السيد باقر الهندي
المتوفى 1329
قال يرثي مسلم بن عقيل بن أبي طالب :
بـكتك دماً يابن عمّ الحسين مـدامع شـيعتك الـسفاحه
ولا برحت هاطلات العيون تـحييك غـشادية رائـحه
لأنـك لـم ترو من شربة ثـناياك فـيها غدت طائحة
رموك من القصر إذ أوثقوك فهل سلمت فيك من جارحه
وسـحبا تـجرّ بـأسواقهم ألـستَ أمـيرهم الـبارحه
قُـتلتَ ولـم تبكك الباكيات أمالك في المصر من نائحه
قُتلتَ ولم تدرِ كم في زرود عـليك العشية من صائحه
وصدرها الخطيب الأديب الشيخ قاسم ابن الشيخ محمد الملا بـ 14 بيتاً ، وذيّلها بـ 4 أبيات ، وأتمها الشاعر الشيخ محمد رضا الخزاعي بـ 9 أبيات على الوزن وهذا تصدير الشيخ قاسم :
لـحيّكم مـهجتي جـانحه ونـحوكم مـقلتي طامحه
واستنشق الريح إن نسّمت فبالأنف من نشركم فائحه
وكـم لي على حيكم وقفة وعـينيَ في دمعها سابحه
تعايشن أشباح تلك الوجوه فـلا برحت نحوكم شابحه
وكم ضبيات بها قد راعت بقيصوم قلبي غدت سارحه
وكـم لـيلة بسمار الحبيب شـؤون الغرام لها شارحه
تقضّت ومن لي بها لو تعود فـكيف وقـد ذهبت رائحه
وعـدت غريباً بتلك الديار أرى صفقتي لم تكن رابحه
كـما عـاد مسلم بين العدا غـريباً وكـابدها جـائحه
رسول حسين ونعم الرسول الـيهم من العترة الصالحه
لـقد بـايعوا رغـبة منهم فـيا بـؤس للبيعة الكاشحه
وقـد خـذلوه وقـد أسلموه وغـدرتهم لم تزل واضحه
فـيا بن عقيل فدتك النفوس لـعظم رزيـتك الـفادحه
لـنبك لـها بمذاب القلوب فـما قـدر أدمـعنا المالحه
والتذييل :
وكـم طفلة لك قد أعولت وجمرتها في الحشى قادحه
يعززها السبط في حجره لـتغدو فـي قربه فارحه
فـأوجعها قـلبها لـوعة وحـست بنكبتها القارحه
تقول مضى عمّ مني أبي فـمن لـيتيمته الـنائحه
السيد باقر ابن السيد محمد ابن السيد هاشم الهندي الموسوي النقوي الرضوي النجفي ، عالم فاضل وأديب شاعر ظريف لطيف حسن الأخلاق حلو المعاشرة ذكي لامع نظم فأبدع وسابق فحلّق وله مراثي كثيرة في أهل البيت لا زالت تقرأ وتعاد في مجالس العزاء ويحفظها الجمّ الكثير من رواد المجالس حتى العوام ، سمعت من علماء النجف أنه كان إذا حدّث لا يملّ حديثه وينظم الشعر باللغتين الفصحى والدارجة ، فمن شعره قوله :
بزغت فلاح البشر من طلعاتها والسعد مكتوب على جبهاتها
بيض كواعب في شتيت ثغورها قد كان للعشاق جمع شتاتها
وافـت كـأمثال الـظباء وبينها ذات الـدلال دلالـها مـن ذاتها
نـجـدية بـدويـة أجـفـانها سـرقت مـن ألارام لحظ مهاتها
نـشرت عـلى أكـتافها وفراتها شمسِ سمات الحس دون سماتها
كالبيض في سطواتها والسحر في وخـزاتها والـريم فـي لفتاتها
سـلّت صـحيفة مـقلة وسنانة حـتى رأينا الحتف في صفحاتها
وترجم له الخاقاني شعراء الغري فقال : هو أبو صادق ينتهي نسبه إلى الإمام علي الهادي عليه السلام ، شاعر شهير وأديب كبير وعالم مرموق . ولد في النجف الأشرف 1284 ونشأ بها على أبيه وفي عام 1298 سافر بصحبة والده إلى سامراء لتلقى العلم من الإمام الشيرازي ثم رجع مع أبيه سنة 1311 وعندما حلّ في سامراء أخذ الفقه والاصول من بعض الأساتذة .
