|
1 |
آلَامُ الإِخْوَان السُّعُوديِّين (3-3) ابراهيم الدميجي |
|
"يوم الغلطة"
( مقتل منير الحضبي في نحو عشرين من الإخوان رحمهم الله )
نتذكّر قتل اليمان رضي الله عنه في أُحُدٍ, وهو أبو حذيفة صاحب سرّ النبيّ
صلّى الله عليه وسلم, حينما شَاطَ في رماح المسلمين بالخطأ, فقتلوه حين
ظنّوه من المشركين, ولم تفلح صيحات ابنه في تنبيههم إلّا بعد فوات الأوان,
فما ملك بعدما رأى أباه مُجندَلاً إلّا أن قال: (يغفر الله لكم) فما زال
الخير في حذيفة حتّى لحق أباه رضي الله عنهما, فلحِكْمَةٍ يريدها الله
تعالى أجرى على اليمان ذلك المقدور فله الحمد على كلّ حال, وهو المحمود
بكلّ حال, وله في ثنايا مِحَنِهِ مِنَحَاً ونِعَمَاً يُدركها الموفّقون من
المؤمنين . ولعلّ منها تعجيل شهادته وأجره وجنّته, والإخوان الّذين حرصوا
على اقتفاء آثار ذلك الجيل الطّاهر الصّادق من الصّحابة أصابهم ما أصاب
الصّحابة من الخطأِ في ظنّ من أَمَامَهُم من المشركين, وكلّ يتقرّبُ إلى
الله بقتل مَنْ أَمَامَهُ يظنّه مشركاً, ولم يعلم أنّه أمام ثلّة من صفوة
الأمّة في ذلك الزّمان, ولا نزكيهم على الله تعالى . ( ربنا لا تؤاخذنا إن
نسينا أو أخطأنا) و(إنمّا الأعمال بالنّيات) رواه البخاري.
فكان هناك سريّة جوّالة من إخوان الخرمة, قد أرسلهم خالد بن لؤي مقدمه
للجيش, وقال خالد لمنير الحضبي: كن مع الجيش, فقال: دعني أذهب مع السريّة,
حين دعته منيّته واستعجله قبره, فذهبت السريّة وفيها فيحان الغرمول, وذعار
بن حنيف, وابن درع, وصالح بن حمد الروقي, ولماّ أقبلت السريّة على المحاني
أرسلت سُبُوراً لها - أي مجموعة استطلاعيّة - فأشرفت المجموعة على أحد
المياه فرأوا الإبل وعندها أصحابها, ولم يعلموا أنّ أصحاب الإبل هم إخوانهم
من أهل "نفي" ومن معهم, وقد جاؤا يريدون مثل الذي يريده إخوان الخرمة من
الهجوم على ذلك التجمّع لمن سمّوهم بالمشركين, ولم يك هناك تنسيق بينهم,
وقد وضعوا المعامّ عن رؤوسهم من الحرّ, وتفرّقوا لصيد الأرانب, وكان منير
يسير مع أصحابه على قدميه وهو ينعُس, وقد ترك لفرسه"سَرّا" عنانها على
رقبتها, ويسير وهي بجانبه تبتعد وتقترب, وتتأخر هنيهات لتأكل العشب, ومعه
تمرات يمدّهنّ إليها فتقبل لها حمحمة, فيلقمها اللّقمة ثم تعود لحالها.
