رائد الحامد
ثابت في تاريخ الأمم والشعوب أنّ أيّ
احتلال عسكري لا يمكن إنهاؤه دون مقاومة
مسلّحة يؤازرها عمل سياسي منقاد لها،
وإنّ أيّة تسويات خارج نطاق العمل
المسلّح لا يمكن لها أن تنجح قبل أن يكون
هذا العمل المسلح قد أصبح ذا أثر ضاغط
ومؤثر على المحتلين، وثابت أيضاً أنّ لا
قوة عسكرية لبلدٍ قادرة على غزو بلد آخر
واحتلاله والبقاء فيه دون مساندة من
قطاعات واسعة من الشعب تسهل مهمة الغازي
مقابل مكاسب مادية أو سياسية أو غيرهما،
وما حدث في 9/4 يؤيّد صحة هذا، إذ لم تقتصر
مساندة القوات الغازية على الحركات
السياسية أو الدينية العراقية، بل إنّ
زعامات هذه الحركات وبمساعدة رؤساء
العشائر العربية تمكّنت من إقناع قطاعات
واسعة من العراقيين، أو تضليلهم بأنّ
القوات الأمريكيّة والأخرى المتحالفة
معها ستقتصر مهمتها على إسقاط النظام
القائم آنذاك، ومن ثمّ ستغادر العراق
فورا بعد أن تقوم بتسليم زمام الأمور
للعراقيين.
قد يرى البعض من العراقيين في هذا المنطق
ما يبرّر قبولهم الآني بالتغيير عبر
آليات غير وطنية، بسبب ما تعرّضوا لـه من
كم هائل من الضخ الإعلامي المكثف باتجاه
عدم تمكن العراقيّون بمفردهم من إسقاط
النظام، وكذلك ضخامة ما تمّ التركيز
عليه من جرائم يرتكبها النظام ضدّ
العراقييّن بغض النظر عن حقيقتها من
عدمها، أمّا بعد مضيّ أكثر من ثلاثة
وثلاثين شهراً على الاحتلال، وما شهده
العراق من عنف لم يسلم منه مكوّن عراقي،
وما تعرّض لـه العراقيّون من جرائم قامت
بها قوات الاحتلال والأجهزة الأمنية
للحكومة العراقيّة والقوى والتنظيمات
المحلية والوافدة وغيرها، بعد كلّ هذا،
لم تعد خيارات العملية السياسية قابلة
للفهم، خاصّة بعد استمرار تأكيد إدارة
الاحتلال ومنذ الأسبوع الأول للاحتلال
وحتى الآن، بأنّ قواته ستغادر العراق ما
أن تنهي مهمتها، ويفهم من خلال متابعة ما
يرشح عن المسؤولين في الإدارة الأمريكية
بان هذه المهمة متجددة ومتغيرة حسب
الظرف السياسي في العراق، والواقع الذي
تفرضه المقاومة العراقيّة، واتجاهات
الرأي العام الأمريكي، وطبيعة التنافس
بين الحزبين الأمريكيين الجمهوري
والديمقراطي، وكذلك حسب رؤية المحافظين
الجدد لمصالح إدارة الاحتلال وأهدافها
الحيوية وهو العامل الأهم .
إنّ أموراً كالتي وردت وغيرها ستساهم
بالتأكيد في زعزعة القناعات وتسرع في
إعادة صياغتها على النقيض من مرتكزاتها
التي تمّ التأسيس عليها خلال مراحل
تكوين الدولة العراقية الحديثة وتشكل
خصوصية المجتمع العراقي، فلم تعد إذن
جدلية الرفض التلقائي لمبدأ الاستعانة
بالأجنبي قائمة، وهو ما يؤدي لأن يكون
القبول بـه حاضراً ومستقبلاً وإلى أمد
غير محدد مستقبلا أمراً مستساغاً
ومقبولاً، أي أنّ مفاهيم السيادة
والحرية والاحتلال والعبودية
والاستقلال وغيرها، إما أن تكون أصلا
قابلة لأكثر من تفسير، أو أنّ فيها مرونة
لا متناهية في فهمها، أو أن يكون
العراقيون قد اساؤا فهمها كما الأجيال
المتعددة التي سبقتهم، أو أن تكون تلك
الأجيال قد نظرت لهذه المفردات بعيداً
عن واقعها آنذاك، ثمّ حاولت الأجيال
المتتالية إثبات تلك التنظيرات
وتجربتها لتأكيد صحتها وواقعيتها، وعلى
ما يبدو فإنّها عمليا قد سجلت فشلاً في
تلك المحاولات إذا قيست بالواقع العراقي
الراهن.
