بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين، سيما بقية الله في الأرضين سيدنا ومولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء).
اكتب هذه الرسالة المختصرة فيما يتعلّق بموضوع الأعلميّة في مرجع التقليد، بعد أن طلب منّي ذلك أعز الأخوة ، ونزلتُ عند طلبه ومُراده، سائلاً المولى عزوجل أن يتقبّل منّا ومن جميع المؤمنين والمؤمنات خالص الأعمال.
مقدّمة:
لا يخفى على الأخوة المؤمنين أن أهميّة التقليد والرجوع إلى المراجع الكرام بات واضحاً لدى الجميع، وأنّ توقّف صحّة سائر العبادات والأعمال التي يقوم بها المؤمن على صحّة التقليد، وموافقة أعمال المكلّف لآراء المرجع، وأنّ السبب الذي يجعلنا نرجع فيه إلى مرجع التقليد هو اختصاصه في علم الشريعة، فقد حكم العقل بأن الجاهل يرجع إلى أهل الإختصاص في كل شأن، فإن من أراد أن يبني له منزلاً صغيراً فهو بحاجة إلى الرجوع لأهل الإختصاص بهذا الشأن وهو المهنّدس والبنّاء، وكذلك من يريد المعالجة لمرضٍ ألمَّ به يحكم العقل بأن يذهب إلى الطبيب الحاذق المختص، ولا يوجد أي شخص من العقلاء يقول: من أراد أن يبني بيتاً يرجع إلى الطبيب، ولا العكس.
شروط مرجع التقليد:
لن أتناول سائر الشروط والتفاصيل التي لابد أن تتوفر في مرجع التقليد، وإنني سوف أذكر أهم الشروط وأقف عند بعضها بشيء من التوضيح والبيان.
هناك جملة من الشروط تكون محل وفاق بين جميع المؤمنين، وهي متوفّرة في جميع مراجع التقليد، من قبيل: شرطيّة العقل والبلوغ والإيمان وكونه متولّد بطريقة شرعيّة ووصوله إلى مستوى الإجتهاد والفقاهة، والعدالة وعدم انحرافه وارتكابه للمعاصي والمحرمات.
وأما الشرط الذي يكون سبباً في اختلاف المؤمنين في تقليدهم هو شرط الأعلميّة.
الأعلميّة في سطور:
يجدرُ بي أن أبيّن مسألة مهمة وهي الدليل على كون الأعلمية شرط في مرجع التقليد، وبعد ذلك أبيّن ما معنى الأعلمية.
إن الدليل على وجوب كون مرجع التقليد أعلم من غيره هو حكم العقل، فإن الإنسان لو كان مصاباً بمرضٍ معيّن، وكان أمامه خياران أو ثلاث خيارات.
الطبيب الأول: معروف ومشهور وأغلب العمليات الطبية تنجح، ونسبة خطأ هذا الطبيب تعادل 5%.
الطبيب الثاني: معروف ومشهور ولكنه في بعض الأحيان يخطأ في المعالجة وتصل نسبة خطأه 20%.
الطبيب الثالث: غير معروف وليس بمشهور أصلاً في قائمة الأطباء والحكماء.
فإن العقل والعاقل أيضاً لا يذهب إلى الطبيب الثالث، فيكون مخيّر بين الثاني والأول.
يا ترى... إلى أي طبيبٍ تذهب لُتعالج هذا المرض؟! الطبيب الذي نسبة خطأه 20% أو 5% ؟!
هذا مثال بسيط ليتبيّن أن الإنسان المكلّف لو علم وجود الإختلاف بين الفقهاء من الناحية العلمية والفتوائيّة فعليه أن يذهب إلى المرجع الذي يطمئن بأن فتاواه تُطابق الواقع قدر الإمكان.
وتحديد المطابقة للواقع لا تكون لأي شخص، بل لابد أن يرجع فيها المكلّف إلا أهل الخبرة والإختصاص لكي يحدّدوا له من هو الأعلم والأصلح والأفضل ليكون مرجعاً للمسلمين.
ما معنى الأعلميّة؟
كان المشهور بين الفقهاء –رحم الله الماضين وسدّد الباقين- أن الأعلمية هو الأقدر والأقوى على فهم النصوص الشرعية واستنباط الأحكام الشرعية منها.
