو مبدأ العلمانية. حتى لو سلمنا بمفهوم "المقطوع به" موجودا في العمليات التي هي بمقتضى الحد من الظنيات فاعتبرناها من جنس العقديات التي هي بمقتضى الحد كذلك من اليقينيات فإن موقف النهضة لم يقل بالاستغناء عنها بل قال بجعلها من ثمرات التحصيل التدريجي بمقتضى تطور الأخلاق الاجتماعية. ولنضرب مثال الحجاب. ففي تونس كانت أقلية صغيرة من النساء يتحجبن ثم بالتدريج وبمقتضى التحصيل التدريجي ودون لجوء إلى الفرض بالقوة وبحكم القانون باتت أغلب نساء تونس متحجبات بسرعة مذهلة حتى قبل الثورة. لذلك اعتبرتها من العلامات الدالة على الصلة الوطيدة بين قيم الثورة وقيم الإسلام. والزخم ملحوظ الازدياد. فلم لا نمكن المجتمع من تعديل نفسه بنفسه في هذه المسائل ونواصل السياسات العقيمة التي تطلب من السلطة السياسية أن تستعمل قوة الدولة لفرض الشريعة بالقانون بدلا من التربية فتنفر الناس من الدين الذي لن يبقى خيارا شخصيا للمؤمن الذي لا يلقى ربه إلا فردا بل خيارا سلطويا لكأن من يحاسب يوم الدين هو السلطة الحاكمة لا المؤمن الفرد. المقطوع به موجود في العمليات كثيرًا؛ مثل: عدد الصلوات المفروضة وركعاتها، وحد الزنا، وحد السرقة... فكيف تكون العمليات بمقتضى الحد ظنيات، والعقديات بمقتضى الحد قطعيات، وكثير من مسائل العمل قطعية، وكثير من مسائل العلم ليست قطعية؟! وقد ذكر المداخل أن كون المسألة قطعية أو ظنية هو من الأمور الإضافية؛ فقد تكون المسألة عند رجل قطعية لظهور الدليل القاطع له، وعند رجل لا تكون ظنية فضلاً عن أن تكون قطعية لعدم ظهور الدليل له. وموقف النهضة المذكور في رأس المسألة مفهوم من التعليل الذي قيل فيه: (فإذا كان لفظ "الشريعة" يؤدي إلى جدل وتجاذب كبير، فيمكن الاستغناء عنه مع المحافظة على تضمين جوهر الشريعة الإسلامية، كمرجعية دستورية..). ولا يُظن بمن استغنى عن اللفظ أن يتمسك بالعمل !! والمداخل نفى حقيقة الاستغناء، ولم يتطرق إلى حكم ما فُرض في المسألة؛ أي الاستغناء عن بعض واجبات الشريعة التفصيلية المقطوع بها؛ لأجل أن بعض الناس لا يقر بها... المسألة التاسعة إظهار الشريعة هو بحسب القوة والأعوان ها نحن نصل إلى بيت القصيد. الشريعة تظهر بذاتها وبجاذبية الدين الحق إذا كانت أخلاق الجماعة متبعة لقيمه الحقيقية لا لمظاهر التدين التي لا تنهى عن الفحشاء والمنكر في بواطن المؤمنين: الخلق السمح والعدل والحرية والتعامل الحسن بين الموطنين والنظافة الخاصة والعامة وعدم التطفيف في الميزان المادي (الاقتصاد) والرمزي (الفكر والحجاج) تلك هي الشريعة.. الشريعة التي تحتاج إلى البوليس ليست شريعة دينية معبرة عن إيمان أصحابها بل هي قانون وضعي متنكر مثله مثل قانون الطرقات يطبقه الإنسان خوفا من الخطايا وليس تقربا من الله. والغزالي رحمه الله لما ألف فضائح الباطنية ظن توظيف الدين توظيفا سياسيا أمرا مقصورا على الباطنية فبين ابن خلدون أن توظيف الدين له وجه ثان هو ما تستعمله القشورية استعمالا لتقنيات الباطنيين. فالقشوريون ينطبق عليهم هم أيضا مفهوم الفضائح كما يتبين من عصور الانحطاط: إنهم يوظفون ما يزعمونه حرصا على مظاهر الدين ليغطوا على الظلم والقهر والعبودية التي تحكم المجتمعات الإسلامية والتي أتت الثورة لتحررهم منها طلبا للكرامة والحرية والعدالة أعني ما يسخر منه صاحب هذا الرد على النهضة عندما اعتبر مطالب الثورة أمرا مختلفا عن مطالب الشريعة الإسلامية التي مبدآها الأساسيين [كذا، وهو خطأ نحوي، والصواب: الأساسيان] هما: تحقيق شروط استعمار الإنسان في الأرض لتعميرها ومنع افسادها واستخلافه