تحيّة تقديرٍ لقلمٍ شُجاع
"تعقيبًا على مقال: "جريمة الدّمام".. وهل يكفي الغضب؟- للدّكتور سليمان الهتلان"
بقلم: زينب.ع.م.البحراني
مُنذ أيّام وروحي غير قادرة على الابتسام. كانت كلّ المباهج تبدو لي رماديّة، ومُشوّهة الطّعم. ولم أكُن أتوقّع أنّ مقالا واحدًا سيكون بوسعه شفائي من ذاك المرض إلى أن وقع بصري يوم أمس على مقال : ("جريمة الدمام".. وهل يكفي الغضب؟)* للدّكتور سليمان الهتلان، عندها ملأني ذاك الشّعور الذي يستولي على نفس مُسافر صحراء راجل، وحيد، وتائه، ونصف يائس من انبثاق بصيص أملٍ برؤية إنسان، حين تقترب منه سيّارة رجلٍ طيّبٍ مُحمّلة بالمؤونة، جاءت من حيث لا يدري، كنجدةٍ سماويّة مُفاجئة!. ليس لأنّ المقال تحدّث عن جريمةٍ وقعت في المدينة التي أنتمي إليها، ولا لأنّه ناقش واحدةً من مشاكل المرأة في المُجتمع السّعوديّ، بل لأنّه طرح – بشجاعة- قضيّةً لطالما فكّرتُ فيها، قائلا كلامًا كنت أودّ قوله. بدءًا من حديثه الجريء عن حقيقة العلاقة بين حصر المرأة في زاوية اجتماعيّة خانقة وبين استغلال خبث الذّئاب البشريّة لذاك الواقع المؤسف بقوله: "متى يستيقظ المجتمع من غيبوبته ويدرك التالي: نعم.. إن تضييق الخناق على المرأة في المجتمع السعودي سهل الطريق أمام ذئاب بشرية، محلية ووافدة، بكل الألوان والأعراق، أن تستغل غياب المرأة عن ممارسة أدوارها الطبيعية في العمل والمشاركة وبالتالي تستغل حاجة المجتمع للسائقين والعمالة المنزلية في ممارسات إجرامية مقيته ضد كل شيء حتى براءة الطفولة.." مرورًا بتساؤلاته القائلة: " متى ندرك أن الضرورة الإنسانية والأخلاقية والأمنية والتنموية تتطلب اليوم أدواراً حقيقية للمرأة في مجتمعنا كي تخرج للنور وتسهم عملياً وعلنياً وطبيعياً في حراك المجتمع فتقود سيارتها للمستشفى وتوصل أطفالها للمدرسة وتجرؤ على دفع الأذى عن نفسها وعن بيتها؟ كم من جريمة ترتكب ضد المجتمع ربما يومياً بسبب عزل نصف المجتمع عن ممارسة حقه الإنساني والطبيعي في العمل والإسهام في وقف هذا السيل العارم من الجرائم التي ترتكب داخل المجتمع بسبب الخوف من خروج المرأة ومشاركتها؟".. وانتهاءً بتأكيده: "وإذا أردنا فعلاً أن نحد من انتشار مثل هذه الجرائم البشعة في مجتمعنا فليس أمامنا من بد من مواجهة حقيقية مع الأسباب التي أفرزت "منظومة" الخلل الكبير الذي يفتك بالمجتمع بدءاً من المفاهيم الاجتماعية والثقافية التي ما أنزل الله بها من سلطان فشلّت حركة المجتمع يوم عزلنا بسببها المرأة عن الفعل الطبيعي وهمشنا حضورها ووجودها الإنساني والتنموي داخل مجتمعها!".