ثمّ
إنّ المجموعة الاستطلاعية عادت وأخبرتهم خبر القوم فنادى فرسه فأقبلت عليه
تخبّ خبّاً خفيفاً, فألجمها ووثب عليها, وأخذ الإخوان أهبتهم وهجموا على
تعبئة تامّة, وقد أخذوا إخوانهم على حين غرّة, وهم ثلاث رايات من الإخوان
من أهل "نفي" وغيرهم على الماء, فرموهم وقتلوا منهم سبعة عشر, وقيل بل
ثمانية, وردّ أولئك عليهم وقتلوا منهم أربعة؛ اثنين من بني وبدان, والثالث
من كبار الإخوان, فارس لا يشقّ غباره, قد ملأه الله شجاعة وفروسيّة وكرماً
وشهامة ونبلاً, وفوق ذلك تديّناً وصلاحاً ووقوفاً عند الحدود, ولا نزكيه
على الله, ذاك هو منير الحضبي . الذي كرّ فرسه على رجل فرماه, فلمّا سقط إذ
صاحبه قد جهّز الطّلقة لمنير فرماه فأصابت زرار الصّدر على كبده فأطارته
من فرسه رحمهم الله جميعاً, وَرَهَجَ الرصاصُ وَوَهَجَ شرره بين القوم,
وكان إخوان الخرمة يتقدّمون, فمرّ أحدهم وهو صالح بن حمد الرّوقي على أخٍ
له من أهل ساجر يسبح في دمه, ولم تفض روحه فعرفه, وقال: إنا لله وإنا إليه
راجعون, أأنت فلان؟ قال: نعم, فصاح بأعلى صوته صياح الفزع ويقول: الإخوان
يا إخوان! الإخوان يا إخوان! أي كلّكم من الإخوان .
يقول أحدهم: والله لقد مددت البندق على أحدهم وقد أحميتها وهو بين يديّ
حتّى رأيت صالح بن حمد يصيح, قال: فرفعتها عنه فوقاه الله ناري! حالهم كما
قال الأشهب بن رميلة راثياً قومه:
وإن الذي حانت بفلجٍ دماؤهم هم القوم كلّ القوم يا أم خالد(103)
ثم إنّهم تقاضوا عند الشّيخ عبد الرّحمن بن داود, قاضي أهل الخرمة, وكان
نادرة زمانة في العلم والعبادة وتربية الرجال وتزكيتهم, فأتاه الإخوان من
الفريقين فأخبروه خبرهم فقال: قد حصل هذا على من قبلكم من الصّحابة وهذا من
الابتلاء والتّمحيص, قوموا عنّي ليس لأحد على أحد شيء لا في الدّنيا ولا
في الآخرة ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) فقاموا راضين رحمهم الله
تعالى فما أطيبهم من جيل وقّاف عند الحدود .
وقال بعضهم لآخر: قد قتل منّا سبعة عشر رجل, فقال صاحبه: اسكت فلقد قتلتم
رجلاً يزن البيرق كلّه ألا وهو منير الحضبي . وفي صحيح مسلم أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: ( تجدون الناس كإبل مئة لا يجد الرجل فيها راحلة )
.
"مقتل الفرد والعبّود"
عام: (1342)
منهجي
في الكتابة _قدر الطاقة_ تجنب التصريح بالأسماء التي ربما يلحقها مذمة أو
نقص خلا من كان له إسهام مباشر في الأحداث وكان أمره مشتهراً, وإنه ليعزّ
علي ذكر أحد بذلك كالفرد والعبود والأشراف وغيرهم ولكن لأمرين آثرت التصريح
في أضيق نطاق بتلك الأسماء؛ الأول: اشتهار أخبارها عند العامة, الثاني:
وجود عبر وعظات من ذلك كما في الخبر التالي:
راقي
الفرد من قوّاد الشريف, قُتِل أخوه هوصان في تربة بأيدي الإخوان, فقلبهُ
غليلٌ عليهم فهو يبحث عن غرّة من الإخوان كي ينتقم منهم, ومعه محمّد
العبّود الذي أظهر التديّن وعاهد الإخوان وسكن معهم في هجرة خالد وبنى بيته
هناك, وكان سخيّاً جواداً نبيلاً, يطبخ الشاة في مرقة الأخرى, ولقلّة
الزّاد فقد كان يقدّم الذّبيحة ملَطاً ليس ليس تحتها خبز ولا أرز, فكان
يقول: كلوا والله لئن عاش رأسي لأذهبنّ لدار لا أضعها ملَطاً . فبلغت هذه
الكلمة للإخوان فتوجّسُوا من الرّجل وقالوا: يا خالد الرجل نافق, فقال
خالد: اتركوه فإن غدر سيخذله الله, وكان قومه بإبلهم مربّعين في "الهَضْب" (104)وقد
مرّت سنوات انقطع عنهم الكثير من مدد الشريف لهم بالأطعمه والجنيهات, وقلّ
المطر ذلك العام, فركب العبّود في إحدى الليالي إليهم في الهضب, وترك
زوجته "قوت" الثورية في البلاد حتّى لا يُستنكر ذهابه, ثم أمر قومه بالذهاب
إلى مكان أخصب من مكانهم, يقال له "الحمار" أسفل وادي الخرمة, ففعلوا,
وعاد للخرمة, ولمّا ارتحل قومه للحمار إذ سريّة من سرايا الإخوان من الخرمة
قد هجمت عليهم وسلبتهم الإبل, أما الرّجال ففرّ أكثرهم لكن تلقّفَهُم
الإخوان أهل"نفي" في "بِسْيَان"و"دغيبجة" فقتلوهم, فلمّا أصبحوا إذِ
العبّود قد سرى بالليل من الخرمة وعاد للشريف .