ذكره فريق من الباحثين منهم صاحب الحصون المنيعة ونعته بالعالم الفاضل الأديب الكامل ، المنشئ الشاعر وذكر جملة من أساتذته ، أقول وأعطاني المرحوم السيد حسين ولد المترجم له ورقة فيها ترجمة شاعرنا وقال لي : إني كتبتها بخطي وحسب ما أعرف عن المترجم له وفيها : العلامة الفقيه الحكيم المتكلم السيد باقر نجل آية الله السيد محمد الهندي . ولد في غرة شعبان 1284 ونشأ منشأ طيباً في زمن صالح وتعلّم القرآن والكتابة في مدة يسيرة وكان مولعاً بالامور الاصلاحية وله في ذلك مواقف مشهودة وله مؤلفات لم تزل مخطوطة نحتفظ بها ، منها رسالة
في (حوادث المشروطة) فيها ما يهم رجال الاصلاح والدعاة المصلحين كما كتب في الأخلاق . وكان شديد الولاء لأهل البيت عليهم السلام عظيم التعلّق بمودتهم ، وفي الليلة الثالثة من جمادى الثانية في سني إقامتنا بسر من رأي ، رأى في المنام كأنه جالس بحضرة وليّ الأمر وصاحب العصر وهو في قصر مشيد فجعل يخاطبه قائلاً : سيدي هل يغيب عنك ما حلّ باسرتك الطاهرة ولو لم يكن إلا ما جرى على امك الزهراء ، فحنّ الإمام عليه السلام والتفت اليه قائلاً :
لا تراني اتخذتُ لا وعلاها بعد بيت الأحزان بيت سرور
ثم بكيا معاً حتى انتبهنا من النوم بصوت بكائه ونبهناه فقص علينا الرؤيا فاستشعر الوالد من ذلك صحة هذه الرواية (يعني وفاة الصديقة في الثالث من جمادى الثانية) لذا نظم على وزن هذا البيت قصيدته الشهيرة والتي أولها :
كل غدر وقول إفك وزور هو فرع عن جحد نص الغدير
واشار الى ذلك بقوله :
أفصبراً يا صاحب الأمر والخطب جـليل يـشذيب قـلب الصبور
كـيف مـن بعد حمرة العين منها يـا بـن طـه تهنأ بطرف قرير
فـكـأني بــه يـقول ويـبكي بـسـلوٍّ نـزر ودمـع غـزير
لا تـراني اتـخذت لا وعـلاها بـعد بـيت الاحزان بيت سرور
واليك المقطع الأول من القصيدة :
كـل غـدر ، وقول إفك وزور هـو فرع عن جحد نصّ الغدير
فـتبصّر تُبصر هداك إلى الحق فـليس الأعـمى بـه كالبصير
لـيس تعمى العيون لكنما تعمى القلوب التي انطوت في الصدور
يـوم أوحـى الـجليل يأمر طه وهـو سار أن مُر بترك المسير
حطّ رحل السرى على غير ماء وكـلا فـي الفلى بحرّ الهجير
ثــم بـلّغهم وإلا فـما بـلّغتَ وحـياً عـن الـلطيف الخبير
أقـم المرتضى إماماً على الخلق ونـوراً يـجلو دجـى الديجور
فـرقـى آخـذاً بـكفّ عـلي مـنبراً كـان من حدوج وكور
ودعـا والـملا حـضور جميعاً غـيّب الله رشدهم من حضور
إن هــذا أمـيركم وولـيّ الأ مـر بـعدي ووارثي ووزيري
هـو مولىً لكل مَن كنت مولاه مـن الله فـي جـميع الامـور
فأجابوا بألسن تظهر الطاعة والغدر مضمر في الصدور
بايعـوه وبعدها طلبوا البيعة منـه ، لله ريـب الدهـور
وقوله في مدح الإمام أمير المؤمنين عليه السلام من رائعة تتتكون من 90 بيتاً وهذا المقطع الأول :
لـيس يدري بكنه ذاتك ما هو يـا بـن عـمّ الـنبي إلا الله
مـمكن واجـب حـديث قديم عـنك تـنفى الأنداد والأشباه
لك معنى أجلى من الشمس لكن خـبط الـعارفون فـيه فتاهوا
أنـت في منتهى الظهور خفيّ جـلّ مـعنى عـلاك ما أخفاه
قـلت لـلقائلين فـي أنك الله أفـيـقوا فالله قــد ســوّاه
هـو مـشكاة نـوره والتجلّي ســرّ قـدس جـهلتم مـعناه
قـد بـراه من نوره قبل خلق الـخلق طـراً وبـاسمه سماه
وحـباه بـكل فـضل عـظيم وبـمقدار مـا حـباه ابـتلاه
