د.الغذامي و"المرأة واللغة"
غردت إحدى الأخوات برابط تحميل كتاب ( المرأة واللغة)،لدكتور عبد الله الغذامي .. فأعادتني إلى مقالة سابقة .. أو تعقيب سابق،عقبت به على مقالة للأستاذ محمد الهويمل ... ونشرته جريدة "الجزيرة"في عددها رقم 9155 في 21/6/1418هـ = 22/10/1997م. وهذا نص التعقيب .. ( قرأت ما كتبه الأستاذ محمد عبد الله الهويمل تحت عنوان : "فجوات في كتاب المرأة واللغة"وذلك بالعددين 9128 و 9135 من جريدة الجزيرة. وقد ناقش الأستاذ الهويمل كتاب الدكتور عبد الله الغذامي "المرأة واللغة"وقد أشار الكاتب ضمن ما أشار إليه إلى ما أسماه (هشاشة البراهين) وفجوات أخرى في الكتاب،وفي تصوري أن أخطر ما في كتاب"المرأة واللغة"هو ما قام به الدكتور"الغذامي"من بتر لبعض النصوص التراثية لتوافق ما ذهب إليه،,كذلك الاستدلال بما لا دليل فيه – في حالة واحدة – {من وجهة نظري الخاصة بطبيعة الحال} ولا أدري إن كان ذلك ما عناه الدكتور نذير العظمة حين قال ..( إنني أُثمّنُ منهجية الغذامي كما أُثمّنُ محبته للحقيقة (..) ولكني أختلف معه في بعض جوانب المنهج (..) فالمنهج يظل منهجا قويما بارتباطه بالحقيقة وهي تأتي أولا ... فإذا اصطدم هذان،أي الحقيقة والمنهج،فعلينا أن نعدل المنهج،لا أن نلوي عنق الحقيقة){ جريدة الجزيرة العدد 8855 في 16/8/1417هـ}.
وقبل أن أحاول إثبات ما أدعيه،لا بد أن أشير إلى مسـالتين لا فتتين في كتاب"المرأة واللغة"الأولى هذا التكرار الممل لكلمة"الفحل"فقد كررها الدكتور 170 مرة في الكتاب.والمسألة الثانية .. إهانة الدكتور الغذامي للمرأة ،إهانة تقارب الشتم أحيانا وذلك ما أشار إليه الأستاذ الهويمل حين قال : "إن محاولة د.الغذامي الدفاع عن المرأة دفعته إلى إهانتها في غير موضع"{ جريدة الجزيرة العدد 9135} وأشير هنا إلى أنني أتحدث عن كتاب الدكتور الغذامي المشار إليه سابقا وكذلك المقالات التي كان ينشرها في جريدة"الحياة"اللندنية والتي عدّها الدكتور العظمة "القسم الثاني من الدراسة"{ جريدة الجزيرة العدد 8841 في 2/8/1417هـ}.
ولتبيان (إهانات) د.الغذامي للمرأة نشير إلى التالي :
أولا : حاول الدكتور أن يثبت أن "ألف ليلة وليلة"إبداع أنثوي ولكن اسم المرأة ما كان ليظهر عليه .."فثقافة الرجل وعالم الذكور تقوم على حجاب كثيف دون ظهور أثر المرأة الثقافي ودورها الإبداعي ".." وكما أن"كليلة ودمنة"من صياغة "وترجمة"ابن المقفع وليست من إبداع الثعالب والذئاب،فإن الحيوان الجاهل (المرأة) {ما بين الأقواس من الأصل - محمود} لا يمكن أن تبدع نصا أدبيا مثل ألف ليلة وليلة "{ المرأة واللغة ص 79 }.
ثانيا : يقول الدكتور الغذامي .."ويخبرنا جرير قائلا : يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به * وهن أضعف خلق الله إنسانا إنه شاعر فحل يعرف الخطر المؤنث على لبه"عقله"والحشرة الضعيفة هذه تقوى فقط حينما ترى زادها المفضل وهو عقل الرجل فتصرعه ..{ جريدة الحياة العدد 12152 في 3/6/1996م}. وتعلق على ذلك الدكتورة أمل الطعيمي قائلة بأن "الغذامي"أتى بما لم يأت به الشاعر فيقول – عن المرأة – "حشرة"{ جريدة اليوم العدد 8663 في 25/10/1416هـ}.
