المصدر: مجلة "إيكونوميست" البريطانية / عدد نوفمبر 2014
بعد عقود من الحماس التبشيري، أصبحت إيران بلادا أكثر نضجا وحداثة، كما يقول أوليفر أغسطس.
من
جبال القوقاز إلى مياه المحيط الهندي، يراقب الإيرانيون باهتمام حكومتهم
وهي تساوم القوى الأجنبية حول العقوبات التجارية المفروضة لكبح برنامجها
النووي. مشيرا إلى زاوية من مكتبه، قال لي صاحب مصنع تعليب: "أ ترى جهاز
التلفزيون هذا؟ أشاهده ساعة بساعة، على أمل ورود أنباء عن رفع العقوبات".
تقول
إيران إن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية فقط. في حين يخشى الغرب،
وهذا ليس مستبعدا، أن تصنع إيران قنبلة. وأملا في منع حصول سباق تسلح نووي
في الشرق الأوسط، أعاقت أمريكا وحلفاؤها مشاركة إيران في التجارة الدولية.
وبهذا، تضاءلت صادرات البلاد من النفط إلى نصف مستواه السابق.
من
جانبها، كسرت الحكومة الإيرانية، علنا، عادة ارتبطت بعمر الثورة وأجرت
مناقشات مفصلة مع دول تعتبرها معادية، بما في ذلك أمريكا. كما سوف يشرح هذا
التقرير الخاص، فإن دوافع هذه المحادثات داخلية بقدر ما هي خارجية. ذلك أن
جميع الأطراف حريصة على إيجاد حل لهذه المواجهة التي طال أمدها. تم تحديد
الموعد النهائي للمفاوضات يوم 24 نوفمبر. وإن اتفاقا لتكبيل البرنامج
النووي سوف يكون له عواقب جغرافية سياسية واسعة النطاق، ويمكن أن يدفع
إيران نحو مزيد من الحداثة.
في
الوقت الراهن، تبدو إيران مكروهة وغير موثوق بها في معظم أنحاء العالم
الديمقراطي. ارتُكبت أشياء فظيعة باسم ثورتها. ونفى بعض قادتها حادثة
المحرقة. اعتقلوا وعذبوا المواطنين الذين تجرأوا على تحديهم علنا. البلاد
يمكنها حقا الاستعداد لصنع قنبلة. ولكن في الوقت الذي عُزلت فيه إيران عن
العالم الخارجي، فقد فشلت في ملاحظة كيف تغير الإيرانيون كثيرا.
ما
عادت إيران ذلك البلد الذي يغلي بالحقد وعازم على التدمير. بدلا من ذلك،
غرقت الثورة في خيبة أمل وانحرافات منتصف العمر. وهذا ليس دائما مكانا
لطيفا، ربما، كما إنه ليس شيطانيا أيضا.
لا
شك في أنه من الصعب سبر أغوار إيران. يشعر الزوار في كثير من الأحيان
بأنهم غير مرحب بهم. ولا يزال الصحفيون الذين تمكنوا من الحصول على تأشيرة
ثمينة لزيارة إيران يغادرونها والشكوك تساورهم، مع أن قلة من الإيرانيين لا
يترددون في التعبير عن أفكارهم.
لسنوات،
رفضت الحكومة الإيرانية حتى تبادل المعلومات مع البنك الدولي. وشير جون
ليمبرت، أحد الدبلوماسيين الأمريكيين الرهائن المحتجزين في طهران خلال
العام 1979 الذي خدم بلاده حتى عام 2010، إلى أن "لا أحد تقريبا في واشنطن
زار إيران منذ عقود".
ومع
ذلك، فإن البلد قد تغير بشكل لا لبس فيه. ربما لا تزال الشكوك تساور
النظام تجاه الغرب، وأزيز الطائرات من دون طيار يزرع الثورات في البلدان
المضطهدة، ولكن قد ولَى الحماس الثوري والانسياق الباهت. إيران يئست من
المتاجرة مع من سيشتري نفطها. فالعولمة انتصرت على التزمت حتى في مثل هذه
القضايا.
الثورة
باعتبارها القدوة السياسية لديها صلاحية محدودة. آدم ميشنيك، وهو المؤرخ
الذي ساعد على الإطاحة بالسوفيت في بولندا، قال ذات مرة: "الثورات لها
مرحلتان: أولا، يأتي النضال من أجل الحرية، ثم الصراع على السلطة. في
الأولى، تسمو الروح البشرية ويبرز أفضل ما في الناس. وفي الطور الثاني فإنه
يخرج الأسوأ: الحسد، التآمر، الجشع، الارتياب والرغبة في الانتقام"،
وإيران أخذت بهذا النمط. في الأول، عمَت احتجاجات الشوارع الشجاعة أثناء
ثورة 1979، ثم بدأ الاقتتال الداخلي وأعدم الآلاف وصودرت الممتلكات.