ثمّ
أخذ في الإغارة على إبل الإخوان, ونهب ما استطاع منها, فأخذ إبل ناصر
الحارث, وبعض بني ثور في العوجا في الحمار, ثمّ أعاد الكرّة فأخذ أبل بني
رشدان, واشتدّت عداوته وحربه, وكان في معيّته ابن عديس وجماعته .
ووافق العبّود راقي الفرد, وكان راقي الفرد هو الأخ الأكبر لهوصان
المقاطي وزير عبد الله البيه على ماليّته, فلما قُتل هوصان في تربة عقد
راقي العزم على الانتقام من الإخوان ولكنّه كان كثير الإبل وهي في مفالي
الإخوان, وكان عددها ( 160 ) من كرائم الإبل,كما ذكره العبيّد في خبر راقي
الذي نحن في سياقه, هذا غير زَمْلِ بيته (105) وكان
سلطان بن بجاد كثيراً ما يدعوه لبيع الإبل والسكنى معه في هجرته الغطغط,
ولم يكن يحفل بكلام سلطان حتّى عزم وآلى على نفسه الانتقام من الإخوان .
فأتاه وهو يحمل معه ( 100 ) ريال فرنسي, وقال: يا ابن عمّي أنا تحولت من
شداد الدنيا وركبت شداد الآخرة, وأحب أن أجاورك وأبيع الشّقاء والعذاب _
وهي الإبل _ وأريدك أن تعيّن لي أرضاً عندك قريبة من منزلك, وتعطي المئة
ريال هذه رجلاً يشتري بها خشب لعمارة الدار, وأنا سأجلب كل ما أملك من
الإبل لعنيزة, وأبيعها وآتي بثمنها دراهم وأجاورك, وأجاهد معك في سبيل الله
.
فقال
سلطان: الحمد لله على هدايتك وتوفيقك للرّشد, ثمّ أمر الإخوان بالسّلام
عليه وتهنئته بالهجرة بعد الجفاء والتعرّب, بعدما كان الإخوان هاجرين له.
ثمّ مشى معه لأرضٍ قريبة ورسم له حدّها, ثم انطلق راقي لجمع إبله
من الفلوات, فحازها وجمع كلّ ماشذّ منها وساقها لعنيزة, وباعها بثمن غالٍ,
وقبض ثمنها ثلاثة آلاف جنيه إفرنجي ذهباً, فأعطى رعاته أجرتهم وصرفهم بعد
ما أعطاهم مطيّة, ثم أبقى معه أحد عبيده وكان يجيد الرماية, ثمّ استدعى
رجلاً يُدعى دابي القسّامي فأفضى إليه بسرّه واستكتمه إيّاه, فلمّا توثّق
منه أخبره عن إرادته المسير إلى مكة, وأنّه ليس له معرفة بديار الرّوقة
وطلب منه المسير معه, فوافق القسّامي, فمشى الثلاثة من عنيزة على مطايا من
سوابق الجيش, وكانوا يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار غالباً, فإن رأوا شبحاً
من النّاس انحازوا عنه, حتّى وصلوا إلى آخر عَرَبٍ من الإخوان مما يلي
الحجاز, وكانوا قد رأوهم بعد العصر لمّا نزلوا عند جبل أبيض يقال له: "عبل
مقذل" وهو واقع بين سجا وعفيف ممّا يلي "المردمة" فلمّا علموا أنهم وقعوا
في الورطة إذِ القوم أمامهم وقد رأوهم, وفي علم الجميع أنّ من اجتاز هؤلاء
لجهة الغرب فهو منحاز للشريف! وكانوا لا يدرون عن القوم الّذين هذه
خيامهم هل هم من الإخوان أم من الأحزاب؟ . فقال راقي لصاحبه: هات الرّأي .
