من منا لا يعاني؟ ومن منا جميع أيامه سرور أو حزن؟ بلا شك أنه لا أحد
قال الله تعالى ” كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ” (الأنبياء، 35)
فالأيام دول يسرك زمان ويسوءك زمان آخر
وكما قال الشاعر:
طبعت على كدر وأنت تريدها * صفواً من الأقذار والأكدار
بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه هل جميع المشكلات والأزمات التي تمر علينا هي نهاية العالم بالنسبة لنا؟ الجواب لا
فالإسلام أرشدنا إلى التحلي بخلق الصبر ” قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ” (الزمر، 10)
قرأت كتاب (العيش في الزمن الصعب) حول هذه النقطة “فوائد الأزمات” لخصتها بتصرف
وللأزمات فوائد:
1. إن الأزمة حين تستفحل، ويشعر المرء بضعفه وانقطاع حيلته، يتعلق قلبه بالله تعالى، وتنصرف همته إلى طلب المعونة منه، وهذا في الحقيقة جوهر التوكل على الله، وهذا التعلق يمنحه رجاء جديداً يتجاوز المحنة، كما يمنحه طاقة متجددة على الصبر و المقاومة
ولرب نازلة يضيق بها الفتى
ذرعا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تفرج
وكم لله من لطف خفي
يدق خفاه عن فهم الذكي
فكم أمرا تسيء به صباحا
وتأتيك المسرة في العشي
إذا ضاقت بك الأحوال يوما
فثق بالواحد الفرد العلي
وكما قيل “رب محنة صارت منحة”، فالكثير من الناس رجع إلى الله بسبب مشكلة أو فاجعة ألمت بهم أيقظتهم بعد طول غفلة فكانت سببا في استقامة حالهم
2. إن الأزمات تمنحنا فرصة للمراجعة والنقد، ولوم النفس على ما كان منها، وقد أقسم الله سبحانه بالنفس اللوامة، لما يوفره اللوم من فرص للتراجع عن الخطأ، وتجديد البنى الفكرية والأساليب والأدوات التي نستخدمها في إنجازاتنا المختلفة، فكان من شأن الأزمة أن تطلق آليات تعويضية، واستجابات جديدة، وغير متوقعة، وبذلك تصبح الأزمات فعلا عامل تطور، ومناسبة لإحراز تقدم جديد.
3. إن عيش الناس من غير أزمات ومشكلات وظروف معاكسة كثيرا ما يؤدي إلى انحطاطهم، فالبيئة السهلة لا تستدعي أي كفاح وصراع في سبيل العيش، تركد فيها ملكات الإبداع، كما تترهل فيها روح المقاومة، ويسيطر الفراغ والترف (والترف يؤدي إلى التلف)، وتفقد الحياة بذلك الكثير من معانيها، الترف الشديد لا يقل أذاه عن التأزم الشديد.
الحاجة أم الإختراع (وليست الحاجة سويدة الوجه) كما هو شائع في الدارج العُماني، ولو أننا تأملنا في تاريخ التقدم العلمي، لوجدنا أن حيال كل تجربة ناجحة عشرات إن لم يكن مئات التجارب المخفقة، كما أننا نجد أن كل تجربة ناجحة تمنحنا مؤشرات إلى تجارب أخرى مجزية.