|
كتاب صحيفة الأبرار
ميرزا محمد التقي الشريف
المجلد الثاني
حديث تزويج علي من فاطمة عليهما السلام
الحديث الأول أمالي الصدوق حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد ابن الوليد قال :(حدثنا محمد بن الحسن الصفار عن سلمة بن الخطاب البراوستاني ، عن إبراهيم بن مقاتل قال : حدثني حامد بن محمد عن عمرو ابن هارون عن الصادق عن أبيه عن آبائه عن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال : لقد هممت بتزويج فاطمة (عليه السلام) ابنة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حينا ، ولم أتجرأ أن أذكر ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ،
وإن ذلك اختلج في صدري ليلي ونهاري حتى دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال : يا علي ، قلت : لبيك يا رسول الله .
قال: هل لك في التزويج ؟
قلت : رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أعلم ، وإذا هو يريد أن يزوجني بعض نساء قريش، وإني لخائف على فوت فاطمة فما شعرت بشيء إذ أتاني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لي : أجب النبي وأسرع فما رأينا رسول الله أشد فرحا منه اليوم، قال : فأتيته مسرعا فإذا هو في حجرة أم سلمة فلما نظر إلي تهلل وجهه فرحا وتبسم حتى نظرت إلى بياض أسنانه يبرق .
فقال : أبشر يا علي فإن الله عز وجل قد كفاني ما قد كان همني من أمر تزويجك .
فقلت : وكيف ذلك يا رسول الله .
قال : أتاني جبرئيل ومعه من سنبل الجنة وقرنفلها ، فناولنيهما فأخذتهما وشممتهما ، فقلت : ما سبب هذا السنبل والقرنفل ، فقال : إن الله تبارك وتعالى أمر سكان الجنان من الملائكة ومن فيها أن يزينوا الجنان كلها بمغارسها وأشجارها وثمارها وقصورها ، وأمر ريحها فهبت بأنواع العطر والطيب ، وأمر حور عينها بالقراءة فيها بسورة طه وطواسين ويس وحمعسق ، ثم نادى مناد من تحت العرش : ألا إن اليوم يوم وليمة علي بن أبي طالب (عليه
السلام) ، ألا إني أشهدكم أني قد زوجت فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من علي بن أبي طالب رضى مني بعضهما لبعض، ثم بعث الله تبارك وتعالى سحابة بيضاء ، فقطرت عليهم من لؤلؤها وزبرجدها ويواقيتها، وقامت الملائكة فنثرت من سنبل الجنة وقرنفلها هذا مما نثرت الملائكة ، ثم أمر الله تبارك وتعالى ملكا من ملائكة الجنة يقال له راحيل - وليس في الملائكة أبلغ منه -فقال : اخطب يا راحيل فخطب بخطبة لم يسمع بمثلها أهل السماء ولا أهل الأرض ، ثم نادى مناد: ألا يا ملائكتي وسكان جنتي باركوا على علي بن أبي طالب (عليه السلام) حبيب محمد (صلى الله عليه وآله
وسلم) وفاطمة بنت محمد ، فقد باركت عليهما ألا إني (قد) زوجت أحب النساء إلي من أحب الرجال إلي بعد النبيين والمرسلين .
فقال راحيل الملك: يا رب وما بركتك فيهما بأكثر مما رأينا لهما في جنانك ودارك .
فقال عز وجل : يا راحيل إن من بركتي عليهما أن أجمعهما على محبتي وأجعلهما حجة على خلقي ، وعزتي وجلالي لأخلقن منهما خلقا ولأنشأن منهما ذرية أجعلهم خزاني في أرضي ومعادن لعلمي ، ودعاة إلى ديني بهم أحتج على خلقي بعد النبيين والمرسلين ، فأبشر يا علي فإن الله عز وجل أكرمك كرامة لم يكرم بمثلها أحدا ، وقد زوجتك ابنتي فاطمة على ما زوجك الرحمن ، وقد رضيت لها بما رضي الله لها فدونك أهلك فإنك أحق بها مني ، ولقد أخبرني
جبرئيل أن الجنة مشتاقة إليكما ولولا أن الله عز وجل قدر أن يخرج منكما ما يتخذه على الخلق حجة لأجاب فيكما الجنة وأهلها ، فنعم الأخ أنت ونعم الختن أنت ونعم الصاحب أنت ، وكفاك برضا الله رضا .
قال علي (عليه السلام) : فقلت يا رسول الله بلغ من قدري حتى أني ذكرت في الجنة وزوجني الله في ملائكته،
فقال (عليه السلام) :إن الله عز وجل إذا أكرم وليه وأحبه أكرمه بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، فأحياها الله لك ، يا علي.
فقال علي (عليه السلام) : رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي .
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : آمين.
يقول العبد الضعيف محمد تقي الشريف مصنف هذا الكتاب : إن بعض عبارات الحديث خرج على مقدار ما يحتمله الرواة ، فلا تمجنها أذنك فتنكر الخبر رأسا ، فإنهم يتكلمون بكلمة ويريدون بها سبعين وجها لهم من كلها المخرج.
أعز خلق الله عليه
الثاني كفاية الأثر في النصوص ، أخبرنا الحسين بن محمد بن سعيد الصيرفي قال : حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن شنبوذ ، قال : حدثنا علي بن حمدون ، قال : حدثنا علي بن حكيم الأودي ، قال : أخبرنا شريك عن عبد الله بن سعد عن الحسين بن علي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: (أخبرني جبرئيل (عليه السلام) لما ثبت الله تبارك وتعالى اسم محمد على ساق العرش قلت : يا رب هذا الاسم المكتوب في سرادق العرش، أرني أعز خلقك عليك ، قال
: فأراه الله اثني عشر أشباحا أبدانا بلا أرواح بين السماء والأرض ، فقال : يا رب بحقهم عليك ألا أخبرتني من هم ؟ فقال : هذا نور علي بن أبي طالب ، وهذا نور الحسن ، وهذا نور الحسين ، وهذا نور علي بن الحسين ، وهذا نور محمد بن علي ، وهذا نور جعفر بن محمد، وهذا نور موسى بن جعفر ، وهذا نور علي بن موسى ، وهذا نور محمد بن علي ، وهذا نور علي بن محمد ، وهذا نور الحسن بن علي ، وهذا نور الحجة القائم المنتظر ، قال : فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : ما أحد يتقرب إلى الله عز وجل بهؤلاء القوم إلا أعتق الله رقبته من النار).
من مثل شيعة علي
الثالث كتاب المسلسلات لجعفر بن أحمد بن علي القمي ، قال: حدثنا محمد بن علي بن الحسين ، قال : حدثني أحمد بن زياد بن جعفر، قال : حدثني أبو القاسم جعفر بن محمد العلوي العريضي ،قال :قال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن خليل ، قال : أخبرني علي بن محمد بن جعفر الأهوازي ، قال : حدثني بكر بن أحنف ، قال : حدثتنا فاطمة بنت علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قالت: حدثتني فاطمة وزينب وأم كلثوم بنات موسى بن جعفر
(عليه السلام) ، قلن : حدثتنا فاطمة بنت جعفر بن محمد (عليهم السلام) ، قالت : حدثتني فاطمة بنت محمد بن علي عليهما السلام ، قالت : حدثتني فاطمة بنت علي بن الحسين (عليهم السلام) ، قالت : حدثتني فاطمة وسكينة ابنتا الحسين بن علي (عليهم السلام) ، عن أم كلثوم بنت علي (عليه السلام) ، عن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ،قالت : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : (لما أسري بي إلى السماء دخلت الجنة ، فإذا أنا بقصر من درة بيضاء مجوفة وعليها باب مكلل بالدر والياقوت وعلى الباب ستر ، فرفعت رأسي فإذا مكتوب على الباب لا إله إلا الله
محمد رسول الله علي ولي الله ، وإذا مكتوب على الستر بخ بخ من مثل شيعة علي فدخلته فإذا أنا بقصر من عقيق أحمر مجوف وعليه باب من فضة مكلل بالزبرجد الأخضر ، وإذا على الباب ستر فرفعت رأسي فإذا مكتوب على الباب محمد رسول الله علي وصي المصطفى ، وإذا على الستر مكتوب بشر شيعة علي بطيب المولد فدخلته ، فإذا أنا بقصر من زمرد أخضر مجوف لم أر أحسن منه، وعليه باب من ياقوتة حمراء مكللة باللؤلؤ ، وعلى الباب ستر فرفعت رأسي فإذا مكتوب على الستر شيعة علي هم الفائزون ، فقلت : حبيبي جبرئيل ، لمن هذا ؟ فقال : يا محمد لابن عمك ووصيك علي بن أبي طالب (عليه السلام)
، يحشر الناس كلهم يوم القيامة حفاة عراة إلا شيعة علي(عليه السلام)، ويدعى الناس بأسماء أمهاتهم ما خلا شيعة علي (عليه السلام) ، فإنهم يدعون بأسماء آبائهم فقلت : حبيبي جبرئيل ، وكيف ذاك ؟ قال : لأنهم أحبوا عليا فطاب مولدهم).
لا يدخل النار من عرف علي ولا يدخل الجنة من أنكره
الرابع وفيه حدثنا علي بن محمد بن علي العلوي قال : حدثني أحمد ابن زياد بن جعفر عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن الريان بن الصلت، قال: ( سمعت مولاي علي بن موسى الرضا (عليهم السلام) يقول : سمعت أبي موسى بن جعفر يقول : سمعت أبي جعفر بن محمد يقول : سمعت أبي محمد بن علي يقول : سمعت أبي علي بن الحسين يقول : سمعت أبي الحسين بن علي يقول : سمعت أبي علي بن أبي طالب يقول : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول :سمعت
الله جل جلاله يقول : (علي بن أبي طالب حجتي على خلقي ونوري في بلادي وأميني على علمي ، لا أدخل النار من عرفه وإن عصاني ، ولا أدخل الجنة من أنكره وإن أطاعني).
النبي طاهر مطهر
الخامس تهذيب الطوسي في باب الأغسال عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن عيسى عن القاسم بن الصيقل قال : ( كتبت إليه : جعلت فداك هل اغتسل أمير المؤمنين (صلى الله عليه وآله وسلم) حين غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند موته ؟ فأجابه :النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طاهر مطهر ، ولكن أمير المؤمنين (عليه السلام) فعل وجرت به السنة).
يقول مصنف هذا الكتاب : مرجع الضمير في قوله كتبت إليه علي بن محمد الهادي (عليهم السلام) ؛ لأن القاسم الصيقل من أصحابه (عليه السلام) كما صرح به أهل الرجال.
حديث المفضل مع الإمام الصادق في بعض أسرار الخلقة
السادس يروى عن الشيخ الثقة أبي الحسين محمد بن علي الحلي عن شيخه السند إلى أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي ، قال : حدثني جعفر ابن مالك الفرازي الكوفي عن عبيد الله بن يونس الموصلي عن محمد بن صدقة العنبري عن محمد بن سنان الزاهرى عن صفوان بن يحيى الكوفي عن المفضل بن عمر الجعفي قال : (قلت لمولانا الصادق (عليه السلام) : الوعد منه كذا إلى مه - وقد خلوت به فوجدت منه فرصة أتمناها - أسألك يا مولاي عما جرى
في خاطري من ظهور المعنى لخلقه بصورة مرئية ، فهل الذات تتصور أو تتجزأ أو تتبعض أو تحول عن كيانها ، أو تتوهم في العقول بحركة أو سكون ؟ وكيف ظهور الغيب الممتزج بخلق ضعيف ؟ وكيف يطيق المخلوق النظر إلى الخالق مع ضعف المخلوق ؟.
فقال : يا مفضل إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ، يا مفضل علمنا صعب مستصعب، وسرنا وعر بعيد على اللسان أن يترجم عنه إلا تلويحا، وما يعرف شيعتنا إلا بحسب درايتهم لنا ومعرفتهم بنا ، وسحقا لمن يروي ما لا يدري ويعتقد ما لا يتصرف في عقل ولا يتضح في لب ، وذلك إيمان اللسان ووعر الحواس ، والحجة فيه على صاحبه وذلك أن القرآن نزل على إياك أعني واسمعي يا جارة ، فاستمع لما يوحى إليك ،
وانظر بعين عقلك ، وانصب بنور لبك ، واسمع وع ، فقد سألت عن بيان عظيم وحق يقين ، وسألقي عليك منه سؤالا ثقيلا ؛ وهو الذي ضل في معرفته أكثر الخلق إلا من رحم ربك إنه هو الغفور الرحيم ، وما أنبأ به الباقر (عليه السلام) لجابر من الوعر الأوعر الذي خفي عن سائر العالم إلا عن صفوة المختصين والبلغاء المستحفظين الذين أخلصوا واختصوا وشهدوا الحق بما عملوا وصدقوا بما عاينوا ، كما ذكر في التنزيل قول السيد ألا من شهد بالحق وهم يعلمون أنه الحق والأمر يا مفضل لطيف، وسر هذا العلم غامض .
واعلم أن الذات تجل عن الأسماء والصفات غيب ممتنع لا يمتنع عنه باطن ولا يستر عنه خفي لطيف ولا شيء أعظم منه موصوف باتصافه له ، مشهور بآياته معروف بظهوراته كان قبل القبل إذ لا قبل ، وقبل أن يحيث الحيث بحيث لا حيث غيره ، وقبل المكان إذ لا مكان إلا ما كونه وهو إلى مالا نهاية له ، لا يحول عن حال ولا عما كان منه من كيانه ولا يفتقر إلى شيء فيستعين به ، ولا انتسب إلى غيره فيعرف به بل هو حيث هو وحيث كان فلم يكن إلا هو ،
يا مفضل إن الظهور تمام البطون والبطون تمام الظهور والقدرة والقوة تمام الفعل ، ومتى لم تكن كليات الحكمة تامة في بطونها تامة في ظهورها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم وإن كان قادرا .