*النضال من أجل الاعتراف:
يمكن
القول، هناك مرحلة ثالثة للثورة: النضال من أجل القبول. ما إن تُؤمن
السلطة، فإنه غالبا ما يسعى الثوار للاعتراف بهم من قبل الأطراف الخارجية
القوية. في عالم معولم، هذا يعني التعامل مع الدول التجارية الكبرى.
وقد
اتبع أبناء الثوار الإيرانيين، منذ فترة، هذا المسلك. شرف لهم ومفخرة تلقي
التعليم الغربي والوصول إلى الأسواق الاستهلاكية الآسيوية. وحتى المتشددين
حتى يسمحون لأطفالهم السفر إلى جميع أنحاء العالم.
ذرية آية الله روح الله الخميني، الذي قاد الثورة، أقبلوا على شبكة إينستاجرام )هو تطبيق مجاني لتبادل الصور وشبكة اجتماعية أيضا( وتبنوا العادات الغربية. وقد انتقد 7 من 15 حفيدا للخميني النظام علنا.
وأصبح
العديد من الطلاب الذين احتجزوا الدبلوماسيين الأميركيين كرهائن قبل 35
عاما إصلاحيين ويرغبون في إقامة علاقات أوثق مع الغرب. إبراهيم أصغر زاده،
الذي كان أحد المتحدثين باسم خاطفي الدبلوماسيين، ثم خدم في مجلس مدينة
طهران، يقول الآن: "ما عدت أقوم بأي أعمال راديكالية، وأعتقد أن الإصلاحات
التدريجية تستمر لفترة أطول من التغيير الجذري".
الإصلاحيين
تعبوا بعد محاولتهم الفاشلة في عام 2009 لإلغاء الحكومة التي تعتبر غير
شرعية بسبب تزوير الانتخابات. وهدأت الاحتجاجات، مذكرة بالسنوات التعيسة
التي أعقبت الثورة.
منذ
ذلك الحين، تنكر الإصلاحيون للعنف السياسي في البلدان المجاورة.
المحافظون، من جانبهم، رأوا في الثورة تهديدا لمصالحهم في الخارج. الأنظمة
التي رعوها في العراق وسوريا تقاتل التمرد لا تختلف عن إيران من الداخل عام
1979. "الجميع خائفون من تداعيات الربيع العربي"، كما قال دبلوماسي غربي
في طهران. وأضاف: "إيران هي الآن حصن للاستقرار. وقد سُويت مسألة صلاحية
النظام".
ويرى الكثيرون في البرنامج النووي باعتباره رمزا للقوة الوطنية في زمن التغيرات الاجتماعية المعقدة والمربكة.
لكن،
رغم تضاؤل الحماس الثوري، فإن الثورة الإيرانية عام 1979 لا تزال هي نفسها
مصدرا لشرعية النظام. كثير من الإيرانيين، أو على الأقل الفرس منهم، لا
يزالون يربطون التحرر الوطني بالاضطهاد الأجنبي.
لأنهم
ليسوا عربا ولا أتراك ولا من جنوب آسيا، فإنهم يشعرون بأنهم بلا صديق بين
جيرانهم. وهذا أمر مهم لفهم السياسة الخارجية الإيرانية، ويساعد على تفسير
لماذا يحظى البرنامج النووي بدعم شعبي واسع النطاق رغم ألم العقوبات، حيث
يعتبر الكثيرون أنه رمز للقوة الوطنية في زمن التغيرات الاجتماعية المربكة
والمعقدة. وسوف يتناول هذا التقرير الخاص تأثير تلك التغييرات في السياسة
الإيرانية، اقتصادها وموقعها في العالم.
وقد
أدان المتشددون منذ فترة طويلة كتاب "الأوروبة" (عنوان كتاب لمؤلفه الأديب
جلال الأحمد نُشر في 1962)، ولكنهم محاطون الآن في حياتهم اليومية بالسلع
الاستهلاكية الغربية وألعاب الكمبيوتر، مثل الجمال وأدوار الجنسين والكثير
من التأثيرات الأخرى. لم تختف الثقافة الإيرانية، ولكن المجتمع التقليدي
الذي تخيله آباء الثورة انحسر أكثر من أي وقت مضى.
ويكمن
التحول الأكثر وضوحا في البنية التحتية العامة. طهران، العاصمة، هي مجموعة
متشابكة من الأنفاق الجديدة والجسور والطرق وممرات المشاة المرتفعة.
