ابراهيم الدميجي:"آلَامُ الإِخْوَان السُّعُوديِّين"

10 views
Skip to first unread message

عبدالعزيز قاسم

unread,
Feb 16, 2012, 1:38:59 AM2/16/12
to



1


"آلَامُ الإِخْوَان السُّعُوديِّين"

إبراهيم الدميجي

والله زميلنا الشيخ ابراهيم الدميجي يحلق بنا في حقبة تاريخية لم يسلط عليها الضوء بشكل كاف، وإن رويت فبمصادر لها موقف من الاخوان هؤلاء.. جزاه الله خيرا ، ونستزيد من الزميل العزيز اتحافنا بأسلوبه الأدبي الآسر ، الذي شدني من أول حرف الى آخر حرف ،وانا الذي لا يقرأ بشكل كامل بسبب الوقت.. عبدالعزيز قاسم

 

   الحمد لله ذي الآلاء غير المحصيّة, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له من خلقه سماويِّهِ وأرضيِّهِ, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله لكل أحد من الثقلين إنسيُّهُ وجنيّه, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وتابعيه فكلّهم جنديُّهُ, وبعد:

يا حبّذا رندُ العقيقِ وبانُهُ **  سُقي العقيقُ وأهلُهُ وزمانُهُ

راقت خمائلُه ورقّ نسيمُهُ  ** وصَفَتْ على حصبائه غدرانُهُ

وشَكَتْ تباريحُ الصّبابة وُرْقُهُ  ** وتمايلتْ بيد الصَّبَا أفنانُهُ

يا مُفْرَدَاً في حسنِهِ ذا مُدْنَفٌ **  في حُزنِه لعِبت به أشجانُهُ

صبّاً إذا ذكَرَ العقيقَ وأَهْلَهُ   ** صابَتْ مدامعُهُ وجُنّ جَنَانُهُ

    الكثير من المنصفين إذا سمع بإخوان من طاع الله ذهب وهلُهُ إلى حروبهم المشهورة مع أعدائهم سواء في الغرب أو الشرق أو الشمال أو الجنوب أو الوسط, وما عانوه وكابدوه بهمم تحلّ فوق الفرقد, في سبيل بناء دولة التوحيد التي تفيّأ الناس ظلالها سواء ممن سكنها أو ناله بعض إحسانها في العلم والمعونة والإغاثة ونحوها, لكن غاب عن أولئك آلام الإخوان في بداية أمرهم ومعاناتهم إبّان قِلّتهم في العَدد والعُدد, إذ انتهى أمر بعضهم إلى القتل أو شِبْهِهِ, ثمّ استقرت سفينتهم أخيراً عبر الأمواج العاتية إلى شاطئ السكون والدعة, بعد الجلاد والجهاد, فبعضهم عَبْرَ ضمّهم لأفواج الحرس الوطني ممن قَبِلَ ذلك, والبقيّة غيبتهم الوفاة تحت أطباق الثرى بعد أن قضوا آخر أعمارهم بين بيوتهم ومساجدهم, وهكذا طُويت صفحة عبقة من صفحات تاريخنا الإسلامي المجيد, وأخباره العاطرة الزاهرة الفيحاء.

أَعَدْنَ لي الشوق القديم ولم أكن    **  سلوْتُ ولكن زدنَ جمراً على جمرِ

 وما أَنْسَ لا أنسَ خراب الغطغط رحم الله أهلها وعفا عنهم وجزاهم عن الجهاد خيراً, وعفا عنهم في خروج بعضهم على إمامهم.

دعْ ملامي بالحمى أو رُحْ وَدَعني  **    واقفاً أنشدُ قلباً ضاع منّي

ما سألت الدار أبغى رجعها     **  رُبّ مسؤولٍ سواها لم يُجبني

أنا يا دارُ أخو وحش الفلا     **  فيكِ من خان فعزمي لم يخنّي

ولئن غال مغانيك البِلى      **  قدَرُ الله, فشخصٌ منك يُغنِي

إن خَبَتْ نارٌ فهذي كبدي   **   أو غاب الغيث فهذا لكِ جفني

    ومن باب ذكر الشيء بالشيء؛ فمما زاد الأمر بلبلة وحيرة عند الإخوان المنشقين حينها؛ أن أحد العلم المعروفين في ذلك الوقت _وانكشف أمره آخراً وتاب من ذلك وعفا عنه الإمام_كان يراسلهم ويثبّتهم ويقول لهم: أنتم أهل المحجة البيضاء وعبدالعزيز وأصحابه أهل المحجة السوداء!! وإذا جاءت الزلة الكبرى من العالم ضربت لها الطبول انتشاراً, وزلة العالِم زلة العالَم فهل من معتبر؟! وعلى كلٍّ فمّما خفف وطء محنة ذلك الشيخ أنّه لم يراسلهم من البداية ولم يُظهر أمره لإخوانه وإلا لفلجوا حجته وهتكوا شبهته، كذلك فقد بقي في موطنه ولم ينحز للمنشقين وهذا مما هوّن فتنته بحمد الله تعالى, ورحم الله الجميع.

    ولعلي أسلّط الضوء على جزء يسير من الأحداث الأولية لمعاناة الإخوان, فهلمّ لنعرّج بذياك الوادي, مع التركيز على الخرمة لأمرين:

   الأول: أنّها شرارة الثورة الإخوانية الجهادية التي ألهبت حماس المهاجر الأخرى التي لبّت نداءات استغاثتها من طغيان الشريف الذي حمل عليها أربع حملات عسكرية متتالية باءت جميعها بالفشل الذريع بحمد الله تعالى فقد قيّض له من يردّه على عقبيه خاسراً, فالخرمة مع قلّة أهلها فأكثريتها في البداية كانوا مع الشريف, ثم ظهر بعد ذلك التميّز بين الفريقين حتى نصر الله جند التوحيد, "ولتستبين سبيل المجرمين".

إذا ما الخيام البيض لاحتْ لدى مِنَىً    **   فعرّجْ فإنّا بعـــدها بقليلِ

   الثاني: أنّ جلّ الرّواة الذين نقلت عنهم إنما رووا ما شاهدوه أو شاهده آباؤهم الذين عاشوا فيها.