قال المفضل : قلت زدني يا مولاي شرحا يحيا به من قرب وتقرب من مشى بنورك وعرفك حقيقة المعرفة .
فقال (عليه السلام) : يا مفضل إن ظهور الأزل بين خلقه عجيب لا يعلم ذلك إلا عالم خبير ، وإن الذات لا يقال لها نور لأنها منيرة كل نور فلما شاء من غير فكر ولا وهم إظهار المشية وخلق المشية للشيء وهما الميم والشين ، فأشرق من ذاته نور شعشعاني لا تثبت له الأنوار غير بائن عنه ، فأظهر النور الضياء لمن تبين منه ، وأظهر الضياء ظلا فأقام صورة الموجود بنفي الضياء والظل، وجعل النور باطنه ، والذات منه مبدؤها، وكذلك الاسم
غير متحد بنوره، ما رأى خلقه بخلقه ، فإذا بطن ففي ذاته وغيبه ، والذي ليس شيء كهو إلا هو فتعالى الله العظيم .
يا مفضل وسألت عن المشية كيف أبدأها منشيها ، فافهم ما أنا ذاكره لك يا مفضل ، فقد سألت عن أمر عظيم إن مولاك القديم الأزل تعالى ذكره يبدي مشيته لم يزل لها عالما ، وكانت تلك إرادة من غير همة ولا حدوث فكرة ، ولا انتقال من سكون إلى حركة ولا حركة إلى سكون؛ لأن القدرة طباعه وذلك أنه يظهر المشية التي هي اسمه ودل بها إلى ذاته لا لحاجة منه إليه ولا غيب به فلما بدت بطبع الحكمة عند إرادته يكون الاسم والعلم بأن الحكمة
إظهار ما في الكيان إلى العيان ، ولو لم يظهر ما علمه من غامض علمه إلى وجود معاينة بعضها لبعض لكان ناقصا ، والحكمة غير تامة لأن تمام القوة الفعل وتمام العلم المعلوم وتمام الكون المكون ، فافتح يا مفضل قلبك لكلام إمامك ، واعلم أن النور لم يكن باطنا في الذات فظهر منه ، ولا ظاهرا منه فبطن فيه، بل النور من الذات بلا تبعيض وغائب في غيبه بلا استتار ومشرق منه بلا انفصال كالشعاع من القرص ، والنور من الشعاع لمولاك ، يا مفضل اخترع الاسم الأعظم والمشية التي أنشأت الأشياء ولم يكن للنور عند اختراعه الاسم زيادة ولا نقصان ، والاسم من نور الذات بلا
تبعيض ، وظاهره بلا تجزي يدعو إلى مولاه ويشير إلى معناه ، وذلك عند تغير كل ملة لإثبات الحجة وإظهار الدعوة ليثبت على المقر إقراره ويرد على الجاحد إنكاره ، وإن غاب المولى عن أبصار خلقه فهم المحجوبون بالغيبة الممتحنون بالصورة .
يا مفضل الذي ظهر به الاسم ضياء نوره وظل ضيائه الذي تشخص به الخلق لينظروه ، ودلهم على باريه ليعرفوه بالصورة التي هي صفة النفس والنفس صفة الذات والاسم مخترع من نفس نور الذات ، ولذلك سمي نفسا ولأجل ذلك قوله ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ ، وأنا أحذركم أن يجعل محمدا مصنوعا لكان الذات محدثا مصنوعا ، وهذا هو الكفر الصراح .
واعلم يا مفضل أنه ليس بين الأحد والواحد إلا كما بين الحركة والسكون، أو بين الكاف والنون لاتصاله بنور الذات قائمة بذاتها ، وهو قوله تعالى ﴿ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا﴾ يعني ما كان فيه من الذات ، فالصورة الأنزعية هي الضياء والظل، وهي التي لا تتغير في قديم الدهور ، ولا فيما يحدث من الأزمان فظاهره صورة الأنزعية وباطنه المعنوية وتلك الصورة هيولى الهيولات وفاعلة
المفعولات وأس الحركات وعلة كل علة لا بعدها سر ولا يعلم ما هي إلا هو ويجب أن يعلم .
يا مفضل أن الصورة الأنزعية التي قالت ظاهري إمامة ووصية، وباطني غيب منيع لا يدرك ليست كلية الباري ولا الباري سواها ، وهي هو إثباتا وإيجادا وعيانا ويقينا لا هي هو كلا ولا جمعا ولا إحصاء ولا إحاطة .
قال المفضل : قلت يا مولاي ، زدني شرحا فقد علمت من فضلك ونعمك ما أقصر عن صفته .
قال : يا مفضل سل عما أحببت .
قلت : يا مولاي تلك الصورة التي رأيت على المنابر تدعو من ذاتها إلى ذاتها بالمعنوية ، وتصرح باللاهوتية قلت لي إنها ليست كلية الباري ولا الباري غيرها ، فكيف يعلم بحقيقة هذا القول ؟
قال : يا مفضل تلك بيوت النور ، وقمص الظهور ، وألسن العبارة ، ومعدن الإشارة ، حجبك بها عنه، ودلك منها إليه ، لا هي هو ولا هو غيرها، محتجب بالنور ، ظاهر بالتجلي كل يراه بحسب معرفته ، وينال على مقدار طاعته ، فمنهم من يراه قريبا ، ومنهم من يراه بعيدا ، يا مفضل إن الصورة نور منير ، وقدرة قدير ، ظهور مولاك رحمة لمن آمن به وأقر ، وعذاب على من جحد وأنكر ، ليس وراءه غاية ولا له نهاية .
قلت : يا مولاي فالواحد الذي هو محمد .
فقال : هو الواحد إذا سمي ، ومحمد إذا وصف .
قلت : يا مولاي فعلي منه باين كذا غير المعنى كذا وصف اسمه.
فقال : ألم تسمع إلى قوله ظاهري إمامة ووصية وباطني غيب لا يدرك .
قلت : يا مولاي فما باطن الميم؟
فقال (عليه السلام) :نور الذات ، وهو أول الكون ، ومبدء الخلق ، ومكون لكل مخلوق، ومتصل بالنور ، منفصل لمشاهدة الظهور ، إن بعد فقريب وإن نأى فمجيب، وهو الواحد الذي أبداه الأحد من نوره ، والأحد لا يدخل في عدد والواحد أصل الأعداد ، وإليه عودها وهو المكنون .
قلت : يا مولاي يقول السيد الميم: أنا مدينة العلم وعلي باطنها .
فقال : يا مفضل إنما عنى تسلسل الذي سلسل من نوره ، فمعنى قوله (عليه السلام) : وعلي بابها يعني أنه هو أعلى المراتب وباب الميم ومنه يدخلون إلى المدينة ، وعلم العلم وهو المترجم بما يمده سيده من علم الملكوت وجلال اللاهوت .
فقلت : يا مولاي يقول السيد الميم : أنا وعلي كهاتين ، لا أدري يمينا ولا شمالا ، وأقرن بين سبابيته .
فقال : يا مفضل ليس يقدر أحد من أهل العلم يفصل بين الاسم والمعنى غير أن المعنى فوقه ؛ لأنه من نور الذات اخترعه فليس بينه وبين النور فرق ولا فاصل ، ولأجل ذلك قال : أنا وعلي كهاتين - إشارة منه إلى العارفين - أن ليس هناك فصل ولو كان بينه وبينه فصل لكان شخصا غيره هذا هو الكفر الصراح ، أما سمعت قوله ﴿أن يفرقوا بين الله ورسله﴾ وقوله ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ وإيماؤها للعارفين أن يقال: إن الله بينه وبين بابه
واسطة، ولأجل هذا قال : أنا وعلي كهاتين لأنه بدء الأسماء وأول من تسمى، فمن عرف الإشارة استغنى عن العبارة ، ومن عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة، ألم تسمع إلى إشارة الاسم إلى مولاه تصريحا بغير تلويح ، حيث يقول: أنت كاشف الهم عني وأنت مفرج كربتي وأنت قاضي ديني وأنت منجز وعدي ، ثم يكشف عن اسمه الظاهر بين خلقه فيقول : أنت علي، إشارة منه إلى مولاي ، فكانت الإشارة إلى بابه : أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد المدينة فليقصد الباب)، انتهى الحديث الشريف.
يقول العبد الضعيف محمد تقي الشريف مصنف هذا الكتاب: وجدت نسخة هذا الحديث عند بعض السادة الإجلاء الموثقين من أهل العلم ، وحدثني السيد المذكور أنه دخل على بعض الأعاظم من أساطين العلماء أيام تلمذه عنده، قال : فوجدت بيده وريقات ينظر فيها نظر المتفكر المتدبر في مطاويها ، فعلمت أنه شيئا طريف فمنعني الحجب عن السؤال عما فيها، فأشرت إلى شخص قاعد عنده أن يطلبها لي منه فطلبها ، فأبى أن يعطيها فاشتد شوقي إليها
فراجعت في الالتماس، وألححت في ذلك إلحاحا شديدا فلم يجد بدا من إجابتي ، فناولنيها فإذا فيها هذا الحديث فاستأذنته في الاستنساخ ، فأذن لي وأوصاني بحفظه وعدم إذاعته ، فاستنسخته من تلك النسخة ، وأنا كتبته من نسخة السيد المذكور غير أن النسخة كانت سقيمة لا تخلو عن تصحيف وتحريف ، كما ترى ثم إني وقفت منه على ثلاث نسخ أخرى وهي أيضا لا تخلو عن سقم وتصحيف ، بل كانت أشد تصحيفا من نسختي ، فقابلت النسخ بعضها ببعض فصححت ما عندي منها بقدر ما أمكن من ذلك ، وبقي بعد أغلاط كانت النسخ فيها متفقة فنقلته على ما هو عليه ، فالمأمول من الأخوان إن وقفوا بعد
ذلك على نسخة صحيحة أن يصححوه ويصلحوه هذا حال هذا الخبر عندنا من حيث الإسناد، وهو كما ترى مسلوك بالنسبة إلينا في سلك المراسيل ولكنه غير ضائر عندنا لشهادة متن الخبر على صدوره عن معدن العصمة والولاية ، فإن اللحن لحنهم (عليهم السلام) لاشك فيه ولا شبهة تعتريه والرجل كل الرجل من يعرف الرجال بالمقال لا المقال بالرجال .
وبالجملة أنا لا أشك في ذلك ولا أرتاب ولا أتوقف ، وليس لأحد أن يعترض علي في ذلك إذ لا حجة لمن لا يعلم على من يعلم ، ولا وحشة في بعض عباراته المتشابهة عند غير أهله بعد إمكان ردها إلى المحكمات ثم إن الخبر لصعوبة معانيه كان يقتضي تعقيبه ببعض التوضيحات غير أني أعرضت عن ذلك لسقم النسخة، وفي نفسي إن وفقني الله تعالى منه بنسخة صحيحة أن أكتب له شرحا مستقلا وافيا إن شاء الله تعالى.
لا يحل لأحد أن أن يجنب في المسجد إلا أهل العصمة
السابع أمالي الصدوق حدثنا محمد بن عمر البغدادي قال :حدثني الحسن بن عبد الله بن محمد بن علي التميمي قال :حدثني أبي قال حدثني سيدي علي بن موسى بن جعفر ، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر ابن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي ، عن أبيه علي بن أبي طالب (عليهم السلام) ،قال:( قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا يحل لأحد أن يجنب في المسجد إلا أنا وعلي وفاطمة
والحسن والحسين ، ومن كان من أهلي فإنهم مني). وبهذا الإسناد عن علي (عليه السلام) قال :(قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :سدوا الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب علي (عليه السلام)).
الأئمة يسألون الله فيخلق ويسألونه فيرزق
الثامن غيبة الطوسي : أخبرنا الحسين بن إبراهيم ، عن أبي العباس أحمد بن علي بن نوح ، عن أبي نصر هبة الله بن محمد الكاتب، قال: حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد بن تربك الرهاوي ، قال حدثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه ، أو قال أبو الحسن علي بن أحمد الدلال القمي ، قال :( اختلف جماعة من الشيعة في أن الله عز وجل فوض إلى الأئمة صلوات الله عليهم أن يخلقوا أو يرزقوا، فقال: قوم هذا محال لا يجوز
على الله تعالى ؛ لأن الأجسام لا يقدر على خلقها غير الله عز وجل ، وقال آخرون : بل الله تعالى أقدر الأئمة على ذلك ، وفوضه إليهم فخلقوا ورزقوا ، وتنازعوا في ذلك تنازعا شديدا ، فقال قائل: ما بالكم لا ترجعون إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري، فتسألونه عن ذلك ليوضح لكم الحق فيه ، فإنه الطريق إلى صاحب الأمر (عج) فرضيت الجماعة بأبي جعفر ، وسلمت وأجابت إلى قوله فكتبوا المسألة وأنفذوها إليه ، فخرج إليهم من جهته توقيع نسخته إن الله تعالى هو الذي خلق الأجسام وقسم الأرزاق لأنه ليس بجسم ولا حال في جسم ليس كمثله شيء وهو السميع العليم ، فأما الأئمة
(عليهم السلام) فإنهم يسألون الله تعالى فيخلق ويسألونه فيرزق إيجابا لمسألتهم وإعظاما لحقهم)
سمي علي أمير المؤمنين وآدم بين الروح والجسد
التاسع تأويل الآيات في كتاب الفردوس لابن شيرويه الديلمي حديثا يرفعه إلى حذيفة اليماني قال :(قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لو يعلم الناس متى سمي علي أمير المؤمنين ما أنكروا فضله ، سمي أمير المؤمنين وآدم بين الروح والجسد وقوله تعالى : (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهده على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) وقالت الملائكة : بلى ، فقال تبارك وتعالى : أنا ربكم ومحمد نبيكم وعلي أميركم).
