انصار
الطليعة العربية حرية وحدة اشتراكية
الاثنين 28 آذار 2011
الثورة الشابة ..
مدخلا إلى النهضة العربية الثالثة
مطاع صفدي
بين الثورة والنهضة دلالات مشتركة وفوارق مفهومية دقيقة. فهما معاً يُشكلان صيغة القطيعة في المسيرة التاريخية لأمةٍ أو لحضارةٍ. كلاهما ينطلقان من ظروف سلبية تنتاب المجتمع، ولا يرى لها حلولاً عادية ممكنة. وفي هذه الحالة تلجأ طلائع معينة أو زُمر اجتماعية إلى قيادة حركات جماهيرية ضد أجهزة السلطات القائمة.
فالثورة في رأي بعض الفكر اليساري هي استخدام العنف الإنساني ضد العنف الهمجي. الثائر ليس هو الجائع للغذاء وحده ، بل الجائع كذلك إلى إنسانيته . ما تعنيه الإنسانية في علاقة الطاغية بالثائر، هو أن المستبدّ لا يَحْرم جسد الثائر من طعامه وشرابه فحسب ، بل يَدوس على كرامته ؛ هؤلاء الطغاة يهينون شعوبهم كل لحظة ، يمنعون عنهم حرية الاعتراض على عربدة الاضطهاد ، على وقاحة اللصوصية المعمَّمة ، على استباحة حقوق الناس الأبرياء، بلا حساب ولا عقاب، على فُحْش كلّ الخيانات المرتكبة بكل ماهو حق للمواطن ، فيما هو أمْنٌ لمصالحِه وحياته ، واعتزازه بوطنه وسيادته .
كيف يمكن أن نتصور أن أربعمئة مليون عربي قضوا أجيالاً من وجودهم وهم حبيسو أوطانٍ تحوَّلت إلى معتقلات كبرى لشعوب ممنوعة من ممارسة إنسانيتها ، مُطَارَدَة من حكَّامها، مفتقرة إلى ألسنتها وآذانها وعقولها. فهذه محكومة بالتنازل ليس عن حق المعارضة للمستبد فقط، بل عن كونها بشراً يتعاطون رغبات وأفعال وإمكانيات كل البشر الآخرين العاديين . سجناء المعتقلات/ أوطان الاستبداد، كأنهم يُعَاقبون بالجملة عن ذنوب لا يعرفونها . مقذوفٌ بهم إلى هوامش العصر والمدنية والثقافة .
وقد تُلصق بهم تُهَمُ التخلّف والجهل والفقر، كأنهم هم أنزلوا بأنفسهم كل هذه الكوارث، وتشبثوا بها، تقبّلوها كطبائع مستديمة لنوعهم الإنساني ، الخارج عن التصنيف الحضاري، أمةٌ كاملةٌ جرى اعتبارها مستثناة ، شاذة على قواعد الجدارة بالعيش الكريم والعدالة . فهي تستحق العبودية ، وقد تستمرئ صنوف العسف والخسف من سادتها، فمَنْ أَولدتهم أمهاتهم في جحور السجون وتربوا وشَبُّوا بين القضبان ، كيف يمكن أن يصفوا لنا متى تشرق شمس بلادهم ـ وأين تمضي عصافير الربيع من موسم إلى آخر، ما بين جناتها وصحاريها.
سياسة الخمسين عاماً الماضية صحَّرت مشروع النهضة العربية المعاصرة . مزَّقت مواثيقه المعلَّقة على بوابات المدن المغلقة . عفَّرت شوارع العواصم بأتربة التماثيل المحطمة من شواهد المبادئ المهترئة ، ومن نفايات القيم المُداسة بأقدام الخونة والدجالين وقطَّاع الطرق. الاستبداد لا يدمّر الحريات فقط ، إنه العدو الأول لأخلاق المدنية ، يُجْهز عليها كي لا تبقى ثمّة فضيلةً واحدة عند الناس ، قادرة يوماً ما على فضحه ومعاقبته. ومع ذلك عندما يحلُّ أوان الثورة، يكتشف الضحايا أن قيودهم كانت أوهى من خيوط العنكبوت . وأن مُدن الصحراء قابلة للتحول إلى أوطان خضراء . وأن زبَّانية السجون ليسوا أكثر من كِلاب حراسة للأغراب، فقدوا سادتهم .