وترتفع الأبراج اللامعة بأعداد كبيرة، على الرغم من العقوبات. وتعرض شاشات
في محطات الحافلات المواعيد بدقة. يقول جاك سترو وزير الخارجية البريطاني
السابق وزائر منتظم لإيران، إن "تبدو طهران في هذه الأيام أشبه بمدريد
وأثينا من مومباي أو القاهرة".
وحتى
المدن الإيرانية الصغرى تغيرت ربما أكثر من ذلك، حيث تعمل تبريز وشيراز
وأصفهان على مدَ خطوط السكك الحديدية تحت الأرض. نصف الحمامات التقليدية في
قزوين، وهي مدينة صناعية غرب طهران، قد أُغلقت في السنوات الأخيرة. في
الطابق السفلي بسقف مقبب بُني قبل 350 عاما، يتحسر مدير حمام بائس على
خسارة منافس يبلغ من العمر 700 عاما: "الناس لديهم الآن حمامات الماء
الساخن".
وفي Yalayesh،
قرية معزولة بالقرب من بحر قزوين، يبقى الترفيه من الطراز القديم: رجل
كردي قوي، إسماعيل البطل، يظهر قبالة أسد في قفص على ظهر شاحنته الزرقاء.
منذ عامين انتهت الحكومة من إيصال الغاز الطبيعي إلى كل بيت، مما يجعل فصل
الشتاء بدرجة حرارة -20ºC "محتملا لأول مرة"، يقول أحد المشاهدين.
خلال
فترة رئاسة استمرت ثماني سنوات لمحمود أحمدي نجاد، والي انتهت في عام
2013، انتشر الرخاء بسرعة. القروض، الهبات وبرامج السكن الاجتماعي، مع
الفساد وعدم كفاءة التسيير، أمطر مليارات الدولارات النفطية على الفقراء.
توفرت
العديد من وظائف الياقات البيضاء في الأجهزة الحكومية، تضخمت الطبقة
الوسطى وتدفق القرويون إلى طهران لشراء العقارات، حيث ارتفع الناتج المحلي
الإجمالي للفرد الواحد من 4400 دولار في عام 1993 إلى 13200 دولار في العام
الماضي. فرغم العقوبات، لا تبدو إيران محاصرة وكأنها كوبا. فالناس يقودون
سيارات جديدة مصنوعة محليا وليس سيارات من طراز "شوفروليه" خمسينيات القرن
الماضي. صحيح أن الحياة أصبحت أصعب عندما تم تشديد العقوبات في عام 2011،
ولكن حتى الآن يعيش الإيرانيون أفضل بكثير من معظم جيرانهم.
وقد
أثار الازدهار هاجس التكنولوجيا، بحيث لا يمكن للقيود المفروضة على
استخدام الإنترنت أن تضعفه. الفيسبوك هو أهم وسيلة لنصف الشباب في البلاد،
ويستخدم تويتر من قبل المسؤولين لنشر البيانات، رغم أنهما محظوران.
ذلك
أن منظمة "فريدوم هاوس"، وهي جماعة ضغط أمريكية لحقوق الإنسان، تصنف إيران
في المرتبة الأخيرة في العالم من حيث حرية الانترنت، ولكن في الواقع
الوصول إليه رخيص وسريع. (والمفارقة أنه أسرع بكثير قرب المعاهد الدينية،
لأن رجال الدين يستعملون الانترنت لنشر الدين والوعظ ولهم الأولوية في
كابلات الألياف البصرية).
ورغم
أن الدولة تتحكم في وسائل الإعلام، فإن الأخبار غير الخاضعة للرقابة متاحة
بسهولة. المواقع الأجنبية مثل مكتب طهران، ومقرها في لندن، تملأ الفراغ.
ويصل إليها الإيرانيون باستخدام الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN).
والجميع
تقريبا لديه خط اتصال. وقد أومأ مجموعة من المزارعين وهو جلوس تحت شجرة في
جبال ألبرز، بحذر، عندما سئلوا عن استعمال الإنترنت. وشرح لي لاحقا واحد
منهم أن معظم المجموعة يفضلون تحميل "أفلام إباحية"، لهذا كان جوابهم على
سؤالي خجولا...
"وتحاول
الحكومة وضع ضوابط، ولكن الناس على دراية جيدة بكيفية التهرب منها"، كما
يقول أحد المدونين الإيرانيين الأوائل. وهناك الكثير من الجهد قد بُذل في
محاولة لمحاكاة إستراتيجية الصين لإنشاء المواقع المحلية التي يمكن السيطرة
عليها، مثل محرك البحث: salam.ir...