والمحتضر مثله.
علي أمير من في السماء والأرض ومن مضى ومن بقي
العاشر عن إيضاح دفائن النواصب للشيخ الجليل الفقيه أبي الحسن محمد ابن أحمد على بن الحسن بن شاذان قال : حدثنا سهل بن أحمد بن عبد الله عن علي بن عبد الله عن إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق بن همام ، عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ، قال :(كنا جلوسا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إذ دخل علي بن أبن طالب (عليه السلام)، فقال : السلام عليك يا رسول الله .
فقال : وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته .
فقال علي : تدعوني بأمير المؤمنين وأنت حي يا رسول الله .
قال : نعم وأنا حي ، إنك يا علي قد مررت بنا أمس ، وأنا وجبرائيل في حديث ولم تسلم .
فقال جبرائيل : ما بال أمير المؤمنين مر بنا ولم يسلم ؟ أما والله لو سلم لسررنا ورددنا عليه .
فقال علي (عليه السلام) : يا رسول الله رأيتك ودحية استخليتما في حديث فكرهت أن أقطعه عليكما .
فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنه لم يكن دحية ، وإنما كان جبرئيل (عليه السلام) ، فقلت : يا جبرائيل كيف سميته أمير المؤمنين ؟
فقال : كان الله تعالى أوحى إلي في غزوة بدر أن اهبط إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمره أن يأمر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن يجول بين الصفين ، فإن الملائكة يحبون أن ينظروا إليه وهو يجول بين الصفين ، فسماه الله تعالى من السماء أمير المؤمنين ذلك اليوم فأنت يا علي أمير من في السماء ، وأمير من في الأرض ، وأمير من مضى وأمير من بقي ، ولا أمير قبلك ولا أمير بعدك لأنه لا يجوز أن يسمى بهذا الاسم من
لم يسمه الله تعالى به).
الصياد مع موسى والخضر
الحادي عشر كتاب الأربعين لأسعد بن إبراهيم بن الحسن بن علي الأربلي العامي في الحديث الثاني بإسناده عن عمار بن خالد، عن إسحاق الأزرق، عن عبد الملك بن سليمان ، قال : (وجد في ذخيرة أحد حواري المسيح رق فيه مكتوب بالقلم السرياني منقول من التوراة : إنه لما تشاجر موسى والخضر (عليهم السلام) في قصة السفينة والغلام والجدار ، ورجع موسى إلى قومه سأله أخوه هارون (عليه السلام) : عما استعلمه من الخضر (عليه السلام) وشاهده من
عجائب البحر، قال: بينا أنا والخضر على شاطئ البحر إذ سقط بين أيدينا طائر أخذ في منقاره قطرة ورمى بها نحو المشرق، وأخذ ثانية ورماها في المغرب، وأخذ ثالثة ورمى بها نحو السماء، ورابعة رماها إلى الأرض، ثم أخذ خامسة وعاد ألقاها في البحر، فبهتنا لذلك فسألت الخضر (عليه السلام) عن ذلك فلم يجب، وإذا نحن بصياد يصطاد فنظر إلينا ، وقال: مالي أراكما في فكر وتعجب من الطائر؟ قلنا: هو ذلك، قال: أنا رجل صياد قد علمت وأنتما نبيان ما تعلمان! قلنا: ما نعلم إلا ما علمنا الله ، قال: هذا طائر في البحر يسمى مسلم ، لأنه إذا صاح يقول في صياحه: مسلم ، فأشار برمي
الماء من منقاره إلى السماء والأرض ، والمشرق والمغرب إلى أنه يبعث نبي بعدكما تملك أمته المشرق والمغرب، ويصعد إلى السماء، ويدفن في الأرض، وأما رميه الماء في البحر يقول: إن علم العالم عند علمه مثل هذه القطرة، وورث علمه وصيه وابن عمه، فسكن ما كنا فيه من المشاجرة، واستقل كل واحد منا علمه (بعد أن كنا معجبين بأنفسنا)، ثم غاب الصياد عنا فعلمنا أنه ملك بعثه الله تعالى إلينا ليعرفنا حيث ادعينا الكمال).
تفسير قوله تعالى إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا
الثاني عشر الكافي في باب نص الله ورسوله على الأئمة الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محمد الهاشمي، عن أبيه عن أحمد بن عيسى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز وجل: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ قال: إنما يعني أولى بكم أي أحق بكم وبأموركم وأنفسكم وأموالكم، الله ورسوله والذين آمنوا يعني عليا وأولاده الأئمة (عليهم السلام) إلى يوم القيامة، ثم وصفهم الله عز وجل
فقال : ﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) في صلاة الظهر وقد صلى ركعتين وهو راكع وعليه حلة قيمتها ألف دينار، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كساه إياها، وكان النجاشي أهداها له، فجاء سائل فقال: السلام عليك يا ولي الله وأولى بالمؤمنين من أنفسهم، تصدق على مسكين، فطرح الحلة إليه وأومأ بيده إليه أن احملها: فأنزل الله عز وجل فيه هذه الآية، وصير نعمة أولاده بنعمته فكل من بلغ من أولاده مبلغ الإمامة، يكون بهذه النعمة مثله فيتصدقون وهم راكعون والسائل الذي سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) من
الملائكة، والذين يسألون الأئمة من أولاده يكونون من الملائكة).
إنا أول أهل بيت نوه الله بأسمائنا
الثالث عشر أمالي الصدوق حدثنا محمد بن علي ما جيلويه ، قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، قال: حدثني سهل بن زياد، عن محمد ابن الوليد، قال: سمعت يونس بن يعقوب يقول عن سنان بن طريف، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال : ( إنا أول أهل بيت نوه الله بأسمائنا، أنه لما خلق الله السماوات والأرض أمر مناديا فنادى: أشهد أن لا إله إلا الله ثلاثا، أشهد أن محمدا رسول الله ثلاثا، أشهد أن عليا أمير المؤمنين حقا
ثلاثا).
النبي يعطي أمير المؤمنين قبضة من التراب الذين رماه في وجوه المشركين
الرابع عشر عن تفسير العياشي بإسناده عن عمرو بن أبى المقدام عن علي بن الحسين قال : (ناول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على بن أبي طالب (عليه السلام) قبضة من تراب التي رمى بها في وجوه المشركين، فقال الله : ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾) .
الحوراء الراضية المرضية لأمير المؤمنين عليه السلام
الخامس عشر تفسير علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أسري بي إلى سبع سماواته أخذ بيدي جبرئيل، فأدخلني الجنة فأجلسني على درنوك من درانيك الجنة، فناولني سفرجلة فانفلقت نصفين ، فخرجت (من بينهما) حوراء فقامت بين يدي فقالت: السلام عليك يا محمد ، السلام عليك يا أحمد ، السلام عليك يا رسول الله ، فقلت : وعليك السلام ، من أنت ؟ فقالت: أنا
الراضية المرضية خلقني الجبار من ثلاثة أنواع أسفلي من المسك ووسطي من العنبر وأعلاي من الكافور وعجنت بماء الحيوان ، ثم قال جل ذكره لي : كوني فكنت لأخيك ووصيك علي بن أبي طالب صلوات الله عليه) .
في سبب نزول إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا
السادس عشر أمالي الصدوق قال :أخبرني علي بن حاتم ، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني، قال: حدثنا جعفر بن عبد الله المحمدي، قال: حدثنا كثير بن عياش، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز وجل : ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾الآية، قال: إن رهطا من اليهود أسلموا منهم: عبد الله بن سلام وأسد وثعلبة وابن يامين وابن
صوريا، فأتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا نبي الله، إن موسى (عليه السلام) أوصى إلى يوشع بن نون، فمن وصيك يا رسول الله، ومن ولينا بعدك؟ فنزلت هذه الآية ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾.
ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): قوموا ، فقاموا فأتوا المسجد، فإذا سائل خارج، فقال: يا سائل، أما أعطاك أحد شيئا؟
قال: نعم، هذا الخاتم.
قال: من أعطاك؟
قال: أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلي.
قال: على أي حال أعطاك؟
قال: كان راكعا. فكبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكبر أهل المسجد.
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : علي بن أبي طالب وليكم بعدي، قالوا: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبعلي بن أبي طالب وليا. فأنزل الله عز وجل ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾.
فروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: والله لقد تصدقت بأربعين خاتما وأنا راكع ، لينزل في ما نزل في علي بن أبي طالب (عليه السلام) فما نزل) .
خبر آخر للتصدق بالخاتم وتحقيق فيه
يقول محمد تقي الشريف مصنف هذا الكتاب روى جماعة من أصحابنا عن عمار بن موسى الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن الخاتم الذي تصدق به أمير المؤمنين (عليه السلام) وزنه أربعة مثاقيل حلقته من فضة، وفضته خمسة مثاقيل، وهو من ياقوتة حمراء وثمنه خراج الشام ، وخراج الشام ثلاثمائة حمل من فضة وأربعمائة حمل من ذهب وفي بعض النسخ أربعة أحمال من ذهب ، وكان الخاتم لطوق بن حران قتله أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وأخذ
الخاتم من إصبعه وأتى به إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من جملة الغنائم ، وأمره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأخذ الخاتم وأخذ الخاتم وأقبل وهو في إصبعه وتصدق به على السائل في أثناء صلاته خلف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)).
هذا ونقل عن سر العالمين للغزالي حكاية طويلة محصلها أن خاتم سليمان بن داود (عليه السلام) أتي به إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأخذه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأعطاه عليا (عليه السلام) فوضعه علي (عليه السلام) في إصبعه ، فحضرت الطير والجان والناس يشاهدون ويشهدون ، ثم دخل الدمرياط الجني وحدثه طويلا فلما كانوا في صلاة الظهر تصور جبرائيل بصورة سائل طائف بين الصفوف ، فبينا هم في الركوع
إذ وقف جبرائيل من وراء علي (عليه السلام) طالبا فأشار علي (عليه السلام) بيده ، فطار الخاتم إلى سليمان فضجت الملائكة تعجبا فجاء جبرائيل مهنئا وهو يقول : إنكم أهل بيت أنعم الله عليكم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك فسأل عليا (عليه السلام) فقال : علي ما نصنع بنعيم زائل وملك حائل ودنيا في حلالها حساب وفي حرامها عقاب، هي. وهذا النقل يظهر منه مغايرته لتصدق الخاتم المشهور فتوهم اتحادهما من بعض أصحابنا وهم ، ثم إنه قد يتوهم التناقض بين خبر الحلة الذي نقلناه عن الكافي وبين أخبار الخاتم من
جهة ، شأن نزول آية الولاية ولا تناقض لجواز نزولها مرتين كما ورد في سورة الفاتحة أنها نزلت مرتين، ويمكن وجه آخر وهو إعطاء الحلة للملك كما هو صريح خبر الكافي والخاتم للسائل من البشر دفعة واحدة، وعليه فيكون المراد بالحلة معنى باطنيا ولا ينافيه إهداء النجاشي إياها فإن الأعيان الباطنة ربما تتمثل في الظاهر بالصور الجسمانية كتصور جبرائيل بصورة دحية الكلبي ، وتحقيق هذه الأمور على التفصيل مما يطول ، ولا إقبال في القلب إلى ذكره الآن لعدم اجتماع الحواس، وأرجو من أمير المؤمنين الذي تصدق بالخاتم للسائل أن يتصدق علي من فضله وجوده بكشف
الهموم ورفع الغموم فإنه القادر على كشف ما منيت به ودفع ما وقعت فيه وهو أهل لذلك وإن لم استوجبه منه صلوات الله عليه وأهل بيته.
إن لنا مع كل ولي لنا أعينا ناظرة لا تشبه أعين الناس
السابع عشر منتخب الطريحي بحذف الإسناد عن الرضا (عليه السلام) أنه قال: ( أيها الناس اعلموا وتيقنوا أن لنا مع كل ولي لنا أعينا ناظرة لا تشبه أعين الناس ، وفيها نور من نور الله وحكمة من حكم الله تعالى ليس للشيطان فيها نصيب كل بعيد منها قريب، وأن لنا مع كل ولى أعينا ناظرة وألسنا ناطقة وقلوبا واعية ، وليس يخفى علينا شيء من أعمالكم وأقوالكم وأفعالكم بدليل قوله تعالى:﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم
ورسوله والمؤمنون﴾ ولو لم يكن كذلك لم يكن لنا على الناس فضل).
ما رآه إبراهيم وما رآه النبي وآله عليهم السلام
الثامن عشر بصائر الدرجات حدثنا أحمد بن محمد عن أبيه عن عبد الله بن المغيرة عن عبد الله بن مسكان قال : (قال أبو عبد الله (عليه السلام) ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾ قال كشط لإبراهيم السماوات السبع حتى نظر إلى ما فوق العرش ، وكشط له الأرض حتى رأى ما في الهواء ، وفعل بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل ذلك وإني لأرى صاحبكم والأئمة من بعده قد فعل بهم مثل ذلك ).
أقول الأخبار في هذا المعنى كثيرة اكتفينا منها بواحد من أرادها فليرجع إلى البصائر وغيره من كتب الأخبار .
علي أول من يدخل الجنة
التاسع عشر العلل حدثنا الحسين بن علي الصوفي قال : حدثنا أبو العباس عبد الله بن جعفر الحميري قال حدثنا علي بن أحمد التميمي قال: حدثنا محمد بن مروان قال : حدثنا عبدالله بن يحيى قال: حدثنا المحمد بن الحسين بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال : (قال لي رسول الله: أنت أول من يدخل الجنة فقلت : يا رسول الله ، أدخلها قبلك؟ قال: نعم إنك صاحب لوائي في الآخرة
كما إنك صاحب لوائي في الدنيا، وحامل اللواء هو المقدم ، ثم قال :يا علي كأني بك وقد دخلت الجنة وبيدك لوائي وهو لواء الحمد تحته آدم ومن دونه).
