جمعية اللهجات .. تتغزل بالسيارات !!
محمد العرفج*
جريدة الحياة
في مسيرة دراساتي في اللهجات والشعر الشعبي في الجزيرة العربية وخارجها ، من بلاد الشام إلى أرخبيل سقطرى في بحر العرب من الأشعار بأنواعها النبطي والحميني والحوراني ، لم أرَ جمعيات فاعلة تختص بالموروث الشعبي في السعودية ، في حين أرى في دول الجوار تأسيس تلك الجمعيات .
وما أدهشني هو إعادة إحياء وهيكلة جمعية اللهجات والتراث الشفهي التي رأت النور ، والتي تم فيها التصفية بترشيح تسعة أعضاء .
والمتمعن في اختصاص الأعضاء يجد عدم وجود تلاقح فكري تام بين ما يختصون به وبين اللهجات والتراث الشفهي ، حيث أن الجمعية اعتمدت على الترشيحات ، والترشيح في مثل هكذا جمعية لا يفيد ، وإنما يصبح مجرّد أسماء وأرقام لا تفيد ولا تستفيد !
إن المتخصص في النقد الأدبي والتراث الشفهي ، وكذلك الباحث والموثق للنصوص الشفهية ، يجب أن يكونا ممن يحملون صفات المحقق للمخطوطات ، لكي يتخصصا فيما وصفا به .
كما أن المتخصص في اللسانيات ، أي في الأصوات ومخارج الحروف والنطق بها ، لعله يقوم بالتنقيب في اللغة الحميرية بالخرخير السعودية التي ينطقها المهريين ويتفق معهم في اليمن محافظة " المهرة " وفي عمان محافظة " ظفار " .
وأما المتخصص في التاريخ والعضو السابق في مجلس الشورى ، فقد ساعده ظهوره الإعلامي ليترشّح ، ولن يساعداه تخصصه وعضويته في خدمة اللهجات والتراث الشفهي ، ولعله قد يساعد صاحب اللسانيات ، أم تراه سيخبر زميله المهتم بالسرد القصصي كيف كانت الشاعرة الشعبية " بخّوت " تتغزل بالسيارات؟!
والمتخصص في الأدب القديم ، جعلني أتعجب .. كيف يكون متخصصاً في الأدب القديم ؟ حيث كانت العصور الأولى للشعر النبطي تشبه العصر الجاهلي ، وهو مثله مثل أصحاب شهادات الدكتوراه في الأدب القديم وفي العلوم الإنسانية والاجتماعية ، يعطى الفرد منهم شهادة تخصص فيه دون أن يعيش في صحراء جزيرة العرب !
وتساءلت عن المتخصص في الأدب السعودي ، ماذا سيفيد جمعية اللهجات والتراث الشعبي؟! في حين أن الجامعات السعودية لا تعترف بالأدب الشعبي لكي تدرّسه! أم ياترى سيخرج مبحثاً متكاملاً في أن الفصيح امتداداً للنبطي؟! حيث أن الفصيح يتكون من خمسة عشر بحراً للفراهيدي ، إضافة إلى متدارك الأخفش ، أما النبطي فبحوره لا تعد إذ تتعدى الأوزان المشهورة المائة بحراً ! وأن ابن خميس أخطأ حين خالف ابن بليهد رحمه الله في سبب تسمية الشعر النبطي!
وكذلك سيخبر المهتم بالسرد القصصي بأسرار البحر الهلالي ، وأن الصويان وغيره أخطأ في أنه جعل الأوزان النبطية مقطّعة في حين أنها ترنيمية ، ما سيفرح الأخير بتلك المعلومات ، فيقوم بشطب كل السيرة الهلالية التي جمعها من عبدالرحمن الأبنودي ومحمد عبدالرحيم وغيرهما ، ويذهب للرواة الذين تزيد أعمارهم عن الثمانين عاماً ، والذين لا يعرف مكانهم سواه!
ويقوم المسرحي بملء ارض المسرح رملاً من رمال صحراء النفود والربع الخالي ، ويقوم بتجسيد أدوار السيناريو باختيار الممثلين الملائمين ، الذين لن يقلّدوا الممثلين السوريين الذين أخطأوا في نطقهم للاشعار الهلالية ، وحين يخطئون فإنه سيقدم مشروعاً متكاملاً موثقاً بالصور لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة " اليونيسكو " في باريس !
ويعد المتخصص في النحو والصرف خارج نطاق التغطية! حيث أن ابن خلدون حكم عليه بذلك منذ مئات السنين حين قال: " الإعراب لا مدخل له في البلاغة ، وإنما البلاغة مطابقة الكلام للمقصود ولمقتضى الحال من الوجود فيه ، سواء كان الرفع دالاً على الفاعل والنصب دالاً على المفعول أو بالعكس ، وإنما يدل على ذلك قرائن الكلام ... ولا عبرة بقوانين النحاة في ذلك! ... فإن غالب كلماتهم موقوفة الآخر ، ويتميز عندهم الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر بقرائن الكلام لا بحركات الإعراب " أ هـ
فهل نتوقع مثلاً أن تتماشى الجمعية وتجد من يمثلها خير تمثيل مع غيرها من الجمعيات في زمان الانفتاح والعولمة ، لا سيما مع الدول المجاورة !!
إن الدكتور سعد الصويان لهو أفضل من يستطيع إثراء جمعية كهذه حين يكون رئيس مجلس إدارتها ، حيث أنه أفضل من خدم الأدب الشعبي ، كما أنه يفقه في علوم اللسانيات ، والتاريخ ، والعروض والقافية والأوزان النبطية ، والسرد القصصي ، والمسرح ، والنقد الأدبي ، والتراث الشفهي ، والأدب القديم ، والأدب السعودي ، والنحو والصرف كذلك ، إضافة إلى التحقيق وتوثيق النصوص الشفهية!!
وهو جدير كذلك بأن يختار الأشخاص المناسبين ، ليكونوا أعضاء دون ترشيح ويفيدون ويستفيدون .
يذكر أن الصويان ذهب لحضور فعاليات الجمعية فطلب منه أن يقوم بدفع مائتي ريال سعودي ليكون عضواً!! فبالمائتي ريال يصبح الشخص عضواً وليس بعلمه ، وما خفي كان أعظم!!
* شاعر وإعلامي سعودي