فقال دابي: الرّأي أن ننهزم للخلف, فإن أدركونا بالخيل قتلناهم, وإن طردونا
بالجيش فأنّى لهم إدراكنا فجيشنا سوابق . فلم يقنع هذا الكلام راقياً, ثمّ
إنّه مَدَّ يده لخرجه, وأخرج منه نصف طاقة شاش أبيض قد اشتراها وأعدّها
للطّوارئ, فقطع منه ثلاث عمائم ثمّ وزّعها على صاحبيه واعتمّ بالثّالثة,
ثمّ قال: صدّرُوا للبيوت, فذهبوا ومرّوا بامرأة ترعى الغنم فسألوها عن
البيوت, فقالت: هم آل فلان, وكان يعرف أميرهم, فساق الركاب لبيته, وكان
قومه قد تحلّقوا حوله, ويقال: إنّ في تدينهم لَوَث, فلم يكونوا مصافين
للإخوان لكنهم خافوا على إبلهم, فلمّا أقبل عليهم عرفوه وهو على ناقته,
فرحبوا به وحيّوه, ولم يرد عليهم شيئاً, فلمّا نزل قال بكلِّ دهاء ومكر:
قفوا مكانكم فإنكم مهجورون, يا بن فلان! من يلقى مثل ما لقيت؟! الإخوان
يطاردون الكفار على سِيْفَ البحر ويشربون الماء المالح, وأنت تصلح مرعى
إبلك وتقطع الرغاة عن خشمك وعن براطمك أنت وجماعتك, والإخوان من ورائكم
يجاهدون! . فلمّا انقضى توبيخه لهم, التفت بعضهم إلى بعض وقالوا: اتركوا
الإخوان لا تغضبوهم, وإذا لم يريدوا سلامكم فلا تسلموا . فلمّا رأي راقي
أنّ حيلته بدأ نفعها, استرسل في مكره فقال لهم بلسان طلقٍ ذلقٍ: عجّلوا
ضيفتنا فإنا على عجل . فقام أحدهم مسرعاً إلى إحدى مطايا الضّيوف فركبها
وذهب للمرعى فجلب شاة ذبحها حين إنزالها من ظهر المطية, ثمّ إنّ راقياً
إتّكأ على الشّداد وقال: أبشّركم يا من تحبّون مكة ورُزَّها؟. قالوا:
بشّرنا , بشّرك الله بالخير . فقال: هذا الخِرْج الذي على جنب الذلول ليس
فيه غير مكاتيب ابن سعود وابن بجاد والاخوان, يسعون بالصلح مع الشريف, ثمّ
تكون نجد والحجاز سعوديّة. ففرحوا واستبشروا, وقالوا: هذا مطلوبنا .