لم سمي أمير المؤمنين بأمير المؤمنين
العشرون وفيه (حدثنا المظفر بن جعفر بن المظفر العلوى قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مسعود قال: حدثنا جبرئيل بن أحمد قال: حدثني الحسن بن خرزاد عن محمد بن موسى بن الفرات، عن يعقوب بن سويد، عن جعفر (عليه السلام) قال: ( قلت له :جعلت فداك لم سمي أمير المؤمنين (عليه السلام) أمير المؤمنين؟ قال: لأنه يميرهم العلم أما سمعت كتاب الله عز وجل ﴿ونمير أهلنا﴾).
لم سمي سيف أمير المؤمنين بذي الفقار
الحادى والعشرون وفيه حدثنا محمد بن محمد بن عصام الكليني قال: حدثنا محمد بن يعقوب عن علان الكليني رفعه إلى أبى عبد الله (عليه السلام) أنه قال :( إنما سمي سيف أمير المؤمنين ذا الفقار لأنه كان في وسطه خط في طوله، فشبه بفقار الظهر فسمي ذا الفقار بذلك ، وكان سيفا نزل به جبرئيل (عليه السلام) من السماء ، وكانت حلقته فضة ، وهو الذي نادى به مناد من السماء: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي).
من وجد برد حبنا على قلبه فليكثر الدعاء لأمه
الثانى والعشرون وفيه حدثنا محمد بن علي ماجيلويه قال: حدثنا عمي محمد بن أبي القاسم عن محمد بن علي الكوفي القرشي ، عن محمد ابن سنان عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال : ( من وجد برد حبنا على قلبه فليكثر الدعاء لأمه فإنها لم تخن أباه).
ولي علي ولي الله وعدو علي عدو الله
الثالث والعشرون وفيه (حدثنا محمد بن القاسم الاسترابادي قال: حدثنا يوسف بن محمد بن زياد وعلي بن محمد بن يسار عن أبويهما عن الحسن ابن على بن محمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه ، عن آبائه (عليهم السلام) قال :( قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لبعض أصحابه ذات يوم : يا عبد الله أحب في الله وأبغض في الله ووال في الله وعاد في الله ؛ فإنه لا تنال ولاية الله إلا بذلك ، ولا يجد
رجل طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك ، وقد صارت مؤاخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا، عليها يتواددون وعليها يتباغضون وذلك لا يغني عنهم من الله شيئا ، فقال له: وكيف لي أن أعلم أني قد واليت وعاديت في الله عز وجل ومن ولي الله عز وجل حتى أواليه، ومن عدوه حتى أعاديه؟ فأشار له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى علي (عليه السلام) فقال : أترى هذا ؟ فقال : بلى ، فقال: ولي هذا ولي الله فواله وعدو هذا عدو الله فعاده ، ثم قال: وال ولي هذا ولو أنه قاتل أبيك وولدك وعاد عدو هذا ولو أنه أبوك وولدك).
علي قسيم النار
الرابع والعشرون عن مجالس الطوسي قال : أخبرنا جماعة عن أبي المفضل قال: حدثنا إبراهيم بن حفص بن عمر العسكري بالمصيصة ، قال: حدثنا عبيد بن الهيثم بن عبيد الله الأنماطي البغدادي بحلب، قال: حدثني الحسن بن سعيد النخعي ابن عم شريك ، قال: حدثني شريك بن عبد الله القاضي ، قال : )حضرت الأعمش في علته التي قبض فيها ، فبينا أنا عنده إذ دخل عليه ابن شبرمة وابن أبي ليلى وأبو حنيفة ، فسألوه عن حاله ، فذكر
ضعفا شديدا ، وذكر ما يتخوف من خطيئاته، وأدركته رنة فبكى ، فأقبل عليه أبو حنيفة، فقال: يا أبا محمد ، اتق الله وانظر لنفسك، فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، وقد كنت تحدث في علي بن أبي طالب بأحاديث ، لو رجعت عنها كان خيرا لك. قال الأعمش: مثل ماذا، يا نعمان؟ قال: مثل حديث عباية: أنا قسيم النار. قال: أو لمثلي تقول يا يهودي ؟ أقعدوني سندوني أقعدوني ، حدثني والذي إليه مصيري موسى بن طريف، ولم أر أسديا كان خيرا منه ، قال : سمعت عباية بن ربعي إمام الحي، قال: سمعت عليا أمير المؤمنين (عليه
السلام) يقول: أنا قسيم النار ، أقول: هذا وليي دعيه، وهذا عدوي خذيه. وحدثني أبو المتوكل الناجي ، في إمرة الحجاج، وكان يشتم عليا (عليه السلام) شتما مقذعا يعني الحجاج لعنه الله عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا كان يوم القيامة يأمر الله عز وجل فأقعد أنا وعلي على الصراط ، ويقال لنا: أدخلا الجنة من آمن بي وأحبكما ، وأدخلا النار من كفر بي وأبغضكما. قال أبو سعيد: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما آمن بالله من لم يؤمن بي، ولم يؤمن بي من لم يتول أو قال: لم يحب عليا، وتلا ﴿ألقيا في جهنم كل كفار
عنيد﴾. قال فجعل أبو حنيفة إزاره على رأسه، وقال: قوموا بنا، لا يجيئنا أبو محمد بأطم من هذا . قال الحسن بن سعيد: قال لي شريك ابن عبد الله: فما أمسى يعني الأعمش حتى فارق الدنيا ) . فأقول طوبى لعبد يكون ختم كلامه وزاد يوم قيامة مثل هذا الكلام والسلام.
لو ثنيت لأمير المؤمنين الوسادة لحكم بين أهل كل كتاب بكتابهم
الخامس والعشرون بصائر الدرجات حدثنا إبراهيم بن هاشم عن أبي عبد الله البرقي عن خلف بن حماد عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : (لو ثنى الناس لي وسادة كما ثنى لابن صوحان لحكمت بين أهل التوراة بالتوراة حتى يزهر ما بين السماء والأرض، ولحكمت بين أهل الإنجيل بالإنجيل حتى يزهر ما بين السماء والأرض، ولحكمت بين أهل الزبور بالزبور حتى يزهر ما بين السماء
والأرض، ولحكمت بين أهل الفرقان بالفرقان حتى يزهر ما بين السماء والأرض).
يقول مصنف هذا الكتاب : من غريب التصحيفات الذي وقع لنساخ البصائر أو رواة الحديث أنهم صحفوا ابن صحاك بابن صوحان حتى آل الأمر إلى أن وقع الشيخ المحدث الشيخ عبد الله البحراني في كتاب الإمامة من كتابه العوالم في عثرات لا تقال فأنه بعد أن ذكر الخبر قال ما هذا لفظه: بيان ذكر ابن صوحان في الخبر غريب ولعله كان ابن أبي سفيان وعلى تقديري كان المراد به لو كان لي بين أصحابي نفاذ أمر وقبول قول كنفاذ أمر صعصعة بن صوحان أو
زيد أخيه في قومه ، ثم قال : وفي بعض النسخ كما سأل ابن صوحان أي لو كان سائر أصحابي يسألون ويقبلون كما سأل وقبل ابن صوحان انتهى كلامه. وأنت خبير بأن توجيهات الشيخ هذه أفظع من تصحيف أولئك، فإن الواجب للمحدث في أمثال هذه المقامات الاكتفاء بمجرد أن يقول اللفظ الفلاني غير معلوم المعنى لا الوقوع في مثل هذه التكلفات التي تضحك منها الثكلى فإنه لعمر الله لقبيح غاية القباحة لأنه كلام من هو مبدع البلاغة والفصاحة ، وهذا الذي ذكره هذا الشيخ لا ينطق بمثله البوادي من العجم فضلا عن أفصح العرب، ووجه التصحيف في اللفظ أن هذا اللفظ إذا كتب بالهاء
الشقيق هكذا صحاك اشتبه على ضعفاء الناسخين فيحسبون عين الهاء التحتانية واوا والفوقانية حاء فيحسبونه صوحا، ثم إن اشتباه صورة الكاف بالنون في الخطوط المقرمطة معلوم ، فأذا صحفوا الكاف أيضا بالنون صار صوحان وباقي كلامه أهجن من سابقه.
حديث أمير المؤمنين مع الدهقان
السادس والعشرون الاحتجاج عن سعيد بن جبير قال : (استقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) دهقان من دهاقين الفرس فقال له - بعد التهنئة -: يا أمير المؤمنين تناحست النجوم الطالعات ، وتناحست السعود بالنحوس ، وإذا كان مثل هذا اليوم وجب على الحكيم الاختفاء ، ويومك هذا يوم صعب، قد انقلب فيه كوكبان ، وانقدح من برجك النيران ، وليس الحرب لك بمكان.
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ويحك يا دهقان المنبئ بالآثار ، المحذر من الأقدار، ما قصة صاحب الميزان ، وقصة صاحب السرطان ، وكم المطالع من الأسد والساعات من المحركات ، وكم بين السراري والدراري ؟
قال: سأنظر وأومأ بيده إلى كمه ، وأخرج منه إسطرلابا ينظر فيه.
فتبسم (عليه السلام) فقال: أتدري ما حدث البارحة ؟ وقع بيت بالصين، وانفرج برج ماجين ، وسقط سور سرانديب ، وانهزم بطريق الروم بأرمينية ، وفقد ديان اليهود بإيلة، وهاج النمل بوادي النمل ، وهلك ملك إفريقية ، أكنت عالما بهذا ؟
قال: لا يا أمير المؤمنين.
فقال : البارحة سعد سبعون ألف عالم ، وولد في كل عالم سبعون ألفا ، والليلة يموت مثلهم ، وهذا منهم وأومأ بيده إلى سعد بن مسعدة الحارثي وكان جاسوسا للخوارج في عسكر أمير المؤمنين (عليه السلام) فظن الملعون أنه يقول: خذوه، فأخذ بنفسه فمات، فخر الدهقان ساجدا.
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ألم أروك من عين التوفيق؟
قال: بلى يا أمير المؤمنين.
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : أنا وصاحبي لا شرقي ولا غربي، نحن ناشئة القطب وأعلام الفلك ، أما قولك انقدح من برجك النيران فكان الواجب أن تحكم به لي لا علي، أما نوره وضياؤه فعندي، وأما حريقه ولهبه فذهب عني، وهذه مسألة عميقة احسبها إن كنت حاسبا).
تحقيق لطيف في علم أهل البيت عليهم السلام بالنجوم
يقول العبد الضعيف محمد تقي الشريف مصنف هذا الكتاب : إن هذه القضية رويت بعبارات وأنحاء مختلفة ، وعسى أن نوردها بطريق آخر في قسم المعجزات إن شاء الله تعالى لاشتمالها على ما هو أغرب مما هاهنا من المعجزة، ثم إن هذا الحديث وما في معناه من الأخبار يعطي صحة علم النجوم ، وأن لأوضاعها أثرا في العالم السفلي غير أن ما عند الناس من ذلك ناقص لا يفي بجميع الأحكام ، وأما إنكار بعض أصحابنا لذلك من جهة بعض الأخبار الموهمة
لذلك في بادئ النظر فهو ناش من قلة التدبر في معانيها، وأنها إنما وردت في إنكار من يجعلها مؤثرات من دون الله أو أنها إذا اقتضت أثرا فلا يمكن تغييره فإن كلا الاعتقادين فاسدان مؤديان إلى إنكار قدرة الله وتصرفه في ملكه كيف يشاء من محو ما يثبت وإثبات ما يمحو ؛ لأنه سبب من لا سبب له ومسبب الأسباب من غير سبب وأسبابه تعالى ليست منحصرة في الأوضاع النجومية وأما بعد الإقرار بذلك فلا وجه لإنكار تأثيرها بوجه وإلا لوجب إنكار تأثير جميع الأسباب العلوية والسفلية والغيبية والشهادية ، وهو مؤد إلى السفسطة واختيار مذهب الأشاعرة الذى عده الإمامية من
جملة المطاعن عليهم فكيف يختاره من يدعي مذهب التشيع هذا مع ما ورد في إثبات التأثير لها من الأخبار المعصومية ما لا يحصى كثرة ، وطرحها أو تأويلها بما لا دلالة لها في الظاهر عليها تكلف مستغنى عنه ، ولولا أداء الكلام في ذلك إلى التطويل لأشبعنا فيه القول ولكنه خارج عن موضوع كتابنا ولذا اكتفينا بالإشارة والسلام.
مأوى أرواح المؤمنين وأرواح الكافرين
السابع والعشرين الكافي في كتاب الجنائز عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد وسهل بن زياد وعلي بن إبراهيم عن أبيه جميعا عن ابن محبوب عن علي بن رئاب عن ضريس الكناسي قال : (سألت أبا جعفر (عليه السلام) أن الناس يذكرون أن فراتنا يخرج من الجنة ، فكيف هو وهو يقبل من المغرب وتصب فيه العيون والأودية ؟
قال : فقال : أبو جعفر (عليه السلام) وأنا أسمع : إن لله جنة خلقها الله في المغرب وماء فراتكم يخرج منها ، وإليها تخرج أرواح المؤمنين من حفرهم عند كل مساء فتسقط على ثمارها وتأكل منها وتتنعم فيها وتتلاقى وتتعارف ، فإذا طلع الفجر هاجت من الجنة فكانت في الهواء فيما بين السماء والأرض تطير ذاهبة وجائية ، وتعهد حفرها إذا طلعت الشمس وتتلاقى في الهواء وتتعارف .