إن رويتُ أحاديث الذين مضوا    **   فعن نسيم الصَّبا والبرق إسنادي

    وأما غيرها فلم يتيسر جمع كافٍ للرواية, فلعل الأحبّه ينشطون في جمع ما تناثر من ذاكرة من أدرك أو حفظ أو دوّن في كل البقاع التي طالها المدُّ الإخواني أو آثاره سلباً وإيجاباً فالعبرة بتقويم المسيرة ولن يتأتّى ذلك بدون الصدق مع النفس ودراسة الحركة ككلّ إيجاباً وسلباً مع التنبيه على ضرورة التحلّي بالتجرد والإنصاف دون التحيّز والاعتساف فالتأريخ أمانة, ونقده أمانة, والإفادة منه أمانة, وكلّنا نستقلّ سفينة واحدة, والمشتركات بيننا أكثر بكثير مما قد نختلف فيه حتى لو كان من قبيل الاختلاف الذي لا يسوغ, فالعبرة بعموم الحال وجملته, وليت بهنّات هنا وهناك, كذلك الاستفادة من اختلاف وجهات النظر عبر السبر والتقسيم وتقريب الوجهات التي ربما تكون متفقة أصلاً لكن خانت العبارات أهلها, أو ضُخمت اختلافات جزئية على حساب قِيَم أصلية ومرتكزات أساسية! مع التذكير بالتوثيق قدر الطاقة, وقد ذكرت ما استطعت من ذلك في المناطق الأخرى, ولا أدّعي الاستيعاب لا هنا ولا هناك, وقد يكون ما لم يُقَلْ وينقل أكثر مما قيل ونُقِلْ, والمتشبع بما لم يُعط كلابس ثوبي زور, عائذاً بربي.

    أكبر وأقدم مهاجر الإخوان هما الأرطاوية والغطغط, بيد أن الخرمة لا تقل عنهما في المكانة لا في عَدَدِها وعُددها؛ ولكن في مكانها الحيوي الذي تنازع عليه أسدان انتهى أمر أحدهما منفياً في قبرص والآخر متربعاً على دولة من البحر إلى البحر! وهلمّوا لنحاولْ الغوص في جذور ذلك الاختلاف الذي نشأ عنه وعن عقيدة الفريقين فيه ما هو مسطور منظور. 

     كانت الخرمة مكوّنة من السّوق _ وفيه أكثر النّاس _ وحوقان والسّلمية, وأولُ من تديّن في الخرمة, هم أهل حوقان قبل السّلميّة بسنة, ثم بدأ الخير يزداد شيئاً فشيئاً, حتّى انتشر في النّاس, وأصبح الناس فريقين, بين عامي: ( 1334)  و (1335).

   وظهر في ساحتهم مصطلح جديد يسمّى "الفَرْقِ"؛ أي الافتراق بين أهل الحقّ وأهل الباطل, والقتال لإعلاء كلمة الله تعالى, لا يهابون الموت لعلمهم أنه ملاقيهم (فإنه ملاقيكم) 

فهُنّ المنايا أيّ واد سلكتُهُ    **   عليها طريقي أو علي طريقها

 ويقال: إنّ أهل الخرمة(1) قد انضمّوا للملك عبد العزيز, من عام: ( 1326)  أي قبل أُولَى المعارك مع الشّريف بعشر سنوات, وهذا وإن لم يكن دقيقاً, فلعلّها كانت مراسلات منهم لعبد العزيز, وإرسال دعاة ومشايخ وكتب لهم من قِبَلِهِ, والله أعلم.

    علماً بأن الشّريف حسين, الّذي تولّى شرافة مكّة سنة: ( 1326) كان يَعْتَبر أهل الخرمة من رعاياه, وإن كانت قبضته ضعيفة عليهم,كحال غيرهم ممن هو خارج مكّة والطّائف وجدّة, وكان يرى أنّ بلادهم تعدّ امتداداً طبيعيّاً لسلطانه, فالخرمة هي البّوابة الحجازيّة لنجد في نظره, وعبدالعزيز يقول: إن الخرمة واقعة شرق جبل "حَضَن" النجديّ  بثمانين كيلاً, والعرب يقولون: "من أحضن فقد أنجد" لكن الشّريف لم يعترف بمسألة: أنّ الحجاز فقط له دون نجد أصلاً, فجُلُّ نجد له, بل والقصيم له, على حدّ قوله, ولو أنّه تعامل بالحكمة والعدل لما انشق سقف عرشه والله أعلم, وسيأتي شيء من البسط قريباً بمشيئة الله.

    أمّا أهل الخرمة, فكانوا يَعُدُّونَ أنفسهم من نجد, عقديّاً, وجغرافيّاً, وقبليّاً, ولكن خوفاً من شوكة الشّريف وبطشه, وحَدَبَاً على نخيلهم أن تقطع, فقد رضخوا وأذعنوا له كرهاً, مع أنهم تابعون له إدارياً وخاضعون لسلطته واقعياً لو أنه أحسن معاملتهم, وتركهم وشأنهم في مذهبهم العقدي, ولكن لما وصل الحذف عند المُعقّلات, ورام الشريف إكراههم على مذهبه أبت حميتهم الدينية ذلك, فأزمعوا المفاصلة!

خليليّ قد عمّ الأسى وتقاسمتْ    **    فُنونُ البِلى عشّاق ليلى ودورَها

وكنت إذا ما جئتُ ليلى تبرقعتْ   **   فقد رابني منها الغداة سُفُورُها

    ومنع الشريف أهل نجد والوديان من الحجّ من عام: ( 1332)  إلى أن دخل الإخوان مكّة عام: ( 1343) ومن رآه الشريف حاجّاً منهم حبسه وعذّبه, فمكثوا قرابة اثني عشر عاماً قد حُرموا حجّ بيت الله الحرام.

       ولما قال خالد بن لؤيّ للشريف حسين: يا سِيْدِي نريد قاضياً يحكم بالشرع, أجابه حسين بقوله: لا يا خالد؛ بل احكموا بسلومكم وسلوم آبائكم! وكان هذا الطّلب قبل حروب الشريف على الخرمة, ولعلّه كان في السّنة الّتي استدعى فيها خالداً عنده ثمّ أرسله لعبد الله "البيه" ضدّ الترك, في الطّائف ثمّ العِيص. وقديماً قال أبو الطيّب المتنبّي:

ومن نكد الدّنيا على الحرّ أن يرى    **  عدوّاً له ما من مصـاحبته بُدُّ

    رأى أحد الإخوان من أهل الخرمة في المنام: أنّ حماراً بال في منبر الجامع! فعُبِرَت الرؤيا: انتظروا شرّاً يأتيكم من الشريف, ولم يَرُعْهُم في الجمعة التّالية إلاّ بيانٌ من مكّة تُليَ في الجامع, تلاه العسّاف -من أهل القصيم- وفيه: إنّ أسواق الخرمة مثل أسواق مكة والطائف, لا يُستنكر فيها الدّخان ولا غيره. فطردوه وشتموه, بعدما قال لهم شيخهم القاضي إبراهيم بن حسين: أطيعوني وتوكّلوا على الله, وأبشروا بنصره . ثمّ طَرَدَ خالدُ بن لؤي القاضيَ الجديد, الّذي قدم من الحجاز بديلاً عن ابن حسين ولكن هيهات .

