انصار
الطليعة العربية حرية وحدة اشتراكية
الجمعة 25 آذار 2011
لا للتدخل العسكري الغربي في ليبيا أولا. ثم لا للقذافي..!
د.محمد عبد الشفيع عيسى
اليوم –الجمعة- الموافق 25 مارس/ آذار 2011 تكون دول التحالف الغربي، ممثلة في الذراع العسكرية "حلف الأطلنطي"، والذراع السياسية "الاتحاد الأوربي"، و محورها القيادي "ثلاثيّ الولايات المتحدة و فرنسا وبريطانيا"، قد أتمت تدمير قوة السلاح الجوي للحكومة الليبية، ودمرت قبلها قوة الدفاع الجوي، وأغلب قوة الدبابات والمدرعات، وأجبرت القوات الحكومية على التراجع عما كسبته من مواقع استراتيجية في الحرب المتبادلة مع المتمردين و (الثوار) المتمركزين في بنغازي . وبذلك تكون قوات التحالف الغربي قد اصطفت إلى جانب المتمردين و (الثوار ) من الجانب العسكري ، وخاضت من قبل ومن بعد حربها الخاصة سعيا من أجل السيطرة على حقول النفط والغاز الليبية إلى أمد قادم غير محدد، والسيطرة على الأرض الليبية والسماوات، كموقع لا يقدر بثمن في سياق وسباق الجيوبوليتيكا العالمية . كما اصطفت دول التحالف الغربي، من الناحية السياسية، إلى كيان دعمت تنصيبه باسم (المجلس الانتقالي) يقوده عدد من جنرالات نظام القذافي السابقين حتى بداية الأحداث في 17 فبراير الماضي، وإلى ما يسمى بممثلية سياسية أو (حكومة مؤقتة) برئاسة رمزية أو فعلية لأحد الأشخاص، أتيحت لنا بعض الظروف لنعلم شيئا عنه ، ويتوقع منه ومن حكومته الوهمية أن تلقى مصير شبيهتها التقريبية : حكومة الاحتلال الراهنة في العراق ، سليلة (الجلبي) ونظرائه ممن ركبوا ظهور الدبابات الأمريكية ذات يوم على أبواب بغداد..!
يخوض الغرب الأمريكي والفرنسي والبريطاني حربه الشاملة غير المتكافئة من أي وجه من الوجوه ، إذن، ضد قوات القذافي، ويتوقع أن تنتهي من مهمتها خلال أيام معدودات أو أسابيع ، على أقصى تقدير ممكن، بإنهاء كل أثر للقوة العسكرية الليبية ، تحت مظلة لمجلس الأمن بقراريه 1970 و1973، مظلة أوجدتها جامعة الدول العربية يقودها "مجلس التعاون الخليجي" ويتحدث باسمها "أمين" عام للجامعة، يقال إنه مرشح محتمل قوي لخلافة حسني مبارك، رئيسه السابق في جمهورية مصر العربية، ومتى؟ بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير المباركة..! ويحتمل بعد ذلك : إما السماح باستبقاء ظل لنظام القذافي، ليخوض صراعا تشنه الدول الغربية الثلاثة يساعدها وجود ذيلي لحكومة في بنغازي يمثلها شخص نعرفه كما ذكرنا، وإما فتح المجال أمام ( الحكومة - الذيل) للسيطرة على كل ليبيا ، مع حالة من عدم استقرار سياسي وعسكري مزمن أكيد.
كل ذلك وأحوالنا السياسية والإعلامية في مصر الثورية الجديدة ، غير مستقرة ، يهيمن عليها استقطاب ممتقع الوجوه بين تيار ديني ، متعدد التمثلات، وبين تيارات ليبرالية ويسارية متنوعة بغير رؤية واضحة من القضايا الوطنية المصرية ، والقضايا القومية العربية ذات الأولوية. ولكن الجميع غير مدرك للمغزى الكامل للهجوم العسكري الغربي الذي جنّد حتى الآن 350 طائرة قاذفة مقاتلة ، وأسطولا بحريا مرابطا قبالة السواحل الليبية ، وقوات اخرى متحفزة في قواعدها داخل أوربا وما وراء البحار، لتحارب جميعا قوات مسلحة ليبية لا وجود لها أصلا، أو لم يعد لها وجود..!