أظـهـر الله ديـنـه بـعلشيٍّ أيــن لا أيـن ديـنه لـولاه
كانت الناس قبله تعبد الطاغوت ربـاً ، والـجبتُ فـيهم الـه
ونـبيّ الـهدى إلـى الله يدعو هـم ولا يـسمعون مـنه دعاه
سـله لـما هاجت طغاة قريش مَــن وقـاه بـنفسه وفـداه
مَـن جـلا كربه ومَن ردّ عنه يـوم فـرّ الأصحاب عنه عَداه
مَـن سـواه لـكل وجه شديد عـنه مَـن ردّ نـاكلا أعـداه
لـو رأى مـثله الـنبي لـما وآخـاه حـياً وبـعده وصّـاه
قـام يوم الغدير يدعو ، ألا من كـنت مـولى لـه فـذا مولاه
ما ارتضاه النبي من قِبلِ النفس ولـكـنما الالــه ارتـضاه
غير أن النفوس مرضى ويأبى ذو الـسقام الـدوا وفـيه شفاه
وقوله مفتخراً من قصيدة ضاع أكثرها وهذا مطلعها :
لو لم تكن جُمّعت كل العلى فينا لـكان ما كان يوم الطف يكفينا
يـوم نهضنا كأمثال الأسود به وأقـبلت كالدبى زحفاً أعادينا
جـاؤا بسبعين ألف سل بقيتهم هـل قاومونا وقد جئنا بسبعينا
وقال في إحدى روائعه رائياً آية الله العظمى الميرزا حسن الشيرازي وأولها :
خلا العصر ممن كان يصدع بالأمر فـدونك دين الله يا صاحب العصر
أيـحسن أن يـبقى كذا شرع أحمد بـلا نـهي ذي نهيٍ مطاع ولا أمر
عَـفاً لـكِ سـامراء كم فيك غيبة تـغضّ جفون الدين منها على جمر
فـفي الـغيبة الاولى ذعرنا ولم نقم وفي الغيبة الاخرى أقمنا على الذعر
مرض في أواخر شهر ذي الحجة الحرام من سنة ثمان وعشرون بعد الثلثمائة والألف من الهجرة وانتقل إلى جوار ربه أول يوم من المحرم من السنة التاسعة والعشرين بعد الثلثمائة والألف ودفن بجوار والده في دارنا التي نحن فيها الآن(1) وإلى ذلك أشرتُ بقولي في رثائه :
نفسي فداؤك من قريب نازح أوحشتني إذ صرتَ من جيراني
أعقب من الأولاد : العلامة السيد صادق والعلامة السيد حسين وهذان السيدان عاصرتهما وزاملتهما وهما من أطيب الناس سيرة وأسلمهم سريرة سألتهما عن عمر أبيهما فقالا : قضى وعمره 45 عاماً ورثاه الشيخ محمد رضا الشبيبي بقصيدة أولها :
أتى الافق مبرياً فقيل هلاله ولو قيل قوس صدّقته نباله
ورثاه شقيقه العلامة الكبير شيخ الأدب السيد رضا الهندي بقصيدة أولها :
ما كا ضرّ طوارق الحدثان لو كان قبلك سهمهن رماني
يا ليت أخطاك الردى أو أنه لما أصابك لم يكن أخطاني
ومنها :
يـا أولاً فـي المكرمات فما له فـيها وعـنها في البرية ثاني
يـا واحـداً فـيه اتفقن مكارم لـم يـختلف فـي نقلهن اثنان
يـا لـهجة المداح بل يا بهجة الارواح بـل يا مهجة الايمان
بمَ يشمت الأعداء بعدك لا غفوا إلا عـلى حـسك من السعدان
بـبقاء ذكرك في الزمان مخلّداً أم بـالفناء ، وكـل حـيٍ فان
فـليشمتوا فـمصاب آل محمد مـما يـسرّ بـه بـنو مروان
فـارقتنا فـي شهر عاشوراء فاتصلت به الأحزان بالأحزان
نـبكي الـمغسّل بالقراح وتارة نـبكي المغسلَ بالنجيع القاني
ونـنوح لـلمطويّ فـي أكفانه أو لـلطريح لـقىً بـلا أكفان
ترجم له الشيخ السماوي في الطليعة قال : كان فاضلاً في جملة من العلوم حسن المعاشرة مع طبقات الناس فمن قوله :
أُحدّث نفسي إنني إن لقيته أبثّ اليه ما أُلاقي من الضرّ
فلما تلاقينا دهشت فلم أجد عتاباً فأبدلت المعاتيب بالعذر
وأرخ وفاة والده الحجة السيد محمد بقوله :
يا زائراً خير مرقد له الكـواكب حُسّد
سلـم وصلّ وأرخ وزر ضريح محمد 1323
(1) أقول وتقع بمحلة الحويش إحدى محالّ النجف الأشرف .