|
الأحداث الكبيرة أسبابها كبيرة
حين أراد الله لنبيه موسى أن
يكون شخصية قيادية عظيمة، كتب له أن ينشأ خارج بيئة الذل في بني إسرائيل،
فتربى في بيت فرعون نفسه (١). وحين أراد الله لبني إسرائيل أن يتحولوا إلى
أمة مقاتلة عزيزة بعد عجزهم، وجبنهم، وتخليهم عن الواجب أيام موسى، كتب لهم
أن يعيشوا في التيه أربعين سنة، حتى تغسل آثار الذل، وتنتج جيلًا جديدًا
عاش في جو التحدي الذي لم يتسلط عليهم فيه ظالم ولا مستبد (٢).
كان الله سبحانه وتعالى- قادرًا
أن يجعل موسى بصفاته القيادية دون أن ينشأ في بيت فرعون، وقادرًا أن يجعل
بني إسرائيل أمة مقاتلة دون أن يعيشوا في التيه، بل قادرًا سبحانه أن يجعل
عصا موسى تأكل جيش العدو، لكن الله كتب أن سنته لا تتغير ولا تتبدل.
الأحداث لا تصنعها المعجزات والخوارق، فلا بدّ من تهيئة الأسباب حتى تأتي
النتيجة (٣).
وحين أراد الله للعرب أن يكونوا حملة راية هذا الدين، جعل سبحانه جزيرة
العرب خارج نفوذ الدول المتسلطة، والحكام المستبدين، فكان العرب لا تحكمهم
إلا قبائلهم، بأفضل درجات الحرية والثقة بالنفس والعزة والكرامة.
وحين أراد الله سبحانه أن
يتشكّل جيل كامل من القيادات القرشية العظيمة، على رأسهم محمد -عليه الصلاة
والسلام-، حظيت قريش بمرتبة أرقى من الحرية، حين لم يكن فيها رئيس قبيلة،
فكانت الشخصيات القرشية مهيأة لأعلى درجات القيادة، بعد أن نشأت باستقلالية
كاملة، وحرية مطلقة من أي نفوذ (٤).
كان الله سبحانه قادرًا أن يجعل
محمدًا -عليه الصلاة والسلام- قائدًا عظيمًا، دون أن ينشأ في قريش، وكذا
رجال قريش من كبار المهاجرين. وكان سبحانه قادرًا أن يجعل العرب أمة عزيزة
منيعة كريمة، دون أن يكونوا خارج إطار الدول العظمى، لكن لن تجد لسنة الله
تبديلًا، ولا تحويلًا، فلا نتيجة دون أسباب، ولا تغيير دون تهيئة (٥).
التفوق النفسي الذي حققه
إخواننا في غزة، وإخضاع الكيان الصهيوني لإرادتهم، وإصابة الشعب الإسرائيلي
بروح الهزيمة، لم يتحقق بسحر ولا شعوذة ولا بصدف عابرة، بل تحقق بسلسلة من
الأسباب والأحداث التي هيأت لما نراه من نتائج. والأهم من ذلك أنّ فهـم
هذه المعادلة جيدًا، يبيّن أنها تهيئة لقادم أعظم فيه زوال إسرائيل بالكامل
(٦).
مراجعة الماضي
ولو عدنا قليلًا للوراء، لأمكن رصد مجموعة من الأسباب التي هيّأها الله، لأن يكون تحدي غزة خطوة كبيرة في زوال إسرائيل.
حماس تتمرد على نفسها
كان يمكن لغزة أن تبقى تحت سلطة
دحلان، لولا أن الله ألهم قيادات في حماس، سرعة التصرف في السيطرة على
غزة، في العملية التي تمت ٢٠٠٧. معروف أن حماس امتداد لحركة الإخوان، التي
ترفض استخدام العنف مطلقًا ضد أي سلطة عربية، وأن كل قيادات حماس مقتنعون
بتحمّل القمع الفتحاوي، حرصًا على ما يعتبرونه الوحدة الفسلطينية، فما الذي
دفعهم لذلك “الانقلاب” الموفق؟ بل كيف رضيت حماس أن تدخل في قتال عسكري
حقيقي بالسلاح، مع قوات السلطة في معركة نتج عنها أكثر من ٣٠ قتيلًا؟ (٧).