من يتـق الله يُحمـد في عواقبه    **   ويكفه شرّ من عزّوا ومن هانوا

   وكان في الخرمة في ذلك الزمان طاغوت يحكم بغير ما أنزل الله! وكان له حظوة عند النّاس, أمّا من أراد الشرع, فلا يجده إلّا في رنية, عند ابن حسين أو جبر . ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ).

    أمّا رنية؛ فحالها كحال أختها الخرمة فقد كان فيها طاغوت يحكم بغير ما أنزل الله, ويتحاكم الناس إليه! فيحكم بينهم بسلومهم وأعرافهم ورأيه, ويتركون من يقضي بالشّريعة كالشيخ دحيّم (*) بن ناصر بن حسين, وهو معدود من العلماء , وهو من تلاميذ العلّامة المحدّث سعد بن حمد بن عتيق الذي خالاً له , وكجبر السبيعي (2) وكان طالب علم .

    ثمّ جاء للخرمة, الشّيخ راشد بن عوض, ومن بعد راشد بن عوض إبراهيم بن ناصر بن حسين, ولعلّ الشّيخ إبراهيم هذا قد نصبه الشريف قاضياً لأهل الخرمة, بالمذهب الحنبلي, ولمّا بدأ بدعوة الناس للسّلفية الحقّة؛ أنكر عليه الشريف, واستدعاه وسجنه, حتّى أطلقه بشفاعة خالد بن لؤي, لمّا كان بمكة عند الشريف, وقد عادا في سنة واحدة للخرمة (3) وتعاونا على نصرة التّوحيد. وهو أخٌ للشيخ دحيّم شيخ رنية, وهو عالم من العلماء, وفارس من الفرسان, وقد أجازه خاله العلّامة الشّيخ سعد بن عتيق.

   أمّا الصّلاة, فكان كثير من الناس يصلّونها بدون محافظة عليها, وربما تركها بعضهم أحياناً, ولم يكن بينهم من ينكر المنكرات إلّا أقل القليل .

   ومن أمورهم الشّنيعة كذلك, استحلالهم قتل بعضهم بعضاً, ونهب المال والبهائم, وكانوا يعدّون ذلك فتوّة وشجاعة, ففخرهم: قتلنا وسلبنا! ولو كان الثّمن إثكالَ الأراملِ, وإيتامَ الصّبية, وإفقارَ الكرام . ولمّا قال أحدهم متأفّفاً  من هذه الحال من السّلب والنّهب, فقال: الّلهم ولِّ علينا والياً مصلحاً. ردّ عليه رجل كان معدوداً من أعقلهم: يا دافع البلاء, الّلهم لا تولّ علينا لا والياً مصلحاً, ولا غير مصلح! . وقديماً قيل: سلطان غشوم خير من فتنة تدوم .

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم    **  ولا صـلاح إذا جهالهم سادوا

     وحتّى نرى حجم المأساة, فلنطلّ إطلالة سريعة على حياة النّاس الاجتماعيّة, وجاهليّتهم في ذلك الوقت, فالنّاس الآن يتناقلون قصّة داحس والغبراء, الّتي أشعلت حروب عَبْسٍ وَذُبْيَان, والّتي قامت واشتعل أوارها على حصان! كذلك قصّة حرب "البسوس"  الّتي قامت على ناقة قتلها كليب! فنقول: إنّ ههنا قصّةً مشابهة لتينك القصّتين, تشهد على بعض العرب في ذلك الزّمان بالجاهليّة العميّة, والعصبيّة المقيتة, الّتي قضت على مواردهم البشريّة, والماليّة, والاجتماعيّة, وهذه القصّة هي قصّة الحروب الهوجاء, والغارات المسعورة, بلهب الانتقام, بين الجيران والإخوان, تلك هي الحرب الكئيبة الحزينة بين قبيلتين, من أعرق قبائل الجزيرة, وهما البقوم وسبيع, ذلك أنّ تينك القبيلتين كانتا على وئام, وحسن جوار, وأمن أمان, وكانت مساكن ومرابع قبيلة البقوم الأزديّة القحطانيّة, على علوّ الوادي الضّخم, الّذي يسمّى من تلك الجهة وادي البقوم, أمّا على أسفله فقد كانت قبيلة سبيع العامريّة العدنانيّة, والّتي سُمِّيَ ما يليها من الوادي بوادي سبيع , ومرّ الزمان وهم في أمن ودعة, وقرة عين, وحسن حال, وهدوء بال, حتّى سُرقت تلك النّاقة!.

     ثارت الحروب الدمويّة بين سبيع والبقوم, والّتي سمّاها الإخوان من الطّرفين فيما بعد: بـ( حرابات الجاهليّة ) وبداية المأساة: أنّ ناقة سرقت أو ضاعت لرجل, ثم رآها عند آخر فجلب معه بعض قومه وحلفائه إلى من عندهم تلك الناقة, وتوارد القوم إلى تلك (البهيمة!) وأرادوا ردّها بالحسنى, فردّ عليهم الآخرون بالرّفض, ثمّ حضر الشّيطان, وركز رايته بينهم, وعقد لواءه فوقهم, فرقص الشيطان على عزف الرّصاص المزمجر, وانتشى مع قرع السّيوف الغاضبة, فقُتِلَ رجلٌ, ثمّ تفرّق القوم بعد أن رقص الشّيطان فرحاً, وابتهج طرباً بتحقيق أمنيته في الأزل: ( ولكن في التّحريش بينهم )(4) وفتح باب القتل على النّاس, الّذي استمرّ سنيناً قبل أن يعودوا لرشدهم مع التديّن, بعد أن عضّتهم الحرب بنابها, ورويت من دمائهم المنون, وكانت الحروب بين القبيلتين العريقتين المتكافئتين سجالاً, فالجميع بلغ من الإقدام والشّجاعة والفروسيّة المكان الأرفع . ولكنّها كانت حروباً دمويّةً جاهليّةً بغيضةً, والغانم الوحيد منها هو الشيطان الرجيم, فقد سَحَقَتْ بِثِفَالِهَا إخوةً وجيراناً, وحلفاءً وأقراناً, وأحبةً وأصهاراً . وَيتّمَت وَرَمَّلَت, وَقَطَّعَت وَأَفقَرَت, وَغَيَّبَت وَعَيَّبَت المئات, والمشتكى إلى الله ربّ البريّات, وفاطر الأرض والسّماوات! وليس من المستحسن ذكر تفاصيلها, بل لعلّ إماتة أخبارها أولى وأحتم, حتّى تُنسى الإحن, وتندرس الأحقاد, الّتي ربّما تثار بسبب تلك الأخبار أو الأشعار, وكم من فتنة أشعلها بيت شعر! والعَضْهُ نَفّاخة فتن!.