فأين الثائرون الشباب بميدان التحرير القاهري العتيد مما يجري ، وماذا هم فاعلون..؟ هل أن البعد "الوطني-القومي" في فكر ثورة الزعامات الشبابية للخامس والعشرين من يناير وبعض الذين أبدوا حماسا للثورة ، ما يزال غائبا في بعض وجوهه، وإلى متى؟ وإلى متى ستظل الإيديولوجية الثورية للخامس والعشرين من يناير مراوحة بين تيارات الأمواج المتلاطمة من الجانب الديني والليبرالي وبعض اليساري، دون وجود مؤثر وقويّ للبعد الوطني-القومي الأكيد؟
وكما ذكرنا في مقال سابق : الساكت عن الحق شيطان أخرس . وماذا دهى المثقفين العرب، والكتّاب، والإعلام العربي هذه الأيام..؟
نفهم أن يكون القذافي بدون أية تغطية إعلامية مساندة على الإطلاق، عربيا وعالميا، فتلك نتيجة لما صنعت يداه، حينما جرد البلاد والعباد في ليبيا الشقيقة من أية إمكانية حقيقية لتوسيع دائرة الإبداع العلمي والثقافي والعمل المهني الإعلامي . والعكس ما صنعته بعض دول الخليج مثلا، والتي لم توسع دائرة الإبداع المحلي الحقيقي أيضا، ولكنها جندت الأقلام العربية، وجيّشت الأجهزة الإعلامية الجبارة ، والصحافة المكتوبة ، وبعض مؤسسات (الفكر) والثقافة، لتكون جميعها ظهيرا خلفيا واحتياطيا للدفاع ولو غير المباشر عن ترسانة كاملة ذات حدود محددة من أجهزة المفاهيم المعينة على مستوى الوطن العربي .
نفهم هذا كله، ولكن مالا نفهمه حقا أن تعيد الصحافة المكتوبة والمرئية في جميع الدول العربية، بكل أطيافها الفكرية والسياسية تقريبا، وفي مقدمتها مصر العزيزة ، على مسامعنا و أفهامنا، ليل نهار، مايعرفه ويلهج به الجميع تقريبا، منذ عقود، عن مساويء نظام القذافي في ليبيا، بل ومساوئه على صعيد الشخصية ونمط قيادته السياسية ، وأسلوب إدارته للأحداث الأخيرة، كل هذا بينما تتلاحق الأحداث منذرة بما هو خطير من الأمر على (الدولة) العربية الليبية وليس على مجرد النظام والشخص ومن لف لفّه من شخوص .
ولقد كانت وقعت بدايات لثورة شبابية وشعبية في ليبيا في17 فبراير الماضي، وخاصة في مدينة بنغازي ، ثم انقلبت إلى بدايات حرب أهلية بعدها بيوم أو بعض يوم..! حرب أهلية وقودها القوات المسلحة الليبية التي انشطرت شطرين بعد تفجر "الثورة" مباشرة وما تلاها من ردود عسكرية وأمنية على أحداث التظاهر والاحتجاج ، حين انشق الجيش على نفسه : قسم مع القذافي يتمركز غربي ليبيا، وقسم ضده يتمركز شرقيّها. و قد التبست البدايات القائمة للحرب الأهلية، من أولها، بنذر تدخل عسكري في ليبيا الشقيقة من جانبين : جانب النظام الحاكم، عن طريق الاستنجاد ببعض قوى إفريقية مجاورة ، بالأفراد والعتاد، ويقابل ذلك : استنجاد القوى المناوئة للقذافي بكل من أمريكا و الاتحاد الأوربي وحلف الأطلنطي، وكذا بالجامعة العربية وأمينها العام ، ودول مجلس التعاون الخليجي . و تبع ذلك صدور " القرار- الفضيحة " من المجلس الوزاري للجامعة العربية بدعوة مجلس الأمن ( للقيام بمسئولياته من أجل تطبيق الحظر الجوي في ليبيا وإقامة "مناطق آمنة لحماية المدنيين"..!) كما قيل ، و صدور قرار مجلس الأمن الدولي بتفويض ( أعضاء الأمم المتحدة) لإنفاذ الحظر الجوي ( واتخاذ ما يلزم من إجراءات أخرى لحماية المدنيين..! ) ثم قيام (دول التحالف الغربي )– ومعها دولتان من الخليج، تطوعتا لأداء وظيفة (الغطاء) المطلوب للتحرك الغربي .!- بتطبيق الحظر الجوي وتنفيذ الهجمات الجوية ضد القوات الحكومية ومواقع مختلفة ذات أهمية استراتيجية للحكومة الليبية ، إسنادا للقوى المناهضة لها في كل من المنطقتين الشرقية والغربية ، وتساقط الضحايا من المدنيين والعسكريين . و قد أخذت الدول التي امتنعت عن التصويت في مجلس الأمن على القرار السابق ( روسيا والصين والهند والبرازيل)، تنحو باللائمة على التحالف العسكري للدول الغربية لتجاوزه حدود التفويض الممنوح من مجلس الأمن لما يسمى (حماية المدنيين.!)، ولكن بعد فوات أوان اللوم والعتاب. فقد جرت (اللعبة) كما جرت في مواجهة العراق أيام صدام حسين طوال عقدين من الزمن تقريبا : يصدر قرار من مجلس الأمن بدون "اعتراض" من أحد، أي بدون ممارسة لحق "النقض" ممن له هذا الحق، وخاصة روسيا والصين، حتى إذا أخذت روسيا أوالصين بعد ذلك في رفع عقيرتها بالشكوى والصياح، ضاعت شكواها أو صياحها أدراج الرياح، فقد نفذ السهم الأمريكي وانتهى الأمر إلى الأبد..!