فلمّا
صلّوا المغرب قدّم العشاء, ثمّ انطلقوا لمكّة, فلمّا وصلوها ذهب من فوره
لإبرار قسمه لحرب الإخوان, ووجد محمد العبّود قد رأى رأيه, فاتفقا على ضرب
الإخوان ضربة موجعة, وجهّزهما الشريف بالعتاد والإبل, ولمّا خرجت سريتهما
من مكة وكان قوامها السّبعين من المقاتلة, وبينما هم في أوّل انطلاقهم رآهم
رجل يُقال له أبو ليلة فصاح فيهم: والله لا يعود منكم أحد حتىّ ردّاد
الخبر يا ويلكم ويلاه من الإخوان! فدخلت هذه الكلمة في صدور بعضهم, فصاح
أبو ليلة في السريّة بالرجوع, لكن الحتف كان أمضى, والمنيّة كانت أقرب,
فردّوا عليه كلامه ونصحه, فكان وإياهم كما قال دريد بن الصمّة الهوازني سيد
بني جشم وفارس هوازن:
أمرتهم أمري بمنعـــرج اللِّوَى فلم يستبينوا النّصح إلا ضحى الغد
فساروا يريدون أسفل الوادي كي ينهبوا إبل الإخوان التي ليس عندها إلاّ
القليل من النّاس, وبينما هما في سريّتهما, إذ أبصرها رجل من الشيابين, وهو
شعيفان الشّيباني عند جبل حضن, ورآهم متّجهين نحو بِركة العقيق, فأسرع
بإبلاغ الأمير خالد, ومن حين عَلِمَ خالد أمر بنشر البيرق في المناخة في
الهجرة(106) وكان من عادته
أنّه إذا أراد غزواً نشر البيرق ثلاثة أيام حتّى تتسامع به البادية وتترادّ
الخبر عنه في رنية وتربة ومادونهما, فَتَقْدُمُ عليه لمشاركته في مغازيه .
ثمّ إنّ خالداَ سار بجيشه ولم يكن كبيراً في تلك الغزوة, ثم اتّجه شمالاً ثمّ غرّب, حتىّ جعل "رضوان" (107) على
يساره ولمّا تجاوز رضوان مرّ على "المُحْدَثة" في طرف حرة كشب وجد آثارهم,
فجرّد تجريدة وأمرها بالالتفاف على سريّة القوم, وتواعدوا أبرق عشيرة,
وخالد وجيشه يتبعون الأثر مجدّين السير, فذهبت التّجريدة بقيادة ابنه سعد,
ومعه فهيد بن مبارك, ومحمد بن سرماد, وهزّاع الصفرا من القواوده البقوم,
وبتّال بن هبسا, وسعود بن هبسا وقد استشهد ذلك اليوم, والحميدي بن مفرح,
وغزاي بن جرمان وقد استشهد ذلك اليوم, وعريج بن حنتوش, وعايض السميّ, وشجاع
بن بادي وقد استشهد ذلك اليوم, وبجاد بن بادي, وعجب بن وبدان, وأخوه شارع,
ومنيف الحويزي .
وقال سعد لمن معه: اسلكوا الحِشّة (108) مع
اليمين لعلّكم تدركون القوم, ومع ابتعاد سعد وتجريدته عن الجيش إلّا وهم
يسمعون صوت الرّصاص, ولمّا تبيّنوا الخبر إذْ معرّة جيش خالد قد تصادمت مع
سريّة راقي الفرد ومحمد العبود, وقد انحرفت سريّة الفرد والعبّود وأدبرت
وما راعها إلا تجريدة سعد مقبلة نحوها, فاقترح أحد الرجلين إمّا راقي الفرد
أو محمد العبود الفرار جهة اليمين لعلّه يبقى لهم باقية, فنهره صاحبه
وقال: لعن الله من مدحك لي! فثارت غضبة ونعرة الآخر وهاجت حميّته؛ فقال:
إذن فلعن الله قوماً أنا ذليلهم! فضرب رأس ذلوله بالرّسن, فبركت, فأناخت
جماعته عليه, والآخر كذلك أناخ عليه قومه, وخجلوا من الهرب:
وقد يغشى الفتى لجج المنايا حذار من أحاديث الرفاق
فنزلوا لحتفهم ونادتهم مناياهم, فتطابح الردفاء أولاً, ورموا جيش الإخوان وهم يتمثلون:
يابو قذيلة يارفروف ليتك تحلى وتــشوف
وقيل إنّهم التقوا وهم على شعب العقيق, ثمّ إنّ القنّاصة تدرّؤا بالإبل اللّتي ارتفع رغاؤها من ضرب الهيْجِ (109) لها
أمّا الإخوان فيتمثّلون بـ( إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ) . وقد أحمو
بنادقهم في وجوه القوم وصدقوهم اللّقاء . وكما قيل: لا يبلغ المجد من لّا
يدرك الخطرا .