بدايةً، وقبل أن أعقّب بتفاصيل وجهة نظري حول مضمون المقال، لا بُدّ وأن أعبّر عن احترامي الباذخ والمُتصاعد لكلّ قلمٍ يُصرّ على خوض مثل هذه القضيّة ومثيلاتها وشبيهاتها بكلمة حق، واقفًا بصمودٍ شُجاع أمام زوبعة التخلّف التي تُدافع عن سياسة التّمييز العنصري المُتفاقم ضدّ المرأة في مُجتمعنا رُغم أنف شراسة التيّار الذي لا يكفّ عن مواجهة كلمات الحقّ تلك بإساءاته الوقحة وشتائمه الجاهزة. ولابدّ وأن أعترف بأنّ احترامي ذاك تُرافقه سعادةٌ أكبر حين يكون حامل ذاك القلم العادل رجلاً سعوديّا، رُبّما لأنّ ذاك السّلوك الذي ينمّ عن إحساس حقيقيّ بمسؤوليّة الكاتب تجاه مُجتمعه، و يُفصح عن نظرةٍ ناضجةٍ تخلو من الأنانيّة المرضيّة، هو آخر ممكن لسدّ رمق ما تبقّى في نفسي من أمل تسلّقته شيخوخة الإحباط بشأن مُستقبل تلك القضيّة. وربّما كذلك لإيماني العميق بأنّ واقعنا العربيّ مازال يؤكّد أنّ الرّجال يمتلكون فيه قوّة وسًلطة ونفوذًا قادرًا على اختراق صفوف عقليّاتٍ مازالت مُصفّحة ضدّ كلّ ما يأتي تحت اسمٍ لا يدعمه نصف المُجتمع الذي لا ينتمي إلى فصيلة تاء التّأنيث، ولأنّ شهادة هؤلاء الشّهود العُدول وحدها التي يسعها الوقوف على قدم النّديّة أمام الذين لا يكفّون عن التّسفيه من شأن مُعاناتنا الاجتماعيّة وحديثنا عنها بحجّة نُقصان العقل والدّين!
ما ضاعف احترامي تجاه مقال الدّكتور سُليمان الهتلان هو يقظة فكره إزاء علاقة تضييق الخناق على المرأة السّعوديّة، وتحويل شخصيّتها بكلّ ذاك الاعتصار الاجتماعيّ إلى شخصيّة مُعاقة، خديجة، تواجه الواقع بفقرٍ حادّ في النّضج الكافي لمواجهته والتلاؤم مع مُتغيّراته، ولا أدري إن كان المُجتمع السّعوديّ يرتكب تلك الجريمة بحقّها عن حسن نيّة مردّها يعود إلى (غيبوبته) على حدّ تعبير الدّكتور، أم عن سوء نيّة يُبطنها أولئك الذين لا تستقيم مصالحهم الماديّة والمعنويّة في هذا المُجتمع إلا بتلك الطّريقة، لكنّ ما لا شكّ فيه أنّ الكثير من الوافدين ممن اكتشفوا نقطة الضّعف تلك لدى أكثر الإناث السّعوديّات اللواتي مُسخت شخصيّاتهنّ في قُعر قالب القهر والإقصاء والإهمال قد أتقنوا استغلالها عن سوء نيّة، وبخُبثٍ مُخطّطٍ مدروس. ومن المؤسف أنّ من يُقارن بين واقع المرأة السّعوديّة في مُجتمعها، وواقع شقيقتها الخليجيّة في المُجتمعات الخليجيّة المُجاورة يواجه فرقًا مُحزنًا للأولى، وباعثًا على التّفاؤل لمُستقبل الثّانية. فشقيقتها الخليجيّة – في الوضع الطّبيعي الغالب- تتلقّى تعليمًا جامعيّا في بيئة دراسيّة مُعافاة اجتماعيًا، تؤهّلها للتّعامل مع أفراد النّصف الثّاني من المُجتمع بعد مُغادرة أبواب الجامعة، ولا تُمنع من قيادة السيّارة بحُجّة الفساد والإفساد، ولا تُحرم من لقاء صديقاتها في مكانٍ عام، ويُندُر أن تُحصر في زوايا مهنيّة ضيّقة ومحدودة إن شاءت خوض ميدان العمل، وكثيرًا ما تدعمها المؤسسات الحكوميّة والأهليّة معنويًا – وماديًا أحيانًا- بغرض تشجيعها وتمكينها من تطوير ذاتها والمساهمة في دفع عجلة تقدّم المُجتمع