ثالثا : تحدث الدكتور عن المثل العربي "قطعت جهيزة قول كل خطيب" ثم يعلق :"ولا عيب في هذا المثل سوى أن بطله أنثى تجرأت واستعملت اللغة ليس مجرد استعمال خاص وذاتي ولكنها استعملت لغتها لكي تقطع وتخرس لغة الرجال "الخطباء"وهذه جريرة لن تغفرها الثقافة لهذه الأنثى الإرهابية"{ جريدة الحياة العدد 12090 في 13/11/1416هـ}. أليس من اللافت للنظر أن محامي المرأة هو من يصفها بـ"الحيوان ... الجاهل .. القاصر .. ) وأحيانا تكون"حشرة" و "إرهابية"؟!!
أما الموضوع الأخر،كما سبقت الإشارة فهو ما قام به الدكتور "الغذامي"من بتر بعض النصوص ..إلخ. وسوف نحاول في الأسطر التالية إثبات ما ذهبنا إليه ،والله المستعان {وذلك عبر عدة وقفات} :
الوقفة الأولى : يقول الدكتور"الغذامي" :"إذا وضعنا الأمور في سياقها فسوف نكتشف أن الرجل يسترد منحته هذه،ويسلب من المرأة لسانها بعد أن منحها إياه و"ما على الأرض شيء أحق بطول سجن من لسان – مجمع الأمثال 260/2"{المرأة واللغة .. ص 38}.
فأين وجه الدلالة في هذا المثل؟ومن أين استدل الدكتور على أن اللسان الذي يستحق السجن في هذا المثل هو لسان المرأة دون الرجل؟!
وعندما عدت إلى "الميداني"وجدته يقول بعد أن ساق المثل ..".. وهذا مثل يروى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .. ويضرب في الحث على حفظ اللسان عما يجر إلى صاحبه شرا"{ الميداني : مجمع الأمثال 279/2}.
الوقفة الثانية : وهي – أيضا - مع الأمثال يقول الدكتور .."وجادت الثقافة على امرأة اسمها جهيزة يقال أنها دخلت على محفل يصطخب بالخطباء والمتحدثين الذين كانوا يتداولون في أمر مقتل أحد أفراد العشيرة وبينما هم في خطب وعصب فجرت جهيرة لسانها المؤنث وأبلغت الجميع أن القاتل قد لاقى مصيره وقتل .. وهنا سكت الجميع،وجاءنا المثل الرائع"قطعت جهيزة قول كل خطيب".وهو مثل يدل على الإنجاز والحسم واختصار الزمن والحدث،ولا عيب في هذا المثل سوى أن بطله أنثى. "إلى أن يقول في كلام سبق أن نقلناه "وهذه جريرة لن تغفرها الثقافة لهذه الأنثى الإرهابية ،ولذا فإن الميداني،صاحب مجمع الأمثال يفسر هذا المثل ويقول أنه يطلق دليلا على حماقة المرأة "{ جريدة الحياة العدد 12090}. من يقرأ الكلام السابق سوف يتصور أن ما بعد كلمة "يقول"من كلام الميداني أما الميداني فإنه يقول بعد أن ساق المثل .."يضرب لمن قطع على الناس ماهم فيه بحماقة يأتي بها"{ الميداني : مجمع الأمثال 91/2}. وعليه فإن الميداني لم يذكر المرأة كما قد يفهم من كلام د.الغذامي. .. إضافة إلى ذلك أليس الذي أتى بالحماقة هو"القاتل"لا"ناقلة"الخبر؟! على أن أبا صوفة يفسر هذا المثل بأنه"يضرب لمن قطع على الناس ما هم فيه من تخبط"{ محمد أبو صوفة / الأمثال ومصادرها في التراث ص 246}.
الوقفة الثالثة : يقول الدكتور : " التأنيث – إذن – صفة للجسد تعرض له وتلابسه ثم تزول الأنوثة المعتبرة ثقافيا ولا تطلق هذه الصفة على أي امرأة ولا يقال هذه امرأة أنثى إلا للكاملة من النساء"الزمخشري : أساس البلاغة" والسؤال الآن يأتي عن حال المرأة إذا فقدت صفات التأنيث،وهذا ما يجيبنا عنه الزمخشري عندما يستخدم صفة"الكاملة"مما يعني أن المرأة فاقدة مواصفات الأنوثة الجسدية تصبح كائنا ناقصا"{ جريدة الحياة العدد 12076 في 29/10/1416هـ}. تعالوا ننظر كيف بتر الدكتور"الغذامي"نص الزمخشري ليقوله ما لم يقل .. وهنا لابد أن ننقل نص الزمخشري كاملا :"أ.ن.ث : امرأة مئناث وقد أنثت وهذه أنثى للكاملة من النساء كما يقول رجل ذكر كامل "{ الزمخشري : أساس البلاغة 21/1}. وبمناسبة عبارة"رجل ذكر كامل"نستأذن الدكتور في أن "نقتبس"عبارته مع إجراء بعض التعديلات فنقول :"والسؤال الآن يأتي عن حال "الرجل"الذي فقد صفات"التذكير"وهذا ما يجيبنا عنه الزمخشري عندما يستخدم صفة"الكامل"مما يعني أن "الرجل"فاقد مواصفات الذكورة الجسدية يصبح كائنا ناقصا " أرأيتم ما أسهل هذا؟!!