قد ينبري من يعطي تفسيرات
كثيرة، لكن أي تفسير يطرح، سيكون مناقضًا لما ألزمت به حماس نفسها، ولولا
هذا القرار لبقيت حماس تحت سلطة دحلان بكامل المشروع الخياني. ولا تفسير في
نظرنا إلا أنّه إلهام رباني باتخاذ القرار، حتى تتهيأ الأسباب لتدمير هيبة
إسرائيل وإصابتها بالإحباط.
هذه السيطرة الحماسية -أو
القسامية بالمعنى الأصح- تحوّلت بعد ذلك لانضباط أمني ممتاز، سواء بمفهوم
الأمن الجنائي أو الأمن القومي. تحملت قوة الأمن التنفيذي مسؤوليتها في ضبط
الأمن الجنائي بكفاءة، تمكنت فيها لأول مرة من القفز فوق الخلافات
العائلية، والعشائرية، والثارات، ونظمت نسيج المجتمع الغزاوي، رغم
تعقيداته، وكثرة تفرعاته، وانتماءاته (٨). وتحملت استخبارات القسام
مسؤوليتها في متابعة العملاء، وتطهيـر المجتـمع الغـزاوي منهم، دون إدخال
غزة في مواجهــات مربكة، كما نجحت في التنسيــق مع الفصـائل الأخرى، دون
التعــرض لأي اختراق استراتيجي (٩).
وبهذا الأداء للقوة التنفيذية
واستخبارات القسام، تكونت بيئة منضبطة اجتماعيًّا وأخلاقيًّا وتربويًّا،
وفرت جوًّا مثاليًّا لتحقيق أهم أركان المواجهة العسكرية:
أولًا: تدريب الآلاف من عناصر القسام تدريبا عسكريًا وعلميًا ونفسيًا وفنون القيادة والسيطرة.
ثانيًا: توفير فرصة متكاملة لصهر العقول والكفاءات والمهارات، لإبداع صناعي وتقني أنتج ما رأيناه في الحرب الأخيرة.
ثالثًا: إيجاد جو آمن للحركة البشرية والنقل اللوجستي، والاتصالات بأقل درجات المخاطرة.
رابعًا: توفير الفرصة للعمل الاستخباراتي المضاد، بجمع المعلومات، وتضليل الخصم، وضربه بعملائه.
الحصار خير مكروه
حين نجحت حماس في السيطرة على
غزة، لم تتأخر قوى الشر الإقليمية والدولية في حصار غزة وذلك لهدفين:
الأول، ابتزاز أهل غزة، ودفعهم للتخلص من حماس؛ والثاني، إرهاق حماس بمنعها
من الحصول على ما يقويها عسكريًّا وسياسيًّا. وتحقق الحصار الفعّال
بالتعاون بين مصر مبارك وإسرائيل، باندفاعٍ من كلا الطرفين، وتأييد
ومباركة من قوى عربية وعالمية كثيرة.
وبقدر ما كان الغزاويون حريصين
على كسر الحصار، فقد كان خونة العرب حريصين على خنق غزة بالكامل. الغزاويون
حفروا مئات الأنفاق، وسلطات مبارك تنسف كل ما تستطيع منها، وحين أيست من
ذلك، بنت الجدار العازل الشهير بطول ١٠ كم وعمق أكثر من ٢٠ مترًا.
ولأن الحصار تم في جو عزة
وكرامة، وسيطرة قوة ملتزمة دينيًّا ومبدئيًّا، فإنه بدلًا من أن يكسر عزيمة
الغزاويين، ويقلبهم على حماس، فقد حقق عدة نتائج، ربما كان لها الفضل
الأكبر في انتصار غزة الأخير.
