|
1 |
التنويريون والفرية الجديدة
عبدالوهاب آل غظيف |
| بسم الله الرحمن الرحيم
تنبيه : لما أوشكت على النهاية من هذه الخاطرة بلغني خبر اعتقال أسد الحسبة شيخنا المجاهد العامل لدين الله - نحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحداً - أبي عبدالله يوسف الأحمد ، فرّج الله عنه ، وثبته على الحق ، ونصره على من ظلمه .
فقدّرت الحاجة إلى تأجيلها، والآن أبرر نشرها بأمور منها:
الأول : أنه يتعلق بدفع ظلم وفرية وبغي على الشيخ بل وعلى السلفية ، فليس للتضامن مع الشيخ والتنديد باعتقاله قيمة إذا كان لا يحجز عن تهمته في مبدئه والافتراء عليه بأنه ( لا ينطلق في الاهتمام بملف المعتقلين من منطلق حقوقي ) . الثاني : أنه رغم تصريح الشيخ أن العدل قيمة مطلقة وأنه يعم الجميع المسلم والكافر والسني والمبتدع ...الخ لم نسمع اعتذاراً واحداً ممن افترى على الشيخ ، بل راح بعضهم يشير لما يسميه ( بالتراجع !! ) في تأكيد لمبدأ الافتراء والتجني . الثالث : ما قرأته من تعليقات على خبر اعتقال الشيخ هي للتكسب من هذا الموقف أقرب منها للتضامن معه ، ومن ذلك : استغلال هذا الموقف للطعن في بقية المشايخ، وكأن المطلوب من الجميع أن يدخل السجن حتى يسلم من مداهنة الظالم! كان التنويريون يقولون: الاهتمام الحقوقي يكفي فيه أن تعمل وفق الممكن والمتاح وأن تمارس التثقيف والتوعية، غير أنّ منهم من أثبت أنه يؤمن بهذا الكلام لأجل تبرير موقفه حيث لم يأت بما لم تأت به الأوائل ولم يدخل السجن ، بدليل أنه استغل اعتقال الشيخ للحط على بقية المشايخ والرموز، كأن الإصلاح منهم لا يكون إلا بجرأة كجرأة الأحمد ودخول سجن . مع هذه الازدواجية والمزايدات أيقنت بحاجتي لنشر هذه الخاطرة ! وما فيها من صواب فمن الله وحده ، وما فيها من خطأ فمن نفسي والشيطان .
التنويريون والفرية الجديدة! كان التنويريون إلى فترة قريبة يلوكون الاتهامات في وجه السلفيين بأنهم لا يهتمون بالعدل والحقوق، وأنهم منشغلون بقضايا العقيدة والتوحيد على حساب غيرها مما عظمته الشريعة، ولم يكن هذا الاتهام يهدف إلى استنهاض همة السلفيين في هذه المجالات، قدر ما كان هدفه الإسقاط وتقديم التنوير كبديل للسلفية! من قرائن ذلك عوضاً – عمّا في ذات الاتهام وطريقته من تجن ومبالغة – أنهم بعد السبق السلفي الأخير في ملف المعتقلين والإنجاز الهائل في رفع سقف التعبير ووسائله في النقد والإنكار (الذي ابتدره الشيخ يوسف الأحمد و شاركه الشيخ إبراهيم السكران) لم يعجبهم التراجع عن اتهامهم الآنف، فانتقلوا لموجة اتهامية أخرى، وأخذوا – في صفاقة – يلوكون فرية جديدة، فطعنوا في النيات، ونقبوا في المنطلقات، ليزعموا أن دفاع المشايخ عن العدل والحقوق لا ينطلق من منطلق حقوقي وإنما ينطلق من حزبية، وأنهم يفصلون الحقوق تبعا للتوجهات والأفكار، ولا يرون الحقوق والعدل إلا لهم ولتيارهم ... الخ .
نواف القديمي:
الأستاذ نواف القديمي قدم شكره للشيخين يوسف الأحمد وإبراهيم السكران على مواقفهم النبيلة والشجاعة، وبما أنه لم يكن من اللائق أن يبادر بالهجوم في ظل فرح عارم بما تحقق في ملف المعتقلين من مكتسبات الصدع والتعبير، فقد تفتقت الحيلة عن أسلوب يحمل قدراً من الدهاء وإن كان لا يزال مكشوفاً... كتب في صفحته بعد أن قام بالشكر قائلاً : (عدد من الأصدقاء عاتبوني حين امتدحت موقف بعض الشيوخ المحافظين من ملف المعتقلين، على اعتبار أن دوافعهم ليست حقوقية.. وقالوا: أنت تعرف أنه لو كان المعتقلون ليبراليين أو شيعة أو حتى إصلاحيين لما تحدثوا عنهم، ولربما أيّد بعضهم هذا الأعتقال قلت لهم: أفهم ما تقولون.. ولكنني هنا غير معني بالدوافع.. يعنيني فقط أنهم قاموا بالدفاع عن قضية عادلة ومأساة إنسانية تتعاظم يعنيني أن دفاعهم هذا صادق وحقيقي وغير خاضع لحسابات المصالح، وغير متكئ على طرف ضد طرف.. هو دفاع سينتج عنه خسارة مصلحية مقابل نصرة مبدأ كنت أتمنى أن تكون الدوافع حقوقية صِرفة لإقامة العدل ورفض الظلم بمعزل عن اتجاه ومذهب المظلوم..ولكن هذا لن يتم سوى بوعي وطني يتنامى مع الأيام ) اهـ
فهو يحكي فرية صلعاء بالغة السوء والتجني، ثم يقررها بقوله: افهم ما تقولون .. وتفادياً لمضاعفات هذا الموقف السيء الذي هو في حقيقته خذلان لمن تصدى للبيان والإنكار من المشايخ: يكسو هذه الاتهامات معطفاً من الثناء على موقف المشايخ مع نوع من التعالي عليهم، وأخيراً يختم بقوله:كنت أتمنى أن تكون الدوافع حقوقية صرفة لإقامة العدل ورفض الظلم ! وبالطبع فهذا يكفيه عن أن يقول: إن دوافعهم ليست حقوقية وليست لإقامة العدل ! أعجبني تعليق المدون الأستاذ سلطان الجميري على كلام نواف هذا، ومما قاله : (هناك مثالية زائدة حبتين من البعض في موضوع النوايا تجاه من اتخذ موقف ) .