العطش
لحرية المعلومات نابع من ارتفاع مستويات التعليم، والتي هي الآن مماثلة
لتلك الموجودة في الدول الغربية. في عام 2009، ذهب 34٪ من الإيرانيين في
الفئة العمرية المعنية إلى الجامعة. بعد ثلاث سنوات ارتفعت النسبة إلى 55٪،
وقيل إن زادت أكثر من ذلك الآن، ومعظمها بفضل التوسع الضخم لجامعة آزاد،
والتي لديها الآن أكثر من 100 فرع تابع لها ويبلغ عدد طلابها مليون ونصف.
لدى
الحكومة الإيرانية من حملة الدكتوراه من الجامعات الأمريكية أكثر من
أمريكا نفسها. الرئيس حسن روحاني حصل على شهادة الدكتوراه من اسكتلندا.
ووفقا لـSCImago،
وهي شركة إسبانية تراقب المجلات الأكاديمية، زاد الإنتاج العلمي في إيران
بنسبة 575٪ خلال العقد الماضي. وينشر هذا البلد ما يعادل ثلاث مرات الكتب
التي تنشرها الدول العربية مجتمعة.
وقد
عمل نظام التعليم الذي توسع بشكل كبير وبذل جهودا خاصة للوصول إلى الأسر
الفقيرة والريفية، على أداء دور الباعث والمحفز على التفكير المستقل. وفُتح
عالم الفن. سيناريوهات الفيلم لا تزال تتطلب موافقة، غير أن المواضيع
الدينية قد تلاشت. وما عادت الثقافة مجرد أداة دعاية.
أحد آثار هذه التغيرات الاجتماعية هو التحول الديموغرافي، إذ إن إيران تتحول بسرعة إلى بلد متوسط العمر.
فبعد
الثورة ارتفع معدل المواليد، ولكن ما إن أصبح الإيرانيون أكثر ازدهارا
وتعليما انخفضت المعدلات في نهاية المطاف إلى دون مستويات ما قبل الثورة.
تضاعف حجم السكان منذ ثمانينيات القرن الماضي، ولكن انخفض عدد المواليد إلى
النصف.
كما
إن إيران ليست مهتمة كثيرا بالدين. غالبية الإيرانيين هم من المسلمين
الشيعة. وعموما، تركيزهم على العبادات العامة أقل من السنة، ولكن ذلك وحده
لا يمكن أن يفسر العديد من المساجد الفارغة.
صلاة
الجمعة في جامعة طهران، المكان الذي تُلقى فيه المواعظ السياسية من قبل
رجال الدين والقادة، تتميز بحضور جيد، ولكن في المحافظات الأمر مختلف. قلة
من المصلين يرتادون المسجد الرئيس في زنجان قرب الحدود مع اذربيجان.
وكان
كل هذه التغيرات الاجتماعية لها تأثير واضح في السياسة الإيرانية. ففي
الانتخابات الرئاسية العام الماضي تركز معظم النقاش حول أفضل المسيرين من
بين المرشحين، حتى وسط المحافظين. قليلون، فقط، ركزوا على الدين، الذي كان
ينظر إليه على أنه تصويت خاسر.
يقول
ناصر هديان، وهو باحث ومستشار حكومي، إن "الأيديولوجية فقدت قوتها
وتأثيرها في السياسة الداخلية"...وما عادت تحظى مثالية الزمن الماضي في
محبة الموت إلا باهتمام القلة.
وقد
انتهج الفائز في انتخابات العام الماضي، السيد روحاني، مسلكا معتدلا.
وتتشكل حكومته من التكنوقراط الواقعيين بدلا من القوميين المتعصبين. وقد
منح الشعب الإيراني مزيدا من الحرية، رغم أن العديد من القيود لا تزال
قائمة. وكما أفاد صحفي محلي بالقول: "يمكننا الآن طباعة الأشياء التي كانت
محظورة في العام الماضي، ولكن بالطبع ليس كل شيء"، تراجع الحجاب، ولكن
النساء اللواتي تخلصن منه تماما قد يتعرضن للاحتجاز من قبل "شرطة الأخلاق".
يبدو
أن السيد روحاني يدرك أن حروب الماضي قد ألحقت الضرر بإيران. في مقال نشر
في صحيفة واشنطن بوست في العام الماضي كتب يقول: "يجب أن نعمل معا لإنهاء
المنافسات غير الصحية والتدخلات التي تغذي العنف وتُباعد بيننا"، لكن هل
كان يعني ما يقول، وإذا كان الأمر كذلك، فهل ستدعمه بقية المؤسسة؟ ...يتيع
.......................................