هذا كله، بينما تستمر الصحافة العربية- والمصرية- في الحديث عن مساوىء القذافي، وتنشر عنه رسوم "الكارتون" و "الكاريكاتير"، وتنفخ في نيران المواجهة العسكرية، وتنقل أخبار الهجمات الأطلنطية- الأمريكية والفرنسية في ليبيا في حياد.!
ألم يتعلم المثقفون العرب من درس العراق، وخاصة إبان (حرب الخليج الثانية) التي بدأت بغزو صدام حسين للكويت في الثاني من أغسطس عام 1990، وانتهت بحرب من أمريكا وحلفائها العرب والأجانب لطرد قوات قوات صدام حسين من الكويت، اعتبارا من 17 يناير 1991..!؟
ساعتها انقسم المثقفون العرب إلى قسمين متساويين تقريبا : قسم يركز على المعارضة التامة للتدخل العسكري الأمريكي استهدافا للسيطرة على نفط الخليج ، وقد وقف بعض ممثلي هذا القسم تأييدا لصدام حسين دون هوادة ، إمعانا في معاداة التدخل الأجنبي ؛ أما القسم الثاني فقد ركز على ما أسموه (حرب تحرير الكويت) للتخلص من الغزو الصدامي للكويت، ووقف هذا القسم من ثم موقفا مذبذبا يترواح بين تأييد شديد أو متحفظ للحرب الأمريكية ضد العراق، وبين التعبير المكثف عن معاداة صدام حسين . وتطايرت شرارت حرب المثقفين العرب الأهلية، بدعاوى فكرية وسياسية متعارضة، بدء من (سقوط الخيار القومي) إلى (خروج العرب من التاريخ)..! وضاعت دعوات عاقلة بين الطرفين لإعادة بناء (النظام الإقليمي العربي) أو "إعادة الاعتبار للقومية العربية"..! وقد استمرت (الحرب الأهلية) بين المثقفين العرب دون جدوى، لتشكل أرضية ممهدة بعد ذلك لتمرير جريمة الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله عام 2003، إثر دخول العاصمة بغداد في التاسع من إبريل، ثم انتشار الدعاوى " الليبرالية " الغامضة بين المثقفين العرب ، حتى الشباب منهم ، على حساب فكرة الحرية- حرية الوطن والمواطن- والاشتراكية والوحدة .!. ولولا المقاومة العراقية الباسلة ، التي قوضت دعائم الاستراتيجية الأمريكية الشريرة، لوقع ما هو أشد وأنكى .
واليوم يتفق المثقفون العرب على معارضة معمر القذافي، بدون أثر حقيقي لمعارضة التدخل العسكري الأمريكي- الأوربي في ليبيا، إلا من رحم ربي وإلا ما ندر..!
واليوم أيضا نتعرض لامتحان مشابه للامتحان العراقي عام 1991، في خيار زائف بين القذافي والتدخل العسكري الأجنبي الغربي، مثلما واجهناه في خيار زائف بين صدام حسين و أمريكا. وليست قراءة التاريخ بأثر رجعي أمرا صالحا ، ولكن تجب الإشارة إلى أن المثقفين العرب لم يكونوا ليضعوا أنفسهم في خضم الخيار الزائف بشأن العراق، فلم يكونوا لينقسموا بين مؤيد أو معارض لأحد الطرفين، و إنما ليعارضوا غزو صدام حسين للكويت، ويعارضوا أيضا غزو أمريكا للعراق..ولا تناقض بين الأمرين . فالموقف القومي الحقيقي يتعارض مع مفهوم (الضم بالقوة) بالضرورة، مثلما هو يقضي بمعارضة التدخل الأجنبي في الشأن العربي، دون تململ.
كذلك الحال اليوم . فلسنا مجبرين على الاختيار بين مجرد معاداة القذافي، إن حمل ذلك تأييد مستترا أو ضمنيا أو حتى إكراهيا للتدخل الغربي في الشأن الليبي، وبين مجرد تأييد القذافي، إن حمل ذلك تأييدا لاستمرار النظام السياسي (الجماهيري)..!