الذي تنتمي إليه، كما أنّ مواطن البلاد الخليجيّة الأخرى قد وُلد وكبر في بيئة جعلت منه إنسانًا قادرًا على احترام إنسانيّة المرأة من حوله مادام لباسها لا يؤذي عين المُسلم المُعتدل، على عكس مجتمعنا السّعوديّ الذي مازال تحت خطّ النّضج الذي يؤهّله لقبول حريّة شخصيّة المرأة، ولا يُرضيه إلا دسّ أنفه في أصغر حركاتها وسكناتها وأنفاسها، مُتجاوزًا ذلك إلى طمعه الدّائم في تفصيل شخصيّتها على ذوقه ومزاجه حتّى وإن لم تمتّ له بأدنى صلة قرابة!، ولا ترضى عينه إلا عن رؤية كُتلةٍ من السّواد التّام تسير على قدمين!، والمُشكلة أنّ أولئك الذين يُعاندون الانفتاح الاجتماعيّ في السّعوديّة بضراوة من أبناء المُجتمع ذاته هُم الذين يُغرقون عواصم البلاد الخليجيّة المُجاورة ذات الانفتاح الاجتماعيّ في عُطلة نهاية كلّ أسبوع!، وهم الذين تفيض بهم عواصم البلاد العربيّة الأخرى في إجازة نهاية كلّ عام ليسرحوا ويمرحوا في أحضان انفتاحها الاجتماعيّ!، فإن كان في ذاك الانفتاح (فسقٌ ومفسدةٌ) كما يدّعون، فلم لا يبقون في مُجتمعه (العفيف النّظيف الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) بدلا من أن يفيضوا بانفجارات نزواتهم في الطّرقات كفضيحةٍ تلوكها ألسنة شعوب البلدان الشّقيقة؟!..
ولماذا إذا صادف أن تمكّنت أنثى، بمُعجزة إلهيّة أنزلتها صلوات الليل ودُعاء النّهار، من كسر سياج القهر في مُجتمعها وتجاوزه بالموهبة والمعرفة والتقاط بعض فُتات التّنمية البشريّة خلال سفرها إلى هذا البلد أو ذاك تُرفع عليها رايات الحرب والمُطاردة والتجسس لوأد خطواتها في طريق الأمل والنّجاح؟!، لماذا تُعامل مُعاملةً مهينة غير قابلة للاستهلاك البشريّ، وإن فتحت فمها أو أزالت غطاء قلمها للدّفاع عن حقّها تُرجم بتُهمة سوء الأدب والفظاظة وطول اللسان؟.. لماذا كُلّما عبّرت امرأة سعوديّة عن قطرة من حُزنها الكبير قفز في وجهها أحد المُتثاقفين المُدّعين مُقاطعًا إيّاها بحُجّة أنّها لا تدرك ما حدث من تطوّرات في عهد (التوجّهات الحكوميّة الجديدة)، وكأنّها ليست مواطنة تتقاسم معهم الهواء على أرض الوطن ذاته؟!، ثمّ أليس من الظّلم إقحام جُملة (التوجّهات الحكوميّة الجديدة) إزاء كلّ مُشكلة اجتماعيّة كانت ومازالت تواجهها المرأة حتّى اليوم في مُجتمعٍ مازال قصور نظرته أكثر عنادًا من قبول عدالة تلك التّوجّهات مثلما واجه خبر إدراج منهج رياضي في مدارس الإناث، ومثلما واجه خبر أوّل جامعة سعوديّة مُختلطة للدّراسات العُليا، ومثلما مازال يواجه الاستفتاء الإعلامي بشأن قيادة المرأة السيّارة؟!.. رأس قلمي مازال مشحونًا بمئات التّساؤلات الحائرة، وذهني مازال يغصّ بكلامٍ كثير، وأعلم أنّني أكتب دون تفاؤلٍ كبير، غير أنّني وجدت من واجبي تقديم تحيّة تقديرٍ لقلمٍ شًجاعٍ وهبني مقاله بعض الأمل، تُصاحبه باقة من التّحايا لكلّ قلمٍ لم تبحّ حنجرته إحباطًا حتّى اليوم.
* المقال المذكور للدّكتور منشور على صفحات: صحيفة الوقت، العدد 1520, الأربعاء 6 جمادى الأول 1431 هـ - 21 إبريل 2010