فنصر الله الإخوان وقتلوا جميع السريّة, ولم يسلم إلا المخبر وهو غازي القصّاص كما تنبأ أبو ليلة (110) وقد
أصابته رصاصة فأخذ يزحف والدّم يتناثر منه, فهمّ به بعض الإخوان فقال
خالد: اتركوه يخبرهم الخبر, وحانت إحدى صلاتي العَشِيّ إمّا الظّهر أو
العصر فصلّوا ثمّ قال خالد: خذوا من لحم جيشكم ما شئتم - أي بعد نحره - ثمّ
ارحلوا, ذلك أنّ خالداً كان من سياسته ألّا يبقى في مكان المعركة بل يبرز
عنها ويبتعد, حتىّ لا يدركه من لم يحسب له حساب, فيؤخذ على حين غرّة.
وقد
استشهد من الإخوان عشرة . ولمّا وقفوا على جثّة راقي الفرد, وكان قد أحمى
عليهم الهيج وقتل بعضهم, وقد تهوّلوا من عزمه وحزمه, فقد وجدوه قد حفر
لقربة الماء ثمّ أدلاها عند فمه حتّى يشرب وهو يرمي القوم, وقد فتح خِرج
الرّصاص بقرب بندقيته أمّ ركبة, ولمّا عَدُّوا الصِفْر الّتي أطلق رصاصها
إذ هي ثلاثٌ وستون صفرة, لذا فقد كان عند هؤلاء شجاعة وفروسيّة وبطولة
ورجوليّة, لولا خذلان الله لهم بحربهم للموحّدين .
وممّن
قُتِلَ مع الفرد واحد من الأشراف ممن كان مع الإخوان فنكص على عقبيه, وورد
من خبره أنه كان مع الإخوان في الخرمة, فلما أراد الله خذلانه طرأ عليه أن
يتبع الشريف وحطام دنياه , فقال لأخيه: يا فلان أعطني شدادك (111) سأذهب
لابن سعود, وكان عبدالعزيز في ذلك الوقت يستدني الأشراف ويقرّبهم ويعطيهم
ويستميلهم, لكن ليس كعطاء الشريف, فقال أخوه: خذه, فأخذ الشّداد ثم انحدر
مع الوادي واشترى ذلولاً نجيبة من أحد بني ثور أسفل الوادي, ووعده بالثّمن
حين رجوعه من ابن سعود كما زعم, ثم رَكّبَ عليها الشّداد, وانطلق مغرّباً
للشريف, وحينما ورد بنو ثور قالوا لصاحبهم: وجدنا أثر ناقتك الفلانية
مغرّبة قد جعلت الشمس بين عينيها وقطعت الشعب الفلاني! فقال: الخَلَفُ على
الله! خسرت ذلولي ودراهمي, وحينما وصل للشريف إذ هو يجهّز حملة الفرد
والعبّود فطلب منه السّلاح, فأمدّه ببندق وحزام ملئ بالرّصاص, فركّب شداد
أخيه على ذلول الثوري, ثمّ عاد مع جند الشريف غازياً قومه الإخوان فقُتِل!
وقيل إنّه لما أشرف على الموت واقترب منه وبل الرصاص صاح في الإخوان: يا
إخوان أنا فلان أخوكم . فقالوا: بيّن رأسك يا فلان . فلمّا أشرف عليهم
برأسه رموه بالرصاص فقتلوه, وتُذكر هذه الحادثة كذلك على رجل آخر في تربة ,
قال شبيب بن جميع:
قمنا عليهم صِفـرٍ كنها الجلّة كم فاطـر فرقوها هي وراعيها
قال
فايز الحارث: صبّحْنَا الشريف حسين وهو جالس في مجلسه مكتظم ومغتاظ,
وسواكه في يده, ورجليه كلّ واحدة على الأخرى, يردّ هذه على تلك ثمّ العكس
دواليك, فقال علي بن الحسين: يا سيدي ما أخبار قومنا الذين أرسلناهم؟ قال:
راحوا . فقال: أين راحوا . فقال: تحاربوا مع قوم خالد وجت الطائلة لقومنا .