هل أضاع العرب نصف قرن من عهد استقلالهم الوطني في تجريب حُكّامٍ وأنظمةٍ، كبدائل عن مستعمريهم القدامى ، والمزمنين الدائمين، هل أُتيح لهذه الشعوب اختيار سلاطينها، إلا لمرّاتٍ وظروفٍ نادرة. لم يكن ذلك التجريب عقيماً كلّه . فلا المجتمعات كانت ناقصة الوعي والإرادة ولا كان السلاطين هم الأقوى والأدهى من شعوبهم . ولكن الثورة الحقيقية هي الثمرة الأعلى والأعلى في أسواق الحضارات الحيّة . كذلك هي الشجرة التي تُنْضج هذه الثمرة ؛ إنها الأكثر نُدرةً ، بين فرص التاريخ ، المفعم هو عينه ، والغاصّ بهياكل الفرص الضائعة للحضارات الفاشلة أو المغدورة بخطيئاتها الفطرية الذاتية أولاً ، قبل سواها . فقد حَفَلَت مسيرة النهضة ، منذ قرنين تقريباً، مع غزوة نابليون لمصر وجنوبي الشام ، بمختلف أشكال الانتفاضات والتمردات، وحتى نقول الثورات. لكن السقطات والانتكاسات التي أعقبت معظمها، كانت هي الأقدر على تجذير منطق الهزيمة المتناوبة ، أكثر مما أنتجت أو أنضجت ، هذه الثورات، من تحولات أو انعطافات لصالح التقدم النهضوي على دروب الحرية والعدالة : كأنما تبدو العلاقة بين النهضة والثورة ، ليست رابطة سببٍ أو علّةٍ بنتيجة دائماً ، إن لم تكن ملتبسة ومتعارضة أحياناً. ليست هي (اليد الخفية) للعدو أو للاستعمار الفاعلة دائماً فعلَها في التخريب والإحباط، وقتل طفولة الثورة قبل سن الرشد، وإن كانت لها قدرتها في الحسم عاجلاً أو آجلاً. والأمثلة كثيرة. ومازالت مناجلُها السوداء مرفوعة فوق أعناق الشعوب المضطهدة في كل آن، وفي كل مكان من قارتنا العربية والإسلامية .
إذا كانت بعض الشعوب تنسى الثورة تحت هول الإذلال الاستبدادي المتواصل ، فإن التاريخ لا ينساها، فيفاجئ الشعوب الهاجعة بإنفجار بركانها . هكذا، يصير العرب جميعاً مُجْبرين أن يعيشوا عصر الثورة مجدداً. ليس ثمّة استقرار تافه تركن إليه المجتمعات المتخلية عن وعيها وإرادتها . هو (التاريخ) يوقظها من غفلتها . ليس هو قوة سحرية أو غيبية ، لكنه هو دليل المجتمعات الخانعة إلى إنسانيتها . فحين تقع الثورة فجأة ، وهي لا تنفجر إلا على هذه الصورة، يتذكر المجتمع المستكين أنه كان أسير الخوف من أصنام محشوة بورق وتراب . وأنه كان هو الأقوى دائماً ، حتى في أحلك ظروف الاضطهاد والطغيان . غير أن الثورة ليست هبة الأقدار.
صحيح أن التاريخ هو مستودُعها وحارسها والأمين على مستقبلها. ولكن ماذا يفعل التاريخ بدون إرادة الناس وعزمهم وتضحياتهم . عندما تقع الثورة يصبح التاريخ صنيعة الثوار، يولد معهم تحت أسماء أفعالهم .. فليس ثمّة ثورة حقيقية في السجل العالمي إن لم تكن مدخلاً إلى تاريخٍ مختلفٍ لأمتها ، صانعٍ لنهضتها وإنسانيتها معاً . فالثورة العربية الراهنة هي ثورة عالمية، بقدر ما تُحدث من تغييرات سلبية وإيجابية في تضاريس جيوسياسية ، خاصة بميادينها الوطنية، لكنها فاعلة كذلك في أوسع محيطات استراتيجية تنداح حولها ، والغرب هو السياق إلى إدراك هذه الجدلية الصاخبة وآفاقها ، إنه المحيط الأقرب إلى مراكز القوة في زلزالها، الأحدث اليوم.