أقطع أن نواف القديمي لا يجهل ما قام به الشيخان يوسف الأحمد وإبراهيم السكران إبان الاعتقال الجائر الذي تعرض له صديقه الإصلاحي د. محمد العبد الكريم ، سواء بتفاعلهم معه فترة الاعتقال وتواصلهم مع المسؤولين، أو باحتفائهم به بعد خروجه، بل أجزم أن نواف القديمي لم يكن غائباً عن المشهد الفيس بوكي الذي تفاعل مع اعتقال العبد الكريم ولم يك من يصنفهم بالمحافظين– طرداً لهم من مزرعة الإصلاح التي ورثها عن أبيه – بالغائبين عن هذا التضامن، فكيف بعد ذلك يستمرئ قول القائل : (لو كان المعتقلون ليبراليين أو شيعة أو حتى إصلاحيين لما تحدثوا عنهم، ولربما أيّد بعضهم هذا الأعتقال) ؟ وكيف يحكي هذا القول حكاية المقرر الموافق لما فيه ويكرسه في ذهن القارئ دون استدراك أو تحفظ ؟ أي ظلم وتجني يبلغ بالمرء أن يتهم المشايخ لا بالسكوت فحسب بل بالتأييد فيما لو اعتقل ظلماً من يخالفهم العقيدة أو التوجه الفكري بمن فيهم الإصلاحيين ؟ المفارقة أنه لما قام الأخ نايف البقمي بوصف القديمي قائلاً : (القديمي لا مشروع لديه غير النقد الهدَّام ) أجابه نواف بقوله : (سنجتمع يوماً عند الديّان يا نايف ليقتص كل مظلومٍ ممن ظلمة أو اغتابه أو افترى عليه .. فاستعد لذلك اليوم ) وليت شعري: ألا كان لهذه الموعظة أثر في حجز القديمي عن لوك فرية - هو أعلم الناس بكذبها- على تيار يجتمع تحت أشتاته ( مئات المفترى عليهم )؟!
عبد الله المالكي :
الأستاذ عبد الله المالكي شاب لطيف ممن تأثر بالفكر التنويري، وهو أيضاً ممن ركب موجة الفرية الجديدة، تخيلوا أنه قام بـ( ريتويت ) لكلام الشيخ يوسف الأحمد التالي : (المطالبة بتطبيق النظام الإجرائي والقضاء الشرعي يجب أن يعم كل أحد؛ المسلم والكافر والسني والشيعي والغني والفقير والرئيس والمرؤوس ) . ثم بعد هذا الكلام الصريح الذي أعتقد أنه يكفي في دفع الفرية وإسقاطها، يقوم المالكي بإعادة نشر لأحدهم يقول : (الوهابيين الجدد شاركوا في الثورة دفاعا عن بعض سجنائهم" وهو حقهم"واليوم يسكتون عن سجنائنا ،ويرغبون في سجننا كلنا ، ويشتغلوا سجانة العسكر) .. تغريدتين فقط هما الفاصل بين الريتويت الأول ليوسف الأحمد والريتويت الثاني للمفتري، هل لنا أن نضع علامة استفهام على مدى النزاهة والأنصاف مع المخالفين عند الأخ المالكي؟
يكفيني هذا السياق الذي يثبت موقف الفرية الجديدة ومكانها الذي اتخذته من العقلية التنويرية ، وقد أخذ التنويريون يلوكونها بعد نصرة الشيخين يوسف الأحمد وإبراهيم السكران للمعتقلين، تلك النصرة التي مسحت على الجراح وكانت برداً وسلاما على كثير من القلوب الملتهبة، إلا قلوب من جعل الإصلاح رديفاً لتسويق أفكاره الشخصية !
كان من الطبيعي أمام هذه الافتراءات أن يدافع المشايخ عن أنفسهم ويكشفوا التلبيس ويبينوا الزيف، فكتب الشيخ إبراهيم السكران عدة خواطر يشرح فيها أن العدل يكون مع الجميع إلا أن العدل ليس هو المساواة .. وكان مما قاله : ( ومن قال أين العدل؟ فالعدل واجب مطلق لا استثناء فيه، يجب للمسلم والكافر، والسني والمبتدع، والإسلامي والعلماني.ولكن العدل هو وضع الشئ في موضعه )
الشاب اللطيف عبد الله المالكي اندفع نحو الشيخ إبراهيم السكران، طبعاً لم يندفع مناقشاً، بل واعظاً ! نعم واعظاً !وبماذا يعظ ؟ انظروا معي : (يا إبراهيم. الكل هنا اجتمع على كلمة واحدة وهو إنهاء ملف المعتقلين أيا كان مذهبه وطائفته .فلا تفرق جمعنا . أرجوك )
يا سلاااام ! إذاً الكل اجتمع حول ملف المعتقلين! من المؤكد أن مما اجتمعوا عليه وأعطاهم الدافع وأوقد همتهم: ( مقطع الشيخ إبراهيم ومقطع الشيخ يوسف ) ، لكن من هو الذي فرقهم في الحقيقة؟ أليس من اتهم المشايخ وافترى عليهم وطعن في نياتهم؟ ولما دافعوا عن أنفسهم يطلب منهم المالكي ألا يفرقوا الجمع .. هزلت ورب الكعبة .. هل سمعتم عن لوم الضحية والإعراض عن الجلاد؟ نحن الآن أمام مثال أشد مفارقة، إنه الجلاد الذي يلوم الضحية !
منبع الإشكال ، ومولد الفرية:
تخيلوا أيها الأحبة – يا مسلمون – أنكم أمام شخص ملحد لاديني، وقال لكم: (أنتم المسلمون لا تهتمون بالحقوق ولا بالعدل وتقصرونها على أتباع دينكم وتستثنون منها أتباع الديانات الأخرى، والدليل: أنكم تمنعون الكافر من التعبد في مكة، ونبيكم يمنع الأديان من إقامة كيانات في جزيرة العرب وفقهاؤكم مجمعون على حرمة بناء الكنائس فيها ، فالحقيقة أنكم لا تهتمون بحقوق الآخرين)
ماذا سيكون الجواب عليه؟
أجزم أنكم باعتزازكم الإسلامي وحدة أذهانكم ستبادرونه قائلين: ( ومن قال لك أن هذه الأمور التي يمنعها الإسلام هي حقوق أصلاً؟ ومن الذي أعطاك الحق أن تتناول الحقوق والعدل وتقيسهما بمعيار غير المعيار الذي نؤمن أنه معيار الحقوق والعدل ( الإسلام الدين الحق ) ؟ ) .