النتيجة الأولى: تصاعد روح
العناد والإصرار، لأن شعور أهل غزة تجاه الحصار، كان أشبه بالنظرة لقاطع
طريق، يريد منهم تسليم عرضهم أو شرفهم فيزدادون تحديًا وإصرارًا.
النتيجة الثانية: تجريد أهل غزة
من الانشغالات الحياتية، من وظائف وتجارة ومتع الحياة الطبيعية، ومن ثم
تعويدهم على المعاناة أولًا، ثم حرمان العدو مما يلوي ذراعهم به فلا يبقى
ما يخسرونه.
النتيجة الثالثة: البطالة
الهائلة لشباب غزة، والتي تزيد عن ٧٠%. مما وفر فرصة مثالية للقسام وغيرها
من الفصائل، في تجنيد الشباب، وإشباع تطلعاتهم، وإشغال وقتهم، حتى أصبح
التجنيد في القسام شرفًا وفخرًا بين الشباب.
النتيجة الرابعة: التدرب على
الاعتماد على النفس بعد الله، والإبداع في حيل كسر الحصار، والاستفادة مما
هو موجود، وهذا ما أنتج ثقافة الأنفاق والصواريخ، والأسلحة المتطورة،
تطبيقًا لمبدأ توينبي “التحدي والاستجابة”.
ولو كان الصهاينة وعملائهم
العرب، يفكرون بنظر بعيد، لذهبوا إلى أبعد من رفع الحصار، ولشجعوا تدفق
المال على غزة، وسهلوا حركة البشر والبضائع، لأقصى حد. ولو حصل ذلك، لغرق
أهل غزة في الدنيا، واستولى عليهم البطر، وانحسر المشروع الجهادي، ولربما
لم تجد حماس من تجند من الشباب ليقف معها (١٠). لكن الله أراد لأعداء
فلسطين أن يحسبوها حسابًا عكسيًّا، فحصل الحصار الذي كرهناه، وتضايقنا منه،
لكن كان فيه معظم أسباب النصر والقوة.
نافذة الربيع العربي
صحيح أنّ أرض غزة مباركة، لكن
تبقى بعض متطلبات الحرب لا بدّ من جلبها من الخارج، مهما أبدعت العقول في
الإنتاج. هذه معضلة لا تحلّها قوة سيطرة حماس، ولا روح التحدي في الحصار،
ولا بدّ من تغيير حقيقي في الظروف، يفتح نافذة تأتي بهذه المتطلبات. من هنا
ساق الله أحداث الربيع العربي، وتوفر لحماس سنة كاملة، خرجت فيها مصر من
سلطة العملاء، لتدخل الضروريات مما تستعدّ به لمواجهة إسرائيل.
ومن تمام توفيق الله كذلك،
التطورات التي حصلت في ليبيا، وتوفر كمية ضخمة من السلاح الثقيل، والخفيف،
والذخيرة، في يد ليبيين متعاطفين مع المقاومة الفلسطينية، في نفس الوقت
الذي فتحت فيه هذه النافذة المصرية. ويبدو أن قيادات حماس والفصائل كانوا
مستشرفين عودة الحصار من الجهة المصرية، فاستعجلوا بأقصى ما يستطيعون
لاستثمار هذه النافذة الزمنية، والاكتفاء بما ينفعهم لسنين طويلة (١١).
هذه النافذة في أحداث الربيع
العربي، ساعدت في إتمام الاستعداد للمواجهة، فكانت بمثابة تحقيق “وأعدّوا
لهم ما استطعتم”، وتيسر لغزة ما كان ينقصها مما لم يمكن تحقيقه، حتى بأقصى
أنواع البطولة والإبداع.