ليست سلطات الغرب الحاكمة هي المعنية وحدها بالحدث العربي غير المسبوق . بل هي شعوبُ الغرب التي تستيعد ذاكرة الثورة . بعضها يتساءل عمّا آلت إليه رهاناتها التغييرية الماضية . فأين هي فرنسا اليوم مثلاً، من وعود ثورتها الشبابية الطلابية (عام 1968) . المقارنة بائسة ومغيَّبة لدى الجيل الذي عاصرها وشارك في وقائعها، ثم عاش تقلبات السياسة والثقافة خلال بقية عقود القرن الماضي ، حتى الوقت الحاضر. وبين شخصيات هذا الجيل مثقفون ومفكرون وساسة وحكام ، متوزعون يساراً أو يميناً ، أو حيادياً . تلك الثورة الفريدة في العصر الأوربي والفرنسي تحديداً، تخطت السياسة والاقتصاد والثقافة إلى أخلاق الناس وسلوكهم الفردي والاجتماعي . أحدثت أشمل قطيعة معرفية وبنيوية . أرادت قلب العقل الغربي وسلوكه. وحققت اختلاف المفاهيم والمسالك والعلاقات. أمست تتويجاً كونياً لثورات التنوير والحداثة والترقي في معارج حقوق الإنسان ، وصولاً إلى أعلاها وأكملها ، في ترسيخ إستقلالية الفرد وحقّه شبْه المطلق في اختياره لمفاهيمه وقيمه وأفعاله . إنها النقلة الأنضج والأصعب في علم التغيير، من حرية المجتمع إلى حرية الفرد، وجعل الأولى قوةَ ضمانةٍ وحمايةٍ للثانية ، وليس العكس .
ذلك كان على صعيد رهانات الثورة، حين عاشَ نماذجها وتجاربها الأولى شباب ذلك الجيل ، بصورة فردية وفورية وجماعية في وقتٍ واحد . لكن ذلك الجيل الذي قاد متغيرات كبرى في المجتمع الفرنسي سياسياً وثقافياً ، أصبح هو نفسه اليوم معتذراً عمّا أصاب تلك الرهانات من انحرافات وتشويهات ، كان هو عينه مسؤولاً عنها . فقد وقَعَ التحريفُ الأكبر في غُلوّ الفردية، في تعسر الفصل بين الفردية والأنانية والاستغراق السهل في لذائذ الاستهلاك والرفاه الكاذب.. حدث انحراف (النهضة) هذا في غياب زُمْرة الأحرار من قيادة التحولات العامة التي تلاحقت عواصفها على مجتمعات الغرب خلال عقود الثلاثين عاماً المنصرمة ، المدعوة بالذهبية من قبل أبنائها المحبطين أخيراً، لكن مع ذلك تتوالى مواقف الإقرار بخديعة الذات لذاتها . إغراء الرفاه دفع النُخب إلى الإرتماء بأحضان 'الليبرالية الجديدة' الواردة إليهم من ما وراء الأطلسي . أمسوا جميعاً عبيداً لسلطة (السوق) . انقلبوا من صيغة الأفراد الأحرار السعداء، إلى فئة المستهلكين فحسب. كادوا يستهلكون عقولهم وضمائرهم كذلك. لم يصحوا إلا مع انهيار أسطورة السوق. صاروا هم ضحاياها العاجزين، ولم يكونوا أبداً من ناقديها الصادقين .
البعض من هؤلاء تدهشهم ثورة الشباب العربي . تُفجع وجداناتهم المنخورة بشظايا ندمٍ باردٍ هرم. ماذا فعلوا، هم الغربييون بعصرهم الذهبي . هل هذا العصر عائد، لكن في غير أوطانهم . فلا بأسْ أن يتعلموا من أبناء (عبيدهم) السابقين، بعضَ ما كان ينقص ثورتهم الشبابية الضائعة تحت أقدام الأمركة الزاحفة على غربنة أوروبا، كيما تعجِّل للقارة الهرمة بموتها المحتَّم.
فما الجديد حقاً في علم التغيير العربي المعاصر، حتى يتعلمه جيل الثورة الأوروبية المنسية، لعلّه يدفع عن ذاته تقاعده العقيم ، وعن قارته الهرمة زوالَها المرسوم في أفق يومها قبل غدها. ولكن التساؤل الأصدق الآخر، صاعد من الجهة المقابلة للقارة، لعلّه أصبح أكثر جدوى وأوضح معنى. فما ينبغي أن يتعلمه جيل التغيير العربي المنطلق، من مآثر ثورات الغرب، رغماً عنه، قد يتلخص في صيغة مبدأ وحيد، هو أن الثورة والنهضة متكاملتان . فإن تحرير مجتمعات العرب والإسلام من سلاطين الطغيان، وهو الرهان الفوري المحتدم فصولاً دامية حاسمة راهنياً، هو كإزالة الشوك والعوسج المتراكم على صدر التربة الشعبية المكبوتة، لتستعيد أنفاسها، وتتلقى بذور الربيع لنهضة عربية مختلفة شكلاً ومضموناً هذه المرة . وقد تحدثنا وكتبنا الكثير الكثير عن هذه النهضة. لكنها عندما ستحل، ستأتي بما لم نكن نعرفه عنها قبلاً. كل ما علينا أن نفعله بانتظارها، هو التشبث بالثورة الشبابية كأداة وحيدة للتغيير، كيما تغدو ثورة مستديمة توأماً عضوياً للنهضة القادمة.