هكذا سيسقط في يده، ويبين له أنه منحرف في فهمه للحقوق والعدل ، فهو يسوي بين حق المسجد وحق الكنيسة، فيسوي بين التوحيد الذي هو أعظم العدل وبين الشرك الذي هو أعظم الظلم ، والعدل الحقيقي ليس هو في المساواة بين المختلفات بل هو في وضع الشيء في موضعه، ألا ترى أن من شبهة الكافرين قولهم إن الإسلام ظلم المرأة في الميراث؟ وأن من جواب المسلمين عليهم: ومنذ متى كان العدل في المساواة بين من يجب الإنفاق عليه ( الذكر ) وبين من يجب الإنفاق له (الأنثى ) ؟ لأنطلق من هذا المثال المبسط في شرح حقيقة الإشكال عند هؤلاء التنويريين ، فحقيقته: أنهم يختلفون مع السلفيين في فهم الحقوق وتبعا لذلك في فهم العدل ، ذلك أن السلفيين يتناولون الحقوق والعدل في ظل حاكمية الشرع ، ويعرفون تفاصيلهما من القرآن والسنة والإجماع، أما هؤلاء التنويريون فهم يعرفون الحقوق بمعيار الغرب ويقدمونه على معيار الشريعةوأجلى معايير الغرب التي يتكئون عليها : معيار المساواة، ذلك أن الغرب حيد الدين وانطلق من (لادينية متجردة) يساوي بين الأديان والمعتقدات والتصرفات ، فساوى بين التوحيد والشرك وبين الموحد والمشرك ، وبين دعوة التوحيد العادلة ، ودعوة الإشراك الظالمة المفتئتة. صدقوني .. حاولت أن أتلطف في عرض هذه النتيجة التي أنا مؤمن بها وأن أداهن لأعبر بتعبير أقل صراحة ، لكن والله ما رضيت نفسي غير هذا الوصف لمن يعدّ ( قيادة المرأة للسيارة ) حق لا يجوز التصويت عليه ، في حين يجعل ( حاكمية الشريعة ) مجرد سياسة منوطة برضا الناس ولهم أن يصوتوا لتبديلها ويجب أن نكفل لهم حرية المطالبة بذلك !
مناقشة لما كتبه المالكي في الحقوق والمساواة فيها:
طريقة التنويريين في جعل الغرب معيار الحقوق، أنهم يجيئون إلى ما عده الغرب حقاً ( كحرية التعبير ولو بالزندقة ) ثم يقولون: الإسلام كفل حرية التعبير بالزندقة ! فقط يستبدلون كلمة ( الغرب ) بكلمة (الإسلام ) ولا يناقشون الأدلة ولا فقه المسلمين، بل في هذا الصدد يسمون الفقه الإسلامي ( ممارسات تاريخية لا تعبر عن الإسلام ) وهم بهذا يحتكرون تفسير الإسلام، ويصادرون آراء جماهير الفقهاء بل والأحكام المجمع عليها، فهي نكتة لطيفة: أنهم أول من يخالف دعوى تعدد الفهوم وتعدد التفسيرات واحترام الخلاف بمصادراتهم وجوازمهم ، والمشكلة أنهم لا يصادرون رأي أقلية أو شذوذ – كموقف ذلك الذي يصادر القول بإباحة الغناء – بل يصادرون آراء مجمع عليها وهم من يمثل الشذوذ والأقلية، فيقولون: الإسلام كفل حرية الردة وأما الحد فهو ممارسة تاريخية وليس من الإسلام في شيء ، هكذا بكل بساطة قفزوا على الإجماع واحتكروا تفسير الإسلام وزعموا أنه يكفل ضاربين بإجماع بالمسلمين عرض الحائط !
على هذا المنهج كتب المالكي عن الحقوق والمساواة فيها ، ولنتأمل مدى استفادته من الشريعة من مدى استفادته من الغرب فيما كتبه.
سأجمع كلام المالكي ثم أعلق عليه بنقاط، يقول:
( 1-لا أحد يطالب بالمساواة المطلقة في كل شيء . هذا غير معمول به حتى في المجتمعات الديمقراطية. وهو يخالف سنة الوجود في الاختلاف والتنوع 2-فليس من العدل المساواة بين الصالح والفاسد. أو بين العالم والجاهل . أو بين المتخصص وغير المتخصص . أو بين الذكي والغبي 3-فالاختلاف والتنوع بين البشر من الطبيعي أن يحصل معه تفاوت في المراتب والقدرات . إلا أن هذا لا يجيز أبدا عدم المساواة في الحقوق الأساسية 4-فهناك حقوق أسياسية وأولية وطبيعية تكون واجبة للإنسان ككونه إنسانا . بغض النظر عن دينه ومذهبه ولونه وجنسه 5-كحق الحياة والأمن والحرية والكرامة والعدل وحرية الفكر والمعتقد وحق ممارسته وحق التملك والعمل والتعلم والتنقل والمأكل والمشرب .. إلخ 6- وهذا الحقوق قد كفلها الإسلام قبل المواثيق الدولية المعاصرة . وحين نقول الإسلام فإننا نقصد الكتاب والسنة وليس الممارسات التاريخية الفردية 7-مشكلة البعض حين نقول بحرية الفكر والمعتقد وحق ممارسته فهذا يعني أننا نسمح بالإساءة للمقدس . المقدس لا يجوز الاعتداء عليه لا شرعا ولا عقلا 8-حتى وإن كان هذا المقدس هو مقدس لدى الأقلية . فلا يجوز الاعتداء عليه والتعرض له بالإساءة . فكيف إذا كان المقدس هو مقدس الأغلبية 9-الاعتداء على المقدس - كما يقول امبرتو إيكو - هو اعتداء على أعمق أعماق النفس البشرية . هو أقسى من الاعتداء المادي والبدني 10-وبالتالي فمن العدالة أن يكون ذلك المعتدي تحت طائلة القانون . لأن حريته تعدت على حقوق الآخرين11-ولكن هناك فرق بين الإساءة والتحقير للمقدس وبين البحث المعرفي في المقدس . البحث إذا لم يتضمن شتما وسخرية وكذبا فيرد عليه ببحث معرفي12- أما ممارسة المعتقد . فهذه قد كفلها الإسلام لجميع الديانات والطوائف ولم نسمع في تاريخ المسلمين الاعتداء على معابد الديانات الأخرى13- هذا هو المقصود بالمساواة . المساواة في الحقوق الأساسية التي تكون واجبة للإنسان ككونه إنسانا بغض النظر عن دينه ومذهبه عرقه وجنسه)
لنا أن نثير على هذا الكلام الأسئلة والنقاط التالية :