    ولمّا تديّن الطّرفان, وصاروا بنعمة الله إخواناً, أماتوا تلك الحزازات, ودفنوا بالإيمان تيك الثارات, وجمعهم الله تعالى على الهدى والخير والجهاد في سبيله(5) وعادوا كما كانوا عينين في رأس, ويدَين في جسد , وقديماً قال ابن أبي سُلمى زهير:

وَمَا الحَـرْبُ إلاّ مَا عَلِمْـتُمْ  وَذُقْتُمُ  **     وَمَا هُوَ عَنـها بالحَديثِ المُرَجَّمِ

مَتَى تَبعَثُوهَا  تَبعَثُوهَا ذَمِيْمَـــةً    **  وَتَضْـرَ إذا ضَرّيتُـمُوها فتَضْرَمِ

وكان الإخوان رحمهم الله تعالى ينكرون على من ينشد تلك الأشعار  الجاهليّة , حتّى نُسي أكثرُها بحمد الله . ( فأصبحتم بنعمته إخواناً ) فلله الحمد أولاً وآخراً على نعمة الإسّلام والإيمان.

وَنَحْنُ بَنُوا الإِسْلَامِ وَاللهُ وَاحِدٌ    **   وَأَولى عِبَادَ اللهِ بِاللهِ مَنْ شَكَر

  لقد كان في الرّياض حِراكاً إيمانياً, وَزَخَمَاً عَقَدِيّاً, وكثافة تعليميّة, غيّرت مجرى التّاريخ وصححت اتجاهه بإذن الله تعالى, ومن ثمّ فقد نسخ الملك عبدالعزيز آل سعود مجموعة التّوحيد النّجديّة, وبثّها في النّاس, فلامست فطرتهم, وبعث معها هُداةً من طلبة العلم, يَرُدُّونَ الناس للتّوحيد والسّنة والجهاد في سبيل الله . فافترق النّاس إلى فسطاطين وفريقين, ( ولتستبين سبيل المجرمين ) إنّه تجريد التوحيد, الحقيق بأن تثنى عليه الخناصر, ويقبض فيه على الجمر, وتبذل فيه المهج, وترخص له الأرواح, فهو المطلب الأعلى, والأمر الأتمّ. ولم تكن الخرمة بمعزل عن دعاة الخير والهدى, فقد كان أمير الإخوان فيها هو خالد بن لؤيّ الشريف, وخالد كان من قوّاد الشريف حسين, وخالد ومِنْ قَبْلِهِ أجدادُه يُعتَبَرون من أتباع وأنصار الدّعوة السّلفيّة (6) ومعروف هذا عنهم في مكّة وغيرها منذ عهد الدولة السعودية الأولى, وكان من صغره ذا رأي سديد, وفكر ثاقب, ونظرٍ موفّقٍ, وبصيرة حيّةٍ, وكان يحبّ البادية, وإذا أراد أهله الرحيل من مكان لآخر استشاروه ولم يخالفوه, وحتى بعد توليه الإمارة كان الناس يتعجبون من قوة رأيه وعمق حكمته .

الرّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ    **  هُوَ أَوّلٌ وَهيَ فِي المَكَانِ الثّاني

ولسلفيّتِهِ وتديُّنِهِ فلم يكن يَسْلَمُ من لمز القوّاد الآخرين لمّا كان مع عبدالله الملقب بـ"البيه" أو أبناء عمومته كشاكر بن زيد بن فواز .

أمّا اتّصالُهُ شخصيّاً بالملك عبد العزيز, فإن ذلك كان بعد حادثة أسر الأخ الأصغر لعبدالعزيز سعد بن عبد الرّحمن, وكان عمر سعد إذ ذاك سبعة عشر ربيعاَ لمّا أَسَرَتْهُ خيّالة الملك حسين في نجد, وهم ذوي خليفة من الشّيابين, فغضب الملك عبد العزيز, وكادت تثور الحرب لولا عناية الله تعالى, ثمّ حنكة خالد وتدخّله ومشورته للحسين حين قال: هؤلاء عقبان نجد ولا سلامة منهم أرسلني إليه بأخيه واشترط عليه ما أردت .

واختلفت الرّوايات في شرط الحسين, فمنهم من يقول: إنّه اشترط إعلان ولائه للباب العالي, وهي الدّولة العثمانية مع دفع مبلغ سنويّ لها . ومنهم من قال بل اشترط ترسيم الحدود, وحدّ لعبد العزيز حدود نجد, وهذا بعيد لأنّ هذا هو عينُ ما كان يريده عبد العزيز ويأنف منه الشّريف والله أعلم . كذلك ممّا حدا بالشريف على الموافقة ضغط أحد قوّاده عليه, فقد أرسل له الإمام رسالةً مروِّعةً مزلزلةً كما نقلها المؤرخ العبيّد, وفيها بعد السّلام: (أمّا بعد: فبخصوص هذه الحيّة الّتي جلبتموها يا عتيبة وألقيتموها بحجري, وفعل بنجد ما فعل, وحبس أخي سعداً عنده ولم يطلبه بشيء, فوالله الذي رفع السّماء بلا عمد, وبسط الأرضين على ماء جمد, إن لم يطلق أخي سعداً, لأقطعن رأسك ولأجعلن لحيتك تذروها الهبوب مع طين نفي! والأمر كلّه من رأسك! إن شئت أن تسهّلها تسهلت, وإن شئت أن تعسّرها تعسّرت. ثمّ ختم الكتاب بقوله: سور العوجا وأنا ابن مقرن ) . 

فلمّا قُرئ الكتاب على ذلك الأمير قال :ما أظفر هذا الحضري! (7) ثمّ كلّم فيه الشريف, وتظافر هذا مع مشورة خالد الآنفة فوافق .