ولا يخفى على القارئ العزيز أن هذا الأمر وهذا الشرط سيكون مقتصر فقط على النصوص الدينية والشرعيّة، ولا تتجاوز هذا الحدّ.
رأي الإمام الخميني (قدس سره الشريف) في معنى الأعلميّة:
إن الإمام الخميني (قده) يرى رأياً مخالفاً لجميع الفقهاء المعاصرين في معنى الأعلمية، وعلى هذا المعنى سار تلامذته وطلبته وهو المعنى المتداول في حوزة مدينة قم المقدّسة.
حيثُ يرى الإمام الخميني بأن الفقيه الأعلم هو الفقيه الذي يكون مطّلعاً على الجانب الشرعي والديني، وكذلك مطّلعاً على الجانب السياسي والإجتماعي والقضايا الواقعة بين المسلمين.
فالإمام الخميني إضافة إلى إطلاع الفقيه على الجانب الشرعي والديني فهو يزيد على هذا القدر إطلاع الفقيه على الجوانب السياسية والإجتماعية والحوداث الواقعة بين المسلمين.
فإن واقع المسلمين قد تغيّر عمّا كان عليه سابقاً، وكذلك منزلة مرجع التقليد قد تغيّرت وصارت محط أنظار الجميع، فقد كان سابقاً لا أحد يعرف مراجع التقليد سوى أشخاص محدّدون، وطبقة محدّدة، وأما الآن فإن مراجع التقليد صاروا تحت أنظار جميع العالم الإسلامي وغير الإسلامي أيضاً. والكل ينتظر من هذا المرجع المواقف السياسية والإجتماعيّة وفي شتى المجالات، ومن المصيبة بمكان لو كان هذا الفقيه لا يفهم في السياسة أو لا يعلم بمرواغات دول الإستكبار العالمي، ولا يطّلع على مكائدهم ومخططاتهم ضد الإسلام والمسلمين.
وإن الشخص الأجدر والأصلح أن يتولّى زعامة المسلمين هو المرجع الذي يُحيط بالجانب الشرعي أولاً، ويحيط بالجانب السياسي ثانياً.
وهذه الشخصية ستكون محط اعتناء جميع المسلمين، ولوجود حنكته السياسية والإجتماعية فهو القادر على التعاطي مع جميع القضايا بروح عالية وحنكة واقتدار ممّا يكشف زيف الباطل والقوى الظالمة والمستبدّة والمستكبرة للشعوب المستضعفة.
شهادات أهل الخبرة في أعلميّة السيد الخامنئي:
وبعد هذا التوضيح والبيان، يجدر بي أن أستعرض بعض الشهادات من أهل الخبرة بما يخص تارة الأعلميّة، وآخرى الأصلحيّة وأخيراً الأفضليّة للرجوع إلى سماحة السيد القائد الخامنئي.
ويمكنني أن أدّعي بأن لا يوجد مرجع من مراجع المسلمين يشهدون له بهذه الكثرة من الشهادات العلمية.
1- آية الله السيد جعفر كريمي (حفظه الله) وهو من تلامذة الإمام الخميني وكذلك قد حضر عند السيد الخوئي بما يقارب 25 سنة في البحث الخارج:
" أما ما سألتم من أعلمية السيد القائد ولي أمر المسلمين آية اللَّه العظمى السيد الخامنئي دام ظله فأقول إني طيلة سنين أجالس السيد القائد واشترك في جلسة شورى الإفتاء بمحضر من جنابه مع حضور عدة من الفقهاء العظام المعروفين (دامت إفاضاتهم) فرأيت السيد القائد دام ظله أدقّ نظراً وأسرع انتقالاً وأقوى استنباطاً للفروع من الأصول من غيره من المراجع العظام (حفظهم اللَّه تعالى)، فإن كان ذلك هو الميزان في الأعلمية كما هو كذلك، فهذا الميزان قد لمسته من مباحثات السيد القائد دام ظله، ومن هنا أعترف وأشهد بأنه أعلم أقرانه المعاصرين نفعنا اللَّه تعالى وإياكم بزعامته وإفاضاته وإرشاداته. ".