استشراف القادم
عجلة التاريخ ليست مستعجلة،
والأحداث الكبرى لا تتهيأ أسبابها بشهر أو سنة، والغيب لا شك بيد الله،
لكننا يمكن أن نحاول الاستشراف، من خلال ما نرصد من تطورات لها قيمة في
النواميس الإلهية والسنن الكونية.
إتمام الربيع العربي
مخطئ من يظن أن الربيع العربي
تجمد، وأن قوى الشر أوقفته بالثورات المضادة، فالربيع العربي نهضة حضارية
بحاجة لأن تأخذ وقتها، وتمر بصعوباتها الحتمية، والتعثر أمر طبيعي لا يمكن
تحاشيه (١٢). إسرائيل تستفيد حاليًا من الحكومات المجاورة، التي تحمي
حدودها وتستفيد من الحكومات البعيدة التي تصنع جوًّا محاربًا للمقاومة،
مستفيدة من ثقلها العربي والعالمي. عودة الزخم للربيع العربي، يعني
تلقائيًّا تجريدها من هذه الحماية والدعم، وجعلها مكشوفة عسكريًّا
وسياسيًّا ونفسيًّا، أمام تكتل كبير من القوى المرعبة لها (١٣).
وربما تساهم مواجهة غزة الأخيرة
في تقوية زخم الربيع العربي، بعد أن كشفت مدى الخيانة عند الأنظمة
العربية، ومن ثم نزعت من قلوب الشعوب شرعيتها والرضوخ لها، وهيأت الأرضية
لأي تحرك باتجاه إزالتها. كما ساهمت المواجهة الأخيرة في بعث آخر للربيع
العربي، متمثلًا في بوادر انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية، وتهاوي أركان
السلطة الفلسطينية العملية.
توسع المشروع الجهادي
لا يزال المشروع الجهادي حتى
الآن، في دائرة الاحتواء من قبل القوى الإقليمية والعالمية، لكن أيّ نظرة
فاحصة، تثبت أن هذا المشروع في تصاعد وتوسُّع كمي ونوعي، وأنه قريب جدًّا
من الخروج من دائرة الاحتواء بالكامل. خروج المشروع من دائرة الاحتواء،
ربما يساهم في إسقاط أنظمة تحمي إسرائيل، وربما يجعل الجهاديين وجهًا لوجه
مع إسرائيل.
لكن الأقرب من ذلك، هو تخويف
الغرب من المبالغة في دعم إسرائيل؛ لأن الغرب أدرك أن هذا الدعم من أهم
اسباب انطلاق التيار الجهادي، وأن الاستمرار فيه تغذية لهذا التيار. وبهذا
المعنى، فإن النتيجة ضد إسرائيل في كلتا الحالتين، إن استمر الغرب في دعم
إسرائيل قوى التيار الجهادي، وسهل وصوله لحدود إسرائيل، وإن خشي من هذا
التنامي، حرم إسرائيل من دعم لا تستغني عنه (١٤).
الإرهاق الأمريكي
أمريكا، لا تزال مستعدة أن تخسر
ماليًا وسياسيًا من أجل أمن إسرائيل، والسبب تضليل الشعب الأمريكي من خلال
نفوذ اللوبي الصهيوني، الذي يعطل آليات القرار الأمريكي، عن تقديم المصلحة
القومية على مصلحة إسرائيل. لكن تصاعد أزمة أمريكا الاقتصادية، ووصول
دينها القومي إلى مستوى قاتل، وتمددها العسكري المرهق في أفغانستان
والعراق، وارتباكها مما يجري في أوكرانيا، كلها عوامل ستصدم الرأي العام
رغم أنف اللوبي الصهيوني، وتضعف من قدرة هذا اللوبي على التحكم إلى الأبد.
وأيًا كان الأمر، فسينحسر الدعم
الأمريكي لإسرائيل، إما لأن أمريكا عجزت حقيقة عن دعم إسرائيل، بسبب تدهور
اقتصادي سياسي، أو بسبب غضب شعبي على تقديم مصالح إسرائيل على مصالح
أمريكا القومية. ونفس ما يسري على أمريكا يسري على أوربا، بل إن النفوذ
الصهيوني في أوربا، أضعف بكثير من أمريكا، وبدأت بعض الدول الأوربية بالنأي
بنفسها عن إسرائيل.