    الحاصل أنّ الشّريف أرسل وفداً من عنده مكوّناً من ثلاثة رجال يهابهم كلّ من رآهم إجلالا لهم, فقد كانوا طوالاً, حَسَنِيِّ الملامح, واضحيّ التقاسيم, جهيري الصّوت, جزْلِيِّ الكلام, ممتلئيِ الرّجولة, ظاهرِي الفخامة, وهم خالد بن منصور بن لؤيّ الشّريف, وعبدالمحسن بن ناصر بن شاهين الشّريف, وناصر بن محمد الحارث الشّريف, فوصلوا لعبدالعزيز وسلّموا عليه وأبلغوه رسالة الحسين . ويروى أنّ خالداً قال للملك عبد العزيز حينها: قد علمت نصحي لك ونصح أجدادي لأجدادك, فاسمع مني وأعط حسين ورقة تنفعه عند الدّولة _ أي العثمانيّة _ ولا تضرّك . وفيها الاعتراف بالدّولة العثمانيّة, وإرسال مبلغ من المال لها, فكتبها عبد العزيز, ثمّ سُلّم سعد بن عبد الرّحمن لأخيه, ففرح به فرحاً شديداً لمحبتّهِ له ولرحمته به لصغر سنّه (8) . ولما استلم عبد العزيز أخاه سعداً, التفت إلى خالد وقال:  يا خالد هذا رضيع الدّيد _أي شريكه في رضاع والدتهما_ والله لو ما جئتني به لرجلي هذه, ثمّ ضرب بها بقوّة في الأرض, لأطأن بها مطرح الشريف إلى أن آتي بسعد أو ألحق سعداً . ثمّ سلّ سيفه وصرخ في رجاله:  عرضه يا رجال . فلمّا قاموا أخذ يعرض العرضة النّجديّة وهو ينشد:

أنا كمــا نمــر ليـا عدا    **  والنــــمر ما تومن دغايله

    نمشـــي لصاحبنا على النقا    **  واللي يحـــــايلنا نحايله

والعجيب أنّ هذه الصّورة قد تكرّرت تقريباً في عهد جدّيْهِمَا, فقد أرسل شريف مكة الشّريف محمّد بن عون ابن عمّه عبد الله بن لؤيّ, إلى الإمام فيصل (9) بن تركي جدّ الإمام عبد العزيز, يطلب منه الصّلح, فقال ابن لؤي للإمام فيصل: إنّ الشّريف يُريد واحداً من إخوانك يركب إليه لتكسر عنه ظاهر الفشل . ثمّ أعاد الله التّاريخ بوجوه جديدة .

 خرج الوفد الشريفي عائداً لمكة, ومرّوا بهجرة الغطغط (10) وفيها بعض الرّوقة وكانوا أخوالاً لعبد المحسن بن شاهين , فمكثوا أسبوعاً , وتأثّروا بتديّنهم وزهدهم وعبادتهم.

مَا عَاتَبَ الحُرّ الكَرِيم كَنَفْسِهِ    **  وَالمَرْءُ يُصْلِحُهُ الجَلِيْسُ الصّالِحُ

 وسمع خالد منهم سنيّة وفضيلة المكوث بعد صلاة الفجر في المسجد حتّى ترتفع الشّمس, وأنّه يعدل عمرة وحجّة تامّة تامّة تامّة, فلزمها خالد واستمرّ عليها في مكّة . ولمّا كان يجلس بعد صلاة الفجر كعادته بلغه كلام من عبد الله "البيه" بن حسين أنّه يقول: إنّ خالداً من حين وصوله من الوهّابية وهو يقرقر في المسجد! ووصلت هذه الكلمة لخالد فكظمها, وبدأت الجفوة بين خالد وبين عبدالله بن الحسين وأبيه . وكان وقت الأصيل يخلو بنفسه أو في المسجد يذكر الله تعالى,كذلك بعد الفجر فيسألونه: ماذا تفعل؟ فيقول: أقرأ الورد . فيجيبونه ساخرين ومنهم شاكر بن زيد بن فواز: لا يقرأ الورد إلا القرد!!.

بَعِيدٌ عَنِ الخِلّانِ فِي كُلّ بَلْدَةٍ    **   إِذَا عَظُمَ المَطْلُوبُ قَلّ المُسَاعِدُ

وكان مؤذّن الشّريف ابن حجيلان إذا أذّن ربما صلّى معه الرجل أو  الرّجلان, وربما لم يصلّ معه أحد . وأنكر عليهم خالد تلك الأمور مع أمور بدعيّة يفعلونها, فكان عبد الله بن الشّريف حسين يقول له: أنت وهّابي ونحن إلى الآن لم نؤدّبك حقّ الأدب, واستحكمت بينهما الجفوة, ثمّ تطوّرت  لخصومة, ثم حرب ونزال .

أُرِيدُ حَيَاتَهُ وَيُرِيـدُ قَتْلِي   **   عَذِيركَ من خَلِيلكَ من مُرَاد

 ولا أظنّها تصحّ الدّعاية الغريبة الّتي بُثَّتْ في كتب التاريخ, من صفعِهِ من عبد الله "البيه" أو من أحد أمراء البادية (11) فما كان هذا تصرّف خالد لمن  عَرَفَهُ , والذي يؤيّدُهُ حالُ خالدٍ وأخبارُهُ (12) أنّ سبب تركه لقومه وفراقهم بجسده (13) هو أنّه فارقهم بقلبه ودينه قبل ذلك, ففاصلهم, وأعلن البراءة منهم, ولمّا اشتدت الخصومة, استأذنه خالد في الانصراف لأهله لأنّهم كانوا في البادية للاطمئنان عليهم, فأذن له بشرط ألّا يتأخّرَ وأن يَمُرَّ في رجوعه بـ"الكظيمة"(14) وفيها علي بن الحسين الأخ الأكبر لعبد الله, لجلب الذّخائر وإيصالها لعبد الله في العيص (15) وهناك روايات تقول: إنّه لم يستأذنه, بل انفتل بأصحابه مع مغيب الشّمس بدون علم الشّريف, فخرج مع مجموعة من خاصّته على خمس ركائب . وكان من رجاله الذين معه حمد بن مارق القريشي السبيعي, ولمّا سارت بهم الرّكاب التفت خالد إلى حمد وأنشد:

ياحمد جــيناك من دار وبيـّة   **   بشّـر اللي حبهم بيّن وخافي

لاركبـنا ظــمّر مع قيهميّـة    **  نطلب الله في حسينات الملافي

فرد حمد بقوله:

مرحباً باشـرافنا زبن الجـنيّة (16)    **   عد ما تذري الهبـوب من السوافي

يوم جيـتوا رجـع فوادي عليّـه     **  واحمد الله يـوم ما جـاكم خلافي

من بغى الناموس لا يطري المنيـّة     **  من وفى أجله مات لو هو متعـافي

    ففقده بعض أعوان عبد الله, فأتاه وسأله, فأخبره أنّه قد أذن له وسيعود, فقال: لن يعود بل سيحاربك فدينه غير دينك! فأمر عبد الله سريّة فتتبعت آثارهم لتردّهم, لكنّهم كانوا أسرع منها فأفلتوا , والفرار في وقته ظَفَرٌ .

