سؤالان لا يقبلان الفصل أحدهما عن الآخر: جبهة من؟ لإنقاذ ماذا؟ والجواب يقيني في ما يخص مصر لأن أصحاب الجبهة بذواتهم وأفعالهم أجابوا عنهما الجواب الشافي والكافي: جبهة المنتسبين إلى دولة الفساد والاستبداد لإنقاذ المزايا التي كانت لهم في العهد السابق والمشروطة بالتبعية للمستعمر الذي هو في هذه الحالة أمريكا وإسرائيل. لكن لو اكتفينا بالقياس على ما جرى في مصر لمعرفة ما يراد لتونس لكان جوابنا عرضة لتهمة الحكم على النوايا بخصوص ما يراد إنقاذه ولعيب عليه التقويم التحكمي لأصحابها عدم الاستناد إلى الأفعال والاكتفاء بالأقوال بخلاف الحال في مصر.
لكننا سنبدأ محاولتنا بالقياس الشكلي وننهيها بالأدلة المضمونية على ما نستمده من القياس بما نستقريه من الأفعال لا من الأقوال أو النوايا في جبهة الإنقاذ المقترحة لتونس. فلو انطلقنا مما يقوله أصحاب جبهة الإنقاذ في مصر وقياسا عليهم في تونس جبهتها للإنقاذ لكان الأمر قابلا للرد إلى المزايدة على غيرهم في أمرين:
تمثيل قيم الثورة التي يدعون أن من يحكم الآن ركب على الثورة ولا يمثلها. السعي إلى تحقيق أهدافها التي يدعون أن من يحكم اليوم قد خانها تماما.
ولو لم يحصل ما حصل في مصر لكان الأمر قابلا حتى في مصر لأن يعد مجرد ظاهرة سياسية تنتج عن الإفراط غير القاصد للضرر بالثورة أو لمعاداتها. وكان يمكن أن تعتبر ظاهرة ناتجة عن سبب عرضي هو عدم مراعاة ظروف البلاد وإمكاناتها المؤسسية والاقتصادية أمرا طبيعيا يترتب على الحرية المفاجئة وعدم التعود على العلاج المتدرج. ومن ثم فهي ظاهرة طبيعية بعد ثورة مفاجئ. فالأمر قد لا يتعدى كونه نوعا من الغلو في منطق المساومات السياسية:
لكن ما حدث في مصر ألغي مثل هذه الفرضية التي تسم الظاهرة بالبراءة من التآمر على الثورة أو من التعبير عن الثورة المضادة. فهو قد بين أمرين بخصوص أصحاب الجبهة ومطالبها الإنقاذية لم يعد من الممكن المجادلة في دلالتهما الانقلابية على الثورة حتى وإن كانت الحجج المستعملة لتبريرها هي تصحيح مسارها. فأحداث مصر الانقلابية بينت أن أصحاب الجبهة ثلاثة أصناف:
1-فالجل منهم دمى يحركها من خلف من نعلم ما يريدون إنقاذه ومن هم: إنهم أجهزة الدولة التابعة التي تحركها القوة الاستعمارية وفي حالة مصر أمريكا وإسرائيل وعملاؤهما من العرب.
2-وقلة منهم هم من يمكن وصفهم بالطامحين سياسيا مع غلو دليل توهم الأهلية المبالغ فيها في الأغلب عند شيوخ السياسة في العهد السابق يريدون المحافظة على حصة من السلطان في النظام الجديد.
3-وأخيرا بعض الشباب الطموح الذي ليس له الصبر على ضرورات البناء البطيء لشروط الخروج من الاستبداد والفساد.
والمطالب يمكن تعريفها بالرسم إذا اقتصرنا على دلالتها السطحية من منظور يقتصر على العوامل الداخلية والظرفية دون الكلام على المحركات البنيوية للجيواستراتيجيا الاستعمارية التي تحاول إبقاء وضع أقطارنا التابعة على ما هي عليه بحيث ينبغي أن يكون الحكم بعد الثورة من جنس ما كان عليه قبلها: دويلات تابعة تعيش بالصدقات ولا تفكر أصلا في البحث عن شروط القيام المستقل. فهي عند الغفلة عن هذا العامل الدولي والاقتصار على سطح الاحداث قابلة للرد جميعها إلى مطلب وحيد: عودة الدولة الخادمة لهذه المعاني الثلاثة التي صنفنا بمقتضاها أصحاب الدعوة إلى الإنقاذ.
ومن ثم فهي إنقاذ الوضع السابق وإعادته إلى ما كان عليه. أما المخفي أعني سعي المستعمر لمنع التفكير في تحقيق شروط التحرر من التبعية أعني المشروع الأصلي للربيع العربي ومحاولة دفنه فذلك هو ما سيتبين المقصود بالإنقاذ: إنقاذ المشروع الاستعماري من آثار الربيع العربي الذي رمز إليه الرئيس الرمز بحرية الإرادة في الغذاء والدواء والسلاح وكلها مشروط بتجاوز الحجوم القطرية تماما كما فعلت أوروبا لتتحرر من الاستعارين الأمريكي والسوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية. لكن ذلك لا يمكن أن يجند الطفرة الثورية ذاتها ضد ذاتها إلا بحيلة السعي لتصحيح مسار الثورة التي تحتاج فعلا للتصحيح من المخلصين من أبنائها. فكان لا بد إذن أن تلبس الثورة المضادة لبوس الثورية بل المزايدة عليها. فيصبح المعلن عكس المضمر: مقاومة المقصرين في تحقيق أهداف الثورة وقيمها.