ستبدي لك الأيام
هذا ما يمكن للإنسان أن يستشرفه
من نظرة فاحصة للأحداث، لكن في نهاية المطاف هو جهد بشري، ولعل في الأفق
ما لا نستطيع رؤيته، من مفاجآت تحقق التغيير بأسرع مما تصورنا. لكن الذي
نجزم به، هو أن وعد الله حق، وأنه سيتبين أن اجتماع اليهود في فلسطين، ليس
إلا مشروع انتحار جماعي على يد المسلمين (١٥) (١٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش: http://altagreer.com/%D8%A2%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%AD%D8%B1%D8%A9/%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A3%D9%8A/%D8%BA%D8%B2%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%87%D9%8A%D8%A6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A8%D9%91%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%B2%D9%88%D8%A7%D9%84-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84
--------------------------------------------------------------------------------------------------
لماذا يفضل أوباما المحور القطري-التركي
على المحور المصري-السعودي؟
فرونت بيج

بالنسبة
لإسرائيل، وعند النظر في الخريطة الجيوسياسية الراهنة في الشرق الأوسط، لن
نجد أن كل ما فيها سلبي أو ينذر بالخطر. وعلى الرغم من أن الشرق الأوسط هو
أكثر انقسامًا اليوم من أي وقت مضى، إلا أن عزلة إسرائيل السياسية
والدبلوماسية في المنطقة قد تلاشت.
يتألف الشرق
الأوسط في الوقت الراهن من ثلاث كتل رئيسة وإسرائيل هي شريك لكتلة كبيرة من
هذه الكتل، والتي تتألف من مصر والأردن والسعودية والإمارات. ولكن، ورغم
هذا، ما يشكل تحديًا بديهيًا لإسرائيل هنا هو خيار إدارة أوباما للشركاء في
المنطقة.
واشنطن لم تعتمد
على هذه الدول السنية المعتدلة تجاه إسرائيل كوسطاء لوقف إطلاق النار مع
حماس، ولكنها اعتمدت على الكتلة الموالية للإخوان المسلمين، والتي تتألف من
تركيا وقطر.
ديفيد بن غوريون،
وهو رئيس وزراء إسرائيل الأول وأحد الآباء المؤسسين لها، اعترف في وقت مبكر
أنّه لن يكون لدى إسرائيل فرصة لتطوير علاقات ودية مع الدول العربية
المجاورة لها. وبالفعل، نشر القادة العرب عمومًا، مثل الرئيس المصري جمال
عبد الناصر، لهيب الكراهية والانتقام ضد الدولة اليهودية، وكذلك فعل زملائه
في سوريا وأماكن أخرى. ونتيجةً لذلك، سعتِ القياداتُ الإسرائيلية لتطوير
علاقات وديّة مع الدائرة الخارجية من الدول غير العربية المحيطة بها، مثل
إيران وإثيوبيا وتركيا.
صعود الجمهورية
الإسلامية في إيران بعد ثورة عام 1979، ورحيل الشاه صديق إسرائيل، انهى
العلاقات الإسرائيلية الإيرانية. وأصبحت إيران حضنًا لأعداء إسرائيل
الفلسطينيين ولحزب الله في لبنان، ومع طموحها النووي، فإنها تشكل اليوم
أيضًا تهديدًا وجوديًّا للدولة اليهودية.
وكانت تركيا
الدولة المسلمة الوحيدة التي لديها علاقة ثابتة وودية مع إسرائيل. وحتى
انتصار حزب العدالة والتنمية في انتخابات عام 2002، كانت العلاقات التجارية
والتعاون العسكري بين إسرائيل وتركيا مهمًّا لكلا البلدين.