إِذَا كَانَتِ النُّفُـوسُ كِبَاراً    **  تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الأَجْسَامُ

فصاح خالد بها هادرة صاخبة صادقة, قد امتزجت بروحه ودمه وعصبه:

إِذَا غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ مَرُومٍ    **  فَلَا تَقْنَعْ بٍمَا دُونَ النُّجُومِ

     ولعله- ولا نزكيه على الله – لا يريد ملكاً تحت النجوم, بل ملكاً عند الحي القيوم, في جنات وعيون ( في جنات ونهر . في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) . ويقال: إنّه في ذلك الوقت كان أهل بيشة أكثر تديّناً من رنية, وأهل رنية أكثر تدينّاً من أهل الخرمة, وأهل الخرمة أكثر تديّناً من أهل تربة, فلعلّه لهذا السّبب ابتدأ بها _ إن صحّت الرواية _ ولسبب آخر؛ هو ابتعاده عن الشريف قدر الإمكان فالخرمة كانت قريبة من الشريف .

والمرجّح والله أعلم: أنّ ذهابه لعبد العزيز في الرّياض (17) كان هو البداية, وأنّهُ لمّا بايع عبد العزيز, ذهب إلى بيشة ثمّ رنية ثمّ الخرمة . وهذا أشبه وأليق كما  قدّمنا, والله أعلم.

إذن فقد انطلق خالد للرّياض, ومعه وفد على خمسين ذلول, ولم يطأ الوديان الثّلاثة بيشة ورنية والخرمة, حتّى عاد من عند الملك عبد العزيز, وقد بايعه على السّمع والطّاعة وإقامة دين الله, وفي ذلك الوقت كانت الأرطاوية والغطغط قد بنيتا, وبدأ الإخوان بالهجرة إليهما, إضافة إلى باقي المهاجِرِ النامية في الجزيرة الّتي كان عبد العزيز يرعاها ويمدّها بالعلماء والدّعاة والكتب والمساعدات.

 ذهب خالد إلى رنية لأخذ البيعة, فنزل في ثلاثين ذلول على آل عمير مكالحة ومفالحة وصنادلة, فبايعوه, ثمّ إنّ أحد أعيانهم وكان معدوداً من طلبة العلم صاح فيهم وقال:  لا تبايعوا خالداً فهو ذئب أجرب يُعْدِي على مَدّ البصر, وليس عنده دنيا, فاتركوه حتى لا يقطع الشريف نخيلكم . فدخلت فيهم كلمته, فنفضوا أيديهم من البيعة, ثمّ إن خالداً ارتحل عنهم إلى بعض المجامعة عند خشم الكور, وهو جبل كبير في طرف رنية, فقالوا له: يا خالد لا تدخل رنية, فإنّا نخشى أن يقتلوك! فقال: سيكفيني الله شرهم . فقالوا: إنّ فلاناً قد أفسد عليك رنية, يقول: إنّ خالداً ليس عنده دين, إنّما هو طالب رئاسة ودنيا, فلا تطيعوه حتّى لا يقطع شريف مكة نخيلكم, ويقتلكم حتىّ يشرّد حيّكم لرماح! فذهب للمجامعة, وأناخ على الحلاّف وكان من أسخياء الناس, ففرشوا لخالد الفرش ورحبوا به, وبعد أن سألوه عن الحال عاتبوه وقالوا: لم تهجرنا يا خالد؟ فقال بعتاب مبطن: لا أدري! فقالوا: أعطنا الشرع من الشّيخ فلان _وهو ذلك المناوئ المذكور وكان معظّماً فيهم من ناحية الدّين, فكانوا يلقّبونه بالشّيخ_ فقال خالد: أرسلوا الفرس إليه فإن كان شيخاً اتّبعناه, وإن كان الشّيخ هو دحيّم بن الحسين اتبعناه . قالوا: تمّ _أي: على الرّحب_ فلمّا وصل الرجل قال له خالد: أسألك بالله يا فلان هل أنت شيخ؟ فقال: لا والله ما أنا بشيخ إنما أنا طالب علم . فالتفت خالد إلى النّاس وقال: وأنتم تقولون له شيخ! يا فلان: الشّيخ هو دحيّم بن الحسين, وأخوه الشيخ إبراهيم قد أعطاه الإجازة, هل أنا صادق؟ فقال : نعم أنت صادق . فقام المجمّعي وقال: أنا أخو منيرة, هات يدك يا خالد حتّى أبايعْك فبايعوه, وأطفأ الله الفتنة .

 ولمّا استوثق خالد من بيشة ورنية, وكان قد بايع إمامه على نصر الدّين, ذهب للخرمة, ثمّ أناخ ومعه ثلّة من بني عمومته وبعض القريشات على أمير بني ثور مفرّح بن شارع, وكان قد تديّن ولبس المعمّ(18) فبايعه مفرح(19) على النّصرة, وأخبر خالدٌ الإخوان الّذين بايعوه أنّه قد عاهد – أي بايع - عبد العزيز على الكتاب والسّنة, وقال: والله إنّ الّذين وضعت يدي في أيديهم قد بلغوا أربعين من  الأمراء, وقد تركت ابن عمي وهو يصبّ عليّ الجنيهات الصفر, لكنّني حاربته لله تعالى (20) . ولم يبدأ "الفَرْقُ" إلّا بعد قدوم خالد, حيث بدأ تمايز الفسطاطين فسطاط الهدى وفسطاط الضّلالة .

تهون علينا في المعالي نفوسنا   **  ومن طلب الحسناء لم يغلها المهر

وقال خالد للإخوان في الخرمة, وقد كان التّديّن قد ظهر فيهم من عام: (1332) تقريباً وهو العام الّذي تولّى فيه أمارة الخرمة بعد وفاة ابن عمه غالب بن ناصر, قال خالد: يا إخواني والله إنّي لا أريد أن ينقص من الخرمة أحد مهما كان, إلّا أربعة سآخذ منهم الشّرع وحُكْمُ الشيخ  فَلْتَكُونوا على بيّنة وهم فلان وفلان ...وذكرهم لهم .