إنّ الفهم الجديد لواقع موقف العراقييّن
الآن من الوجود الأجنبي والعملية
السياسية يؤشر إلى :
- تنامي أعداد المنخرطين في العملية
السياسية الجارية الآن، وبالذات من
القوى والمكونات التي تبنت في الماضي
العمل المقاوم المسلح منه أو السياسي أو
كليهما معا، مما يعني أنّ مبدأ ما بني
على باطل فهو باطل قد تمّ تقويضه، وأنّ
فهماً خاطئاً للباطل كان سائداً، أي أنّ
الاحتلال - أيّ احتلال - هو عمل مشروع،
وهو ما يفسر القبول الطوعي لأي شعب
بأغلبيته عملية بنيت على أساس الاحتلال
وفي ظل وجوده، وعليه يعتبر هذا الأساس
أساساً صائباً وحقاً لا باطلاً، لهذا
يمكن القول إن هناك وهما اسمه الباطل
فيما يتعلّق بالاحتلال الأجنبي ومفاهيم
أخرى سبق ذكرها.
تخلّي اغلب العشائر العربيّة المعروفة
بولائها لصدام حسين عن قيمها وأخلاقها
ناهيك عما يوجبه عليها الالتزام بمبادئ
الإسلام وتعاليمه، وذلك بوقوفها
وقتالها إلى جانب القوات الأجنبية
والقوات العراقيّة المتعاونة معها ضدّ
المجاميع العراقية والإسلامية الوافدة
التي تتبنى الخيار المسلح ضدّ الوجود
الأجنبي، وقد نجحت القوات الأجنبية
والحكومة العراقية في إقناع أو تكليف
بعض علماء الدين وأحزاب محسوبة على
العرب السنة من أهمها الحزب الإسلامي في
تسويغ الإقبال على العملية السياسية،
ولعب دور في قتال تنظيم قاعدة الجهاد
والاتجاهات الإسلامية المقاومة الأخرى
بحجة مكافحة الإرهاب، كما نجحت في شراء
ذمم بعض رؤساء العشائر غرب العراق الذين
ساهموا في خلق حالة رفض للمسلحين من نسبة
مهمة من المواطنين الذين تعاونوا مع
المسلحين ووفروا الدعم لهم طيلة أعوام
الاحتلال، وتطور الأمر إلى دخول هذه
العشائر في قتال فعلي مع المجاميع
المسلحة وخاصة مع الإسلاميين من أنصار
الزرقاوي، وبين هؤلاء الكثير من
العراقيين من عشائر أخرى أو من نفس
العشائر، وهو ما يؤدي مستقبلا إلى زرع
بذور عداوات بين عموم العشائر قد تستمر
طويلا بسبب طبيعة التركيبة العشائرية
التي تحكم المجتمع العراقي عموما ومناطق
غرب وشمال غرب العراق خصوصا.
- تراجع الخطاب الإعلامي للقوى
والشخصيات العراقيّة التي كانت تؤيّد
المقاومة المسلحة ضدّ الوجود الأجنبي،
وقد ساهم مؤتمر الوفاق الوطني الذي رعته
جامعة الدول العربية بمباركة ودعم من
بعض الحكومات العربية والأجنبية في خدمة
هذا الاتجاه أكثر من أية جهة أخرى عن
طريق تمكن القائمين على شؤونه من
استدراج تلك القوى الرافضة والتغرير
بها، وبالتالي إقناعها بالمشاركة في
انتخابات الجمعية الوطنية الأخيرة.
لم تمض سوى شهور قليلة على الاستفتاء
الشعبي على قيادة صدام حسين للسلطة
وبيعة العراقيين له، حتى انقلب
العراقيون على أعقابهم حال الإعلان عن
سقوط النظام في 9/4، وخلعوا البيعة
وتنكروا لأمانة منح الصوت وقيمته
الأخلاقية، وبصرف النظر عن واقعية
النتائج التي أسفر عنها، فقد شارك فيها
كل العراقيين بمن فيهم الأكراد الذين
يعيشون خارج منطقة الملاذ الآمن الذي
شرعته الولايات المتحدة بعد 1991، وهذا ما
يؤشر إلى تقلب الولاء لدى العراقيين
وعدم ثباتهم، وسهولة العبث في عقولهم
وأفكارهم وزعزعة قناعاتهم وتبديل
ولاءاتهم بين صبيحة يوم وعشيته، كما
شهدناه يوم 9/4 .