الغارديان
لماذا يستقطب تنظيم الدولة أعدادا متزايدة من المقاتلين؟
أفاد
تقرير للأمم المتحدة، نشرته صحيفة الغارديان البريطانية يوم الجمعة 31
أكتوبر، أن الجهاديين الأجانب يتدفقون على العراق وسوريا بأعداد غير
مسبوقة.
وجاء في التقرير، الذي أعدته لجنة مراقبة نشاط القاعدة في
مجلس الامن الدولي، أن نحو 15.000 أجنبي من 80 بلدا دخلوا العراق وسوريا
خلال السنوات الماضية للقتال في صفوف تنظيمات متطرفة مثل "الدولة
الاسلامية". وأضاف أنه عدد الجهاديين الاجانب في سوريا والعراق منذ عام
2010 تضاعف عدة مرات عما كان عليه ما بين عامي 1990 و2010.وأوضح
التقرير أن أحد الاسباب الرئيسية وراء هذا الارتفاع هو التراجع الكبير في
نفوذ تنظيم القاعدة الذي ألهب "حماس الجهاديين" للانضمام الى الدولة
الاسلامية التي استقطبت مقاتلين من شتى دول العالم بدءً بتلك العربية
والاسلامية المجاورة للعراق وسوريا، ومرورا بدول اوروبية مثل فرنسا وروسيا
وبريطانيا والنرويج، وانتهاءً بأخرى في أجزاء نائية من العالم مثل الشيلي
وجزر المالديف. وبين هذه دول لم يسبق لها أن عانت من مشاكل أمنية لها علاقة
بنشاط تنظيم القاعدة.ويتعزز هذا الاستنتاج بما أوردته صحيفة واشنطن
بوست الامريكية نقلا عن مسؤولين في أجهزة المخابرات ومكافحة الارهاب
الامريكية قولهم، إن ما لا يقل عن 1000 مقاتل من مختلف دول العالم يتدفقون
شهريا على سوريا للقتال الى جانب تنظيم الدولة الاسلامية بالرغم من الضربات
الجوية للطائرات الحربية الامريكية على مواقع تمركز التنظيم.وأكدت
اللجنة التابعة لمجلس الامن الدولي في تقريرها على فعالية وسائل التجنيد
التي يوظفها تنظيم “الدولة الاسلامية”. فقد أصبح يملك حضورا قويا على شبكات
التواصل الاجتماعي حولها الى منبر لتجنيد مقاتلين أجانب دعما له.كما
يدير التنظيم أيضا حملة دعائية متطورة على الشبكة العنكبوتية بحيث ينشر
بانتظام العشرات من مقاطع الفيديو ومجلة إلكترونية باللغتين العربية
والانجليزية خاصة به بدا بتوزيع نسخ ورقية منها داخل العراق.وقد حضت
واشنطن، دول التحالف خلال اجتماع في الكويت على شن حرب إلكترونية على
المواقع الالكترونية للدولة الاسلامية لتقويض الحملة الدعائية التي يشنها
التنظيم الذي يتوفر على ذراع إعلامية قوية.وبفضل عمليات النفط
المهرب والتي تقدر عائداتها بحوالي مليون دولار يوميا يسيطر التنظيم على
مساحات واسعة من العراق وسوريا يقطنها ما بين خمسة وستة ملايين شخص، وهو
رقم بحجم سكان فنلندا. ويتعزز الرصيد المالي في خزينة التنظيم أيضا بحوالي
45 مليون دولار أمريكي جناها من الفديات التي تلقاها مقابل الإفراج عن بعض
الرهائن لديه.وانتهى التقرير الى التحذير من أن هؤلاء المقاتلين
يشكلون خطرا لدى عودتهم الى بلدانهم الاصلية، وهو تهديد دفع العديد من
البلدان مثل بريطانيا وفرنسا الى اتخاذ تدابير للكشف عنهم ومنعهم من التوجه
الى سوريا والعراق أو القيض عليهم لدى عودتهم منها.بي بي سي
------------------------------------------------
لوموند ديبلوماتيك: عودة الشيعة إلى المشهد اليمني
الإثنين 3 نوفمبر 2014 -
لوموند ديبلوماتيك
لمحة تاريخية: اليمن من الوحدة إلى انتصار الحوثيين
- مايو 1990:
الوحدة بين جمهورية اليمن العربية (اليمن الشمالي)، وجمهورية اليمن
الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي)، بإدارة علي عبد الله صالح، رئيس
اليمن الشمالي منذ 1978.
- 1994: إحباط الجيش لمحاولة انفصال الجنوب.
- 2002: بداية الحملة الأمريكية لاغتيال أعضاء القاعدة في اليمن. وبداية من 2012، حضور القوّات الخاصة الأمريكية على الأرض.