فنحن إنما نعارض التدخل الأمريكي ونعارض القذافي في نفس الوقت، ولكنا نعارض التدخل العسكري الأجنبي أولا. وليذهب الأمريكيون وحلفاؤهم الدوليون والليبيون المحليون إلى الجحيم أولا، ثم يتولى الشعب العربي الليبي أمره مع القذافي ونظامه ، وهو أمر غير بعيد.
فإن احتجّ البعض بان استبعاد التدخل الأمريكي يمكن أن يؤدي إلى تدعيم بقاء نظام القذافي إلى أمد غير محدد، قلنا له إن نظام القذافي قد سقط سياسيا، وربما ميدانيا أيضا، من قبل وقوع التدخل العسكري الغربي، وأنه لم يعد يملك فعليا زمام السيطرة السياسية والعسكرية على ليبيا، إلا قليلا. فإن لم يعلن سقوطه اليوم، فسوف يتم ذلك في الأمد القريب. وإنما إن فرض الغرب- بقيادة أمريكا- نفوذه في شأن ليبيا، فلن يخرج منها غدا أو بعد غد..! وإن قال البعض أيضا إن الغرب وأمريكا مصالحهما آمنة بالفعل في ظل القذافي ، لقلنا إنها آمنة بغير طمأنينة..! وإلا لما عملا بكل الجهد على إسقاطه عسكريا هذه الأيام .
فما الحل..؟
إنا لا نطمع أن تقوم جامعة الدول العربية برعاية حل مشرّف للأزمة الليبية، عن طريق احترام خيارات الشعب الليبي ومحاولة ضمان عملية توافقية او تصالحية لانتقال السلطة بصورة سلمية بين الفرقاء الليبيين، فذلك مما فاته قطار الحركة السياسية أصلا، وما هو أيضا خارج قدرات الجامعة العربية، في ضوء المواقف المؤكدة لمجموعة معينة من الدول الفاعلة فيها؛ هي دول مجلس التعاون الخليجي تحديدا. وربما يمكن لـ "الاتحاد الإفريقي" أن يفعل شيئا، فلم تهيمن عليه بعد، بصفة كلية ، إرادة و أصابع التحالف الغربي الشيطاني كما فعلت بجامعة الدول العربية وأمينها العام ومجلس التعاون الخليجي..!
وإنما نطمع أن يقوم حكماء الأمة العربية ومثقفوها الشرفاء، باتخاذ الموقف الصحيح : لا للتدخل العسكري الغربي في ليبيا أولا. ثم لا للقذافي ونظامه وسياساته . ولتكن الأولوية إذن لقولة "لا" لأمريكا وطريقتها الهدامة في التعامل مع الأزمات المحلية في الوطن العربي والعالم الإسلامي العريض : طريقة التشجيع على (الاستئصال العضوي) لأحد طرفي الأزمة، كأسلوب لإدارتها بدلا من إنهائها. وكما فعلت أمريكا في العراق، وكما تحاول أن تفعل الآن في لبنان، من خلال تبنّي أحد طرفي النزاع المحلي، هو الطرف الموالي لها عموما، وتشجيعه على التصفية العضوية للطرف الآخر، تجرب حظها للمرة الثالثة الآن في ليبيا، بالدفع نحو النهج (الاستئصالي) المدمر في النهاية للطرفين المحلييْن.
ألا ليس الحل بيد الغرب وحلف الأطلنطي، وليست قوى الحل قابعة في نيويورك(حيث مجلس الأمن) أو في واشنطون وباريس .
وإنما يبدأ الحل من بين أيدينا، ولا نملك نحن المثقفين العرب سوى الدعوة إليه بالحسنى، ثم الضغط في سبيله بكل غال ونفيس، وتجنيد قوانا الفكرية والإعلامية من أجله، اعتراضا مجلجلا على استراتيجية الشرّ الأمريكية أولا، ثم على تكتيكات القذافي من أجل مجرد البقاء. و ألا فلندع دعوة جماعية صارخة إلى كفّ أمريكا وحلفائها عن الاستمرار في التدخل العسكري الهجمي لضرب ليبيا العربية ، و دعوة المعارضة الليبية إلى التعقل و إلى بلورة موقف فكري وسياسي قابل للمناقشة العلمية انطلاقا من إدانة واستبعاد كل صورة من صور التدخل الأجنبي ، مع العمل من أجل انتقال السلطة بصورة توافقية وسلمية بعيدا عن أي أثر للنفوذ الأجنبي المدمر.
وليجنّب الله ليبيا الشقيقة كل مكروه يأتي من أعدائها ومن بعض أبنائها في نفس الوقت.
مقالات أخرى للكاتب
· ليبيا خيارات زائفة وخيار صحيح
· الوجه الآخر لثورة ليبيا الراهنة