قال : وإن لله نارا في المشرق خلقها ليسكنها أرواح الكفار ويأكلون من زقومها ويشربون من حميمها ليلهم ، فإذا طلع الفجر هاجت إلى واد باليمن يقال له برهوت أشد حرا من نيران الدنيا ، كانوا فيها يتلاقون ويتعارفون فإذا كان المساء عادوا إلى النار فهم كذلك إلى يوم القيامة ،
قال: قلت : أصلحك الله فما حال الموحدين المقرين بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من المسلمين المذنبين الذين يموتون وليس لهم إمام ولا يعرفون ولايتكم.
فقال: أما هؤلاء فإنهم في حفرهم لا يخرجون منها ، فمن كان منهم له عمل صالح ولم يظهر منه عداوة ، فإنه يخد له خد إلى الجنة التي خلقها الله في المغرب ، فيدخل عليه منها الروح في حفرته إلى يوم القيامة فيلقى الله فيحاسبه بحسناته وسيئاته، فإما إلى الجنة وإما إلى النار فهؤلاء موقوفون لأمر الله قال، وكذلك يفعل الله بالمستضعفين والبله والأطفال وأولاد المسلمين الذين لم يبلغوا الحلم.
فأما النصاب من أهل القبلة فإنهم يخد لهم خد إلى النار التي خلقها الله في المشرق ، فيدخل عليهم منها اللهب والشرر والدخان وفورة الحميم إلى يوم القيامة ، ثم مصيرهم إلى الحميم ثم في النار يسجرون، ثم قيل لهم أينما كنتم تدعون من دون الله أين إمامكم الذي اتخذتموه دون الإمام الذي جعله الله للناس إماما).
لا تفارق روح جسد حتى تأكل من ثمار الجنة أو الزقوم
الثامن والعشرين الفصول المهمة في أصول الأئمة لشيخنا محمد بن الحسن الحر العاملي عن بشارة المصطفى لمحمد بن أبي القاسم الطبري عن محمد بن أحمد بن شهريار عن محمد بن محمد النوسي عن محمد بن علي القرشي عن جعفر بن محمد بن عمر الأحمسي عن عبيد بن كثير الهلالي عن يحيى بن مساور عن أبي الجارود عن أبي جعفر عن آبائه (عليهم السلام) وعن أبي خالد الواسطي عن زيد بن علي عن أبيه (عليه السلام) قالوا : قال رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم) : (والذي نفسي بيده لا تفارق روح جسد صاحبها حتى تأكل من ثمار الجنة أو من شجرة الزقوم، وحين ترى ملك الموت تراني وترى عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ، فإن كان يحبنا قلت يا ملك الموت ارفق به إنه كان يحبني ويحب أهل بيتي وإن كان يبغضنا قلت: يا ملك الموت شدد عليه إنه كان يبغضني ويبغض أهل بيتي).
لا يموت المؤمن حتى يرى مسكنه في الجنة
التاسع والعشرين وفيه عن تفسير العياشي عن عبد الرحيم قال : قال أبو جعفر (عليه السلام) : (إنما يغتبط أحدكم حين تبلغ نفسه هاهنا فينزل عليه ملك الموت، فيقول له : أما ما كنت ترجو فقد أعطيته، وأما ما كنت تخافه فقد أمنت منه، ويفتح له باب إلى منزله من الجنة، ويقال له : انظر إلى مسكنك من الجنة ، وانظر هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي والحسن والحسين (عليهم السلام) رفقاؤك وهو قول الله ﴿الذين آمنوا وكانوا
يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾).
لا يموت أحد من جميع الأديان حتى يرى رسول الله وأمير المؤمنين
الثلاثون وفيه عن العياشي عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله :(وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا) قال: ليس من أحد من جميع الأديان يموت إلا رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) حقا من الأولين والآخرين) .
لا يكره المؤمن على قبض روحه
الحادي والثلاثون الكافي في كتاب الجنائز عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن سليمان عن أبيه عن سدير الصيرفي ، قال : قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ، جعلت فداك يا ابن رسول الله ، هل يكره المؤمن على قبض روحه؟ قال : لا والله إنه إذا أتاه ملك الموت لقبض روحه جزع عند ذلك فيقول له ملك الموت : يا ولي الله لا تجزع فو الذي بعث محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لأنا أبر بك وأشفق عليك من والد رحيم لو حضرك، افتح عينيك
فانظر .
قال : ويمثل له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم (عليهم السلام) ، فيقال له هذا رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة (عليهم السلام) رفقاؤك ، قال : فيفتح عينيه فينظر ، فينادي روحه مناد من قبل رب العزة فيقول : يا أيتها النفس المطمئنة إلى محمد وأهل بيته ارجعي إلى ربك راضية بالولاية مرضية بالثواب فادخلي في عبادي يعني محمدا وأهل بيته
وادخلي جنتي، فما شيء أحب إليه من استلال روحه واللحوق بالمنادي) .
ما يعاين المؤمن عند الموت
الثاني والثلاثون وفيه عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن ابن فضال عن علي بن عقبة عن أبيه قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) : يا عقبة لا يقبل الله من العباد يوم القيامة إلا هذا الأمر الذي أنتم عليه ، وما بين أحدكم وبين أن يرى ما تقر به عينه إلا أن تبلغ نفسه إلى هذه ، ثم أهوى بيده إلى الوريد ثم اتكأ ، وكان معي المعلى فغمزني أن أسأله .
فقلت :يا بن رسول الله فإذا بلغت نفسه هذه أي شيء يرى ، فقلت له : بضع عشرة مرة أي شيء ، فقال في كلها يرى ، ولا يزيد عليها ، ثم جلس في آخرها . فقال : يا عقبة .
فقلت: لبيك وسعديك .
فقال : أبيت إلا أن تعلم .
فقلت : نعم يا بن رسول الله إنما ديني مع دينك ، فإذا ذهب ديني كان ذلك كيف لي بك يا بن رسول الله كل ساعة وبكيت فرق لي .
فقال : يراهما والله .
فقلت : بأبي وأمي من هما ؟
قال : ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام) ، يا عقبة لن تموت نفس مؤمنة أبدا حتى تراهما .
قلت : فإذا نظر إليهما المؤمن أيرجع إلى الدنيا؟
فقال : لا ، يمضي أمامه ، إذا نظر إليهما مضى أمامه .
فقلت له : يقولان شيئا ؟
قال: نعم يدخلان جميعا على المؤمن ، فيجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند رأسه ، وعلي (عليه السلام) عند رجليه ، فيكب عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فيقول : يا ولي الله أبشر أنا رسول الله ، إني خير لك مما تركت من الدنيا ، ثم ينهض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيقوم علي (عليه السلام) حتى يكب عليه ، فيقول : يا ولي الله أبشر أنا علي بن أبي طالب الذي كنت تحبه ؛ أما لأنفعنك ، ثم قال إن هذا في كتاب
الله عز وجل .
قلت : أين جعلني الله فداك هذا من كتاب الله .
قال : في يونس قول الله عز وجل هاهنا ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم﴾) .
حديث آخر مثله
الثالث والثلاثون وفيه علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن خالد بن عمارة عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : إذا حيل بينه وبين الكلام أتاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن شاء الله ، فجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن يمينه والآخر عن يساره ، فيقول له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أما ما كنت ترجو فهو ذا أمامك، وأما ما كنت تخاف منه فقد أمنت منه ، ثم يفتح له باب
إلى الجنة، فيقول : هذا منزلك من الجنة فإن شئت رددناك إلى الدنيا ، ولك فيها ذهب وفضة ، فيقول : لا حاجة لي في الدنيا . فعند ذلك يبيض لونه ويرشح جبينه وتقلص شفتاه وتنتشر منخراه وتدمع عينه اليسرى ، فأي هذه العلامات رأيت فاكتف بها ، فإذا خرجت النفس من الجسد فيعرض عليها كما عرض عليه وهي في الجسد، فتختار الآخرة فتغسله فيمن يغسله ، وتقلب فيمن يقلبه، فإذا أدرج في أكفانه ووضع على سريره خرجت روحه تمشي بين أيدي القوم قدما ، وتلقاه أرواح المؤمنين يسلمون عليه ويبشرونه بما أعد الله له جل ثناؤه من النعيم ، فإذا وضع في قبره رد إليه الروح إلى وركيه،
ثم يسأل عما يعلم ، فإذا جاء بما يعلم فتح له ذلك الباب الذي أراه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فيدخل عليه من نورها وضوئها وبردها وطيب ريحها ، قال : قلت: جعلت فداك ، فأين ضغطة القبر ؟ فقال : هيهات ما على المؤمنين منها شيء ، والله إن هذه الأرض لتفتخر على هذه ، فتقول : وطئ على ظهري مؤمن ولم يطأ على ظهرك مؤمن ، وتقول له الأرض : والله لقد كنت أحبك وأنت تمشي على ظهري فأما إذا وليتك فستعلم ماذا أصنع بك فتفسح له مد بصره).
حديث آخر مثله
الرابع والثلاثون وفيه أبان بن عثمان عن عقبة أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الرجل إذا وقعت نفسه في صدره يرى .
قلت : جعلت فداك وما يرى ؟
قال : يرى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فيقول له رسول الله : أنا رسول الله أبشر ثم قال: ثم يرى علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، فيقول : أنا علي بن أبي طالب الذي كنت تحبه ، تحب أن أنفعك اليوم .
قال :قلت له : أيكون أحد من الناس يرى هذا ؟ ثم يرجع إلى الدنيا.
قال : لا إذا رأى هذا أبدا مات وأعظم ذلك قال : وذلك في القرآن قول الله عز وجل ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون. لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله﴾).
المعادي أيضا يرى أمير المؤمنين
الخامس والثلاثين وفيه عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن ابن محبوب عن عبد العزيز العبدي عن بن أبي يعفور ، قال : كان خطاب الجهني خليطا لنا ، وكان شديد النصب لآل محمد (عليهم السلام) ، وكان يصحب نجدة الحروري قال: فدخلت عليه أعوده للخلطة والتقية ، فإذا هو مغمى عليه في حد الموت ، فسمعته يقول : ما لي ولك يا علي ، فأخبرت بذلك أبا عبد الله (عليه السلام) ، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) : رآه ورب الكعبة رآه ورب الكعبة).
أمير المؤمنين يحضر زكريا بن سابور عند موته
السادس والثلاثين وفيه محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن فضال عن يونس بن يعقوب عن سعيد بن يسار(ح) الكشي محمد ابن مسعود قال حدثني جعفر بن أحمد بن أيوب قال حدثني العمركي عن ابن فضال عن يونس بن يعقوب عن سعيد بن يسار بأيسر مغايرة في اللفظ واللفظ للأول أنه حضر أحد ابني سابور وكان لهما فضل وورع وإخبات، فمرض أحدهما وما أحسبه إلا زكريا بن سابور ، قال : فحضرته عند موته فبسط يده ، ثم قال : ابيضت يدي
يا علي ، قال : فدخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)، وعنده محمد بن مسلم ، قال : فلما قمت من عنده ظننت أن محمدا يخبره بخبر الرجل ، فأتبعني برسول فرجعت إليه ، فقال : أخبرني عن هذا الرجل الذي حضرته عند الموت ، أي شيء سمعته يقول ؟ قال : قلت : بسط يده ثم قال : ابيضت يدي يا علي ، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) : والله رآه والله رآه والله رآه) .
أغبط ما يكون المؤمن لما تبلغ نفسه
السابع والثلاثين وفيه أبو علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان بن يحيى عن أبي المستهل عن محمد بن حنظلة قال : قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : جعلت فداك حديث سمعته من بعض شيعتك ومواليك يرويه عن أبيك ، قال : وما هو ؟ قلت : زعموا أنه كان يقول أغبط ما يكون امرؤ بما نحن عليه إذا كانت النفس في هذه ، فقال : نعم إذا كان ذلك أتاه نبي الله وأتاه علي وأتاه جبرئيل وأتاه ملك الموت (عليهم السلام) ، فيقول ذلك
الملك لعلي (عليه السلام) : يا علي إن فلانا كان مواليا لك ولأهل بيتك ، فيقول : نعم كان يتولانا ويتبرأ من عدونا ، فيقول : ذلك نبي الله لجبرئيل فيرفع ذلك جبرئيل إلى الله عز وجل) .
مكان أرواح المؤمنين
الثامن والثلاثين وفيه محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن خالد عن القاسم بن محمد عن الحسين بن أحمد عن يونس بن ظبيان قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال : ما يقول الناس في أرواح المؤمنين ؟ فقلت : يقولون تكون في حواصل طيور خضر في قناديل تحت العرش ، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) : سبحان الله ، المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلة طير ، يا يونس إذا كان ذلك أتاه محمد (صلى الله عليه وآله
وسلم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) والملائكة المقربون (عليهم السلام) ، فإذا قبضه الله عز وجل صير تلك الروح في قالب كقالبه في الدنيا، فيأكلون ويشربون فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا) .
يسأل الميت في قبره عن خمس
التاسع والثلاثين وفيه عن علي بن محمد عن محمد بن الأحمد الخراساني عن أبيه رفعه قال : ( قال أبو عبد الله (عليه السلام) : يسأل الميت في قبره عن خمس عن صلاته وزكاته وحجه وصيامه وولايته إيانا أهل البيت ، فتقول الولاية من جانب القبر للأربع : ما دخل فيكن من نقص فعلي تمامه) .