- صدقاً أو غيره ما ردده السفير الأمريكي
والرئيس العراقي الانتقالي حول
اتصالهما بجماعات من المقاومة المسلحة،
أو أنّ هذه الجماعات هي التي اتصلت بهما
للتفاوض على إنهاء العنف، فإنّ أمراً
كهذا لابدّ أن يكون لـه أساس ما من
الصحة، سواء تمّ تضخيم الأمر أم لم يتمّ،
ويبدو أن معظم الذين حملوا السلاح
ويحملونه الآن من العراقيين يبحثون عن
مكاسب سياسية أو غيرها ليس الاّ، إذ لم
ترشح معلومات تشير إلى وجوب إنهاء
الوجود الأجنبي، بل إن الأمر اقتصر على
استلام الملف الأمني في المحافظات
المضطربة والمشاركة الأوسع في العملية
السياسية، وهذا يعني تأصل حالة غياب
مفهوم الوطنية والتحرر والسيادة الذي
آمنت به الأمم والشعوب لقرون لا حصر لها.
- اتجاه الشعب العراقي نحو ممارسة
الاحتجاجات والاعتصامات والتظاهرات
السلمية للمطالبة بالمواد الغذائية
والبطاقة التموينية والوقود والاحتجاج
على نتائج الانتخابات الأخيرة وما قيل
عن رصد حالات تزوير أو تلاعب وغيرها
باستثناء المطالبة بخروج القوات
الأجنبية، وهو ما يثير الاستغراب في أمر
الشعب العراقي الذي يدرك أن منْ تسبب في
جوعه وحرمانه من الوقود والغذاء والأمن
والماء والكهرباء، هو ذاته الذي يسانده
الآن من خلال العملية السياسية، وهو
ذاته الوجود الأجنبي والحكومة
العراقيّة الموالية له، وهكذا يبدو إن
أغلبية الشعب العراقي ترى أن العمل
السياسي في ظل الوجود الأجنبي مبررا
ومشروعا ومستساغا، وهو ما لم يتم
التعارف عليه بين الأمم عبر التاريخ.
- زيادة ثقة العراقييّن المؤمنين بالعمل
المقاوم بحسن نوايا الدول العربيّة
الأخرى وخصوصاً قبولهم بالانخراط
بالعملية السياسية، وهي العملية التي
سبق وان قاطعتها هيئة علماء المسلمين في
كانون الثاني 2005، وهيئة علماء المسلمين
كتشكيل يعكس وجهة نظر ومطالب العرب
السنة حسب رؤية الحكومات العربية
والإقليمية، في حين لا تصح هذه الرؤية
بين أوساط الفصائل المسلحة المهمة، حيث
لا تحظى لديهم بذلك التأييد والانصياع
الذي يمكن إن يكون مؤثرا وفاعلا كما ترى
تلك الحكومات، وكانت هذه الهيئة قد دعت
العراقيين إلى المشاركة في عملية
الاستفتاء على الدستور في 15/10/2005
والتصويت بـ ( لا ) في محاولة منها
لإسقاطه، في الوقت الذي يدرك ابسط قراء
السياسة الأمريكية والإيرانية، إن لا
قوة سياسية أو شعبية في العراق قادرة على
إسقاطه، فهو مفروض لمصالح أمريكية
إيرانية مشتركة ومتبادلة، وبذلك أصبح
دستورا شرعيا أقرته الأغلبية من
العراقيين، وهذا الإقرار افقد شرعية عمل
المناهضين للوجود الأجنبي والحكومة
العراقية القادمة، والتي ستجيء هذه
المرة بصورة شرعية عن طريق صناديق
الاقتراع وفق الدستور الذي أقرته
الأغلبية من الشعب العراقي.
أما موقفها من الانتخابات الأخيرة التي
جرت في 15/12/2005 فقد التزمت رسميا موقف
الصمت، ولم تحدد موقفا واضحا وصريحا
منه، وهي أهم مفصل في العملية السياسية
بعد عملية كتابة الدستور، فقد دعا أكثر
من ألف عالم دين من السنة باسمهم وليس
باسم الهيئة إلى المشاركة في
الانتخابات، وهؤلاء هم حكما أعضاء في
الهيئة المذكورة، وبذلك يكون الموقف
الرسمي غير المعلن للهيئة هو المشاركة
في الانتخابات، وهذا الموقف ليس دهاءً
سياسياً أو حكمة، بل هو ضعف في أداء
الهيئة، ودليل على عدم قدرتها على اتخاذ
القرار الحاسم المطلوب في المنعطفات
المهمة في تاريخ الأمم والشعوب خاصة بعد
أن انتدبت نفسها وصية على مكون مهم من
مكونات الشعب العراقي، وعلى ما يبدو فان
هذا الموقف ينسجم مع موقف جامعة الدول
العربية وحكومات عربية مؤثرة في الواقع
السياسي العراقي الراهن.
الفرز الواضح بين مكونات الشعب العراقي
العرقية والمذهبية من حيث العمل المسلح،
إذ اقتصر الأمر على العرب السنة إلا ّ ما
ندر، وهذا ما تؤكده مسميات المدن التي
تشهد عملا مقاوما ضد الوجود الأجنبي
والمساندين له، وفي المقابل تؤكده أيضا،
ما تقوم به القوات الأجنبية والحكومية
من أعمال عسكرية ضد تلك المدن التي هي في
أغلبيتها مدن عربية سنية، وقد يرد ُّ هذا
إلى قناعات تولدت في عقل المواطن العربي
الشيعي مفادها، أنها فرصة مؤاتية الآن
للشيعة عليهم استثمارها ضمانا لحريتهم
وكرامتهم وخلاصهم من جلاديهم، وإلا
عليهم الانتظار إلف عام آخر من
العذابات، فانتصار المقاومة المسلحة
وهزيمة القوات الأجنبية معناه عودة صدام
حسين وبالتالي عودة حزب البعث إلى
السلطة، أو بمعنى آخر عودة العرب السنة
إلى السلطة وعودة عذابات الشيعة من
جديد، على اعتبار أن فهما بمذهبية
السلطة وعرقيتها ظل سائدا طيلة عقود عند
البعض، وطيلة قرون تعود إلى سلطة
الأمويين ممثلة بالحجاج، والعباسيين
ممثلة بالمتوكل، وسلطة العثمانيين بكل
ولاتهم، وأخيرا ثمانية عقود من الحكم
المذهبي السني للأعراب ( العروبيون ) وما
فيها من دماء شيعية واستئصال واستعباد
عند البعض الآخر، ويصل الأمر إلى دعوات
بالانفصال وإقامة جدران عازلة بينهم
وبين الأعراب أو البدو في صحرائهم (
كناية عن جغرافية انتشار العرب السنة
غرب وشمال غرب العراق حيث يغلب الطابع
العشائري القريب من الطبائع البدوية )،
وبالتأكيد فان هذه قراءة خاطئة للتاريخ
تمكنت قوى مستفيدة من الواقع الراهن من
إقناع الأكراد والشيعة بها، ولا يفهم
مما ورد إن العرب السنة هم ضد الوجود
الأجنبي بالمطلق، بل أن وقائع الأرض
تؤكد أن ّ نسبة منهم لا تقل عن 78 بالمئة
هم مع هذا الوجود ومع العملية السياسية،
وهم يستثمرون ورقة المقاومة للحصول على
مكاسب سياسية ليس الاّ، وهؤلاء في حقيقة
الأمر هم ضد المقاومة قولا وفعلا، ومما
ساعدهم في هذا وشجعهم إن نسبة من عمليات
تنظيم قاعدة الجهاد موجهة ضد احد مكونات
المجتمع العراقي بدوافع فكرية مذهبية،
مما أصاب القاعدة الفكرية للمقاومة
العراقية بشرخ اضرَّ بها، وقد يعود هذا
إلى عدم إدراك حقيقة التعددية المذهبية
والتعايش التاريخي بين مكونات المجتمع
العراقي، وهذا لا ينفي إن تنظيم قاعدة
الجهاد يلعب دورا فاعلا في مقاومة
الوجود الأجنبي وإلحاق خسائر مهمة به،
وهذا باعتراف الإدارة الأمريكية،
وأخيرا فان تلك النسبة المشار إليها من
العرب السنة تمارس أعمالا تضر بمصلحة
المقاومة العراقية وتصب في خدمة الوجود
الأجنبي والقوى الموالية والمساندة له.
wn...@gawab.com
20/12/2005