1- أين في الإسلام ( كتابا وسنة ) تعريفاً لهذه الحقوق الأساسية ومعياراً ضابطاً لها فضلاً عن تقرير أن الناس كلهم متساوون فيها بغض النظر عن أديانهم ومعتقداتهم ؟ أليس أمراً مخجلاً أن تدّعي أن الكتاب والسنة كفلت هذه الحقوق وساوت بين الناس فيها ثم لا تدلل على ذلك لا بآية ولا بحديث في حين أنك مستعد للنقل عن علج غربي في ثنايا هذه الخاطرة ؟ 2-وأكرر على ضابط الحقوق الأساسية وقد أشار إليه بقوله في فقرة13 (التي تكون واجبة للإنسان ككونه إنساناً ) أين هو في الكتاب والسنة؟ خصوصاً إذا ما جاءنا إنسان وقال : ( حق الجنس يجب للإنسان ككونه إنسان والإخلال به أو كبته يؤدي لأزمات وتفاعلات خطيرة ومنعه تعد وافتئات وحرمان ) وبناء على هذا التقرير سيكون واجبا للإنسان (بالمساواة ) بغض النظر عن دينه ولونه ... الخ ورغم ما في هذا الافتراض من سذاجة إلا أنها سذاجة مستوحاة من سذاجة التقرير الذي يفترض حقوقاً أساسية كفلها الإسلام وساوى بين الناس فيها ثم هو لا يأتي من الإسلام بشيء يدل على المقدمة الأولى (الحقوق الأساسية) ولا المقدمة الثانية ( المساواة فيها ) بل يكتفي بإنشاء ساذج (هي التي وجبت للإنسان ككونه إنسان) وكأن البشرية ستظل تحت رحمة عبد الله المالكي يخبرها ماذا يجب للإنسان ككونه إنسان مما لا يجب! 3- يعد المالكي حق الحياة من الحقوق الأساسية التي وجبت للإنسان بغض النظر عن معتقده وفكره، بينما في الإسلام يقتل المرتد لأجل دينه، وهذا مثال ، ودليله من السنة – لا الممارسات التاريخية – ( من بدل دينه فاقتلوه ) قتل مناط بتبديل الدين ، صريح لكل ذي لسان عربي مبين ! ولو فرضنا أن المالكي سيرد هذا الحديث أو يحرف معناه، فإنه سيكون – موضوعياً – مجبراً على أن يقول : ( في الإسلام خلاف حول حق الحياة، هل يتأثر بالتوجه الديني في مسألة المرتد؟ فالمسلمون الأولون مجمعون على مصادرة هذا الحق بالتوجه الديني في هذه المسألة ، لكنه قول باطل والصواب ما ذهب إليه قلة من المسلمين المعاصرين المتأثرين بثقافة الغرب في اعتبار الحقوق ) . 4-وكذلك الكلام في حق حرية الفكر والمعتقد، فإضافة لجزئية المرتد فالمسلمون مجمعون على معاقبة الانحرافات العقدية وعلى هذا الإجماع جرى عملهم وصرح علماؤهم وأجلتهم وساداتهم من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، فعاقبوا لأجل البدعة والانحراف العقدي، وحاسبوا على التجاوز الفكري المحض، فيجب على المالكي أن يقول : ( حق حرية المعتقد والفكر أجمع المسلمون الأولون أنه ليس بحق لمن ضل عن دين الله وجاء بالبدعة، لكن قولهم باطل والصواب ما ذهبتُ إليه مع بضعة من التنويريين ، وعليه فهذا الحق فيه خلاف بين المسلمين ، وجمهورهم – للأسف – على عدم اعتباره ) . 5-أكتفي بهذين المثالين في خرم ما عده حقوقاً أساسية ، وأتساءل إلى أي مدى بلغت السطحية والسذاجة في تقريره لمسألة كبرى كالحقوق؟ وهل يعتقد المالكي أنه نبي الإسلام حينما يقول ( الإسلام كفل ) فيظن أن المطلوب من الناس التسليم له وتصديقه ولو كانت حقيقة الإسلام وفهم المسلمين على خلاف ما يقول؟ 6-في الفقرة 7 و 8 و 9 ينتقل المالكي إلى مثال آخر، فيزعم أن الشرع يحرم الإساءة للمقدس، وليته يعني المقدس بالاعتبار الشرعي كلا، بل هو يقصد المقدس الذي يعده الناس مقدسا أقليتهم وأكثريتهم، بغض النظر عن أديانهم، وقد سأله أحدهم عن البقر عند الهندوس، فأجاب أنه مقدس لا تجوز إهانته ... و والله إنني أشعر بعجز شديد في قدراتي البيانية لأعلق على هذه المهزلة والكذب على الله ورسوله وعلى شريعة الإسلام، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكسر مقدسات قريش بعد أن فتح مكة ، يشير إليها فتهوي متحطمة وهو يقرأ ( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) والأخ يزعم أن الشرع يمنع الإساءة للمقدس ! 7-في الفقرة9 ينقل عن علج ليقرر أن الاعتداء على المقدس أقوى من الاعتداء المادي، طبعاً لن يجد وقتاً ليقرر هذه الحقيقة من القرآن ومن السنة ، لكن المثير في هذا التقرير : أنه يؤكد على أن العقوبات تنال جرائم المعاني والأفكار من باب أولى ، فيمكن أن يكون الرأي والتعبير جريمة، السؤال الذي لم يجب عليه : متى يكون الرأي جريمة؟ وما المعيار الذي يتكئ عليه المالكي لتجريم الآراء ؟ هل سيكون المعيار الشرعي فيكون الرأي الذي دل الشرع على كونه (انحرافاً وباطلاً وإثماً وصدوداً عن سبيل الله وافتئاتاً على المقدسات)مجرما عند المالكي؟ أم سيلجأ إلى معيار غربي لاديني يتناول الآراء كلها على ميزان واحد من حيث كونها ( باطلاً أو حقاً ) وأنه لا جريمة في الرأي إلا إذا مسّ الكيان الاجتماعي وصادم ذوق الناس و هواهم؟ 8-في الفقرة 11 حدد المالكي موقفه من المعيار الذي يجرم به الآراء، فسلك في ركاب الغرب، مفرقاً بين الإساءة والتحقير وبين البحث المعرفي ، وهو تفريق باطل شرعاً وعقلاً، ولا يستقيم إلا مع ثقافة لادينية تراعي ذوق الرأي العام الذي يصادمه ( التحقير ) ولا تراعي حقيقة الدين و الحق الذي شرعه الله إذا صادمه البحث المعرفي لأنها لا تعترف بحقيقة دينية أصلاً !فبناء على كلام المالكي: من يسب القرآن يعاقب ، لكن من يبحث بحثا معرفيا يشكك في صحة القرآن فلا يعاقب بل ولا يمنع ! بأي كتاب أم بأي سنة؟ وأيهما أولى بالمنع : الذي يسب أم الذي يشكك بتخابث وتلبيس وتزوير؟ أيهما أضر على المسلمين وأضر على دينهم ؟ ( مع التحفظ على هراء المعرفة هنا الذي ما كان ليصدر من مسلم حازم تجاه تناول اللادينيين لنقد الحقائق الدينية على أنها معارف ) 9-في الفقرة12 يزعم أن ممارسة المعتقد من الحقوق ، وأنه لم يسمع في تاريخ الإسلام هدم معابد لديانات أخرى ، والجواب : أن هذا من جهله ، وإلا فأبسط معلومة في تاريخ الإسلام الأول في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما فتح مكة هدم معابد قريش فيها، وكان مشركوا العرب يعتقدون تعظيم البيت والحج إليه فمنعهم وحرمهم منه ، ثم أوصى في آخر حياته أن يخرج كل من سوى المسلمين من الجزيرة ويمنعوا منها ( لا يجتمع في جزيرة العرب دينان ) ( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ) وطبق المسلمون وصيته صلى الله عليه وسلم .. فعن أي تاريخ يتحدث المالكي ؟ وعن أي حريةٍ في ممارسة المعتقد يتكلم؟ 10- إنها والله لأزمة فعلاً .. أن تجد إنساناً يتحدث بكل بساطة عن الإسلام وفق مزاجه وتخيلاته وأوهامه ضارباً بهدي رسول الله وبكتاب الله عرض الحائط ويقرر أن الإسلام يكفل ويكفل ... الخ وما هو إلا هواه وخياله الذي يكفل، إنها لحالة إلى العلاج النفسي والإيماني أحوج منها إلى العلاج العلمي والبرهاني.