فالغلو في الحرية يذهب إلى حد نفي كل نظام والغلو في الكرامة يذهب إلى حد التعطيل التام للآلة الاقتصادية والتخريب النسقي يجعل غياب الخدمات أداة التجييش الأساسية للثورة على الثورة وذلك باستغلال نفوذ الدولة السابقة في الإدارة والخدمات.
وكل ذلك له أداة واحدة هي استعمال أجهزة الدولة السابقة ما ظهر منها وما خفي في المستويين المقومين للدولة أعني: أدوات الحكم أي الأمن والعدل والإعلام والإدارة. وأدوات الخدمات أعني شروط الحياة العضوية خاصة.
وكل ذلك يسير التحريك بسبب خوف العاملين فيها من الثورة التي يشعرون بأنها تهدد امتيازاتهم السابقة. وعلة خوفهم هو فقدان ما كان يدره عليهم الفساد والاستبداد من ثمرات مباشرة وغير مباشرة أعني ما يكاد يصبح أخلاقا عامة في كل المصالح العامة تابعة للدولة كانت أو خاصة.
الاستراتيجية الاستعمارية
ذلك هو التعريف السطحي للظاهرة التي تسمى جبهة إنقاذ في مصر. ومن جنسها ما نراه يتكون في تونس. وقبل ذلك في الجزائر خلال العقد الأخير من القرن الماضي. ولا أظن أحدا يخفى عنه أن الظاهرة في تونس لها نفس الخصائص بسبب نفس العلل. لكن لا شيء يدل على صحة هذا القياس إذا بقينا في سطح الأحداث لأن التماثل العرضي لا يفيد بالضرورة وحدة الغاية بين الحالتين. لذلك فالبحث في العمق بات ضروريا. فإذا غصنا إلى أعماق الظاهرة لم يبق الأمر مجرد وجه شبه بل هو وحدة الحقيقة. فما تبين في مصر بعد الأحداث الانقلابية محددا لطبيعة الظاهرة في العمق تبين في تونس حتى قبل الأحداث الانقلابية التي ما زالت في طور جنيني. ولهذا العمق علامتان تدلان على ما يجري فيه:
العلامة الأولى داخلية: هي عودة الرموز التي كانت تقود دولة الاستبداد والفساد للصدارة بل وللتحريك البين والواضح والجرأة المتعاظمة يوما بعد يوم بسبب الاستناد إلى ما وصفنا من أخلاق عامة هي الاستبداد والفساد مصدرا لتأييد هذه الرموز في مسعاها لاسترداد الوضع السابق. وهذا لم يحصل بسفور في مصر إلا بعد الانقلاب. أما هنا فهو سافر قبل محاولات الانقلاب.
العلامة الثانية خارجية: عودة التدخل السافر للمستعمر بالتأييد بعد الحدث الانقلابي وبالنصح العلن قبله وبالتآمر المتواصل الذي لا يكاد يتستر بسبب لجوء الجميع إليه حكما ومصدر استرزاق. والاسترزاق صنفان: للمسترزقين ذاتهم ثم أداة لإعالة دولا فاشلة تعيش على السؤال. وهذا أيضا لم يصبح بالسفور التام في مصر إلا بعد الانقلاب. أما عندنا فهو سافر من اليوم الأول للثورة.
وفي جملة واحدة فإن ما يراد إنقاذه هو:
1- دولة الاستبداد والفساد داخليا وعلة وجودها خارجيا أعني 2-المحافظة على أصل التبعية في المعاش أعني حصر الربيع العربي في القطرية حتى لا يفكر أحد في وضعها موضع سؤال.
وبذلك يصبح ما اعتبرته أوروبا شرطا لعودتها للساحة الدولية بتحقيق شروط الاستقلال ومن ثم شروط القوة غير التابعة حلالا على الأوروبيين وحراما على من عداهم بل إن عكسه هو الواجب. ذلك أن من شروط قوة أوروبا أن تتحد هي وأن يتفرق من يجاورها حتى يسهل استعماره بالعملاء من أبنائه سواء كانوا من الواعين بذلك أو من المغفلين الذين لا يرون البعائد لغرقهم في القرائب.
وبذلك يتبين أن المعركة هي عين معركة الاستقلال التي يستأنف الربيع العربي بجد طلب شروط التحرر من التبعية. وإذن فما يراد إنقاذه هو الشروط التي تحافظ على مصالح المستعمر وتوابعه وليس الأوطان ومصالحها. فيكون تعريف جبهة الإنقاذ في الحالتين المصرية والتونسية بقصد من بعض أصحابها المحركين للعملية وبغير وعي من البعض الآخر المغرر بهم قابلا لهذه الصياغة في جملة قصيرة:
ليست جبهة الإنقاذ شيئا آخر غير جبهة أخلاف الحركيين أو المتعاونين مع الاستعمار في حربهم على محاولة الربيع العربي تحقيق شروط الحرية والكرامة بحق أعني شروط التحرر من التبعية التي هي أساس تواصل الاستبداد والفساد. ومعنى ذلك أنهم لو كانوا معاصرين لحرب التحرير ضد الاستعمار التوطيني المباشر لكانوا إلى جانب المعمرين وجنود الاحتلال. لذلك فالمتوقع أن يكونوا في النهاية من مصاحبيهم في عيد الجلاء النهائي للاستعمار من الوطن العربي والعالم الإسلامي في المعركة الأخيرة من هذه الحرب التي دامت قرنين.
|