2- آية الله الشيخ أحمد جنّتي (حفظه الله) وهو أيضاً من تلامذة الإمام الخميني وهو الآن إمام جمعة طهران:
" باسمه تعالى ملاك الأعلمية عندي أن يكون الفقيه أقدر على استنباط الأحكام من مصادرها وأدلتها الشرعية مع ملاحظة الزمان والمكان والمقتضيات، وأنا لا أعرف في المرشحين للمرجعية اليوم أقوى وأقدر من السيد القائد دام ظله، أضف إلى ذلك أن المسألة اليوم مسألة الإسلام والكفر لا مسألة الأحكام الفرعية فحسب فليتق اللَّه امرؤ ولينظر في عواقب الأمور ومكائد الشياطين وعدائهم للإسلام وعزمهم على هدم أركانه وتحطيم المسلمين الأصيلين المحمديين واللَّه من ورائهم محيط، ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير. ".
3- آية الله الشيخ محمد يزدي (حفظه الله):
" بسم اللَّه الرحمن الرحيم في ظل الخلاف الحاصل بين الفقهاء العظام في معنى الأعلمية وكيفية إحرازها فإني أعتقد أن آية اللَّه الخامنئي دام ظله هو الأعلم والأقوى من حيث المجموع بالنسبة إلى العلوم والأمور اللازمة في التقليد والقيام بأعباء مرجعية الأمة الإسلامية.
وعليه يمكنكم تقليده في كل المسائل التي هي مورد الحاجة كما كنت قد كتبت ذلك سابقاً. ".
4- آية الله الشيخ محمد التسخيري (حفظه الله):
" فقد طلب مني بعض إخواني المؤمنين أن أبدي رأيي بصراحة في مسألة تقليد سيدي الكريم وقائد المؤمنين وولي أمر المسلمين سماحة آية اللَّه العظمى السيد علي الخامنائي دام ظله على رؤوس المسلمين، وإني بعد معرفتي بعلمه العزيز ورأيه السديد في مختلف مجالات الشريعة الإسلامية، ونظراته في الفرد والمجتمع أشهد بأعلميته وبذلك يتعين عندي تقليده حفظه اللَّه تعالى واللَّه على هذا شهيد.
أسأل اللَّه جل وعلا أن يوفقه لإعلاء شأن الرسالة وقيادة هذه الأمة لما فيه علاؤها وسؤددها وتحقيق الأهداف التي رسمها الإمام الخميني الراحل (قدس سره الشريف) واللَّه ولي التوفيق. ".
5- آية الله الشيخ محمّد إبراهيم جناتي (حفظه الله):
" باسمه تعالى لقد ظهرت هذه الحقيقة في المباحث الفقهية والتحقيقية حول المرجعية أنه يجب أن يتحرك أمر المرجعية صوب العمل المنظم بحيث أنه إذا تصدى فقيه للمرجعية، وجب عليه التحرك على أساس هيكلية خاصة ليأتي المرجع من بعده ويتحرك في عمله على نفس الأساس، وأن يتم الاستفادة الحسنة من المصادر والجهاز المرجعي في أبعاده المادية والمعنوية، السياسية والاجتماعية في عمل مؤسسي منظم، لا أن تفقد هذه الدخائر بالتشتت والفرقة. وفي رأيي فإن من لوازم العمل المنظم للمرجعية هو الوحدة بين المرجعية والقيادة في شخص القائد، فيجب السعي في هذا المجال وإيجاد تحول في ثقافة واعتقاد الناس حول المرجعية، لأنه بانتصار الثورة الإسلامية، أصبح الحكم للنظام الإسلامي لا للرسالة العملية، وان هذا العصر يختلف عن الأعصار السابقة، والمرجع بحاجة إلى الإطلاع على مسائل الحكومة، لأنه يجب على الفقيه الجامع للشرائط إدراك متطلبات المجتمع والعالم، وفي الوقت الراهن فإن هذا الأمر لم يتحقق في أحد سوى قائد الثورة الإسلامية، فهو فقيه عادل بصير مدير مدبر وعالم بزمانه و..
لذا وجب اليوم طرح الأصلح لا الأعلم. ولو سلم أن الأعلمية شرط في المرجعية، فيجب ملاحظة الأعلم من حيث المجموع، لأن من شروط التصدي للمرجعية الاطلاع والبصيرة بزمانه، ويجب أن يتمتع المرجع بقوة الإدراك للتحولات والعلاقات الخارجية والداخلية.