فيها ليحيا بحسب قيم القرآن وفهمها النبوي أو السنة. وتلك هي علة تسمية ابن خلدون كتابه المشهور بعلم العمران البشري (تحقيق شروط استعمار الإنسان في الأرض) والاجتماع الإنساني (تحقيق شروط الاستخلاف). لذلك قال قولته الشهيرة: قل أن يخالف الأمر الشرعي الأمر الطبيعي في تنظيم العمران والاجتماع فأتم كلامه صاحب بدائع السلك في طبائع الملك بأنه لا يخالفه أبدا. والله أعلم. ما أورده المداخل هنا لا علاقة له برأس المسألة. و"الشريعة" هي الأمر والنهي، والحلال والحرام، والفرائض والحدود، والسنن والأحكام والآداب، وهي طاعة الله ورسوله وأولي الأمر. والمراد منها الصلاح باطنًا وظاهرًا للخاصة والعامة في المعاش والمعاد. ومن الشريعة ما يبدو أن صاحب هذه المداخلة أراد أهله بحديثه عن الشريعة التي تحتاج إلى البوليس؛ يعني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد سبق في الرد الذي لم يخض صاحب المداخلة في جزئياته أنه ليس كل إكراه يكون باطلاً؛ فقد يكون الإكراه بحق؛ كالإكراه على قضاء الديون التي يقدر على قضائها، وعلى أداء الأمانة التي يقدر على أدائها، وإعطاء النفقة الواجبة عليه التي يقدر على إعطائها... "وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي المشركين ما هم محتاجون إليه غاية الحاجة بلا عوض، وهم يكرهونه، ويؤذونه عليه، وهذا أعظم من الذي يبذل الدواء النافع للمرضى، ويسقيهم إياه بلا عوض، وهم يؤذونه، كما يصنع الأب الشفيق، وهو أبو المؤمنين. وكذلك نعت أمته بقوله ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) قال أبو هريرة : كنتم خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل حتى تدخلوهم الجنة، كما في الحديث الذي رواه البخاري عنه في صحيحه مرفوعًا. فيجاهدون يبذلون أنفسهم وأموالهم؛ لمنفعة الخلق وصلاحهم، وهم يكرهون ذلك؛ لجهلهم كما قال أحمد في خطبته : " الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه؛ فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم " ... "ومن فوائد العقوبات السلطانية المشروعة في الدنيا ضبط العوام، كما قال عثمان بن عفان - رضي الله عنه - : " إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " فإن من يكون من المنافقين والفجار فإنه ينزجر بما يشاهده من العقوبات، وينضبط عن انتهاك المحرمات" . "وفوائد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعظم من أن يحصيها خطاب أو كتاب ؛ بل هي الجامعة لكل خير يطلب ويراد... وفي الخروج عنها كل شر وفساد" . أما قوله: (أعني ما يسخر منه صاحب هذا الرد على النهضة عندما اعتبر مطالب الثورة أمرا مختلفا عن مطالب الشريعة الإسلامية) فأنا - ولله الحمد - لا أسخر من أحد أو من رأي أحد أبدًا – إن شاء الله – ولم أعقد موازنة بين مطالب الثورة ومطالب الشريعة، فإن كان فهمه من بعض كلامي؛ فما هو؟ وكيف وقد استغنى بملخص الرد عن الخوض في جزئياته؟! ويبدو أنه لم يخض أيضًا في جزئيات تعليل قرار النهضة الذي داخل "يساعدها"ويدافع عن موقفها؛ فإن اعتبار مطالب الثورة أمرًا مختلفًا عن مطالب الشريعة الإسلامية يفهم من تعليل القرار حيث ورد فيه: (الثورة التونسية لم تأت على خلفية المطالبة بضرورة تطبيق الشريعة، والثورة لم ترفع شعار تطبيق الشريعة.. وإنما أتت بمبادئ العدالة والمساواة والحرية والكرامة والتشغيل..). قد لا تتوفر المرفقات. مزيد من المعلومات
| |||
|
مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى: azizkasem2...@googlegroups.com - أرشيف الرسائل |
|
|
|
|
| |