فقمنا ونحن في شكّ وريبة من كلامه, فلمّا مررنا بالمعابدة إذِ النّساء في
صياح ونحيب, هذه على أبيها, وتلك على زوجها, وأخرى على ابنها, وقالوا:لم
ينج إلا شريدتهم غازي القصّاص . فقلنا: نعم هذا الخبر وليس خبر حسين .
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ولكنّــه من يخذل الله يخذل
لجـاهد حتى يبلغ النفس عذرها وقلقـل يبغي العزّ كل مقلقل
وجميع
الأخبار كانت ترسل للإمام عبد العزيز في الرّياض, ولمّا وصله صامل بخطاب
خالد, قال: من كم يوم وأنت تسير؟ قال: جئتك في ثلاثة أيام . فقال: عزّ
الله إنك على اسمك صامل .
"يوم عوينة كنهل_ العيينة"
(19/ 11/ 1347)
ومن أخبار الإخوان بعد السّبلة, قتل الأمير فهد بن عبد الله بن جلوي بعد
السّبلة بشهر, وفهد هو ابن الأمير عبد الله بن جلوي ابن عم الإمام
عبدالعزيز, ومن المقرّبين إليه, ومن قدماء أصحابه حيث عاش معه في الكويت,
ورافقه في دخول الرّياض, وغزا معه باقي مغازيه, فولّاه المنطقة الشّرقية,
وكان ابن جلوي شديد البأس, عظيم البطش, فأصبح الكلّ يخافه حتى أنّهم
لقّبونه بـ"جبّار آل سعود" وكان بينه وبين الرّياض قبيلة العجمان, وهي
قبيلة شرسة, وكثيرة الحروب, وهم من قَتَلَ الأمير سعد بن عبد الرّحمن أخو
الإمام عبد العزيز, وأصابوا الإمام في تلك المعركة بعد "جراب" بطلقة في
بطنة فانفجر الرّصاص في بطنه ففتحت جرحاً عظيماً كاد يودي به, فتحامل على
نفسه, وكتم ما به حتّى نصره الله, ولعلّ هذا هو سبب إعراض الإمام عنهم,
وعدم إشراكهم في حروب الإخوان الكبيرة ضدّ أعدائه لمّا أضحى العجمان فيما
بعد من جُمْلة الإخوان بعدما جاءهم الدّعاة بالخير, فصاروا من المتديّنين .
ولمّا حبس الإمام عبد العزيز أهل السبلة, توجّس العجمان خيفة من الإمام
ومن ابن جلوي, فانحازوا عنه, فلم يعودوا يدخلون عليه ويزورونه كما عوّدوه,
فأرسل لهم ابنه فهداً فأناخ قريباً منهم, وكانوا على "عوينة كنهل" بقرب
هجرتهم "الصرّار" – بينهما قرابة الأربع ساعات - فنزل بجيشه حذاءهم, وكان
جيشه مكوّن من بني هاجر وبني خالد وابن عريعر وحاضرة الشّرقيّة وقبائل كثر,
وكان أمير العجمان حينها ضيدان بن حثلين, وكان من ضمن العجمان أمير فخذ
منهم, يقال له ابن سُفران, وكان مقرّباً من فهد بن جلوي, وكان من جملة
أصحابه, ونزل العجمان بإبلهم وماشيتهم على العيينة أو العوينة, ثم قال لهم
شيخهم ضيدان: سأذهب لابن جلوي إتّقاء شرّه عنا, فهو لم يُنخ قبالتنا إلّا
وهو يريد شيئاً, فرفض أصحابه رأيه ومنهم ابن سفران, وقالوا: إن ذهبت فلن
تعود, لكنّ داع المنيّة كان أكثر إلحاحاً منهم, فذهب برفقته اثنان من
خاصّته إلى فهد ودخل عليه وحيّاه, لكنه رد التّحيه بأن أمر العبد فأوثق
قياد أضيافه, وجعلهم في خيمة مقابلة له, ولعله كان يريد سجنه في سجن
"غَبْرَان" عند والده, وقيل: إنّه ذَكَرَ لضيدان سبب مجيئه, وهو أخذ إبل
وسلاح العجمان بأمر من الإمام, لأنّهم لم يشتركوا مع الإمام في حربه في
السّبلة, وقال للعبد بعدما أوثقهم: إن سمعت البندق قد ثارت فثوّر الرّصاص
في رؤوسهم . فقال ضيدان: القوم سيأتونك إن لم تطلقني, فاستَمِع مشورتي
ودعني أعود إليهم . فقال: اقطع واخسأ, ولا تقل شيئاً!.