حال المؤمن وحال الكافر عند الاحتضار
الأربعون وفيه محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن محمد بن سنان عن عمار بن مروان قال : حدثني من سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول : منكم والله يُقبل ، ولكم والله يغفر ، إنه ليس بين أحدكم وبين أن يغتبط ويرى السرور وقرة العين إلا أن تبلغ نفسه هاهنا - وأومأ بيده إلى حلقه - ثم قال : إنه إذا كان ذلك واحتضر حضره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام) وجبرئيل وملك الموت (عليه السلام) ،
فيدنو منه علي (عليه السلام) فيقول: يا رسول الله إن هذا كان يحبنا أهل البيت فأحبه ، ويقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا جبرئيل إن هذا كان يحب الله ورسوله وأهل بيت رسوله فأحبه، ويقول جبرئيل لملك الموت : إن هذا كان يحب الله ورسوله وأهل بيت رسوله فأحبه وارفق به، فيدنو منه ملك الموت فيقول : يا عبد الله أخذت فكاك رقبتك أخذت أمان براءتك تمسكت بالعصمة الكبرى في الحياة الدنيا ، قال : فيوفقه الله عز وجل؟ فيقول : نعم ، فيقول: وما ذلك؟ فيقول : ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) فيقول : صدقت أما الذي كنت تحذره فقد آمنك الله منه ، وأما الذي
كنت ترجوه فقد أدركته، أبشر بالسلف الصالح مرافقة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي وفاطمة (عليهم السلام) ، ثم يسل نفسه سلا رفيقا ، ثم ينزل بكفنه من الجنة وحنوطه من الجنة بمسك أذفر ، فيكفن بذلك الكفن ويحنط بذلك الحنوط، ثم يكسى حلة صفراء من حلل الجنة ، فإذا وضع في قبره فتح له باب من أبواب الجنة يدخل عليه من روحها وريحانها ، ثم يفسح له عن أمامه مسيرة شهر وعن يمينه وعن يساره، ثم يقال له : نم نومة العروس على فراشها ، أبشر بروح وريحان وجنة نعيم ورب غير غضبان ، ثم يزور آل محمد في جنان رضوى ، فيأكل معهم من طعامهم ويشرب معهم من شرابهم،
ويتحدث معهم في مجالسهم حتى يقوم قائمنا أهل البيت ، فإذا قام قائمنا بعثهم الله ، فأقبلوا معه يلبون زمرا زمرا ، فعند ذلك يرتاب المبطلون ويضمحل المحلون وقليل ما يكونون ، هلكت المحاضير ونجا المقربون من أجل ذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) : أنت أخي وميعاد ما بيني وبينك وادي السلام .
قال : وإذا احتضر الكافر حضره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام) وجبرئيل (عليه السلام) وملك الموت (عليه السلام) ، فيدنو منه علي (عليه السلام) فيقول : يا رسول الله إن هذا كان يبغضنا أهل البيت فأبغضه ، ويقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا جبرئيل إن هذا كان يبغض الله ورسوله وأهل بيت رسوله فأبغضه ، فيقول جبرئيل : يا ملك الموت إن هذا كان يبغض الله ورسوله وأهل بيت رسوله فأبغضه واعنف عليه ،
فيدنو منه ملك الموت فيقول : يا عبد الله أخذت فكاك رهانك ، أخذت أمان براءتك من النار تمسكت بالعصمة الكبرى في الحياة الدنيا ، فيقول : لا ، فيقول: أبشر يا عدو الله بسخط الله عز وجل وعذابه والنار ، أما الذي كنت تحذره فقد نزل بك ، ثم يسل نفسه سلا عنيفا ، ثم يوكل بروحه ثلاثمائة شيطان كلهم يبزق في وجهه ويتأذى بروحه ، فإذا وضع في قبره فتح له باب من أبواب النار ، فيدخل عليه من قيحها ولهبها).
المؤمن والكافر يريان عليا عند الموت
الحادي والأربعون وفيه محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسين ابن سعيد ، عن النضر بن سويد ، عن يحيى الحلبي ، عن ابن مسكان ، عن عبد الرحيم قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : حدثني صالح بن ميثم عن عباية الأسدي أنه سمع عليا (عليه السلام) يقول : والله لا يبغضني عبد أبدا يموت على بغضي إلا رآني عند موته حيث يكره ، ولا يحبني عبد أبدا فيموت على حبي إلا رآني عند موته حيث يحب ، فقال أبو جعفر (عليه السلام) : نعم ورسول
الله (صلى الله عليه وآله وسلم) باليمين) .
العلة التي من أجلها تدمع عين المؤمن عند موته
الثاني والأربعون وفيه محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي ابن الحكم عن معاوية بن وهب عن يحيى بن سابور قال : ( سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في الميت تدمع عينه عند الموت ، فقال : ذلك عند معاينة رسول الله
(صلى الله عليه وآله وسلم)
فيرى ما يسره ، ثم قال : أما ترى الرجل يرى ما يسره وما يحب فتدمع عينه لذلك ويضحك).
ما يموت أحد إلا ويراهم عليهم السلام
الثالث والأربعون تفسير القمي قال حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن ابن سنان
(يعني عبد الله) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : ( ما يموت موال لنا مبغض لأعدائنا إلا ويحضره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام) فيسروه ويبشروه ، وإن كان غير موال لنا يراهم بحيث يسوؤه ، والدليل على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (لحارث الهمداني)
يا حـار همـدان من يمـت يرني
مـــن مؤمـــن أو منافــق قبلا
لا يموت المؤمن حتى يأتيه رسول الله وأمير المؤمنين
الرابع والأربعون عن محاسن البرقي عن محمد بن فضيل عن ابن أبي يعفور قال : قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) : (قد استحييت مما أردد هذا الكلام عليكم ما بين أحدكم وبين أن يغتبط إلا أن تبلغ نفسه هذه ، وأهوى بيده إلى حنجرته يأتيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (عليه السلام) فيقولان له : أما ما كنت تخاف فقد آمنك الله منه وأما ما كنت ترجو فأمامك) .
حال السيد الحميري عند موته
الخامس والأربعون عن كشف الغمة لعلي بن عيسى الأربلي عن الحسين بن عون قال : (دخلت على السيد بن محمد الحميري عائدا في علته التي مات فيها ، فوجدته يساق به ووجدت عنده جماعة من جيرانه وكانوا عثمانية ، وكان السيد جميل الوجه رحب الجبهة عريض ما بين السالفين، فبدت في وجهه نكتة سوداء مثل النقطة من المداد ، ثم لم تزل تزيد وتنمي حتى طبقت وجهه بسوادها ، فاغتم لذلك من حضره من الشيعة وظهر من الناصبة سرور وشماتة
، فلم يلبث بذلك إلا قليلا حتى بدت في ذلك المكان من وجهه لمعة بيضاء فلم تزل تزيد وتنمي حتى أسفر وجهه وأشرق وافتر السيد ضاحكا وقال:
كــذب الــزاعمـون أن عليا
لــيس ينجي محبـه من هنات
قد وربي دخلت جنة عدن
وعفــا لي الإله عن سيئاتي
فـأبشروا اليوم أوليـاء علـي
وتـوالوا الوصي حتى الممات
ثــم مـن بعده تولـــوا بنيـــه
واحدا بعد واحد بالصفات
إلى أن قال : ثم أغمض عينه لنفسه فكأنما كانت روحه ذبالة طفئت أو حصاة سقطت.
قال علي بن الحسين : قال أبي الحسين بن عون وكان أذينة حاضرا، فقال: الله أكبر ما من شهد كمن لم يشهد ، أخبرني - وإلا صمّتا - الفضيل بن يسار عن أبي جعفر الباقر وعن جعفر الصادق (عليهم السلام) أنهما قالا : حرام على روح أن تفارق جسدها حتى ترى الخمسة محمدا وعليا وفاطمة وحسنا وحسينا (عليهم السلام) بحيث تقر عينها أو تسخن عينها).
محبوا علي يفرحون في ثلا ث مواطن
السادس والأربعون مشارق الأنوار للحافظ الحلي قال روى المفيد بإسناده عن أم سلمة قالت : ( قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) : يا علي إن محبيك يفرحون في ثلاثة مواطن عند خروج أنفسهم وأنت هناك تشهدهم، وعند المساءلة في القبور وأنت هناك تلقنهم ، وعند العرض على الله وأنت هناك تعرفهم).
المحب يرى عليا حيث يحب
السابع والأربعون عن أمالي الطوسي عن المفيد عن علي بن خالد المراغي عن محمد بن صالح السبيعي عن صالح بن أحمد البزاز عن عيسى ابن عبد الرحمن الخزاز عن الحسن بن الحسين عن يحيى بن علي عن أبان ابن تغلب عن أبي داود الأنصاري عن الحارث الهمداني قال: ( دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال : ما جاء بك ؟ قال : فقلت حبي لك يا أمير المؤمنين. فقال : يا حارث أتحبني ؟ فقلت: نعم والله يا أمير المؤمنين. قال : أما
لو بلغت نفسك الحلقوم رأيتني حيث تحب ، ولو رأيتني وأنا أذود الرجال عن الحوض ذود غريبة الإبل لرأيتني حيث تحب ، ولو رأيتني وأنا مار على الصراط بلواء الحمد بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لرأيتني حيث تحب).
في القبر نعيم وعذاب
الثامن والأربعون تفسير الإمام (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قيل له:(يا رسول الله ففي القبر نعيم وعذاب قال: إي والذي بعث محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحق نبيا، وجعله زكيا، هاديا مهديا، وجعل أخاه عليا بالعهد وفيا، وبالحق مليا ولدى الله مرضيا، وإلى الجهاد سابقا، ولله في أحواله موافقا، وللمكارم حائزا، وبنصر الله على أعدائه فائزا، وللعلوم حاويا، ولأولياء الله مواليا،
ولأعدائه مناويا وبالخيرات ناهضا، وللقبائح رافضا وللشيطان مخزيا، وللفسقة المردة مقصيا ولمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسا، وبين يديه لدى المكاره ترسا وجنة، آمنت به أنا وأخي علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، عبد رب الأرباب، المفضل على أولي الألباب الحاوي لعلوم الكتاب، زين من يوافي يوم القيامة في عرصات الحساب بعد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، صفي الكريم العزيز الوهاب إن في القبر نعيما يوفر الله به حظوظ أوليائه وإن في القبر عذابا يشدد الله به على أعدائه.
إن المؤمن الموالي لمحمد وآله الطيبين، المتخذ لعلي بعد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إمامه الذي يحتذي مثاله، وسيده الذي يصدق أقواله ، ويصوب أفعاله، ويطيعه بطاعة من يندبه من أطائب ذريته لأمور الدين وسياسته، إذا حضره من أمر الله تعالى ما لا يرد، ونزل به من قضائه ما لا يصد، وحضره ملك الموت وأعوانه، وجد عند رأسه محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) رسول الله (سيد النبيين) من جانب ، ومن جانب آخر عليا (عليه السلام)
سيد الوصيين، وعند رجليه من جانب الحسن (عليه السلام) سبط سيد النبيين، ومن جانب آخر الحسين (عليه السلام) سيد الشهداء أجمعين، وحواليه بعدهم خيار خواصهم ومحبيهم الذين هم سادة هذه الأمة بعد ساداتهم من آل محمد، فينظر إليهم العليل المؤمن، فيخاطبهم بحيث يحجب الله صوته عن آذان حاضريه كما يحجب رؤيتنا أهل البيت ورؤية خواصنا عن عيونهم، ليكون إيمانهم بذلك أعظم ثوابا لشدة المحنة عليهم فيه. فيقول المؤمن بأبي أنت وأمي يا رسول رب العزة، بأبي أنت وأمي يا وصي رسول رب الرحمة، بأبي أنتما وأمي يا شبلي محمد وضرغاميه، ويا ولديه وسبطيه، ويا سيدي شباب
أهل الجنة المقربين من الرحمة والرضوان. مرحبا بكم يا معاشر خيار أصحاب محمد وعلي وولديهما، ما كان أعظم شوقي إليكم ، وما أشد سروري الآن بلقائكم ، يا رسول الله هذا ملك الموت قد حضرني، ولا أشك في جلالتي في صدره لمكانك ومكان أخيك مني. فيقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : كذلك هو. ثم يقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على ملك الموت فيقول : يا ملك الموت استوص بوصية الله في الإحسان إلى مولانا وخادمنا ومحبنا ومؤثرنا. فيقول له ملك الموت : يا رسول الله مره أن ينظر إلى ما قد أعد الله له في الجنان. فيقول له رسول الله (صلى الله عليه وآله
وسلم) : انظر إلى العلو. فينظر إلى ما لا تحيط به الألباب ، ولا يأتي عليه العدد والحساب. فيقول ملك الموت : كيف لا أرفق بمن ذلك ثوابه، وهذا محمد وعترته زواره ، يا رسول الله لولا أن الله جعل الموت عقبة لا يصل إلى تلك الجنان إلا من قطعها، لما تناولت روحه ، ولكن لخادمك ومحبك هذا أسوة بك وبسائر أنبياء الله ورسله وأوليائه الذين أذيقوا الموت بحكم الله تعالى. ثم يقول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا ملك الموت هاك أخانا قد سلمناه إليك فاستوص به خيرا. ثم يرتفع هو ومن معه إلى ربض الجنان، وقد كشف عن الغطاء والحجاب لعين ذلك المؤمن العليل، فيراهم
المؤمن هناك بعد ما كانوا حول فراشه. فيقول : يا ملك الموت الوحا، الوحا تناول روحي ولا تلبثني هاهنا، فلا صبر لي عن محمد وعترته وألحقني بهم. فعند ذلك يتناول ملك الموت روحه فيسلها، كما يسل الشعرة من الدقيق، وإن كنتم ترون أنه في شدة فليس في شدة، بل هو في رخاء ولذة. فإذا أدخل قبره وجد جماعتنا هناك، فإذا جاء منكر ونكير قال أحدهما للآخر : هذا محمد وهذا علي والحسن والحسين وخيار صحابتهم بحضرة صاحبنا فلنتضع لهم. فيأتيان ويسلمان على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) سلاما تاما منفردا، ثم يسلمان على علي سلاما تاما منفردا، ثم يسلمان على الحسن
والحسين سلاما يجمعانهما فيه، ثم يسلمان على سائر من معنا من أصحابنا. ثم يقولان : قد علمنا يا رسول الله زيارتك في خاصتك لخادمك ومولاك، ولولا أن الله يريد إظهار فضله لمن بهذه الحضرة من أملاكه ومن يسمعنا من ملائكته بعدهم لما سألناه، ولكن أمر الله لا بد من امتثاله. ثم يسألانه فيقولان : من ربك وما دينك ومن نبيك ومن إمامك وما قبلتك ومن إخوانك ؟ فيقول : الله ربي، ومحمد نبيي، وعلي وصي محمد إمامي، والكعبة قبلتي والمؤمنون الموالون لمحمد وعلي وآلهما وأوليائهما، والمعادون لأعدائهما إخواني. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن
محمدا عبده ورسوله وأن أخاه عليا ولي الله، وأن من نصبهم للإمامة من أطائب عترته وخيار ذريته خلفاء الأمة وولاة الحق، والقوامون بالعدل فيقول: على هذا حييت، وعلى هذا مت، وعلى هذا تبعث إن شاء الله تعالى، وتكون مع من تتولاه في دار كرامة الله ومستقر رحمته. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : وإن كان لأوليائنا معاديا، ولأعدائنا مواليا، ولأضدادنا بألقابنا ملقبا، فإذا جاءه ملك الموت لنزع روحه مثل الله عز وجل لذلك الفاجر سادته الذين اتخذهم أربابا من دون الله، عليهم من أنواع العذاب ما يكاد نظره إليهم يهلكه، ولا يزال يصل إليه
من حر عذابهم ما لا طاقة له به. فيقول له ملك الموت: يا أيها الفاجر الكافر تركت أولياء الله إلى أعدائه ، فاليوم لا يغنون عنك شيئا، ولا تجد إلى مناص سبيلا. فيرد عليه من العذاب ما لو قسم أدناه على أهل الدنيا لأهلكهم. ثم إذا أدلي في قبره رأى بابا من الجنة مفتوحا إلى قبره يرى منه خيراتها، فيقول له منكر ونكير: انظر إلى ما حرمته من تلك الخيرات. ثم يفتح له في قبره باب من النار يدخل عليه منه من عذابها. فيقول : يا رب لا تقم الساعة يا رب لا تقم الساعة).