أما بعد : فلم يك بالأمر الحسن إطلاقاً أن يكون المريض المنهك لابساً معطف الطبيب جالساً على كرسي العيادة، تماماً كما لم يك من اللائق أن يسكت على فرية لاكها التنويريون وأشهروها في وجه الدعاة والعلماء، في حين أنها تعبّر عن مرضهم وتهافت فكرهم وإعراضهم عن شرع الله . إنك تعجب أن يبادر إلى هذا الاتهام المنطوي على الطعن في المبادئ والنيات من يظهر التبرم والضيق من المبادرة في التكفير والتبديع ، وكأنه يتبرم من صورة من الصور ، ولا يمانع أن يكون يوما في مقعد المكفر والمبدع لكن بلبوس مختلف ، وبصورة أخرى لا تختلف عن التكفير كثيراً كونها طعن في مبادئ الآخرين وطردهم منها .
إذا كان الخلاف حول فهم الحقوق فإنه ليس من المروءة والانصاف أن يصور على أنه خلاف حول ذات الحق والعدل، أو أن يصور على أنه مشكلة في شمول العدل من عدم شموله ، إنها والله لفرية بلهاء ، تعجب أن يوجهها الجاهل بالعدل الضال في فهمه إلى العالم به المهتدي بنور القرآن ، ولا يسعك إلا أن تتمثل قول الشاعر :
فوا عجبا كم يدعي الفضل ناقص * * ووا أسفا كم يظهر النقص فاضل إذا وصف الطائي بالبخل مادر * * وعير قساً بالفهاهة باقل وقال السهى يا شمس أنت خفية * * وقال الدجى يا صبح لونك حائل وطاولت الأرض السماء سفاهة * * وفاخرت الشهب الحصى والجنادل فيا موت زر إن الحياة ذميمة * * ويانفس جدي إن دهرك هازل
والله أعلم . |
|
|
مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك: azizkasem2...@googlegroups.com |
|
2 |
هل نصدقك يا محمد الصبيح ونكذب هذه الحقائق عن برنارد ليفي؟
عبدالمحسن هلال |
|
أخي الفاضل عبد العزيز بعد
السلام عليكم ورحمة الله،،،، ورد في
رسالتكم هذه رد من الأستاذ محمد الصبيح، رعاه الله، علي سؤال من هو برنارد ليفي
الذي كان ضمن رسالة مدعمة بالصور التي لا تكذب، يقول لا فض فوه، أن برنارد
"صحفي جزائري المولد من الداعمين للحريات وتاجر"، لن اسأل عن الحريات
التي يدعمها هذا التاجر، بل المليونير اليهودي وهي تنحر كل يوم تحت أقدامه
وأنظاره، بل رشح نفسه لرئاسة الدولة التي تمارسها علنا. سؤالي هل يريدنا الأستاذ الصبيح أن نكذب أخبار
علاقته بالموساد تحت غطاء صحفي حربي متنقل، وهو عمل شاق لمليونير إلا إذا كانت له
قضية، هل يريدنا أن نكذب خبر ترشحه لرئاسة دولة الكيان الصهيوني، والترشح هنا يعني
تبني عقيدة الدولة القائمة علي الإغتصاب والاحتلال والقهر والاستعباد، وهو من تربى
منذ شبابه، كما تحكي الصور، علي يد السفاح بيجن وباقي الرؤساء النازيين الصهاينة. هل يريدنا السيد الصبيح، صبح الله وجهه بكل خير،
أن نصدق أنه مجرد صحفي حتى وهو يريد اقتحام مقر أمني في القاهرة لتحرير أسير
إسرائيلي، هل يريددنا الأستاذ الصبيح أن نصدق أن هذا الليفي برنارد يؤمن بالحق
الإسرائيلي في قهر الإنسان العربي ويرفضه من حاكم عربي لذا شارك ثوار القاهرة
وليبيا والسودان ووصل نشاطه حتى الباكستان، هل الحق يتجزأ يا أستاذ؟ هل مجرد كونه
مواطن يهودي صهيوني مخلص لبلاده ويحبها، وهذا حقه، أن نؤطره كداعم للحريات؟ سؤال أخير، إذا أذن لي أخي الصبيح، أليس ما تقوله هو نفس منطق كل وزارت الإعلام العربية والإسلامية عن كل جواسيس وعملاء الغرب، وبالخصوص الصهاينة منهم أو من يتبنى وجهة نظرهم ممن يأتون إلي بلادنا لكفالة الطابور الخامس؟؟
د.عبدالمحسن هلال
| |
|
مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك: azizkasem2...@googlegroups.com |
|
3 |
دعوة مصري |
|
| |
|
مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك: azizkasem2...@googlegroups.com |
|
4 |
رسائل قصيرة رسائل قصيرة رسائل قصيرة |
|
إلزام المراعي والصافي بالأسعار السابقة وعقوبات للمخالفين جدة، الدمام: مشاري الوهبي، سعد العنزي تدخلت وزارة التجارة والصناعة أمس في قضية رفع سعر الألبان بعد أسبوع من تحول شركة المراعي إلى تلك الخطوة ولحاق شركة الصافي بها، لتلزمهما بالعودة إلى الأسعار السابقة، متوعدة المخالفين بالعقوبات. وأصدر وزير التجارة والصناعة عبدالله زينل قراراً يقضي بإعادة سعر عبوة "2 لتر" من الألبان والحليب إلى 7 ريالات بعد أن رفعتها الشركتان إلى 8 ريالات، مؤكدا أن كل من يرفع الأسعار أو يمتنع عن البيع بالسعر المحدد للأحجام يعد مخالفا لأحكام القرار. وقطعت الوزارة الطريق أمام شركات أخرى كانت تراقب لتركب موجة الغلاء خلال الأسبوع الجاري، بحسب مصدر في القطاع تحدث إلى "الوطن" أمس. وتعليقا على الخطوة قال وكيل "التجارة" لشؤون المستهلك صالح الخليل إن الوزارة تنظر لما أقدمت عليه كإجراء غير مبرر في سلعة تعد أساسية للمستهلك. من جانبه قال الخبير الاقتصادي الدكتور محمد آل عباس أمس، إن الشركات التي رفعت السعر تستهدف تسجيل أعلى نسب ربحية في أشهر ذروة الطلب. وتوقع أن يكون سبب رفع السعر خطوة استباقية لمواجهة قرارات سعودة الوظائف للمحافظة على المستويات الربحية المرتفعة وترحيل أي زيادات على المستهلك. http://www.alwatan.com.sa/Economy/News_Detail.aspx?ArticleID=61768&CategoryID=2------------------------------------------------ | |