ولمّا جاء خالد للخرمة كان الإخوان فيها قلّة, وفي غربة بين الأغلبيّة السّاحقةِ الّتي بقيت على ولائها لشريف مكة, خوفاً من قطع نخيلها, وضنّاً بالدّنيا عن الدّين, وبالفاني عن الباقي, وشيئاً فشيئاً دبّت في كثير منهم دماء الفطرة السّليمة, ونمت فروع الشّجرة الإيمانية, وبدت ثمار الدّعوة المباركة ظاهرة على وجوه تزداد كلّ يوم, ولا تغيب الشّمس إلّا وهم يستبشرون بمولود للدّعوة جديد, ومع استمرار مشايخ ودعاة الإخوان في الدّعوة إلى التّوحيد الخالص والتعلّق بالله والدّار الآخرة , بدأ حزب الموحّدين يزداد ويقوى, وبدت أمارات ما كانوا يسمّونه بالفَرْق, وهو إعلان البراءة من أهل الباطل والمنكرات ومن المشركين _في نظرهم_ ومن يواليهم, وبدأ كلّ حزب ينحاز لبعضه البعض, وقلّت شيئاً فشيئاً الفئةُ المحايدةُ, واقتربت ساعة الحسم, وشريفُ مكة يراقب الوضع بقلق وترقّب, مع كثير من الغرور والاحتقار لأهل التّوحيد, وأرسل السّلاح وجنيهات الذّهب لحزبه, واستطاع حزب الشريف إخراج خالد من حكم السّوق وحاولوا قتله . وفي تقرير الجنرال "وينغيت" المندوب السّامي في القاهرة إلى وزير خارجية بريطانيا: ( وأَوْضَحَ الملك حسين أن شيخ الخرمة وهو أحد الأشراف, وهو خالد بن لؤيّ, قد تحوّل وهابيّاً! وشجب حكم الملك حسين, وبذلك أحدث انشقاقاً بين السّكان, وعلى إثر ذلك زار مكّة وَفْدٌ من الحزب الشريفيّ المحلي طالباً العون والحماية, فأوعز إليهم الملك أن يفصلوا أنفسهم مع عوائلهم وجماعتهم عن  متمردي الخرمة, وكذلك أرسل قوة صغيرة لضبط الأمن في المنطقة وتوفير سلامة الموالين, وكان الموالون خلال ذلك وقبل وصول قوّات الشريف قد طردوا شيخ الخرمة _ أي خالد بن لؤي _ وأطلقوا سراح اثنين من رسل الملك كان قد سجنهم, وعزا الملك الحادثة كلّها إلى النّفوذ الوهّابي الخبيث!) كذا(21)

علماً أنّ الفتيل الّذي أشعل الحرب بين الإمام عبد العزيز والملك حسين هي الخرمة _كما أسلفنا_ فقد كان الشّريف يعتبرها امتداداً طبيعيّاً لسلطته الإقليميّة , وأنّه هو من يعيّن أمراءَها وآخرهم خالد بن لؤيّ , وقضاتهَا وآخرهم إبراهيم بن ناصر بن حسين, كما أنّها البوّابة الشّرقية للحجاز على نجد . لكن الإمام عبدالعزيز يقول بخلاف ذلك, وهو أنّ الخرمة تعتبر أرضاً نجديّة لأنّها شرقي حضن, ومن أحضن فقد أنجد - كما قيل - كذلك فهي مُعفاةٌ من الضّرائب من عهد الدّولة السّعوديّة الأولى إلى تاريخه, لمّا دخل أهلها في ولاء الدّولة السّعوديّة, أمّا القضاة فكما أنّ الشّريف حسين قد أرسل قضاة للخرمة فكذلك الملك عبدالعزيز, بل إنّ القاضي المباشر في الخرمة في ذلك الوقت هو بعينه القاضي الّذي كان قد عيّنَهُ الإمام فيصل بن تركي من عهد الدّولة السّعودية الثّانية منذ خمسين عاماً خلفاً لوالده . قلت: وهذه السّلطة السّعوديّة هي ما ذكرها "فِلْبِي" مبعوث الانجليز للإمام عبد العزيز, لمّا زار الخرمة عام: (1917م) وهو في طريقه للطائف, فقال من ضمن كلام له: ( أهل الخرمة يتمتّعون باستقلال ذاتي عملي, تحت سيادة نجد الغامضة ! ) .

وعلى كلٍّ فلكلّ طَرَفٍ حيثيات وأدلة, وطلب الإمام من بريطانيا التحكيم في الحدود مع رضاه مسبقاً بالحكم أيّاً كان, لكن الحسين رفض ذلك لأنه لم يكن يرى أنّ هذا منطقيّ أصلاً مع سلطة مكّة القديمة على الوديان ومنها الخرمة, وجرت المقادير بتدبير العليّ القدير .

فكل شيء قضــاه الله في أزلٍ   **   طُرّاً وفي لوحه المحفوظ قد سُطرا

ودخل أهل الخرمة في الحركة الإخوانيّة السّلفيّة الجهاديّة(22) .

  وهدّ الإخوان بمعية الجيش النظامي للإمام عروش الرشيد والإدريسي وحميد الدين والشريف حسين من الشمال إلى الجنوب. وانضم إلى أهل الخرمة إخوانهم وأنصارهم, فهبّت عاصفتهُم على عرش الشريف, مبتدئين بتربة, ثمّ الطّائف, حتّى ختموها  بدخول مكة المكرمة والمدينة النبوية على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام, وجدّة وإعلان نهاية حكم الأشراف الذي دام قروناً, فسقط وباد لحربه التّوحيد وأهله, وهذه سنّة الله الماضية في الأمم. ثم فتحهم الجنوب. (كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي إنّ الله قويّ عزيز ) ( ولينصرنّ الله من ينصره ) (الذين إن مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) وسنن الله تعالى لا تحابي أحداً فإن ترك آل سعود أو غيرهم ممن مكن الله لهم رقاب عباده وموارد بلاده دعامة دولتهم ومبرّر حكمهم وهو إقامة الدين والشريعة فسيحل بهم ما حل بغيرهم والله المستعان, حفظ الله دينهم ودنياهم ووفقهم وألهمهم رشدهم وولاة أمر المسلمين .....آمين . 

وبدأت المناوشات والمضايقات ضدّ الإخوان الّذين ارتضوا خالداً أميراً لهم. ولمّا سمع بنو عمر _وكانوا في الحرّة؛ حرّة بني هلال_ بقدوم خالد, انتدب منهم مجموعة, فيهم كبيرهم جبر بن عبيدان العمري السبيعي, لمقابلة خالد ومعرفة أمره, فدعاهم للدخول مع الإخوان فبايعوه .