رئيس الوزراء رجب
طيب أردوغان من حزب العدالة والتنمية غير كل ذلك. كثف من العداء لإسرائيل
مع كل فوز له على التوالي. وبعد فوزه الثاني في البرلمان عام 2007، بدأ
صراعًا مع إسرائيل.
وفي أواخر مايو
2010، أعطى أردوغان الضوء الأخضر لأسطول غزة برئاسة مافي مرمرة. وجاء
انتصار حزب العدالة والتنمية لاحقًا في الانتخابات البرلمانية لعام 2011
ليزيد من معاداة أردوغان لإسرائيل وللسامية عامةً. وأما أحدث انتصاراته
بالرئاسة في 2014، ودعمه التام لحماس والإخوان المسلمين، فيعني شبه قطع
للعلاقات الخاصة التي كانت بين إسرائيل وتركيا.
وأما الكتلة
الثالثة في المنطقة فهي الكتلة الشيعية الراديكالية بقيادة إيران، والتي
تضم شيعة العراق، ونظام الأسد في سوريا، وحزب الله في لبنان.
والسؤال المحير هنا هو: لماذا اختارت واشنطن مواءمة نفسها
مع كتلة تركيا وقطر المؤيدة للإخوان المسلمين، وليس مع الكتلة الأكثر
اعتدالًا تجاه إسرائيل بقيادة مصر والسعودية؟
كلٌّ من النظام المصري برئاسة عبد الفتاح السيسي، والعائلة
المالكة السعودية، مستاؤون من إدارة أوباما. القاهرة تمقت دعم واشنطن
لجماعة الإخوان المسلمين، حيث أوقفت الولايات المتحدة تسليم الأسلحة إلى
مصر لأنها تعتبر إزالة الرئيس المخلوع محمد مرسي غير شرعيّة. بينما يشعر
السعوديون بالاستياء من إدارة أوباما لمحاولتها إنشاء تقارب مع إيران،
ولتوقيعها في 24 نوفمبر 2013 اتفاقية التعاون النووي مع طهران في جنيف.
“الخط الأحمر”
لإدارة أوباما تجاه استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية في سوريا، والذي لم
يوضع حيّز التنفيذ أبدًا، أدى أيضًا إلى شعور السعوديين بالخيانة. كما تلقي
الرياض باللوم على الولايات المتحدة لتحويل العراق إلى شبه مستعمرة شيعيّة
إيرانيّة، والتخلي عن أهل السنة هناك. والسعوديون مستاؤون أيضًا من طريقة
تعامل أوباما مع السيسي الذي يؤيدونه.
ومن الصعب فهم
منطق الإدارة الأمريكية هنا، ولكن هناك حقيقة قد تكون مؤثرة في هذا
التحالف؛ وهي أنّه في عام 2003 تم نقل مركز العمليات القتالية الجوية
للولايات المتحدة في الشرق الأوسط من قاعدة الأمير سلطان الجوية في المملكة
العربية السعودية إلى قاعدة العديد الجوية في قطر قرب عاصمتها الدوحة.
وتخدم قطر حاليًا
بوصفها البلد المضيف للمرافق العسكرية الكبرى للولايات المتحدة. قاعدة
العديد، وغيرها من المرافق في قطر، تقدم خدمات الدعم اللوجستي والقيادة
والسيطرة، وتعد مركزًا لعمليات القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) في
المنطقة.
وكما ذكرت قناة
الجزيرة (لسان حال النظام القطري) في 15 يوليو 2014: “لقد وقعت الولايات
المتحدة اتفاقًا مع قطر لبيعها طائرات هليكوبتر هجومية من طراز أباتشي
وأنظمة دفاع جوي باتريوت تقدر قيمته بمبلغ 11 مليار دولار”. ولا يجب أن
ننسى أيضًا أن قطر لديها ثالث أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم،
وتعدّ أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال، والذي يستفيد منه الأوروبيون بشكل
رئيس.
المصدر |