تحقيق في حضور المعصومين عليهم السلام عند الموتى
يقول العبد الضعيف محمد تقي الشريف مصنف هذا الكتاب : إن أخبار حضور الأئمة عند الموتى قريبة من التواتر بل هي متواترة بل قد صار حضورهم الآن في الجملة من ضروريات مذهب الشيعة ، فالواجب على من لا يعرف كيفية حضورهم على التفصيل التسليم على سبيل الإجمال، هذا ولقد وقفت على كلامين غريبين في المقام أحدهما لشيخنا الحر العاملي والآخر لبعض أصحابنا السابقين.
أما الأول ، فقال الشيخ المذكور في كتابه الفصول المهمة بعد إيراد جملة وافية من أخبار الباب أقول: (والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصى وقد تجاوزت حد التواتر ، ودلالتها قطعية كما ترى ، وإنكار بعض المتكلمين لها لا وجه له وما تخيل من معارضته لها من أن الجسم يمتنع حلوله في مكانين فصاعدا في وقت واحد ، ولا يمتنع موت جماعة كثيرين في وقت واحد لا يخفى جوابه بوجوه كثيرة على من تأمل هذه الأحاديث ، ولا أقل من تخصيصه بقدر
الإمكان أو رؤية بعضهم من قريب وبعضهم من بعيد ، كما روي نحوه في ملك الموت : «أن الدنيا عنده بمنزلة القصعة بين يدي الإنسان» وقد تواترت الآيات والروايات في قلة عدد المؤمنين جدا وهو مؤيد لما قلنا والله الهادي)، انتهى كلامه .
والغرابة في قوله : (ولا أقل من تخصيصه بقدر الإمكان) فإنه من غريب الكلام فإن فيه أولا خروجا عن منطوق الأخبار ؛ لأن منطوقها حضورهم عند جميع الأموات فالتخصيص مما لا معنى له. وثانيا : أن من ينكر حضورهم من جهة عدم إمكان حضور جسم واحد في أمكنة متعددة في آن واحد ينكر إمكانه ، ولو في مكانين فليت شعري ما قدر الإمكان من ذلك اللهم إلا أن يريد به حضورهم عند واحد من الميتين في آن واحد ، ثم عند واحد فمن بعدهم وهكذا وهو أقبح
من إنكار ذلك رأسا ، ويظهر قبحه بعد ملاحظة الأخبار التي أوردنا وأعجب من ذلك قوله : (أو رؤية بعضهم من قريب وبعضهم من بعيد) فإنه كلام غريب وأعجب ، من ذلك كله استشهاده بما قال بحضور ملك الموت فإنه يناقض مقصوده صريحا ويختم هذه الغرائب قوله : (وقد تواترت الآيات والروايات في قلة عدد المؤمنين جدا.. الخ). فإن كثيرا من الأخبار عامة للكافر والمؤمن ، ومع الغض عن ذلك هذا الكلام في نفسه كلام خال عن التحقيق ، مع أن هذا النحو الذي توهمه من كيفية الحضور من عدم تعدد أجسامهم وحضورهم عند آحاد الميتين على التدريج لو صح يوجب أن يكون رسول الله (صلى الله عليه
وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) وسائر الأئمة (عليهم السلام) غائبين عن مكانهم الذي كانوا فيه ظاهرا في أكثر الأوقات إن لم يكن دائما لاشتغالهم بالحضور عند الأموات في مشارق الأرض ومغاربها وهو كما ترى، وأما كلام بعض السابقين فهو أنه بعد إيراد أخبار الحضور وروايته الشعر المشهور عن أمير المؤمنين (عليه السلام) للحارث الهمداني:
يا حــار هــمـدان مـن يمت يرني
مـن مؤمن أو منــــافـق قبـــــلا
يعرفني شخصه وأعرفه
بـاسمه والــكـــنى ومـا فعـلا
وأنـــت يـــا حـار إن تمت تـرني
أسقيـك مــاء تـــخــاله عـسـلا
أول الأخبار وقال : غير أني أقول فيه إن معنى رؤية المحتضر لهما (عليهم السلام) هو العلم بثمرة ولايتهما ، والشك فيهما والعداوة لهما ،والتقصير في حقهما على اليقين بعلامات يجدها في نفسه دون رؤية البصر لأعيانهما (عليهم السلام)، ومشاهدة النواظر لأجسادهما باتصال الشعاع ثم قال في كتابه القول في رؤية المحتضر الملائكة (عليهم السلام) : والقول عندي في ذلك كالقول في رؤيته لرسول الله وأمير المؤمنين صلى الله
عليهما وجائز أن يراهم ببصره بأن يزيد الله في شعاعه ما يدرك به أجسامهم الشفافة الرقيقة ، ولا يجوز مثل ذلك في رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وسلامه لاختلاف ما بين أجسامهم وأجسام الملائكة في التركيبات) انتهى.
أقول أصل هذه الشبهة نشأ مما صار مسلمة بين أهل الكلام من أن الجسم الواحد لا يوجد في أمكنة متعددة في آن واحد ، ولم يفقهوا أن أسرار أولياء الله لا تقدر بقدر عقول القاصرين ؛ لأنها مبنية على أصول غير تلك الأصول، وفصول غير تلك الفصول ، ووجه الخبط في هذه المسألة أنهم قاسوا أحكام الباطن بأحكام الظاهر ، وجوهر الجسم الأصلي بعرضه ، فحرموا شراب التحقيق مع أن الله تعالى بين هذه المسألة في أنفسهم بيانا لا يجهله إلا من
اختلط عقله فإن نبيهم قد صرح بأن (من رآه في المنام فقد رآه والشيطان لا يتمثل به) وورد من طريق أهل بيته تعميم هذا الحكم للمؤمنين الخلصين أيضا.
ومن البيّن جواز رؤية جماعة كثيرين للنبي والأئمة عليه وعليهم السلام، بل وسائر المؤمنين بل والكافرين في المنام في آن واحد ، فليت شعري هذا المرئي المتعدد الذي يراه كل عنده من هو ، هل أمر موهوم لا أصل له فالحديث المروي المتفق عليه ، والوجدان الصحيح قد أبطلاه أو لأمر أصيل، فكيف اجتمع هذا مع استحالة وجود جسم واحد في أمكنة متعددة في آن واحد ، هذا وقد علم المستحفظون من أهل الحكمة الإلهية أن النوم أخ الموت، وأنه
لا فرق بينه وبينه إلا في انقطاع علاقة الروح من الجسد بالكلية حال الموت دون حال النوم ومن البين أن هذا المقدار من التفاوت لا يوجب تغير الحكم المذكور ، ولإكمال المطابقة بين الحالين شبه صاحب الشريعة (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا بذاك وقال : (كما تنامون تموتون ، وكما تستيقظون تبعثون) فإن المثال ممن ينطق عن الله لا يكون إلا على أكمل ما ينبغي بحيث لا يكون تمثيل أكمل منه ، فإذا ثبت جواز هذا في النوم يثبت جوازه في الموت بحكم المقدمات المذكورة حذو النعل بالنعل إن لم نقل بطريق أولى ، فالمنكر لجواز مثل هذا عند الموت يجب أن ينكر جوازه في المنام
أيضا ؛ لأنهما من باب واحد إذ لا أقل من الاتحاد بين حالة الاحتضار وحالة النوم إن قلنا بالفرق بينه وبين الموت، وهو خلاف الوجدان والحس.
إن قيل كيف لا يكون فرق بين الحالين والحال أن رؤية النائم لغيره من غير قصد وشعور من المرئي بذلك بخلاف رؤية المحتضر والميت، فإنها على تقدير وقوعها يجب أن يكون بقصد وشعور منه لأنه المفروض.
قلنا : إن مبنى القياس على وجود شخص واحد في أمكنة متعددة، والقصد والشعور مما لا ربط له بالمقام فإن أبيت إلا البهت والمكابرة. فنقول : يا أخي إن هذا في حق النبي والأئمة ، بل والمؤمنين الكاملين غير معقول فإن كل من يراهم فهو عن قصد وشعور منهم (عليهم السلام) بذلك، فإنهم لا يأتون في المنام ولا يظهرون إلا لمن يريدون أن يظهروا له، وليس بالبخت والاتفاق، ومن أنكر هذا فنسأل الله أن يعرفه مقام ساداته ومواليه ، وأما
غيرهم فالسبب لعدم شعورهم بذلك انغمارهم في العلائق الحسية الجسمانية وضعف قواهم ومشاعرهم بسبب ذلك، وإذا ماتوا وأكلت الأرض منهم الغرائب قوى شعورهم ، ورجع إلى ما كان عليه قبل النزول إلى عالم الحس الدنيوي وقوى اختيارهم فلا يظهرون إلا بالقصد والشعور.
فالاعتراض ليس على ما ينبغي هذا ، ثم إن هذا الذي قدمناه من النظير إنما هو لكسر سورة المنكرين للمسألة ، وأما بيان حقيقة المسألة والكشف عن كيفية الحضور، فاعلم أن الأخبار قد تواترت في أن جميع ما سوى الله تعالى خلق من أشعة أنوار محمد وآله الطاهرين صلى الله عليه وعليهم أجمعين، فهم سراج عالم الإمكان المنير ، وما سواهم أشعة مخلوقة من إشراقه الذي هو اللطيفة الزائدة على ذاته ، وقد تقرر في محله أن الممكن قائم دائما
بفعل مؤثره قيام صدور ، بحيث لو انقطع منه المدد الجديد من مبدئه طرفة عين لم يبق له عين ولا أثر ؛ لأنه بالإيجاد في آن لا ينقلب واجبا بالذات ، بل هو باق على إمكانه الأول ، فالمنير الذي هو المؤثر لا ينفك عن الأثر ، ولا يغيب عنه طرفة عين أبدا بل يجب أن يكون معه حيثما كان ، لكن لا على طريق الحلول بل على طريق الإشراق والظهور ، مثاله الكاتب والحروف المكتوبة له ، فإن الحروف لو كانت ذوات عقل وشعور ، ونظرت وتوجهت إلى جهة مبدئها وجد كل منها مثال كاتبه الذي به توجه الكاتب إلى كتابته عنده ظاهرا بغير حجاب، ولذا كل من نظر إلى حرف من الحروف سبق إلى
ذهنه مثال كاتب لا محالة، مع أن الكاتب شخص واحد لم يتجز ولا تعددت ذاته بتعدد الآثار ، وإنما ظهر عند كل منها بوجه من وجوهه ، وكل تلك الوجوه هو ذلك الكاتب الواحد عند كشف الحجب والسبحات ولنعم ما قال الشاعر:
وما الوجه إلا واحـــد غــيــر أنه
إذا أنت عــددت المرايا تــعــددا
فالحروف بمنزلة المرايا ، والكاتب الواحد بمنزلة الشاخص الذي ظهر على جميع المرايا ، فكل يجده عنده ، وهو لم يتحرك من مكانه ، ولا حل في المرايا فليس بينه وبين المرايا فصل ولا وصل ، وكل من المرايا يراه ويجده على حسب قابليته وإقباله ، فإن كانت المرآة معوجة رأته معوجة منكرة ، وإن كانت صافية مستقيمة رأتـه على ما هو عليه في الخارج، وعلى هذا المثال حال الخلق بالنسبة إلى محمد وآله الطاهرين صلى الله عليه
وعليهم أجمعين، فإنهم (عليهم السلام) ملئوا مرايا العالم بوجوههم الإشراقية المربية لوجودات الأشياء لكون كلها من أشعة أنوارهم ، وهو معنى الولاية المطلقة الكلية ، ومعنى قول الحجة (عج) في دعاء رجب المعروف : (ومقاماتك وعلاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان) إلى قوله : (فبهم ملأت سمائك وأرضك حتى ظهر أن لا إله إلا أنت) فكل من فتح عين بصيرته وجدهم حاضرين عند رأسه أو رجله أو عن يمينه أو عن يساره على حسب اختلاف الاعتبارات والظهورات التي لا إقبال لي إلى ذكرها الآن ، غير أن الكافر يجدهم على صورة الغضب لأنه مقتضى طبع مرآته، والمؤمن على صورة الرضا
لأنه مقتضى طبع مرآته، وكل من القسمين أيضا يتفاوت بحسب تفاوت درجات الكفر والإيمان، وانفتاح هذه العين ربما يحصل في الدنيا لبعض المؤمنين الذين ماتوا قبل ان يموتوا، فهو لا يفقدهم في حال من النوم واليقظة ، أو في بعض الأحيان دون بعض لنقص في إقباله وتخليصه وصفاء مرآته ، أو في النوم خاصة لعين تلك العلة ، ولكن الظهور لعامة الناس لا يكون إلا حال الاحتضار وفي القبر لانكشاف حجب عالم الحس عن الأبصار حينئذ لكل من المؤمن والكافر، فيجدهم المؤمن حينئذ حيث يحب والكافر حيث يكره ، وأما وجدان المعاينين لهم على صورة المجيء فهو لتدرج انكشاف الحجب
فكلما قوى انكشاف الحجاب وجدهم أقرب إليه،فافهم .