الوقفة الرابعة : يقول الدكتور"كان الجاحظ يفرق بين مصطلحي "كتابة"و"مكتابة"فالكتابة للرجل وهي شرف وحق والمكاتبة للمرأة وهي خطر {المرأة واللغة ... ص 112}،وأشار في هامش نفس الصفحة إلى{ الجاحظ : رسائل 144/2 } وبالعودة إلى الصفحة المذكورة في نفس الطبعة التي أشار إليها الدكتور في قائمة مراجعه،لم أجد ما يخص الكتابة أو المكاتبة!والصفحة التي أشار إليها الدكتور هي الصفحة الثانية من "كتاب القيان"وعند قراءة الكتاب وجدت التالي : في الصفحة 172 يذكر الجاحظ أن القينة حين تحس أن سهمها قد نفد عند من تدّعي حبه .."أوهمته أن الذي بها أكثر مما به منها ثم كاتبته تشكو إليه هواه".
وفي الصفحة 175 يذكر الجاحظ أن القينة تدعي حب أكثر من رجل و "تكتب إليهم عند الانصراف كتابا على نسخة واحدة تذكر لكل واحد منهج تبرمها من الباقين".
وفي الصفحة 179 أشار الجاحظ إلى أن مالك القينة .."يتشاغل عن الإشارة ويتعامى عن المكاتبة". وعليه فلم أستطع أن أفهم قول الدكتور بأن الجاحظ :"يفرق بين مصطلحي "كتابة"و"مكاتبة" .. إلى آخر كلامه!!
وبعد .. فرغم كل ما سبق،يظل كتاب "المرأة واللغة"كما وصفه بعض نقاده كتابا متميزا .. فالدكتور يوسف نور عوض يرى أنه .."من أكثر الكتب أهمية في ثقافتنا الحديثة" ويكرر ذلك في قوله .."ومهما يكن من أمر فإن كتاب الدكتور".."من أمتع الكتب في الثقافة العربية الحديثة"{ جريدة المدينة العدد 12387 في 5/11/1417هـ .} كما يشرح الدكتور معجب الزهراني المشكلة التي يواجهها البسطاء من" أمثالي"بقوله .."فالمشكلة الكبرى التي تواجه هذا النمط من القراءات المعتادة أن"المرأة واللغة"يدشن كتابة لا يمكن تصنيفها بسهولة ضمن مجال معرفي محدد لأنها تتموضع في الحدود الفاصلة / الواصلة بين النقد الأدبي والبحث الاجتماعي والنفسي والأناسي والفكر الفلسفي ".."وباختصار فإن كتاب"المرأة واللغة"يشكل علامة تحول في نقدنا وأدبنا وفكرنا المحلي"{ جريدة الجزيرة العدد 8893 في 24/9/1417هـ}. على أن القاصة العراقية هيفاء زنكنة قالت عن الدكتور الغذامي : إنه من القلة الذين يتحمسون للدفاع عن المرأة .. ولكن حماسه هذا جعل الكتاب يخلو من العمق "{برنامج "دردشة عائلية" صوت العرب من البي بي سي "لندن" / الجمعة 14/3/1418هـ}.
وبعد .. انتهى التعقيب كما نشر في العدد المذكور من جريدة الجزيرة .. وأختم لا بالإشارة إلى تباين الآراء بين البشر ... من خلو الكتاب من"العمق" – حسب الأستاذة هيفاء : وهي امرأة لا يمكن أن تتهم – ورأي الدكتور "الزهراني" .. بل أختم بنقطة لم أنتبه لها في ذلك الوقت .. وهي أن الجاحظ يتحدث عن"القيان" .. والدكتور يسقط الأمر على الحرائر!!
أبو أشرف : محمود المختار الشنقيطي المدني