|
مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك: azizkasem2...@googlegroups.com |
|
5 |
مركز الفكر المعاصر بين حسن مفتي وعبدالودود حنفي
أبو فهر أحمد سالم |
| الحبيب الكريم أبا أسامة.. أحببت أن أسجل أن الكلام المرسل على عواهنه بلا خطام ولا زمام والذي قاله عبد الودود الحنفي عن مركز الفكر المعاصر = كلام يستحي منه أي رجل عاقل فضلاً عن طالب علم فضلا عن أكاديمي فضلاً عن من سمح لنفسه أن يقيم مركزاً. فالحكم على الناس لا يكون بمجرد الدعاوى المجردة ،وإنما يكون بالاحتجاج على كل دعوى بما يناسبها.. فإن اتهم المستوى العلمي والفكري للحنيني = وجب الاحتجاج على هذا من كتبه ومحاضراته.. أما الكلام المرسل = فيناسب فارغي الصحافيين وعريضي الدعوى لا الأكاديميين. وليس يقارب في السوء كلام عبد الودود الحنفي إلا دفاع حسن مفتي الذي ذهب يدافع عن مركز الفكر بأن أفراده وحضور الندوة من المتوضئين طويلي اللحى قصيري الثياب الذين يشيع بينهم : أحبك في الله. ولا أدري حقاً ما وزن هذا الكلام في سياق تقويم الأداء العلمي والفكري للمركز.. ورحم الله المحدثين عندما قال إمامهم عبد الله بن المبارك : لو خيرت بين أن أدخل الجنة وبين أن ألقى عبد الله بن محرر، لاخترت أن ألقاه ثم أدخل الجنة. فلما رأيته، كانت بعره أحب إليّ منه. فقد عقل أولئك الأفذاذ الفرق بين دين الرجل وعبادته وبين علمه،فسلم لهم ميزان العدل لا وكس ولا شطط. ولو رحم حسن مفتي نفسه واكتفى بالاستمتاع بالمؤتمر دون أن ينصب نفسه للدفاع عن المركز دفاعاً يضره ولا ينفعه = لكان خيراً له وأتم لدينه وأنفع لمن يحب. والسلام عليكم. | |
|
مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك: azizkasem2...@googlegroups.com |
|
6 |
إنــــهم يـبـتـزّونها
إيمان بنـت محــمد العســـيري
|
| (المقالة مرفقة)
في ربيع عمرها كانت، ومن يراها يلحظ من قسمات وجهها البريء امتدادات طفولتها، ويدرك صفاء روحها من نداوة حديثها المنساب من شفتيها كانسياب الجدول الصافي على الحقول الغنّاء. تلك الشفافة الرقيقة، والزهرة الندية، كانت تتطلَّع للشمس وللهواء النقي غير الملتاث بأعمال وتصرفات من ينتسبون للثقافة والأدب والفن والإبداع. هي فتاة طيبة النفس بريئة التصورات، عُرفت بحبها للخير لكل الناس، فلا تعرف الفساد وأهله، ولم يدخل الحقد إليها بأي طريق، تظن الناس كلهم بخير ،ولكنها بالغت في ثقتها بهم لحدّ الإفــــــــــراط ،وكادت أن تضيع لولا أن الله أراد أن يحفظها وهي القريبة منه، الكثيرة لمناجاته، المطيلة في السجود حتى يظن من حولها أنها قد ماتت . حفظها الله لمــّـا حفظته بما عرفت من كثرة الذكر والصلاة، وقد وجدت ما يساعدها على أخلاقياتها الرفيعة تلك في أجواء التدين التي كانت سائدة في فترة مضت . اقتنعتْ بالصحوة الإسلامية ،ونشطتْ فيها، وتقدّمتْ في هذا المجال حتى أصبحتْ مؤثرة في الآخرين بما تلقيه من إيمانيات ،وما تبذله من مساعدات، وما تتميز به من حرص على صلاح النساء والفتيات، وتعاليهن عن طريق الغفلة والضياع والرذيلة. كانت تمتلك مجموعة من المواهب ،كالذكاء اللمّاح ، والقدرة على الجذب والإقناع، والشاعرية القوية، واللغة السليمة، إلى جانب امتلاكها الأداة الفنية البديعة، والحس الأدبي الرفيع في كتابة القصة القصيرة والنصوص الشعرية. نصحها البعض لمـــّا رأى كتاباتها أن تنشرها وتلقيها من خلال وسائل الإعلام المتعددة. فكانت نقطة الانطلاق من خلال مشاركتها في النشاط الإذاعي إلقاءً، والصحفي نشرًا، وبدأت كتاباتها تلفت الأنظار، فالتفّ المعجبون من حولها. تابعت البرامج الإذاعية والمرئية باهتمام، وألقت الكثير من نصوصها في بعض برامجها المهتمة بمجال الفكر والأدب. وفي إحدى برامج الإذاعة ،كانت المذيعة تستضيف آخر كل أسبوع أحد كبار الحداثيين؛ ليستمع للمشاركات ويقوم بتقييمها، ومن يرشّح للمركز الأول يرسل له البرنامج مكافئة مالية على بريده. حصلت الفتاة على