كتاب العالم بين دفتي كتاب بقلم سهير القلماوي ....يضم الكتاب مجموعة من المقالات توضح فيها أن الكلمة المكتوبة من اهم مصادر المعرفة منذ التاريخ القديم ومازالت ممتدة إلى الآن إلا انها اتخذت أشكالاً مختلفة على مر العصور وتظل القراءة هى وسيلة المعرفة كما انها متعة للنفس وغذاء الروح وهى وسيلة العقل إلى السياحة بين أثار الفكر البشرى فهى تتخطى وتختزل كل الفواصل والفوارق الاجتماعية والحدود الجغرافية والكتاب ياخذ القارئ فى سياحة عقلية ليطوف به من أشكال الكتابة الإبداع والتأليف وماذا نقرأ وكيفية اختيار الكتب والتأليف الأدبى والعلمى .
أبو علي الحسين ابن سينا عالم وطبيب وفيلسوف مسلم يعد أحد أهم المفكرين الموسوعيين في العصور الوسطى والمرجع الأساسي للكثير من العلوم لعدة قرون نشأ وتعلم في بخارى ونبغ في العديد من العلوم والمعارف قبل سن العشرين إذ طاف البلاد وناظر العلماء واتسعت شهرته وعمل في السياسة وتقلد الوزارة وكان يُنفى تارة ويسجن تارة أخرى حتى أنه اتُّهم بالإلحاد والزندقة.
ترك تراثا ضخما من المؤلفات المحفوظة في مكتبات الشرق والغرب جزء منها طبع وبعضه لا يزال مخطوطا وكثير منها اختفى بلا أثر وبعضها ترجم إلى اللاتينية في أيامه وللفرنسية والصينية والأيرلندية حديثا بالإضافة إلى لغات أخرى.
أما والده فكان من بلخ (في أفغانستان) ثم انتقل إلى بخارى وتولى العمل بإحدى قراها ويقال لها "خرميثن" ثم عمل محاسبا في جمع الضرائب بالمدينة التي استقر فيها مع أسرته عام 985 ميلادي (375 هجري) وكان حينئذ في الخامسة من عمره.
يحكى عنه أنه كان يحب الأنس والأطعمة الفاخرة فكان كل ليلة بعد نهاية الدرس يستقدم العازفين ويمد الموائد الممتعة ويقضي كذلك طرفا من الليل مع تلاميذه وأحبابه إذ أبان شعره أنه لم يكن من الزهاد.
اختلف الباحثون في عقيدته بين من قال إنه مسلم مخلص في إسلامه ومن اتهمه بالكفر والزندقة فكان يرد على الذين اتهموه في دينه "إن تكفير مثلي ليس بالأمر الهين ولا يوجد إيمان أقوى من إيماني أنا وحيد دهري وأكون كافرا إذن لا يوجد في العالم كله مسلم واحد".
أثبتت الرسومات الشارحة التي حفلت بها مخطوطاته أنه كان رساما موهوبا كما كان أديبا وشاعرا وموسيقيا يحسن العزف على العود وعني بالموسيقى سماعا ودراسة نظرية ونسب إليه علي واجد خان اختراع آلة الطنبور في كتابه "مطلع العلوم" وهناك من نسب إليه اختراع العود.
كان متقنا الفارسية والعربية لغة العلم حينها ويظهر من أخباره أنه تميز بذاكرة قوية وذكاؤه كان من النوع الذي يظهر قبل أوان ظهوره عند أشباهه في السن والمواهب وكان طموحا وشديد الاعتداد بنفسه ويتمتع ببنية جسمانية قوية وبحدة النظر والسمع.
وحفظ ابن سينا سيرته في مرحلة ما من سنوات عمره الأخيرة حيث أملاها على تلميذه أبو عبد الله الجوزجاني الذي لازمه أكثر من 25 سنة.
كان ابن سينا منذ الصغر شغوفا بالعلم والمعرفة وقد أظهر نبوغا مبكرا تفوق به على أقرانه ويقول عن علوم نشأته الأولى "لقد أحضر والدنا لي ولأخي الوحيد معلما للقرآن وآخر للآداب ولقد استطعت أن آتي على القرآن حفظا وتعلمت الكثير من نصوص الأدب وأنا لم أكمل العاشرة من عمري بعد وهذا ما أثار إعجاب المعلمين بصورة كبيرة" حتى أن معلمه امتحنه أمام والده في حفظه ففاجأه بأنه حفظ أيضا ألف بيت من الشعر وعشرين رسالة من رسائل الحكماء (الأطباء) والعلماء.