- يناير 2009: انصهار فرعي القاعدة السعودي واليمني، تحت اسم “القاعدة في شبه الجزيرة العربية”.
- يناير 2011: بداية الاحتجاجات ضدّ الرئيس صالح، ومواجهات، بعضها مسلّحة، استمرّت لأكثر من عام.
- مارس 2011: سيطرة الحوثيين على صعدة.
- أكتوبر 2011: حصول المناضلة توكل كرمان، على نوبل للسلام.
- 27 فبراير 2012: صالح، بعد منحه الحصانة، يسلّم السلطة إلى الرئيس الجديد، عبد ربّه منصور هادي.
- أبريل 2012: مواجهات عنيفة بين الجيش والقاعدة، في شبه الجزيرة العربية، في محافظة أبين.
- مارس 2013: بداية مؤتمر للحوار الوطني، انتهى في يناير 2014، ونصّ على ضرورة كتابة دستور جديد للبلاد.
- 21 سبتمبر 2014: الحوثيون يسيطرون على العاصمة صنعاء، وتشكيل حكومة جديدة يوم 13 أكتوبر، بإدارة خالد البحاح، وهادي يبقى الرئيس.
في سنة 2007،
بينما بدأت جولة رابعة من الحرب الدامية في صعدة، حيث يتواجه الرئيس علي
عبد صالح مع عدد من الأقلية الزيدية الشيعية، ما كان لأحد أن يتوقّع أن
زعيم المتمرّدين، عبد الملك الحوثي، سيصبح يومًا الرجل الأقوى في الحقل
السياسي اليمني.
لم يكن آنذاك سوى الزعيم الجديد
للحوثيين، حركة مسلّحة تحمل اسمه وتنشط في المنطقة الشمالية لصعدة. ولد
الحوثي سنة 1982، وخلف أخاه الأكبر الّذي قتل سنة 2004، في إطار المواجهات،
ووالده الذي لم تسمح له صحته بزعامة الحركة.
ودفاع الحوثيين عن هويّتهم
الزيدية، بدت هامشية في بلد لم يعد قائمًا على المواجهة بين الزيدية
الشيعية (نحو ثلث السكان)، والمذهب الشافعي السنيّ، الّذي يمثّل الأغلبية.
إذ في إطار مصالحة تاريخية بين
الطوائف الدينية، قامت الأغلبية النخبوية (من بينهم الرئيس صالح نفسه)،
وشريحة واسعة من الشعب، منهم الزيديون، تركت هذه الطوائف من أجل هوية
إسلامية جامعة.
وانخرط الحوثيون منذ 2004،
وبصورة أصبحت أكثر وضوحًا تدريجيًا في عالم رمزي شيعي. إذ أنهم قريبون من
إيران وحزب الله، ويدعمون نظام بشار الأسد في سوريا، ويهتفون بشعارات
مناهضة لأمريكا وإسرائيل، شبيهة بالهتافات الّتي رفعت في شوارع طهران سنة
1979، ويحييون أعيادًا شيعية، مثل عاشوراء.
وإثر الانتفاضة السلمية سنة
2011، خلّف رحيل علي عبد الله صالح مساحة حرّة للفصيل المعارض الأهمّ: حزب
الإصلاح، وهو تحالف بين الإخوان المسلمين وبعض الوجوه القبلية المحافظة،
والّذي ساهم، من خلال الدعم اللوجستي والبشري، في التعبئة للحركة الثورية
سنة 2011.
إعادة تشكيل المعسكر القبلي
ضمّت حكومة الوحدة الوطنية،
الّتي شكّلت في نوفمبر 2011 في إطار الانتقال السياسي، الّذي لاحق استقالة
صالح، عدّة أعضاء من الإصلاح. ومنحت أجهزة الأمن تدريجيًا إلى عدد متزايد
من المقربين من هذا الحزب. كما بدت قياداته، كأهم حليف للرئيس المكلّف، عبد
ربّه منصور هادي، ليلعبوا دورًا في المرحلة الانتقالية، مستندين إلى
الشرعية الثورية.
ومن هنا، أصبحت مسيرة الإصلاح
نحو الحكم، أكثر من مجرّد احتمال. ولكن، الخسارات المتتالية للإخوان
المسلمين في المنطقة، غيّرت المعادلة، كما اعتبرت سيطرة الحوثيين، خصوم
الإصلاح، على صنعاء، في إطار هذه الخسارات.
ولاستيعابهم لدرس عزل محمد مرسي
من قبل المؤسسة العسكرية يوم 3 يوليو 2013، بعد عام فقط من انتخاب
الإخواني لرئاسة مصر، سعى المسؤولون داخل الإصلاح على ألا يظهرون في الصفّ
الأول، وألا يعطون الانطباع بأنّهم يصادرون العملية الثورية.
