عن عبد الله بن عباس قال: انطلق النبي في طائفة من أصحابه إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأُرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: مال لكم فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأُرسلت علينا الشهب قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شئ حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهنالك حين رجعوا إلى قومهم وقالوا: "يا قومنا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن:1]" فأنزل الله على نبيه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [الجن:1].[2]
إن سورة الجن ابتداء شهادة من عالم آخر بكثير من قضايا العقيدة التي كان المشركون يجحدونها ويجادلون فيها أشد الجدل ويرجمون في أمرها رجماً لا يستندون فيها إلى حجة ويزعمون أحياناً أن محمداًّ ﷺ يتلقى من الجن ما يقوله لهم عنها فتجيء الشهادة من الجن أنفسهم بهذه القضايا التي يجحدونها ويجادلون فيها وبتكذيب دعواهم في استمداد محمد من الجن شيئاً.
ثم إنها تصحيح لأوهام كثيرة عن عالم الجن في نفوس المخاطبين ابتداء بهذه السورة وفي نفوس الناس جميعاً من قبل ومن بعد ووضع حقيقة هذا الخلق الغيب في موضعها بلا غلو ولا اعتساف فقد كان العرب المخاطبون بهذا القرآن أول مرة يعتقدون أن للجن سلطاناً في الأرض.وبين الإغراق في الوهم والإغراق في الإنكار. يقرر الإسلام حقيقة الجن ويصحح التصورات العامة عنهم ويحرر القلوب من خوفها وخضوعها لسلطانهم الموهوم:
وقد تكفلت هذه السورة بتصحيح ما كان مشركو العرب وغيرهم يظنونه عن قدرة الجن ودورهم في هذا الكون. أما الذين ينكرون وجود هذا الخلق إطلاقاً فلا ندري علام يبنون هذا الإنكار وتسميته خرافة.[3]
سورة الجن هي سورة مكية نزلت قبل هجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة المنورة وقد نزلت قبل سورة يس وبعد سورة الأعراف وتقع في القرآن الكريم في الجزء التاسع والعشرين وقد كان ترتيبها من بين نزول السور أربعين.[١]
ورد في سبب نزول السورة الكريمة بأنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد ذهب برفقة صحابته الكرام إلى سوق عكاظ وكان الجن في ذاك الوقت قد مُنعت من خبر السماء إذ رمتها الشهب حينها فعادوا إلى أهلهم مخذولين من الإتيان بأخبار أهل الأرض فكان هذا الأمر مستغرباً لدى باقي الجن فأرادوا استطلاع السبب الذي منع الجن من الإتيان بالأخبار.[٢]
وبينما هم يستطلعون الأمر إذ مروا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مع أصحابه ويقرأ من آيات الله -تعالى- فعاد الجن إلى أهلهم وأخبروهم بما سمعوه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنّه السبب الذي حال بين الجن وبين خبر السماء.[٢]
وحينها قد نزلت الآيات الكريمة التي أخبرت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما حدث مع الجن قال -تعالى-: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا).[٣][٢]
سميت في كتب التفسير وفي المصاحف التي رأيناها ومنها لكوفي المكتوب بالقيروان في القرن الخامس سورة الجن . وكذلك ترجمها الترمذي في كتاب التفسير من جامعه وترجمها البخاري في كتاب التفسير سورة قل أوحي ألي .
ويظهر أنها نزلت في حدود سنة عشر من البعثة . ففي الصحيحين وجامع الترمذي من حديث ابن عباس أنه قال : انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ بنخلة وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر وأنه استمع فريق من الجن إلى قراءته فرجعوا إلى طائفتهم فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا وأنزل اله على نبيه قل أوحي ألي أنه أستمع نفر من الجن .
وذكر ابن إسحاق أن نزول هذه السورة بعد سفر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يطلب النصرة من ثقيف أي وذلك يكون في سنة عشر بعد البعثة وسنة ثلاث قبل الهجرة .
إثبات كرامة للنبي صلى الله عليه وسلم بأن دعوته بلغت إلى جنس الجن وإفهامهم فهم معان من القرآن الذي استمعوا للنبي صلى الله عليه وسلم وفهم ما يدعوا إليه من التوحيد والهدى وعلمهم بعظمة الله وتنزيهه عن الشريك والصاحبة والولد .
وإثبات أن لله خلقا يدعون الجن وأنهم أصناف منهم الصالحون ومنهم دون ذلك بمراتب وتضليل الذين يقولون على الله ما لم يقله والذين يعبدون الجن والذين ينكرون البعث وأن الجن لا يفلتون من سلطان الله تعالى .
وتعجبهم من الإصابة برجوم الشهب المانعة من استراق السمع وفي المراد من هذا المنع والتخلص من ذلك إلى ما أوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من في شأن القحط الذي أصاب المشركين لشركهم ولمنعهم مساجد الله وإنذارهم بأنهم سيندمون على تألبهم على النبي صلى الله عليه وسلم ومحاولتهم منهم العدول عن الطعن في دينهم .
افتتاح السورة بالأمر بالقول يشير إلى أن ما سيذكر بعده حدث غريب وخاصة بالنسبة للمشركين الذين هم مظنة التكذيب به كما يقتضيه قوله : كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً [ الجن : 7 ] حسبما يأتي .
أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يُعلم المسلمين وغيرهم بأن الله أوحَى إليه وقوع حدث عظيم في دعوته أقامه الله تكريماً لنبيئه وتنويهاً بالقرآن وهو أن سخر بعضاً من النوع المسمى جنّاً لاستماع القرآن وألهمهم أو علَّمهم فهم ما سمعوه واهتداءهم إلى مقدار إرشاده إلى الحق والتوحيد وتنزيه الله والإِيمان بالبعث والجزاء فكانت دعوة الإسلام في أصولها بالغة إلى عالم من العوالم المغيبة لا علاقة لموجوداته بالتكاليف ولا بالعقائد بل هو عالم مجبول أهله على ما جبلوا عليه من خير أو شر لا يعدُو أحدُهم في مدة الدنيا جِبلتَه فيكون على معيارها مصيرُه الأبدي في الحياة الآخرة ولذلك لم يَبعث إليهم بشرائع .
هذا العالَم هو عالم الجنّ وهو بحسب ما يستخلص من ظواهر القرآن ومن صحاح الأخبار النبوية وحَسَنها نوع من المجردات أعني الموجودات اللطيفة غير الكثيفة الخفية عن حاسة البصر والسمع منتشرة في أمكنة مجهولة ليست على سطح الأرض ولا في السماوات بل هي في أجواء غير محصورة وهي من مقولة الجوهر من الجواهر المجردات أي ليست أجساماً ولا جسمانيات بل هي موجودات روحانية مخلوقة من عنصر ناري ولها حياة وإرَادة وإدراك خاص بها لا يُدرى مَداه . وهذه المجردات النارية جنس من أجناس الجواهر تحتوي على الجن وعلى الشياطين فهما نوعان لجنس المجردات النارية لها إدراكات خاصة وتصرفات محدودة وهي مغيبة عن الأنظار ملحقة بعالم الغيب لا تراها الأبصار ولا تدركها أسماع الناس إلاّ إذا أوصل الله الشعور بحركاتها وإراداتها إلى البشر على وجه المعجزة خرقاً للعادة لأمر قضاه الله وأراده .
03c5feb9e7