كان الصبي يلتقط العلوم بشكل سريع فاختار له والده خيرة من يقوم بتعليمه فأخذ اللغة من أبي بكر الخوارزمي والفقه على يد محمد إسماعيل الزاهد وتعلم الحساب من بقال يدعى محمود المساح "وكان عالما في الحساب والجبر والمقابلة" كما وصفه البيهقي.
بعد ذلك أتى إلى بخارى رجل اسمه أبو عبد الله الناتلي كان يُدعى "المتفلسف" فقرأ عليه كتابي إيساغوجي في علم المنطق والمجسطي في علم الهيئة والجغرافيا وتعلم منه مطلع "كتاب العناصر" في علم الهندسة ثم تولى بنفسه حل بقيته ولما سبق معلمه وفاقه علما فارقه ونصح والده بألا يشغله بغير العلم.
بلغ الفيلسوف الصغير من الولع بالعلوم حدا جعله يدرسها بنفسه ويجتهد في تحصيلها ويقول "صارت أبواب العلم تنفتح علي" ثم يصف حاله في تلك الفترة "ومهما أخذت أدنى نومة أحلم خلالها بالمسائل التي شغلتني في يقظتي حتى أن كثيرا منها اتضحت وجوهها في المنام".
وقد وصفه المؤرخ بن خلكان بالقول "وتعلّمه (أي الطب) حتى فاق فيه الأوائل والأواخر في أقل مدة وأصبح عديم القرين فقيد المثيل وفي مدة اشتغاله لم ينم ليلة واحدة بكمالها وكان إذا أشكلت عليه مسألة توضأ وقصد المسجد الجامع وصلى ودعا الله عز وجل أن يسهلها عليه ويفتح غلقها له" وقيل إن مسلكه هذا كان دليلا على العاطفة الدينية القوية في نفسه وأن إيمانه كان جزءا من عبقريته.
بعد ذلك بدأت رحلة "أمير الأطباء" مع الفلسفة وكان عليه تعلم علم الطبيعة أولا حتى يدرك ما وراءها لكن ميتافيزيقيا أرسطو (علم ما وراء الطبيعة) سببت له مصاعب كبيرة إذ قرأها 40 مرة حتى صارت لديه محفوظة ولم يستطع فهمها إلا بعد قراءة مصنف الفارابي.
في سن الأربعين حفزته كلمة سمعها من أبي منصور الجبائي وكان قد خاض معه في حديث اللغة فقال له "إنك حكيم ولكنك لم تقرأ من اللغة ما يرضي به كلامك". ثم أقبل على دراسة كتب أسرار العربية ثلاث سنين حتى واجه الجبائي بعد سنوات بما أفحمه واستغلق عليه.
بدأ "الشيخ الرئيس" حياته المهنية كاتبا وطبيبا في بلاط نوح بن منصور سلطان بخارى وكان أول حكيم (طبيب) توسم بخدمة الملوك بعد سقوط دولة السامانيين انتقل إلى كركانج (عاصمة خوارزم) عام 1002 ميلادي وعاش في قصر شاه علي بن مأمون فقيها وعالما.
ثم سافر إلى الري (قرب طهران) وليس معه ما ينفقه على نفسه وعُيّن في منصب حكيم الدولة في بلاط الملك مجد الدولة وبعدها انتقل إلى قزوين حيث حصل على أسباب العيش بواسطة التطبيب.
بعد ذلك توجه إلى همذان عام 1012 ميلادي حيث اختاره الأمير أبو طاهر شمس الدولة طبيب البلاط والوزير الأعظم فخصص النهار للشؤون العامة والليل للشؤون العلمية لكن وزارته لم ترض الجند فأسروه وطلبوا قتله فأقصي من منصبه وبعد فترة أعيدت إليه الوزارة مرة أخرى لكنه تركها بعد وفاة الأمير.
ثم كان في خدمة علاء الدولة أمير أصفهان حوالي 14 عاما منشغلا في النهار بواجبات البلاط طبيبا ومسؤولا عن الإدارة في الدولة وفي ليالي الجمعة بعقد المجالس مع علماء البلدة فيما كان يقضي الليل مع طلابه وتبع الأمير في رحلاته ومغامراته العسكرية لكنه تمكن خلالها من إتمام أهم مؤلفاته.
وكتب أهم تصنيفاته في أوقات الهدوء التي كان يغتنمها في بلاط جرجان والري وهمذان وأصفهان يقول تلميذه إنه كان يملي عليه كل يوم خمسين ورقة دون أن ينظر في كتاب.
03c5feb9e7