ثمّ سرت شائعة مفادها: أنّ حزب الشريف يريدون اغتيال خالد وقتله.

وكان أهل السوق يرقصون رقصة الحرب ويهزجون وينشدون بهتافهم:

خمسة رياجيل كلّ واحد من دحل   **   وحنّا عيال العـود من فصايله

تكفون يا لجذعان شحّـموا الفحل  **   حتّى الدّقل يصبح كثير عايله

وقصدهم بالفحل خالد, أي أنّهم عزموا على قتله . والرجال المقصودون  هم: مفرح بن شارع, ومنير الحضبي, وعبد الله بن فيصل, وأبوه, وخامسهم خالد.

وفي ذلك الوقت كان خالد نازلاً في حوقان (23) قبل بناء هجرته المعروفة باسمه إلى اليوم (24) وكان مفرح ومن معه في أسفل الخرمة في السلميّة(25) وكان السّوق(26) بينهم, وسكان السّوق هم الأكثريّة وهم حزب الشريف الّذين حربوا الإخوان وضايقوهم أشدّ المضايقة, فكره خالد النزال قبل وقته ولمّا يشتد بعد عود الإخوان, فتريّث واستنصر, وقديماً قيل: يركب الصعب من لا ذلول له, فأراد خالد الانسحاب لبعض الوقت ريثما تحين الفرصة, ويأتي الله تعالى بالفتح أو أمر من عنده.

   وقبل إنشاء السّلميّة,لم تكن الخرمة إلّا السّوق وحوقان فقط . وفي المساء سرى خالد ومعه ستّة رجال منهم حمود بن هاضل, فنزلوا على ماجد بن جروة الصميلي السبيعي وهو أمير الصّملة في ذلك الوقت, وكان مخيّماً على "خبراء الرويبي" (27) ثمّ إنّ خالداً ذهب إلى بيشة ليستنصر أهلها, وترك حامية صغيرة مكونة من ثلاثين قنّاصاً . 

     وفي أثناء سفر خالد لبيشة اشتدّ الخناق على تلك الحامية, وهم سبعة من الحُرّث الشّلاوا, على رأس حماد بن قريشان أو قليشان - من ذوي حطاب - وكانوا من المهاجرين القدامى, ومن الحلاحلة العتبان مثلهم, وبعض القريشات النّواصر كفيصل بن عبدالله وأبيه, ومن الأشراف الشياهين كعبد المحسن وغالب وعمّاش وعباس .

 واشتدّ الجوع بهم, فقد كان أهل السّوق يطلقون النّار على كلّ من رأوه من تلك النّاحية حتّى لو كانت بهيمة! وفي يوم من الأيّام مع اشتداد الجوع قال فيصل بن عبدالله: اذهب يا غالب أنت وأخوك عمّاش  لصيّادة (28) كي تصطادا ما تيسر من أرنب أو هاملٍ ونحو ذلك ممّا تجدان .  ولما خرجا وابتعدا عن قصر حوقان إذ هما براحلتين قد أُنيختا ونزل منهما اثنان من قوم الشريف, قد أتيا للتّوِّ من الشريف, ومعهما امرأة, وكان أحدهما قنّاصاً لا تُخطئ له رمية, وكان مُتَرَقِّبَاً متوجِّسَاً لدمٍ كان عليه, وكانت أمّ رُكْبَة لا تفارقه - وهي بندقية قصيرة – فإذا مشى جعلها على كتفه, فراقباه ثمّ قصداه وهما على فرسيهما وصاحا: (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين) ورمياه بسرعة خاطفة, فسقط صريعاً لليدين وللفمِ , ثمّ عدلا إلى صاحبه فقتلاه, فصاحت المرأة وقد عرفت غالباً: يا غالب أنا دخيلتك من الرّجال لا يفعلون بي الفاحشة! فقال: لا تخافي هؤلاء خيّالة التّوحيد وليسوا بأهل فواحش . فمن هنا أثبت الإخوان وجودهم, وصار لهم صيت بقتل الرجلين وغنيمتهما, وأنه لا أحد بمنأى عن نيرانهم وسيوفهم .

لاَ يَسْلَمُ الشّرَفُ الرَّفِيعُ مِنَ الأَذَى    **  حَتَّى يُرَاقَ عَلَى جَــوَانِبِهِ الدّمُ

 ثمّ استاقا الرّكائب والمرأة إلى قصر حوقان, فنحروا البعير, وحبسوا المرأة في غَمْيَةٍ في القصر, ووكّلوا بها سليم بن مفرج (29) بعدما أخذوا منها الأخبار . وقالت لهم: إنّ فلاناً _من كبار حزب الشريف_ الآن في مكة عند الشريف, وقد جهّزه الشريف بتجريدة مكونة من ثلاثة آلاف مطارد ومدفع ليضربكم به, وقد أرسل أربعين ذلولاً محمّلةٍ بالطّعام والسّلاح والرّصاص عليها فلان _من حاضرة القصيم_ وستصبّحكم غداً مع الشّعبة (30) وفعلاً وصلت قافلة الشريف الّتي ترصّد لها الإخوان أهل القصر, فتلقّفوها وقتلوا من فيها وغنموها, وكان أوّل قتيل من القافلة هو قائدها, قتله محسن بن خالد حيث طرده بفرسه فلاذ بشجرة وهو فوق ذلوله, وأخذا يدوران حولها حتّى وضع الرصاصة في رأسه, ولم يسلم منهم إلّا شخصٌ وجدوه بعد الرّمي ناقعاً في دمه, فوقف عليه ناصر الحارث وأراد الإجهاز عليه, فقالوا: إنّه ميّت والرّصاصة خسارة فيه, فأخذ خاتمه وتركه, والطّريف أنّ ذلك الرجل شُفيَ بعد ذلك وتديّن وصلح حاله, ومرّت الأيام حتّى طالب ناصرَ الحارث في أرض تنازعا عليها, فقال ناصر مازحاً: يا ليتني قتلتك ذلك النّهار, ولم أتركك تطالبني عند الشيخ!.

فأشبعهم الله بعد الجوع وأمدهم بالسّلاح بعد فاقتهم وقلته في أيديهم, حيث لم يكن مع الواحد منهم قبلها سوى المشط أو المشطين من الرّصاص (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ) وكما قيل: خرجوا أعرى من الحيّة وعادوا أكسى من الكعبة.


(للحديث تتمة)

   

إبراهيم الدميجي

22/ 3/ 1433

@aldumaiji


مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى: azizkasem2...@googlegroups.com - أرشيف الرسائل





 


Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages