الحرية الاقتصادية في مصر أمام عهد جديد .. د . محمد عبد الشفيع عيسى

6 views
Skip to first unread message

انصار الطليعة العربية

unread,
Mar 23, 2011, 3:11:10 AM3/23/11
to ans...@googlegroups.com, alta...@googlegroups.com

   انصار

 الطليعة العربية         حرية وحدة اشتراكية

الاربعاء 23 آذار 2011

الحرية الاقتصادية في مصر أمام عهد جديد

 د. محمد عبد الشفيع عيسى

أستاذ الاقتصاد الدولي في معهد التخطيط القومي بالقاهرة

 

بعض الكلمات لها سحر عظيم . فهي تقود إلى تعبئة أوسع القطاعات من الجمهور، وقد تؤدي إلى إحداث انفجارات اجتماعية وسياسية كبرى أو إلى ثورات يخلدها التاريخ دون أن يسائلها صانعو التاريخ أنفسهم ، ودون أن يتحدد معناها المقصود بصورة محددة أو مفصلة بالقدر الضروري و الكافي . من أهم هذه الكلمات كلمة " الحرية ".

ويتحدد هدف هذا المقال الموجز في تتبع المفهوم الضمني للحرية عبر مراحل التطور الاقتصادي المصري ، خلال الأعوام الأربعين الأخيرة في (عهد السادات-مبارك) 1971-2011، ومآل هذا المفهوم عمليا، وأفقه المستقبلي، في ضوء الثورة المباركة ، ثورة 25 يناير.

لقد بدأت مصر في عام 1971، وخاصة منذ 1974 ، عهداً سياسياً واقتصادياً مختلفاً عما سبقه، وذلك في ظل حكم السادات (71-81) ومبارك (1981-2010) ، حيث تم تطبيق السياسة الاقتصادية المسماة بالانفتاح الاقتصادي والتي فهمت مصطلح "الحرية" فهماً محدداً، يقوم على دعامتين :

1-  حرية الحركة لرأس المال الخاص، المحلي والعربي والأجنبي .

2-  حرية تحديد (أسعار) المنتجات وعوامل الانتاج من خلال التفاعل التلقائي لقوى السوق أي العرض والطلب ، بدون تدخل جدي من جهاز الدولة .

ولكن حرية الحركة لرأس المال الخاص – الكبير أساساً - فهمت بمقتضى الانفتاح الاقتصادي على أنها نقيض التخطيط القومي ،  فترك الحبل على الغارب لأصحاب رأس المال المذكور، وقاموا بتوجيهه إلى المجالات والأنشطة الأكثر تعظيماً للأرباح الخاصة، وكانت النتيجة إهمالاً منهجياً متواصلاً للقطاعات السلعية من الاقتصاد ، وخاصة الزراعة والصناعة التحويلية ـ وتركيزاً على خدمات التجارة والمال والعقارات . كما تم تشجيع هجرة العمالة المصرية إلى الخارج (ليبيا ودول الخليج العربي) للتخلص من عبئها الداخلي والاستفادة من تحويلاتها المالية التي أخذت تصب في نفس المسار المشوه المذكور .

أما حرية السوق فقد فهمت في ظل الانفتاح الاقتصادي باعتبارها نقيضاً للدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة، وكانت النتيجة انسحاب الدولة من واجباتها في توجيه حركة الاقتصاد وضبط الأسواق ، فسادت فوضى النشاط الخاص وتحللت الأسعار من القيود بصورة متصاعدة .  ومع الحرية الخاصة كان هناك أمران متلازمان :

1-  تفكيك القطاع العام وبيع الجزء الأكبر من شركاته.

2-  الاختلال الفادح في التوازن بين الأجور والأسعار مما أدى الى خفض الدخل الحقيقي للمشتغلين بالأجر في القطاعين العام والخاص ، وخاصة في الجهات الحكومية، في ظل انفلات الأسعار بفعل فوضى الأسواق المصاحبة للانفتاح الاقتصادي . ومع اختلال العلاقة بين الأجور والأسعار لم تحدث زيادة في الانتاجية تعوض ارتفاعات التكلفة وتصاعد الأسعار الجارية للسلع والخدمات .

ولقد تمثل الحصاد المر للأمرين السابقين في تفجر انتفاضة الغضب الشعبي في 18 و19 يناير 1977.  وبرغم اضطرار النظام الحاكم حينئذ الى "سحب" ارتفاعات الأسعار وقيام رأس النظام بزيارة إسرائيل وتوقيع اتفاقات كامب ديفيد وما تلاها خلال 1978-1979 ومن ثم توقف حالة الحرب قانونياً وفعلياً- رغم كل ذلك فقد بقيت الحالة الاقتصادية كما هي طوال عهد السادات والثلث الأول من عهد مبارك ، أي عموماً من عام 1971 حتى 1991. وجرى توقيع اتفاق مهم بين الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي في مايو 1991، تم بمقتضاه التوافق على حزمة من السياسات الاقتصادية يجمعها "برنامج التثبيت والتكيف الهيكلي" .  وخلال الفترة من 1991 حتى عام 1998-1999 تقريبا، أخذ يتحقق شىء من التوازن في الموازين الإسمية للاقتصاد (وخاصة الميزانية العامة وميزان المدفوعات وميزانية النقد الأجنبي) انطلاقاً من خفض الانفاق الحكومي في المجال الاجتماعي الموجه للشرائح الفقيرة من المجتمع، وخاصة في قطاعات التعليم والصحة، بالإضافة إلى بيع شركات القطاع العام للتخلص من خسائرها الإجبارية، وكذا خفض الواردات ، بما فيها واردات السلع الأساسية والسلع الوسيطة والرأسمالية (الآلات والمعدات) اللازمة لدوران عجلة الجهاز الإنتاجي .  وأدى هذا التوازن (الإسمي) إلى تعميق الاختلال في الموازين العينية أو الحقيقية للاقتصاد ، من خلال الإهمال (المتعمد) للزراعة والصناعة التحويلية والخدمات العلمية – التكنولوجية .

... واعتباراً من أواخر عام 1999 وبدايات عام 2000 ولمدة خمس سنوات تقريباً – حتى 2004 – جرت محاولة دفع عجلة النمو الاقتصادي المتباطئة بل والمستعصية، من خلال:

1-  خفض قيمة الجنيه المصري (سعر صرف العملة المحلية) بدعوى زيادة الصادرات ، ولكن هذا الخفض لم يؤد إلى رفع الصادرات ، بل زاد من تكلفة الواردات الأساسية ، ورفع من تكلفة الائتمان الممنوح بالعملات الأجنبية.

2-  ارتفاع مستوى الديون العامة المحلية ، بفعل اقتراض الحكومة من الجهاز المصرفي ومن صناديق التأمين والمعاشات، لتمويل مشروعات البنية الأساسية ، التى توسعت في نطاق القاهرة الكبرى توسعاً هائلاً، دون أن توازيها توسعات في الطاقة الانتاجية للمشروعات الخاصة والعامة في القطاعات السلعية ، وخاصة الزراعية والصناعية ، وفي قطاع الخدمات العلمية – التكنولوجية .

ولما تبين الأثر السلبي لسياسة سعر الصرف والدين العام على النمو الاقتصادي ، جاءت (حكومة رجال الأعمال) في عام 2004 لتفتح مرحلة أخرى استمرت حتى أواخر 2008 ، تاريخ تفجر الأزمة المالية العالمية . وفي السنوات الخمسة المذكورة تقريباً ، توفرت مجموعة من الظروف الخارجية المواتية للاقتصاد المصري ، وكانت النتيجة ارتفاعاً عاما في معدل النمو الاقتصادي الكلي السنوي ، قدر بنحو 7% .  ولكن هذا المعدل خالطه أمران أساسيان : الأمر الأول، تركُز النمو في القطاعات غير السلعية وخاصة الزراعة والصناعة التحويلية ، حيث تمثلت القطاعات القائدة للنمو في الإسكان والبناء والعقارات وفي السياحة الأجنبية ، والاتصالات الهاتفية المحمولة .. ومن خلال النمو الانفجاري وذي الطابع القطاعي في الأنشطة الاقتصادية لهذه القطاعات ، تراكمت ثروات هائلة لحفنة أو (حفنات) من رجال الأعمال الكبار الذين استفادوا من تخصيص الأراضي بأسعار زهيدة جداً وبغير سعر تقريبا للمتر المربع من هذه الأراضي في المناطق البعيدة عن مركز العمران الراهن للقاهرة والمدن الكبرى ، والتي تحولت الى منتجعات لرجال الأعمال ..!

أما الأمر الثانى فهو أن النمو الاقتصادي على المستوى الكلي لم يصاحبه تحسن مناظر في مستويات المعيشة للغالبية الاجتماعية، بل وأدى انفلات معدل التضخم السعري إلى الإساءة لمستويات المعيشة لشرائح اجتماعية واسعة، وتعمقت فجوة التفاوت في توزيع الدخول والثروات عبر الزمن .  ثم جاءت الأزمة المالية العامة (2008-2010) لتفاقم من أثر النمو المشوه ، عن طريق تسارع ارتفاع معدل التضخم السعري ، وتزايد معدل بطالة الخريجين ، والثبات النسبي لمستويات الأجور، إلى جانب التراكم غير المبرر للثروات لدى الدوائر الضيقة من فئة (رجال الأعمال) المرتبطة عضوياً مع شبكة السلطة السياسية في أعلى مستوياتها داخل مؤسسة الرئاسة  وأمانة الحزب الحاكم ، وما تلاهما في دوائر السلطة التنفيذية و"المحليات".

أما في المجال الخارجي ، فإن "الحرية الاقتصادية" تمثلت في "التخلص من قيود" التصدير والاستيراد، حيث فتح الباب لرجال الأعمال من أجل تصدير منتجاتهم، واستيراد مستلزمات "الانتاج والآلات والمعدات اللازمة لهم . كما قامت الدولة بالتخلي عن هدف إقامة قواعد استراتيجية للزراعة والصناعة والتكنولوجيا ، وعن هدف توفير "الحماية" اللازمة لها ، وسمحت لقوى السوق "الفوضوية " داخلياً وخارجياً بتحديد ما يصّدر ولا يصّدر ، وما يستورد وما لا يستورد، دون النظر إلى الاعتبارات الاستراتيجية العليا في الأجل الطويل .

وكان من نتائج ذلك : الانصراف عن زراعة القمح والمحاصيل الغذائية الأساسية، وقل مثل ذلك عن القطن.

    أما في المجال الصناعي ، فحّدث  ولا حرج ..! ، حيث تم استيراد (التكنولوجيا) من الخارج، بحجة حرية التجارة الخارجية، وكذا استيراد السلع المصنعة والأجهزة والآلات الصناعية، والسيارات ومعدات النقل، محققة أرباحاً قياسية للمستوردين وأصحاب مصانع التجميع . وفي المقابل ، وباسم حرية التجارة أيضا، عزفت الدولة عن تشجيع اقامة صناعات وطنية في تلك المجالات كافة ، وعن الاستفادة من القدرات المحلية للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي ومن شبكات آلاف المنتجين والحرفيين والموردين لإمداد المصانع الوطنية – كما يجب أن يكون – باحتياجاتها من السلع الوسيطة والأجزاء وقطع الغيار والمكونات الأساسية .

    وهكذا كانت النتيجة افتقاد قاعدة زراعية وصناعية وتكنولوجية وطنية ، من منظور استراتيجي ، بينما امتلأت البلاد بالسلع المستوردة من كل حدب وصوب ، وبالقمح المستورد ، والغزل والنسيج المستورد، دون القيام بمسعى حقيقي للانتاج المحلي البديل للاستيراد ، والملبي للاحتياجات الاجتماعية الأساسية للسكان في جميع المجالات .

تلك إذن بعض الثمار المرة لدعوى الحرية الاقتصادية داخليا وخارجيا خلال أربعين عاماً (1971-2011) ، مصداقاً للقولة الشهيرة : (أيتها الحرية ، كم من الجرائم ترتكب باسمك).  فكيف ينبغي أن نفهم الحرية فى أجواء ثورة 25 يناير المباركة ؟

هل تكون حرية فرد أو حفنة أفراد أم حرية الجماعة ...؟

وهل تكون حرية الوطن في التخطيط الاستراتيجي لمستقبله، زراعة وصناعة، وعلماً وتقنية ، أم حرية العالم الخارجي في التصدير إلينا واستيراد الفتات منا ... ؟

والإجابة هي أن الحرية كما ينبغى لها أن تكون ، تنصب على حرية الجماعة كمنطلق ملائم لحرية أفرادها، وهي حرية الوطن كمنطلق ملائم لمصالح الإنسانية جمعاء على قاعدة "التطور المتكافىء" و "التبادل المتكافىء" .. ثم أن الحرية هي حرية الوطن والمواطن معاً .. اقتصاديا وسياسياً ..ثقافياً وإنسانياً .. حرية تتعدى حدود الشعار المؤدى إلى عكسه، كما فٌعل ببلادنا عبر أربعة عقود ، وتستشرف آفاق المستقبل من أجل إعادة بناء بلادنا على أساس جديد حقاً ، كما رسمت ملامحه ثورة الشباب الشعبية - ثورة 25 يناير المباركة.

 

Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages