|
إلى بضعة المصطفى وقرة عينه ...
إلى التي ترعرعت في بيت الوحي وتربت في حضن أعظم الأنبياء ...
إلى الصديقة الطاهرة المطهرة المعصومة ..
وصاحبة المواقف الفاصلة ..
إلى المظلومة المقهورة المهضوم حقها ..
إلى الشمعة التي أخذتني إلى حيث الهداية ..
وفتحت لي آفاق نور الولاية ..
سيدتي ومولاتي فاطمة الزهراء (عليها السلام) ..
وإلى حفيدها الأمل المرتجى وكاشف الدجى.
العدل المنتظر المهدي الحجة بن الحسن عجل الله فرجه الشريف الإمام الثاني عشر والخاتم الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا ..
راجيا القبول
المقدمة
فجأة أحسست ببرودة تلفح وجهي وبرعدة تنتاب أوصالي في يوم حار من أيام فصل الصيف الذي يتميز به السودان ، ورغم درجة الحرارة العالية في ذلك اليوم إلا أنني شعرت بأنها تدنت إلى ما دون الصفر.
برهة مرت ثم شعرت بدف ء الحقيقة ... وبنور ينكشف أمامي وبهالة قدسية تلفني ، وإذا بالحجب التي أثقلت كاهلي قد انزاحت ، ولمع برق الحقيقة أمام ناظري ، وإذا بي أبدأ أول خطواتي في الاتجاه الصحيح.
كانت أصعب لحظات العمر هي وقت اكتشاف عمق المأساة التي كنا نعيشها ، والتي كانت نتاجا طبيعيا للجهل المركب الذي كان يغشى عقولنا ... خصوصا وأن هذه المأساة كانت متمركزة في اعتقادنا وديننا.
أن يجد الإنسان نفسه مخطئا في تقدير أمور حياته اليومية مثل لون الدراسة التي يجب أن يدرسها أو الوسيلة التي يجب أن يتنقل بها .. فليس في ذلك كثير أسى وتندم ... لكن أن يخطئ الطريق إلى الله سبحانه وتعالى ... أن يسلك طريقا غير الذي وصفه الله تعالى إلى الجنة ، فهذا خطير بل جنون وتهور.
ذلك ما وجدت عليه ـ وللأسف ـ السواد الأعظم من المسلمين أثناء تجربتي هذه والتي لا أدعي أنها الأولى أو الأخيرة ولا حتى المتميزة ... وهذا ما توصلت إليه بعد بحثي وتنقيبي بين ثنايا تراثنا الديني وتاريخنا الإسلامي.
أسجل هذه التجربة شهادة للتاريخ دون بحث عن منفعة شخصية أنالها سوى رضا الله تعالى ، وحتى أساهم بمجهودي المتواضع هذا في إحقاق الحق ، وحتى يسجل كحلقة جديدة من حلقات انتصار مذهب الحق
مذهب أهل البيت
عليهم السلام ومن سلك منهجهم وتمسك بهداهم وهم « الشيعة
وليس المقصود من هذا البحث النيل من شخص معين أو إثارة الفتنة ، أو البحث عن التفرقة بين المسلمين كما يحلو لبعض الجهلة أن يسمونها ، إنما هو نقاش عقائدي القصد منه الكشف عن الحقائق ولفت الانتباه إلى الواقع المأساوي الذي تعيشه الأمة من مرارة الذل والهوان بعد انحرافها عن الصراط المستقيم ونبذها كتاب الله تعالى وسنة رسوله ... كما إنها خطوة لتوحيد الأمة تحت راية الحق والالتفاف حول محور الدين الحقيقي الأصيل
المتمثل في نهج أهل البيت عليهم السلام
وما أنا إلا عبد فقير من عباد الله انكشفت أمامه الحقائق وشعر بمرارة الخداع وذل التجهيل الذي مورس عليه باعتباره أحد أفراد الأمة الإسلامية ، عشت وترعرت في بيئة سنية يتعبد أهلها بمذهب الإمام مالك ـ تلك غالبية أهل السودان ـ كانت أكبر همومي تتمثل في الزواج لكي أنجب أبناء أغذيهم بما ورثته من آبائي من تدين وأربيهم على خلاف ما يجري في البلاد الإسلامية الآن من تكريس لسلبيات الحضارة المادية الزائفة في نفوس أبنائنا.
كنت أحلم أن يكونوا أبناء من خدام شرع الله ودينه ـ ذلك الدين الذي درسناه في مناهجنا الدراسية ـ وكما ألفينا عليه آباءنا في مجتمعنا دون أن نبحث هل هو ما أمرنا الله به أم أن هنالك أنباء وهنبثة خفيت علينا.
أما السودان فهو بلد تأصلت فيه الروح الدينية فامتاز بالفطرية في أخلاق شعبه وكافة جوانب الحياة فيه وبقوة الوازع الديني ، بالإضافة إلى حبه الواضح لأهل البيت (عليهم السلام) ويظهر ذلك في ثقافته ، وسنتطرق إلى ذلك أثناء بحثنا.
دخل الإسلام السودان عبر الطرق الصوفية ـ
هذه الحقيقة التي أنكرها الوهابيون حقدا وحسدا
ـ وأعتقد أن للدولة الفاطمية في مصر اليد الطولى في انتشار الإسلام في السودان ، خصوصا وأن الطرق الصوفية تقوم أساسا على محبة أهل بيت النبوة (عليهم السلام) والولاء لهم ، ولقد انعكس ذلك على ثقافة وتدين الشعب
لقد منّ الله عليَّ بالهداية بفضله وادخلني برحمته إلى حيث نور الحق وشكراً لهذه النعمة يجب عليّ أن أبلغ للناس ما توصّلت إليه.
لذلك اسطر هذه المباحث واكتب هذا الكتاب إنه شعلة حق اخذتها من فاطمة الزهراء(عليها السلام) واقدمها لكل طالب حق، ولكل باحث عن الحقيقة".
ويحتوي هذا الكتاب على عدّة مواضيع منها: ضرورة البحث في التاريخ، الشيعة والتشيع، الإمامة والخلافة، الانقلاب وكربلاء امتداد للسقيفة.
وقفة مع كتابه: "بنور فاطمة(عليها السلام) اهتديت"
فاطمة(عليها السلام) هي: الصدّيقة الشهيدة، وهي بنت الرسالة وأم أبيها الرسول الحنون، وزوج الولاية والدرع المحامي عنها، وهي أصل الإمامة وشجرتها الطيبة، حاولت الاصنام إطفاء نورها وطمس حقها، ولكن هيهات يأبى الله إلاّ أن يتم نورها الذي هو شعاع من نوره رغم كثافة الظلام، ومكر الأفواه الذي تزول منه الجبال، فكانت الزهراء التي تشع على التاريخ والأجيال جيلا بعد جيل، ولكن يلزم لمن يريد أن يتلمس طريق الفلاح ويرتقي مدارج الكمال، أن يبحث في كتب التاريخ عن هذا الشعاع الزاهر ليستضيء به وهو يسير الى الأمام، للوصول إلى
مرحلة التشيع الحقيقي لأهل البيت(عليهم السلام) ليكون من الفائزين وهذا ما حاوله الكاتب في حياته العملية التي يعرض جوانب منها في هذا الكتاب، فقدم بين يدي الاهتداء بنور فاطمة(عليها السلام) بحثاً في التاريخ وبحثاً في التشيع، ثم أعشى بصره في النور الفاطمي الوهاج وتمثله في خيال البصيرة الفسيح فملأ منه ما بين الخافقين فقاده إلى أنوار ولاية علي(عليه السلام)، فبحث في الإمامة والخلافة فعرف أهل الحق وعرف أهل الباطل، ومن هناك عرف كربلاء الشهادة والبطولة التي وقفت في وجه أحفاد السقيفة واحابيلها، فاهتدى بالنور وسار في دائرته بين دعاء ووضوء
وصلاة و... وأخيراً كانت خطبة فاطمة ـ كما كانت أولا ـ شعلة الحق.
البحث في التاريخ ضرورة:
يحاول البعض أن يغطّ رأسه في الرمال ويتجلبب بجلباب التقوى وعدم
إثارة الفتنة فيقول: لماذا يجب أن نبحث في التاريخ، وما الفائدة التي تجتنى من ذلك؟ وهل هي إلاّ أحداث قد مضت فلماذا ننبشها من جديد وخاصة في فترة زمنية حساسة كثرت فيها الخلافات والنزاعات كفترة ما بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله).
وهكذا يبررون لانفسهم أن يخالفوا ضرورة العقل بالاعتبار بأحداث الماضي لبناء الحاضر والمستقبل، وما تسالمت عليه الأمم بالاستفادة من التجارب في بناء حضاراتها، بل يخالفون القرآن الذي نقل كثيراً من قصص الماضين وحث على التفكّر فيها وأخذ العبرة منها(1).
وقد تطرّق القرآن إلى مسألة الاختلاف بعد الرسل فقال تعالى:
(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـت وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَـتِ وَأَيَّدْنَـهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَـتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ )(2)،
فهل كان القرآن هنا مثيراً للفتنة بذكره الخلاف بعد الأنبياء وأنّ بعضهم آمن وبعضهم كفر! وهل أنّه لم يحترم قدسية أصحاب الأنبياء فوصف بعضهم بالكفر؟
كلا بل نحن نجد العكس هو الصحيح! ففي قصة بلعم بن باعوراء الذي كان في زمن نبي الله موسى(عليه السلام) وقيل أنّه كان يعلم اسم الله الأعظم، وقد اتاه الله آياته بتعبير القرآن الكريم لكنه انسلخ منها فاغواه الشيطان وأخلد إلى الأرض فصار مثل الكلب الذي يلهث على كل حال(3)، فهل بعد هذا تقديس لأحد وإن كان صحابياً إذا ساءت عاقبته، أو قصة السامري الذي تعهده جبرئيل بالتربية في عهد فرعون الذي كان يذبح أطفال بني اسرائيل، فصار من العلماء حتى قال: (بَصُرْتُ
____________
1- الاعراف: 176، يوسف: 111.
2- البقرة: 253.
3- انظر الاعراف: 175 ـ 176.
بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ ى)(1)، لكن كانت عاقبته أن يضلّ بني اسرائيل بالعجل الخوّار المصنوع من الحلي(2)، فهل بعد هذا يقال أنّ من صاحَبَ النبيّ لا يمكن أن تخدش عدالته.
لمحات من التشيع في السودان:
ولد التشيع مع ولادة الرسالة الاسلامية وانتشر في كل بلاد الاسلام، لكن السلطات الحاكمة على طول تاريخ المسلمين حاولت إطفاء جذوته وتشريد أتباعه خوفاً منها على سلطانها القائم على الجور واتباع الشهوات، فكان ان انحسر التشيع عن بعض البلاد أو تخفى في مظهر الصوفية في كثير من البلاد، ولكن لم يستطيع السلاطين أن يقتلعوا جذوره من ثقافة المسلمين، وكان وما زال حب آل البيت تخفق به كل القلوب المسلمة لربها.
وهكذا كان الأمر في السودان فنرى فرق صوفية كثيرة تلهج بذكر آل البيت، ونقرأ في التاريخ أنّ السودان كانوا من أنصار الدولة الفاطمية في مصر، وأنّ صلاح الدين قد أوقع فيهم مذبحة عظيمة لولائهم لهذه الدولة(3).
كما أنّه هناك قبائل كبيرة تنسب نفسها إلى أهل البيت(عليهم السلام) كالجعافرة والركابية والعبدلاب، ويتسمّى الكثير من أبناء السودان باسماء المعصومين من أهل البيت(عليهم السلام)، والثقافة الشعبية السودانية تفيض بمدائح أهل البيت(عليهم السلام) وتتحدّث عن فضائلهم وظلم الظالمين لهم.
وكنموذج نذكر هذه المقطوعة الشعرية للشاعر يوسف الهندي مؤسس الطريقة الهندية الصوفية في مدح أهل البيت(عليهم السلام):
____________
1- طه: 96.
2- انظر طه: 87 ـ 97.
3- أنظر: الدولة الفاطمية في مصر: 135، للدكتور محمد جمال الدين سرور.
| سفن النجاة للملأ بشهادة النص الأتم |
هم النهى، هم البهى، هم التقى، أهل الشيم |
| هم الشفاعة في غد هم السقاية في الملم |
هم الهداية حاضرة والنور والقصد الأعم |
الطاهرون من سوء أرجاس اللمم
بنور فاطمة(عليها السلام) اهتديت:
فاطمة عميدة أهل البيت(عليهم السلام) أهل البلاغة والفصاحة، المدافعون عن دين الله بالبيان الساحر، والمواجهون للظالمين بكلام المعبر الذي ينفذ الى اعماق القلوب.
بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) كانت فاطمة(عليها السلام) أول من واجهت السلطان الجائر بكلمة الحق فهزت عرشه، خرجت في لمة من حفدتها في منظر عزيز يذكّر الناس بأبيها رسول الله(صلى الله عليه وآله)فنطقت بجواهر الكلام في شجاعة يعزّ مثيلها إلاّ من أمثالها، فكان كلامها نوراً ممتداً على طول الزمان، انطلق من مسجد النبيّ(صلى الله عليه وآله) ليهدي الأجيال تلو الأجيال وحتى زماننا الحاضر، حتى يصرّح الأخ عبدالمنعم ـ وأمثاله كثيرون ـ باهتدائه بنور فاطمة(عليها السلام).
طالبت بحقها باستدلال قوي لا يدع مجالا للهروب منه أمام الخصم إلاّ أن يكذب ويخترع حديثاً ما انزل الله به من سلطان، مخالف لصريح القرآن لا يقبله إلاّ اتباع السلاطين الضالين أو المضللين، فكان موقفها فيصلا بين الحق والباطل، وهكذا هي مواقف المعصومين وخاصة وهي البضعة الطاهرة التي يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها، وفضحت بذلك الخلافة الزائفة والإمامة المغتصبة.
فدك الرمز:
ألح الرشيد الخليفة العباسي على الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام) في أخذ فدك.
قال له الإمام: ما آخذها إلاّ بحدودها.
قال الرشيد: وما حدودها؟
قال(عليه السلام): الحد الأول عدن، والحد الثاني سمرقند، والحدث الثالث افريقية، والحد الرابع سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينية.
فقال له الرشيد: فلم يبق لنا شيء فتحول في مجلسي.
فقال الإمام: قد أعلمتك أني إن حددتها لم تردَّها.
ومن هذا النص يتبين أنّ فدك هي رمز للخلافة الإسلامية، وأنّ مطالبة الزهراء(عليها السلام) بها ـ وإن كانت بحق مشروع لها ـ هو طريق للوصول الى الهدف الأكبر وهو تثبيت حق الإمام عليّ(عليه السلام) أمير المؤمنين في الولاية وفضح باطل الخليفة المغتصب لتتم الحجة على المسلمين وليحيي من حيّ عن بينة ويموت من مات عن بينة، فهذا هو دور المعصومين وإذا كانوا يطالبون بالخلافة ـ وهي حقهم المنصوص عليه ـ فانهم يطالبون بها وفق الموازين الأخلاقية ولا يجبرون الناس عليها لأن ولايتهم على الناس قائمة على المحبة والصداقة لا على الحيلة
والعنف والاكراه كما فعل غيرهم ممن تسموا بخلفاء الرسول(صلى الله عليه وآله) زوراً وبهتاناً.
الخلفاء واقتحام الدار:
بعد وفاة الرسول واجتماع السقيفة الذي أفضى الى مبايعة أبي بكر، توترت الأجواء في المدينة وصار شبح التصفية يطارد أهل البيت(عليهم السلام)، وفاطمة رمز قداسة هذا البيت لا يبعد أن يصيبها وابلٌ من غضب أصحاب السقيفة، وهذا ما جرى
للأسف الشديد فهم اقتحموا الدار وفيه فاطمة، وأحرقوا الباب وخلفة فاطمة، وأسقطوا المحسن الجنين في بطن فاطمة.
واعترف أبو بكر بأنّ الدار قد تمّ اقتحامها بأمره، ويعتبرها أحدث أفعاله التي تمنى لو أنه لم يقم بها، حيث يقول في مرض موته: "إني لا آسى على شيء من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهن وددن أني تركتهن وثلاث تركتهن وثلاث تركتهن وددت أني فعلتهن وثلاث وددت أني سألت عنهن رسول الله، فأما الثلاث اللاتي وددت أني تركتهن فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء وإن كانوا قد غلقوه على حرب..."(1).
وفي قول آخر: "... وليتني لم افتش بيت فاطمة بنت رسول الله وادخله الرجال ولو كان اغلق على حرب"(2).
فهو يعترف هنا بانه لو لم "أكشف" ولم "افتش" بيت فاطمة(عليها السلام)، ولم "ادخله الرجال"،
وهذه كلمات تدل على عنف ما جرى وانه حصل بالقهر لآل البيت
(عليهم السلام)ما حصل.
وأما عمر "فجاء فناداهم وهم في دار علي فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده: لتخرجن أو لاحرقنها على من فيها فقيل له يا أبا حفص: إن فيها فاطمة؟ قال: وإن!!"(3).
و"استقبلتهم الزهراء(عليها السلام) من وراء الباب صارخة إلى أين يابن الخطاب؟ اجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم!!"(4).
وقال إبراهيم بن سيار بن هاني النظام المعتزلي: "إنّ عمر ضرب بطن فاطمة
____________
1- تاريخ الطبري: 2 / 619.
2- تاريخ اليعقوبي: 2 / 115.
3- الامامة والسياسة: 1 / 12.
4- تاريخ أبي الفداء: 1 / 164.
حتى ألقت الجنين من بطنها وكان يصيح احرقوا دارها بمن فيها"(1).
وقال محمد بن أحمد بن حماد الكوفي الحافظ عن أحمد بن محمد بن السري بن يحيى: حضرته ورجل يقرأ عليه: "إنّ عمر رفس فاطمة حتى اسقطت بمحسن"(2).
وهكذا إذن توجوا أعمالهم الاجرامية بقتل المحسن فقطعوا نسل السادة المحسنية ناهيك عما جرى على فاطمة نفسها مما أدّى الى وفاتها فيما بعد وهي في عمر الزهور.
استشهاد الزهراءعليها السلام
بقيت الزهراء حزينة منكسرة في بيتها تبكي وتشكو همها إلى الله عزّوجلّ وتنتظر يومها الموعود، فقد اخبرها المصطفى بأنها أول أهل بيته لحوقاً به، فظلت تبكي وتبكي إلى أن جاء "شيوخ" أهل المدينة يظهرون لعليّ(عليه السلام) انزعاجهم وتأذيهم من بكاء فاطمة، فبنى لها أمير المؤمنين علي(عليه السلام) بيتاً خارج المدينة سمي "بيت الأحزان" وهناك واصلت مأساتها.
ويوماً فيوماً راحت تذبل تلك الزهرة اليانعة، وأخذ المرض منها مأخذاً، يقول الإمام الصادق(عليه السلام): (فأسقطت محسناً ومرضت من ذلك مرضاً شديداً وكان ذلك هو السبب في وفاتها).. كيف لا يكون كذلك وهي ابنة ثمانية عشر عاماً.
وجاء في وصيتها للإمام عليّ(عليه السلام): ".. وصلِّ عليَّ وليصلِّ معك الادنى فالادنى من أهل بيتي وادفني ليلا لا نهاراً إذا هدأت العيون ونامت الأبصار، وسراً لا جهاراً وعَفِّ موضع قبري ولا تشهد جنازتي أحداً ممن ظلمني).
وهكذا واصلت الزهراء(عليها السلام) الجهاد بعد الموت، فكانت وصيتها الاعلان
____________
1- الملل والنحل للشهرستاني: 1 / 57.
2- لسان الميزان لابن حجر العسقلاني: 1 / 268.
الأخير لموقفها الصامد والذي استمر من وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) وحتى أيام مرضها، وارادت له أن يبقى الى ما شاء الله... صرخة مدوية عبر التاريخ فالى الآن لا يعلم أين قبر فاطمة بالضبط فيأتي التساؤل تلو التساؤل لماذا؟ كيف؟ وماذا حدث؟ و... و...
واُسدل الستار عن أول محطة سقطت فيها الأمة في امتحانها، وغادرت الزهراء(عليها السلام) مشتاقة للقاء أبيها، ذهبت وهي تحمل جراحات مثخنة وآلاماً عظاماً.. وتركت لنا أعلام هداية ومنارات فرقان..
ويقول الأخ عبدالمنعم هنا: "ورغم أنني تجرعت كأس ألمها إلاّ أنّه بالنسبة لي كان ممزوجاً بالحلاوة شربت منه فاشرقت لي فاطمة بنورها فكانت الدليل إلى الصرط المستقيم. وما أعظم شأنها. حقاً أنّها فاطمة بنت محمد زوج عليّ".
الخلافة بالشورى أم بالتعيين:
اتى علماء أهل السنة بنظرية الشورى لتبرير الواقع التاريخي الذي جرى بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وإلاّ فان الشيخين لم يحتجّا بالشورى في السقيفة، وعيّن أبو بكر عمر خليفة، وهي غير واضحة المعالم عندهم، فهل تكفي بيعة شخص واحد أم أنها لا تنعقد إلاّ بأهل الحل والعقد؟ وهؤلاء من هم ومن الذي يعينهم؟
واستدلوا بآيتين ذكرت الشورى وهي اجنبية عن المقام ولا يمكن تثبيت الشورى المزعومة بهما.
الأولى:
(وَشَاوِرْهُمْ فِى الاَْمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)(1)،
التي تشير إلى أن هناك حاكماً قد استقرت حكومته وتوجهه لمشاورة الرعية والأخذ بالنافع بعد تحميص الآراء والأفكار ثم يعزم هو على ما ارتآه بعد المشاورة متوكّلا على
____________
1- آل عمران: 159.
الله، وتبيّن أن بدون الحاكم لا وجود للشورى لأنّها تحتاج إليه ليكون قيماً عليها، وعليه فهي تدلّ على أصل الشورى في مسألة الخلافة.
الثانية:
(وَ الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَ أَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)(1)،
التي تشير إلى أنّ: من صفات المؤمنين التشاور في أمورهم التي تخصّهم، أما كون تعيين الإمام داخلا في أمورهم فهو أول الكلام، ولا تدل الآية عليه وهي عامة ولابدّ من الرجوع إلى الآية السابقة لتحديد تفصيلات الشورى، فالآية الثانية تتحدّث عن صفات المؤمنين والرسول أحدهم بل أكملهم واتقاهم وهو ولي الأمر المستقر له الوضع، وبعد وفاة الرسول إذا كان هناك ولي أمر فلا داعي للشورى لتنصيبه، وإذا لم يكن فالشورى تحتاج الى ولي أمر لكي تكون شرعية وبدونه لا تكون الشورى شرعية ولا تلزم أحد من المسلمين.
وأما التعيين فتدل عليه ضرورة العقل والوجدان، فهل من المعقول أن يترك الرسول أمر الخلافة ويدع الاُمة بدون راع تركن إليه وهو الذي وضح كل شيء حتى أحكام التخلي.
إضافة إلى آيات كثيرة كآيات الاصطفاء التي تدل على التعيين الالهي، والروايات المتواترة التي تدل على ولاية عليّ بن أبي طالب وخلافته كرواية الغدير وحديث الثقلين وحديث المنزلة وحديث الدار و...
ثم إنّ التعيين أمر تنبه له أبو بكر عندما نصب عمر ـ في كتاب وصيته ـ خليفة من بعده وأمر الناس بالسمع والطاعة له، وقد نفذ عمر هذه الوصية بحرص زائد في حين أنه كان المعترض الأول على الرسول(صلى الله عليه وآله) عندما أراد كتابة وصيته وهو مريض وقال
انه يهجر
____________
1- الشورى: 38.
كربلاء ثمرة للسقيفة:
ما جرى في كربلاء من أحداث مفجعة واعتداء على الحسين(عليه السلام) وآل الرسول(عليهم السلام) من قبل آل اُميه، ما كان ليحدث لولا ان أساس الظلم قد بدأ في السقيفة وما جرى بعدها من اعتداء على بيت فاطمة(عليها السلام).
فالحاكم الأموي يزيد امتدادٌ لأبيه الذي اكتسب شرعيته وملكه من الخليفة الثاني عمر بن الخطاب الذي اشتهر بقساوته ومساءلته للولاة فيما عدا معاوية (كسرى العرب) كما يقول عنه عمر لما عرف به من حبه للبذخ والترف واهتمامه بالمظاهر، وهكذا كان معاوية في وضع مريح جعله يمتلك امبراطورية مسلحة بالشام ادخرت لنصرة الباطل فظهرت في صفين ضد عليّ بن أبي طالب وفي النهاية اصبحت مقراً لحكم بني أمية.
من ركام الباطل إلى النور:
أهل البيت(عليهم السلام) هم أحد الثقلين وكلماتهم نور كما هي كلمات القرآن فهم معصومون ولا ينطقون عن الهوى، تجد عندهم ما لا تجده عند غيرهم، ومنهجهم في تربية الأمة وتوجييها يجعلك تحس بمعنى خلافة الله في الأرض، ولم يشهد التاريخ بانهم تعلموا على يدي أحد بل الكل يرجع إليهم ويغرف من معينهم.
ولا يمكننا استعراض بحار علومهم التي أخذ منها شيعتهم فكان تفوقهم على من سواهم في جميع المجالات، وموسوعة واحدة من مصادرهم الحديثية تكفي لتلتهم كل ما عند أهل السنة والجماعة، وبحار الأنوار بمجلداته العشرة بعد المائة دلتنا على ذلك وحقاً إنه بحار من أنوار العلم.
ولأهل البيت(عليهم السلام) تراث عظيم لم تستفد منه كل قطاعات الأمة، وإحدى
معاجزهم التي بهرت الكاتب هو ذلك المنهج في الدعاء وكيفية التقرب إلى الله تعالى والأدب الرفيع في مخاطبة الرب سبحانه، فذكر الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين كمثال على محرومية أهل السنة من كنوز أهل البيت(عليهم السلام).
وفي ظل أمواج الفتن ما احوج الانسان إلى أن يجد سفينة النجاة لتأخذ به الى بر الأمان، وما احوجه الى التعرف على المعتقد السليم الذي من خلاله يستطيع أن يعيش واقع حياته اليومية باطمئنان حتى يلقى الله وقد وفى بعهده وميثاقه.
بنور فاطمة (عليها السلام) اهتديت
بنور فاطمة (ع) اهتديتالمؤلف: السيد عبد المنعم حسن المحقق: المترجم: الناشر: دار الخليج العربي للطباعة والنشر الطبعة: ١ الموضوع : العقائد والكلامتاريخ النشر : ١٤٢٠ هـ.ق الصفحات: ٢٧٨ نسخة غير مصححة
ولد عام 1968م في اليمن بمدينة "اب" قرية "الصبار"، نشأ في أسرة سنّية ومتأثره بالتيار السلفي الوهابي
|