المركز الأول في عدة أسابيع متتابعة، مما جعلهم يترقّبون مشاركتها في كل حلقة، بل أصبح بعض المتصلين يسألون عنها إن هي غابت . كان أحد النقاد الكبار مهتما بها وكثير السؤال عنها، وفي يوم طلب من المذيعة أن ترسل للفتاة رقمه ،وتبلغها بضرورة الاتصال به قائلا : "هــــذا ميلاد أديبة جديدة، لا يمكن التفريط فيه"، وأشار على الطاقم الإذاعي أن يلحقوها بالعمل لديهم، ويقنعوها بذلك، فسيكون المجال هنالك أرحب من بيئتها المنغلقة (كما يقول). وسرعان ما اتصلت المذيعة بالفتاة؛ لتبلغها عن رغبتهم في انضمامها إليهم،والعمل لديهم وأن الساحة الإعلامية تفتقر لمثيلاتها. أجابتها الفتاة: " كيف أعمل لديكم وأنا من أسرة محافظة، وأرتدي الحجاب كاملا بغطاء الوجه خلافًا للمذيعات عندكم". ردّت المذيعة: " أتدفنين كل هذه المواهب لأجل خلافات فقهية معروفة؟!". قالت: " ولكني مقتنعة بحجابي كما هو". أجابت: "هـــــــــذه قناعات قد تزول مع الوقت، وأنت ستكونين في عمل مختلط لا خلوة فيه مع أحد". سكتت الفتاة برهة تتأمل حديثها، غير أن المذيعة قطعت تفكيرها قائلة: " ضيفنا (.....) يؤكد على ضرورة الاتصال به، وأنا أرى أن تستفيدي منه فيتطوير فكرك، وصقل أدبك، وتنمية ملكاتك.... بعد أيام من التفكير والتردد منها ،والترقّب منه، اتصلت الفتاة وعرّفته بنفسها ، فأجاب: " مرحبــــًا بالأديبة الصاعدة والمبدعة الواعدة...، كنا في انتظارك". شكرته ثم سألته عما يريد، فأجاب : " فقط عندي إليك مجموعة من الكتب المنتقاة بعناية، فيبدو أنك قارئة نهمة، وأرى أن من المفيد أن تركزي فيها، وتعملي على تطوير أدبك من خلالها، فهذه مجموعة من الكتب لكبار المفكرين والأدباء ، فابعثي إليّ ببريدك لأرسلها". ثم سألها عن اهتماماتها ولمن تقرأ، وأبدى رغبته في متابعة جديدها ، واستعداده لمناقشتها في كل ما يشكل عليها فيما تقرأ من الكتب التي أوصى بها. فكانت كلما قرأت لأحدهم أرسلت إليه ، أو اتصلت به لتبدي رأيها فيه وموقفها منه. وكان هدفها الوحيد أن تكون أديبة على مستوى رفيع من الناحية الفنية لا الفكرية ,وأن تنضج كتاباتها من خلال ما تقرأ، ولكنها بدأت تتكشف لها بعض الأمور التي لم تكن تخطر ببالها، فقد ظنت أن أمثال هؤلاء الكبار الذين أصبحت لهم أسماء رنانة، قد وصلوا لمستوى لا يمكن الشك في أخلاقياتهم،على الأقل حفاظًا على أسمائهم من أن يلطّخها طيشهم وجنونهم، ولكنها لحظت أن الناقد يراسلها ويتفقدها باستمرار، فإذا لم تتصل به اتصل بها، وإذا اتصلت به شعرت أن حديثه معها بدأ يخرج عن حده كناقد كبير، فصار يلين لها الحديث، ويسأل عن خصوصياتها، وشكّت -بعد أن رأت تغير صوته بعض الأحيان ، وانحراف حديثه عن الكلام المطلوب- بأنه قد تناول مسكرًا أفقده صوابه! . ولمـــّا ارتابت منه تركته، وأرسلت تقول : اِسمع: أسرع في سيرك.لا تتمهّل.ولو اضطررت إلى الركض. فارسل أنفاسك.دعها تسبقك إلى هناك.حيث ستقلع الآن طائرة الأوهام،وسترحل. ظلّت تقرأ في تلك الكتب بنهم شديد، وتتأثر ببعض الكتّاب، وتعجب بأدائهم، فأرسلت إلى أحدهم إن كان من المناسب أن يرسل إليها بعض كتبه غير المتوفرة في المكتبات، وإن كان من الممكن أن ترسل على بريده بعض كتاباتها ليعلق عليها، فأرسل إليها شاكرًا ممتنًّا لاهتمامها بما يكتب، وأبدى استعداده لما طلبت، وأهداها مجموعة من كتبه . ومع التوجيه المستمر-من خلال ملاحظة ما تكتب وترسل عبر بريده-، أخبرها أن وسيلة الاتصال الهاتفي أيسر له، وأنه يريد التواصل من خلاله، فكانت كلما كتبت شيئا هاتفته، وكان ينصحها أن تركز فيما تكتب على الشعر الحديث الحــُـر حتى تخرج من أسْر الشعر المقفّى، وتبوح بما تريد في حرية أكثر، كما هي طريقة كتّاب الحداثة. وفي إحدى المرات أرسل إليها يقول: " لديّ مجموعة من الكتب المميزة غير متوفرة هنا، وأريد أن نلتقي لأعطيك إياها". توجسّت من هذا الطلب الغريب، فأرسلت تقول: " من الممكن تركها في مكتبة (....)، وعند زيارتي لها أستلمها منهم فهم يعرفونني جيدا، ولكن- فضلا-اكتب اسمي على ما ترسل ،وسيحفظونه لي". فأجاب مستنكرًا: " وما الفرق بين أن تستلميها مني أو تستلميها من البائع؟!". وردت تقول: " لا حاجة لأن نلتقي والأمر في سعة، والمكتبة عامة والباعة يعرفونني كزائرة مواظبة فقط". فأجاب: "حسنًا أنت قلتيها، المكان عام، ومن الممكن حتى تطمئني أكثر أن أقابلك في المكتبة، ثم ألست مطوّعة وترتدين الحجاب كاملا كما تقولين، فما الذي سأراه منك؟!" مرّت عليها فترات وهو يحاول إقناعها باللقاء،كلما حانت فرصة لذلك، وظل يرسل إليها من الشعر المحبّب لها ما جعلها تخاف على نفسها من الانزلاق وهي الشفيفة العفيفة، ورأت أنها مضطرة لتغيير رقمها واستبداله بآخر جديد، وعادت تسامر الوحدة، وتتدفق مشاعرها، وينسكب الحبر من بين أناملها ليغرق الأوراق .... وأغرَقَ لي صفحةً في كتابْ.