وفي رأيي فإن الأصلح والأعلم من حيث المجموع هو سماحة آية اللَّه الخامنئي (دام ظله). ".
شهادة ثانية لسماحة آية الله الشيخ جناتي (حفظه الله):
" باسمه تعالى من المسلم أن الأعلمية شرط في المرجعية والأعلم يجب أن يلاحظ من حيث المجموع، لأن من الشروط هو المعرفة والتبصر بأمور الزمان، ويجب أن تتوفر في المرجع القدرة على إدراك المتغيرات والعلاقات الخارجية والداخلية. فبنظري الأصلح والأعلم من حيث المجموع هو حضرة آية اللَّه الخامنئي (دام ظله).".
6- شهادة آية الله العظمى السيد محمود الهاشمي الشاهرودي (حفظه الله) وهي برقية تعزية بمناسبة رحيل المرجع الديني الكبير السيد محمدرضا الكلبيكاني أرسلها السيد الشاهرودي إلى سماحة السيد علي الخامنئي:
" بسم اللَّه الرحمن الرحيم سماحة قائد الثورة الاسلامية آية الله الخامنئي دامت بركاته
أتقدّم بالتعازي إلى الوجود الشريف والمقدّس لإمام العصر (عجل الله فرجه الشريف) وإليكم باعتباركم نائبه بالحق وإلى الشعب الإيراني عامة وإلى الحوزات العلمية وجميع المسلمين في العالم بمناسبة المصاب الجلل والفاجعة برحيل مرجع العالم الإسلامي العظيم سماحة آية الله العظمى الكلبايكاني (قده) الذي كان بحقّ أسوة في التقوى والفضيلة والعلم والجهاد وخدمة الإسلام والثورة الإسلامية حيث قضى عمره الشريف والمبارك الى جانب إمام الأمة (قدس الله سره الشريف) في هذا الطريق، وسار على نهج ذلك الرجل العظيم في التاريخ.
إن وفاة هؤلاء الأكابر والأعاظم، مشاعل درب الهداية ونجوم صراط الولاية المضيئة وإن كان خطباً جللاً ومصاباً عظيماً وثلمة في الإسلام لا يسدّها سوى طلوع نجم آخر، لكن حيث إن لطف رب العالمين ورحمته والعناية الخاصة لأهل بيت العصمة والطهارة والإمدادات الغيبية لبقية الله الأعظم (أرواحنا فداه) شاملة هذه الأمة دائماً وأبداً، فإن سلسلة مراجع التقليد للشيعة ستظل مستمرة وباقية، وكلّما أفل أو غاب نجم طلع نجم آخر يسد الفراغ ويحمل لواء الفقاهة والمرجعية الخفّاق على عاتقه بمزيد من الاستقامة والثبات ومضاعفة في تحمل عبء المسؤلية.
واليوم فإن عيون الأمل للمسلمين الملتزمين في العالم الإسلامي وأهل الخبرة المخلصين والمدافعين عن الأهداف السامية والنبيلة للثورة الإسلامية والودائع التي خلّفها الأمام الخميني العظيم رائد الثورة الإسلامية في الزمن المعاصر متطلعة إليكم باعتباركم نجم يلمع في طليعة هذه السلسلة المباركة، وتعد اللحظات منتظرة تصدي سماحتكم لشؤون المرجعية وإدارة الحوزات العلمية راجية من محضركم الشريف ملء الفراغ الحاصل في هذا الشأن مستلهماً العزم والإرادة من معين الولاية لتقرّ عيون المؤمنين بذلك وتطمئن قلوبهم.أسأل الله تعالى لسيدنا المعظم طول العمر ودوام التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.".
وهناك بعض الشهادات أعرضتُ عن ذكرها حتى لا يسأم القارئ العزيز، وقد فاقت شهادات الأعلمية والأصلحية والأفضلية لتقليد السيد القائد الخامنئي (دام ظله الوارف) الخمسين شهادة من كبار المجتهدين والفقهاء.
ياسر حميد عبدالعال
إذا شئت النجاة فزر حسينا لكي تلقى الإله قرير عين