ولكن، حلفاءهم القبليين
والعسكريين، الّذين لعبوا دورًا تاريخيّا مهمًّا في تثبيتهم داخل المجتمع،
ساهموا في إسقاطهم. ويجب على الإخوان المسلمين اليمنيين من هنا فصاعدًا،
إعادة النظر في طموحاتهم، وطريقة تنظيمهم.
وللهجوم الحوثي على صنعاء هدف
رئيس: علي محسن، وهو أحد أقارب الرئيس صالح، وكان على رأس أوّل فرقة مدرّعة
قادت الحرب في صعدة ضدّ الحوثيين، وساهم انشقاقه في مارس 2011 في سقوط
الديكتاتور. ويؤكد فراره إلى العربية السعودية، عن رغبته من الانتقام من
الحوثيين. ويشير العديد أيضًا إلى أن الرئيس السابق صالح، قد يدعم بطريقة
خفيّة المتمرّدين الحوثيين، بأن يطلب من العسكريين الّذين يوالونه بأن
يرفضوا القتال، كما أنّه نشر يوم السيطرة الحوثية على صنعاء صورة له، وهو
ضاحك، على صفحته على الفايسبوك.
والأبناء العشرة لعبد الله
الأحمر، مؤسس حزب الإصلاح ووجه قبلي توفّي سنة 2007، كان لهم نصيب من
ضغوطات الحوثيين في العاصمة. إذ خلال حربهم ضدّ التمرّد الحوثي، خسر آل
الأحمر تدريجيًا دعم القبائل في شمال العاصمة، مما يشهد إلى إعادة تشكيل
عميقة للحقل القبلي. كما أغلق الأسياد الجدد لصنعاء سريعًا الجامعة الدينية
“الإيمان”، الّتي يرأسها عبد المجيد الزنداني، شخصية مثيرة للجدل من
الإصلاح ومرافق سابق لأسامة بن لادن.
السيدة توكّل كرمان، المناضلة
اللبرالية من المعسكر الإسلامي، والحائزة على نوبل للسلام سنة 2011، وكذلك
محمد قحطان، الكادر الإصلاحي، الّذي قاد التقارب مع الاشتراكيين وعدّة
أحزاب زيدية من بداية السنوات الـ 2000، رأيا بيوتًا مخرّبة، ممّا أعطى
الهجوم الحوثي نفحة لمعاقبة الإخوان المسلمين، وهو ما يهدّد بتعزيز
التوترات الطائفية بين أنصار الحركة الزيدية الشيعية الجديدة والمسلمين
السنة.
الحوثي والمتحدّث باسمه، ركّزا
على بعد أكبر من ذلك في الهجوم: المحافظة على ثورة 2011. وقد خدم الإعلان
في يوليو 2014، عن رفع الدعم الحكومي على المواد النفطية، بداية مسيرة
الحوثيين إلى صنعاء.
إذ عارض الحوثي وأنصاره، تضاعف
أسعار المحروقات، وانخفاض القدرة الشرائية، مطالبين بإقالة الحكومة
الفاسدة، كما وصفوها. وطالبوا كذلك، بتطبيق توصيات مؤتمر الحوار الوطني
(الّذين لم يدعموهما خلال تبنيّها في يناير 2014)، فيما يخص مكافحة الفساد،
ومشاركة المواطنين في الحياة السياسية، وتقاسم السلطة.
وقد منحت هذه المطالب الحوثي،
قاعدة اجتماعية وسياسية تتخطّى صفوف الزيديين. وهذا ما يفسر جزئيًا ضعف
مقاومة تقدمّهم في صنعاء، حيث باعتبار الهجرة الداخلية، يقيم جزء مهمّ من
غير الزيديين.
ويشهد دعم أنصار الرئيس السابق،
علي عبد الله صالح، لهم، وكذلك سلبية داعمي الرئيس هادي و”المجتمع
الدولي”، على استراتيجية معادية للإخوان المسلمين، مع الرغبة في تفادي
الشرخ الاجتماعي وتصاعد العنف. وفي هذا الصدد، كان تدخّل منظمة الأمم
المتّحدة من خلال مبعوثها الخاصّ، المغربي جمال بن عمر، حاسمًا في التوقيع
على اتّفاق بين الحوثيين والسلطة الحاكمة يوم 21 سبتمبر.