فبــادلتـُــــهُ نـــــظـرةً وعــتــابْ.خرجتُ إليه ومن لهـــــفتي.أداري حــــنيني ووقع الغيابْ.نسيتُ الدفاترَ في قبضتي.وذابتْ حروفٌ بوسط الكتابْ.وبُلَّ جناحُ النّغير الصغير.وحـــاول في لــــهفةٍ أن يطـــيرْ.يريـــد العلـــوّ وإن فـــاته.ويهفو إلى بــرقه الـــمستنـيرْ. دار شريط الذكرى حولها، وتذكرت كيف كان يقنعها بأنه الأخ الودود، ويزرع فيها الأمان والاطمئنان، ويشعرها بالثقة التي لا يمكن معها أن يطمع في شيء غير الفائدة الأدبية،حتى أنها من فرط ثقتها قالت له يومًا ببراءتها المفرطة:"تصدّق أنني كلمت (...) ووجدته سكران"!!. وعادت تذكر حديثه معها بتحسّر ، وتحكي للأوراق قصتها في ألم.... عندما بدا صوته عاليا قلت له: إنكَ من بين الغافلين.إنها اللا مبالاة التي ستخرسك. إنها الوحدة فجرّب الصمت.علّ أفواهًا ستبحث عنك.تواجه معك جيوش غفلتهم.أنت ذرة في الهواء.لا تملك غير الهباء.والحروف التي سكنت الشفاه كي تمتدّ.ستبتعد.فقد كانت تريد منك السند.فاختبئ خلفها واتّقد. بعد حين من النظر والمراجعة والتأمل في عالم هؤلاء، اتصل أحد الصحفيين عليها ، وقال بأنه متابع جيد لما تنشر، وأن من المفيد لو عملت مراسلة صحفية لديهم، فقبلت عرضه لأن العمل لا يستلزم الاختلاط بهم في مجال عملهم، وكانت تشارك بتحقيقاتها وحواراتها مع ضيوفها بشكل دوري،ووجدت فيها مجالا رحبًا لممارسة العمل الذي تحبه في مكانها الآمن. كما ألقت بعض نصوصها في أحد برامج الشاشة المرئية، مع مذيع عرف باهتمامه بالمجال الفكري الأدبي، وكان يعد برامجه ويقدمها وفق هذا المجال، ويقتطع من وقت البرنامج لمشاركة المشاهدين له، فأُعجب بما كانت تلقيه من مشاركات ، وفي اتصال لها بالبرنامج طلبها الكنترول معاودة الاتصال بعد البرنامج مباشرة للأهمية. اتصلت فور انتهاء البرنامج، فرحّب بها المذيع وأثنى عليها وقال :" هل يناسبك العمل معنا في القناة، والمشاركة في تقديم البرامج التي تناسب ميولك ورغباتك، فأنت كما يبدو نشيطة ومتابعة جيدة لما يدور في الساحة الإعلامية خاصة في مجال الفكر والأدب؟!". فأجابت: " لقد عرضت عليّ الإذاعة قبلكم مثل هذا العمل فرفضت؛ بسبب الحجاب والاختلاط، ورفضي للعمل في القناة سيكون من باب أولى، ثم أنني من بيئة محافظة ". فقال: " ولكنك تدركين جيدا أن الزمن الآن تغير عن ذي قبل، فما كان مستحيل فيما مضى أصبح الآن ممكنًا، فلم لا تجربين، ألا تعلمين أنه لا يوجد حتى الآن في هذه القناة سعودية أصل!! تعمل معنا ،كلهن غير سعوديات، ونحن نريد أن ننقل للناس أن لدينا من القدرات والمواهب والطاقات النسائية الكثير، فهم يظنون أن نساءنا هنا جاهلات سطحيات،ألم تدركي هذا؟!". أجابت : "بلى ،أدرك أنهم سيقولون الكثير، ولكني لا أستطيع أن أتخلى عن مبادئي وقيمي لأكمم أفواههم، فليقولوا ما يريدوه هذا لا يهم، هل يلزم أن أظهر أمامهم حتى يقتنعوا بأني مثقفة؟!". فقال: " لا بأس فكري في الأمر، فالموضوع لا يستحق هذا التردد والإعراض منك، إنه أيسر بكثير مما تظنين، ويمكنك أن تتحجبي بالطريقة التي تحبين، إلا وجهك!! فالعمل هنا لا يناسبه غطاء الوجه". أجابت :" شكرا لصراحتك، في أمان الله". جلست حول أوراقها وكتبها المتناثرة تتأمل ما يدور حولها، وتُسائل نفسها .... لماذا أركض خلف اللاشيء.وأتشبّث باللا جدوى.أضع نقاطًا فوق حروف صماء.أردد لحنًا نشازًا.أطالب بالإصغاء إليه.أتمادى في رسم تضاريس الخيبة.وتشييد قصور الوعود الجوفاء.لماذا أصر على صياغة قصائدي ؟!..لعله وهم كبير هربت إليه من همومي.لعله سخف الواقع صبغ بهزائمه أعماقي. لقد عرفت تلك الفتاة أن الإغواء والإغراء متجذّر في أعماقهم، وهو سبيلهم الوحيد للتأثير في الغير، فهم وإن اختلفت شخصياتهم، والمدن التي يعيشون فيها، والاتجاهات التي يعتنقونها إلا أن حقيقتهم التعامل مع المرأة بجسدها،واستغلال ضعفها وغفلتها لصالحهم،-وإن تذرّعوا ابتداء بالقضايا الفكرية والثقافية-، فاستيقظت من الغفوة التي أصابتها، وتراجعت عن هذا الطريق المظلم الذي أُريد لها أن تسير فيه، وعادت إلى مجالس العلم والدعوة، تتنقّل بين الدروس والمحاضرات، وتشارك فيها في اطمئنان و رضا وأمن وسلام. | |
|
مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك: azizkasem2...@googlegroups.com |