فلمّا هوّد الليل, وألقى السّواد البهيم بِجِرَانِهِ على النفود, ولم يعد
ضيدان, اجتمع رؤوس العجمان ومعهم ابن سفران, وقرّروا بيات فهد . واتّفقوا
على البيات ولكن خافوا من قتل بعضهم لبعض, فاقترح أحدهم أن ينزعوا ثيابهم
وأن يكتفوا بسراويلهم وعمائمهم ففعلوا, وهجموا مع هجعة الليل, وبروك سواده
على سنا الأفق, وبسط فراشه على أديم الثّرى, وهم ينادون شيخهم ضيدان,
ويهتفون باسمه لعلّه أن يردّ عليهم صوتاً أو يسمعهم ركزاً: يا ضيدان سمّعنا
صوتك, فكانت رصاصة العبد هي الجواب, فقُتِل الشيخ وانتقم الأتباع, ولكل
باغ مصرع, وعلى الباغي تدور الدوائر, فإنّهم لمّا لم يسمعوه, شهروا سيوفهم
وهجموا ببنادقهم, ومن حين سمع العبد دندنة الرّصاص بادر بقتل أسيره, ورهجت
الخيل, وتعانقت الفرسان بالرّماح والسّيوف, وعلا صوت الرّصاص والصّهيل,
وكثر الطّعن والتّقتيل في جيش ابن جلوي الذي ركب فرسه وأرخى عنانها
وجَلَدَهَا بسوطه عَلَّهَا تنقذه من حتفه, وتبعده عن منيّته, لكن ابن سفران
كان حاضراً, فمدّ البندقيّة عليه قائلاً بصوت يقطر منه الدم: ذُق ما ذاق
ضيدان, ورجفه بالرصاصة فأطاره عن فرسه صريعاً. وكان ذلك عام ( 1347) فزادت
ثارات الملك مع هذه القبيلة, ومع مرور الوقت بردت العداوة, وحلّ مكانها
الألفة والتعاون, بحمد الله تعالى (112).
وقيل: إنّ ضيدان لمّا يئس من موافقة فهد له بالعودة, طلب منه أن يكتب لهم
كتاباً حتّى لا يهجمون, فوافق الأمير فهد, وأرسل الكتاب الذي لم يصل إليهم
لسبب ما! فهجموا, والله تعالى أعلم .
ثم إن نايف بن حثلين _ أبو الكلاب _ والذي استلم زمام قيادة العجمان, ذهب
بقبيلته للكويت خوفاً من انتقام الأمير عبدالله بن جلوي فنزلوا "الوفراء" وانضموا
إلى الإخوان المنشقين هناك من مطير, وانضم إليهم جاسر بن لامي بحشود من
مطير, ونزلت عليهم بعض عتيبة وعنزة, كذلك فرحان بن مشهور الرّويلي, وقيل إن
الدهينة أرادهم ثم تركهم إلى العراق.
ومرت الأيام والأحداث, حتى كانت نهاية أكابرهم بين يدي الإمام حين سلمتهم بريطانيا له, وانطفئ بحمد الله شرر الفتنة والفرقة .
يدفّنُ بعضنا بعضاً وتمشي أوائلُنا على هامِ الأوالي
وكمْ عينٍ مقَبّلةِ النّواحي كحيلٍ بالجنادل والرمال
والله أعلم, وصلّى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه.
إبراهيم الدميجي
23/ 3/ 1433
@aldumaijihttp://aldumaiji.blogspot.com/2012/02/blog-post_16.html | |
|
مجموعة عبد العزيز قاسم البريدية. للاشتراك أرسل رسالة فارغة إلى: azizkasem2...@googlegroups.com - أرشيف الرسائل |
|
|
|
|
| |