وبعد فشل المرشّح الأوّل، تمّ
بعد عناء تعيين حكومة تكنوقراط، برئاسة خالد البحاح، مع تمثيل للحوثيين،
وكانت بمثابة التسوية؛ وبالتالي، فإن الحوثيين، على الرغم من أنّ
ميليشياتهم المسلحة لا تزال تحتلّ المباني العمومية، لا يمثّلون مجرد حركة
تمرّد نابعة من محيط جغرافي واجتماعي ما؛ بل صارت عمودًا مركزيًّا في
السلطة.
ولتجاوز البعد الطائفي حقيقة،
يجب على الحوثيين أن يقدّموا دلائل على ذلك، إذ أن التوترات مع القوى
السنية، على وجه الخصوص، لا تزال قائمة. فبعد أيام من سيطرتهم على صنعاء،
هدّد مقاتلو القاعدة في شبه الجزيرة العربية التمرّد الحوثي، ثمّ نفذوا
خططها، إذ قام جهادي بتفجير نفسه وسط صنعاء يوم 9 أكتوبر، متسبّبًا في مقتل
53 شخصًا.
في الآن نفسه، نظّم يحيى
الحجوري، المدير السابق لمعهد دماج السلفي، ندوات في عدن وتعز، مناطق سنية
بالكامل، داعيًا إلى التعبئة ضدّ من وصفهم، في احتقار، بالروافض (الشيعة).
تحليل الدوافع السياسية
والاجتماعية والاستراتيجية، لدعم سكّان صنعاء للحوثيين، يسمح بكل تأكيد في
إحداث فارق على القراءة الطائفية للرهانات. وهذا التحليل، سيكون مفيدًا،
ولكن شريطة أن يبطل تمامًا منطق الصراعات الطائفية، والّتي تأكدت من خلال
الموروث المباشر لنظام صالح، الّذي منذ انطلاق الحرب في صعدة سنة 2004 لم
يتوقّف عن إرجاء الحوثيين إلى أصولهم الزيدية وارتباطاتهم، الوهمية بداية،
مع إيران، مع توظيف الإسلاميين السنة في هذا الصراع.
باعتبارها قوّة إقليمية، ساهم
تدخّلها في تحديد تاريخ اليمن، تلعب العربية السعودية دورًا أكثر تعقيدًا
ممّا يظهر للعيان. إذا أن شبكة القراءة السائدة في العالم العربي، ترى في
انتظار الدبلوماسية الخارجية السعودية مقابل الهجوم الحوثي، نتيجة
لمعاداتها للإخوان المسلمين وتقارب استراتيجي محتمل مع إيران؛ إلا أن هذا
التفسير غير كاف: تجريم الإخوان المسلمين، التنظيم الّذي تعتبره السلطات
السعودية إرهابيًّا، يعود إلى سياسة الرياض الداخلية في خصومتها مع قطر،
ودعمها لنظام المشير عبد الفتاح السيسي في مصر؛ إلا أنّ الدبلوماسيين
السعوديين أكّدوا مرارًا أن حركة الإخوان المسلمين في اليمن غير معنية بهذه
السياسة.
ارتباك في الرياض
سكوت الرياض عمّا يحدث في
اليمن، لن يكون مجرّد تلاعب سعودي في إطار تحالف غير طبيعي مع الحوثيين ضدّ
الإخوان المسلمين، ولكن سيكشف عن ضعف هيكلي. إذ أن دبلوماسية المملكة في
اليمن، تتميّز بضعف في خلق الفعل وتشكيل سياسة ووضع أهداف.
ولا يخصّ هذا الضعف السعودية
وحدها؛ إذ أنّ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الّذين دعموا، مثل دول
الخليج، الانتقال السياسي والرئيس هادي تفاجئوا أيضًا من حجم الأزمات في
اليمن. ويعاني كلّ طرف في تحديد سياسة واضحة بين الاستخدام الكثيف للطائرات
بدون طيار ضد القاعدة في شبه الجزيرة العربية، ودعم الدولة المركزية،
والحدّ من الهجرة.
كما أن الأزمة الّتي يمرّ بها
حلفاء العربية السعودية التقليديون، خاصّة آل الأحمر، وكذلك تزايد قوّة
القاعدة في شبه الجزيرة العربية، والحركة الانفصالية في الجنوب، قلّلوا من
تأثير الرياض وعدم قدرتها على تحليل الوضع.
وعلى صعيد آخر فإن تضاعف عدد
اللاعبين في الدبلوماسية السعودية، وزراء وأمراء ورجال دين ومنظّمات شبه
حكومية، متنافسين فيما بينهم يؤثّر على سياساتها. وهذا ما جعل التقارب مع
إيران بعيد المنال؛ إذ أن هؤلاء اللاعبين قد ساهموا، خلال سنوات طويلة، في
بناء “الخطر الشيعي”، وتشويهه على المستويين، الديني والاستراتيجي.
المصدر