يكتبون الشعر كلعبة يرتجلونها اعتباطاً،يتناولون الفكر كعهرٍ فنيّ لا
يحترمونه،يتسابقون في الإغراب الفج،أو السطحية الفجة وكلاهما يعملان على
تغييب العقل والوجدان والحقيقة،ولكن تصدق هلوسات أقزام لغة الضاد في بعض
الأحيان،والله أجدني أصفّق لكل شاردة من شواردهم،وليست شواردهم غير تمتمة
فارغة لا تمت إلا لذبذبات الإيقاع المتواصل؛بمعنى أن المد الفكريّ لا
يتواصل بل يتداعى في هبة هستيرية مفاجئة،وأحياناً ترى القصائد تطول بلا
هدف،وأحياناً تقصر بلا هدف،وأحياناً يفتر الشعر وحيناً ينهض ويقوى،وترى
أن القصيد قد يعلن تمرد صاحبها لا التمرد الفنيّ الذي يدّعونه بل التمرّد
المنغلق!؛فالغموض والضبابية في مأخذ السياق تعمد لفوضى في الربط
والتواصل،وليس الشاعر النابغ المتميز من يعمد إلى ذلك إن كان مثل هؤلاء
يعمد أصلاً! فأجزم أنهم يتركون القصيد دون وعي تسير ولا تسير،تدخل حومات
وشرك الضباب ويفرحون بسوءاتهم؛وهذا تقزّم وضحالة.
فالوعي هو المترتب عليه قيمة الواعي به،كالإنتاج والمنتج،والكارثة تكمن
إن كان وراء هذه الكارثة الذوقية وعي ودقة!!؛فهو إذاً مخطّط غاشم للفتك
بذوق الأمة جميعاً،إن من الغباء أن نترك الكارثة وندّعي أنها لعب،فهى
خراب وتدمير،فإذا ما قال أحد الضحاليين مثلاً:
والهوية قلت
قال دفاع عن الذات
إن الهوية بنت الولادة
لكنها في النهاية إبداع صاحبها
لا وراثة ماض
أنا المتعدد
في داخلي خارجي المتجدد
لكنني أنتمي لسؤال الضحية
لو لم أكن من هناك
لدربت قلبي على أن يربي غزال الكناية
فاحمل بلادك أنّى ذهبت
وكن نرجسيَ السلوك
لكي يعرفوك إذا لزم الأمر
منفى هو العالم الخارجي
ومنفى هو العالم الباطني
فمن أنت بينهما؟
لا أعرّف نفسي لئلا أضيّعها
وأنا ما أنا
وأنا آخري في ثنائية تتناغم بين الكلام وبين الإشارة
ولو كنت أكتب شعرا لقلت:
أنا اثنان في واحد كجناحيْ سنونوة
إن تأخر فصل الربيع اكتفيت بنقل الإشارة
يحب بلادا
ويرحل عنها
هل المستحيل بعيد؟
يحب الرحيل إلى أي شيء
ففي السفر الحر بين الثقافات
قد يجد الباحثون عن الجوهر البشري
مقاعد جاهزة للجميع
هنا هامش يتقدّم
أو مركز يتراجع
لا الشرق شرق تماماً
ولا الغرب غرب تماماً
فإن الهوية مفتوحة للتعدد
لا صَدَفا
أو خنادق
كان المجاز ينام على ضفة النهر
لولا التلوث لاحتضن الضفة الثانية
نعم إنهم لا يعتدون بجذور ولا هدف يجمعهم،ولا حتى هدف التميّز
الخلاّق،إنهم بلا هوية ،وإذا قالوا هوية فهى عندهم عولمة وانبتات وتلاشٍ
وغيوم،هويتهم ضلالهم وعنجهية مفرطة في الخبال،والفن يبقى عندهم لعبة
وقناع لبث الموت واليأس وهدم الهوية والميسم،فكيف يكون الإنسان إذا أصبح
بلا هوية ولا جلاء ولا ثقل ولا روح؟!كيف يصبح دون أمة وجذور؟،ومن الواضح
أن الإجابة تكمن في لامبالاتهم بالتميز بل تميزهم في كيف يخرجون من
الجذور إلى الهامشية والإغراق في الضحالة؟؟!.
فإذا لم يكن للآدميّ أيّ انتماء فلا يلزم أخذ أقواله،ولا يلزم اتباع
خطواته،ولا يلزم ترك الصالح بالطالح،أعلم أن من عبدة الشيطان الذين
ينتسبون إلى الأدب والذوق ويقيمون الطاغوت الغربيّ ويرفعون شعار الغواية
الأدبية ليعيثوا فساداً،بل وليهدموا كل شئ،وليفتكوا بالمعايير،وليقيموا
نصبهم من أشخاص عدموا القيمة وباتوا هباءً وخواءً.
إن من الجهل يا أيها الجيل النابت الموهوب أن نتبع طواغيت الذوق
ونقلدهم،ونرفع ألويتهم وهم مهدومون في أنفسهم،يحملون عوامل سقوطهم في
كلمهم،يفتتون الدلالات ليعدموا الذوق فالمعرفة فالتاريخ فالهوية ..ويصبح
اليأس ثم اليأس إلى الإنكسار.
وليد صابر شرشير((مجمع الأصالة:نظرية التميز والإبتكار والتجديد الخلاّق
الراقي بالأمة))10جمادى الآخرة1430هجرية-4يونية 2009م
http://magmaa.3arabiyate.net/montada-f3/topic-t136.htm#247
--
مَجمَعُ الأَصَالةِ
الرئيس
وليد صابر شرشير