وإذا عرفت هذا البيان لم تستوحش من حديث طلحة الذي يأتي إن شاء الله في قسم المعجزات وقوله : (قتلني علي) ، وكذا حديث يوم الأحزاب وكونه في عقب كل فرقة مع وقوفه على شفير الخندق هذا حال حضورهم (عليهم السلام).
وأما حال حضور سائر المؤمنين فاعلم أن أجزاء العالم مرتبطة بعضها ببعض فكل جزء له طريق إلى الأجزاء الآخر ، ولو بوسائط غير أن بعض الأجزاء أقرب إلى بعض من الجزء الآخر ، بحيث إذا صفى مراتب ذلك الجزء ظهر الجزء الآخر بصورة من صوره عنده ، وكلما كان الائتلاف والقرابة والمناسبة أشد كان الظهور أولى ، أما ترى أنك إذا زاولت خيال شيء من الأمور بحيث كنت متذكرا له في كثير من الأوقات ؛ كنت كلما نمت رأيته في المنام وهو
صورته المثالية التي ظهر لك بها ، وعلى هذا القياس حال الاحتضار والموت ، فافهم وتدبر.
هذا أحد وجوه حضورهم (عليهم السلام) في الأمكنة المتعددة وأما الوجه الآخر، فاعلم أن أجسام الأئمة (عليهم السلام) وأجسادهم خلقت من نور الله كما أن أرواحهم كذلك وذلك قبل خلق سائر الخلق بدهور كثيرة كما دلت عليه الأخبار، ونطقت به الآثار ،ومن جملة الخلق هذه الحدود والتعينات والتشخصات الحسية الظاهرية ؛ فإنها أيضا خلقت من أشعة أنوارهم وهم سابقون عليها سبق العلة على المعلول لأنهم أول ما خلق الله ، وليس حيث خلقهم
الله خلق بعض أجزاء وجودهم ومراتبه دون بعض بل خلقهم تامين بجميع أجزاء وجودهم الذاتية من الجسد إلى الفؤاد ، فأجسامهم بالحقيقة الأولية ليست محدودة بالذات بهذه الحدود المخلوقة من أشعتهم ، إذ لا يجري عليها ما هي أجرته فهي بالنسبة إلى محدودات هذا العالم لا حد لها ، لم تتلوث بتعيناتها وإن كان لها أيضا في حد ذاتها حدود وتعينات بنسبة عالمها ، غير أنها مع تلك الحدود لاحد لها بالنسبة إلى ما تحتها ، ولا تستغرب هذا فإن قطعة الخشب في حد نفسها أمر شخصي ذو حدود ، وبالنسبة إلى الباب والسرير وسائر ما يعمل منها بسيطة هيولائية لصلوحها لمادية كل من
الأشياء المذكورة ، فافهم. فأجسامهم (عليهم السلام) إنما تعينت بالتعينات التي كان الناس يرونها بها حال ، تنزلهم إلى العوالم التي تحتهم لتكميل الخلق ، فهي بالنسبة إلى أصل جوهر جسمهم عرضية وليست تلك الأعراض حيث عرضتهم قهرتهم بحيث لا يقدرون على خلعها باختيارهم ، بل هو بيدهم إذا شاؤوا لبسوها وإذا شاؤوا خلعوها ولذا كانوا إذا مشوا في حر الشمس عرقت أبدانهم لثقل جسمهم العائق عن الحركة ، ومع ذلك إذا شاؤوا أن يقطعوا مسافة ما بين المشرق والمغرب في طرفة عين فعلوه ، كما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قطع بجسمه الشريف جميع أطباق السماوات
في أسرع من لمح البصر ، ولا أقل في بعض الليل ؛ وذلك لأنهم كانوا يتبعون ثقل جسدهم الظاهري بخفة جسدهم الأصلي وروحانيته وربما كانوا يفعلون على العكس ، فكان يظهر لكل واحد حكمه عند المطبوعية ، فافهم.
وهذه المقدمات عند من له غور في حقائق الآثار المعصومية أظهر من الشمس وأبين من الأمس ، وإذا تبين هذا فنقول لا ريب أن المانع للجسم الواحد من الكون في أمكنة متعددة في آن واحد ليس إلا اكتنافه بالحدود والتعينات الشخصية ، وهو لا يصلح للمانعية إلا إذا كانت تلك الحدود من مشخصات ذلك الجسم الذاتية ، بحيث إذا ارتفعت تلك الحدود زال ذلك الجسم أو كانت تلك الحدود مع عرضيتها بحيث قهرت الجسم فلا يقدر على رفعها باختياره،
وأما إذا كان الجسم بالنسبة إلى تلك الحدود لا تعينا ، ولم يكن مقهورا تحتها فهو يظهر بأي صورة شاء فإن شاء بصورة واحدة ، وإن شاء بصور متعددة لأنه مهيمن على جميع الحدود والصور ، فلا يشغله شأن عن شأن ولا حد عن حد ولا تعين عن تعين ، فيتقلب في الصور كيف يشاء فإن شاء لبس صورة النطفة واستقر في الأرحام والأصلاب ، وإن شاء تصور بصورة شخص تام الخلقة وظهر عند من يشاء بأي صورة شاء ، وإن شاء اتحد، وإن شاء تعدد ، وإن شاء نزل في الأرض ، وإن شاء صعد إلى السماء ، وإن شاء وقف في الهواء ، وإن شاء شرق ، وإن شاء غرب ، وإن شاء ظهر بصورة الإنسان ، وإن شاء ظهر
بصورة الحيوانات الشريفة كالأسد وأمثاله، وإن شاء ظهر بصورة الملك ، وإن شاء احمر، وإن شاء اصفر ، وإن شاء ابيض، وإن شاء اخضر ، وإن شاء ظهر بالرجولية ، وإن شاء عاد إلى الطفولية ، وإن شاء مرض، وإن شاء صح ، وإن شاء مات ، وإن شاء حي ، وإن شاء شب ، وإن شاء هرم ، وإن شاء خفى، وإن شاء ظهر ، وإن شاء غاب ، وإن شاء حضر إلى غير ذلك من الحالات والأطوار الوجودية ، وبالجملة لا يمنعه حد عن حد ، وطور عن طور ، وقد عرفت أن أجسامهم (عليهم السلام) جسم مطلق هيولاني غير مقيد بالذات بقيد من تلك القيود ، فيمكن أن يظهروا بجسمهم الشريف في آن واحد
في أمكنة غير محصورة ، كما أفطر أمير المؤمنين (عليه السلام) في ليلة واحدة في أربعين مكانا ، ومع ذلك كان عند الله تعالى في العرش هذا ، ولهم نحو آخر من الحضور أشرنا إليه في ذيل الحديث الرابع والتسعين من الجزء الأول، وهو غير هذين النحوين من أراده فليرجع إلى ما هنالك.
وأما سائر المؤمنين فلهم أيضا أن يظهروا بصورة متعددة إذا أخلصوا في اتباعهم (عليهم السلام) وتشبهوا بهم في الأعمال والأخلاق ؛ لأن أصل أجسامهم أيضا نظيفة روحانية مأخوذة من تراب الجنة ، وإنما عرضتهم عوارض هذا العالم بالعرض ، وعاقتهم عن ظهور آثار الربوبية منهم، فإذا اخلصوا لله العبودية باقتداء أوليائه علما وعملا ظهرت جوهرة الربوبية من كنه العبودية، وخلعوا أعنة الأضداد ، وملكوا أزمة الحدود والقيود ، فلا
يشغلهم شأن عن شأن ، ولا مكان عن مكان فيظهرون في أي مكان شاؤوا بأي صورة شاؤوا ، غير أن هذا يحصل في الدنيا لقليل من المؤمنين وهم الخصيصون ، وإلى هذا المقام أومأ أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله : (خلق الإنسان ذا نفس ناطقة إن زكاها بالعلم، فقد شابهت جواهر أوائل عللها ، وإذا اعتدل مزاجها وفارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد) .
فتدبر في مطاويه تظهر لك أسرار خفية ، روي بعض المشايخ عن زاذان خادم سلمان قال : ( لما جاء أمير المؤمنين (عليه السلام) ليغسل سلمان وجده قد مات، فرفع الشملة عن وجهه فتبسم وهم أن يقعد ، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) : عد إلى موتك. وفي مناقب ابن شهر آشوب في حديث طويل يأتي إن شاء الله في ضمن المعجزات أنه لما كشف الرداء عن وجهه، تبسم سلمان إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له : مرحبا يا أبا عبد الله إذا لقيت
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقل له ما مر على أخيك من قومك) الخبر.
فانظر إلى من أطاع مولاه كيف صار الموت طوع يده يتبسم بعد الموت، ويهم أن يقعد ثم يعود إلى موته ، ويخاطبه أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فإن هذا كله من فروع ما قررناه فلا بعد في أن يحضر أمثال هؤلاء من المؤمنين أيضا عند الموتى مع مواليهم الكرام ، كما وقع التصريح به في بعض الأخبار المذكورة في الباب ، وإذا عرفت أن للجسم طورا وراء ما زعمه المتكلمة وغيرهم يمكن به حضوره في أمكنة متعددة ، عرفت أن تأويل الشيخ الذي
نقلنا عنه تأويل مستغنى عنه ، وأنه على خلاف ما الواقع عليه ، على أنك لو كنت لم تعرف ما قررناه فالواجب عليك التسليم لمنطوق الأخبار حتى يثبت من الكتاب أو السنة ما ينافيه والمقام ليس منه.
وأما تفريقه بين أجسام الملائكة وأجسام الأئمة (عليهم السلام) بما سمعت نقله عنه فمما لم أعرف له وجها محصلا هذا. واعلم أن الشيخ المدقق الجليل الحسن بن سليمان الحلي ، وهو من أرشد تلاميذ الشهيد الأول رحمهما الله ، قد صنف كتابا في خصوص رد هذا القول ، وإثبات حضور الأئمة (عليهم السلام) عند الموتى بأعيانهم ، وسماه كتاب المحتضر -بالحاء المهملة ثم الضاد المعجمة ثم الراء أخيرا- وبالغ في إثبات ذلك بالأدلة العقلية
والنقلية ، والكتاب مشهور ينقل عنه كثير ممن تأخر عنه سيما المجلسي في البحار ، وتلميذه في العوالم ولقد أجاد في كلما أفاد، غير أن الفائدة من كتابه ذلك لا تتم إلا بما قررناه هنا من التحقيق ؛ لأنه مستدرك لما فاته من يتفتح مناط هذه المسألة، فالكتاب المذكور بعد انضمام ما حررناه هنا من البيان كاف في هذا الشأن لمن له عينان.
ثم اعلم أنا قد خرجنا في إيراد أخبار الحضور عما جرينا في كتابنا هذا عليه من الاكتفاء في كل منقبة بإيراد حديث أو حديثين لما رأيت من الشبهات الواردة على القلوب في ذلك فرأيت إيراد الأخبار وتعقيبها ببيان حقيقة الحال كالواجب علي تصحيحا لعقائد الطالبين للحق وهدما لبنيان شبه من تكلم على خلاف الواقع في ذلك والله ولي التوفيق.
حال سلمان رحمه الله بعد الموت
التاسع والأربعون عن روضة الواعظين عن ابن عباس قال (رأيت سلمان الفارسي في منامي فقلت له: أنت سلمان؟ فقال سلمان : نعم، فقلت له : ألست مولى النبي ، قال: بلى وإذا عليه تاج من ياقوت، وعليه حلي وحلل، فقلت : يا سلمان هذه منزلة حسنة أعطاكها الله عز وجل ، فقال: نعم ، فقلت: فماذا رأيت في الجنة أفضل بعد الإيمان بالله ورسوله؟ فقال: ليس في الجنة بعد الإيمان بالله ورسوله شيء هو أفضل من حب علي بن أبي طالب والاقتداء
به).
ليلة مولد الإمام عليه السلام
الخمسون عن أمالي الطوسي عن المفيد عن ابن قولويه عن أبيه عن سعد عن ابن عيسى عن موسى بن طلحة عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير، قال: ( سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول : إن في الليلة التي يولد فيها الإمام لا يولد فيها مولود إلا كان مؤمنا، وإن ولد في أرض الشرك نقله الله إلى الإيمان ببركة الإمام عليه السلام).
سر سجود الملائكة لآدم عليه السلام
الحادي والخمسون تفسير فرات قال حدثني أبو الحسن أحمد بن صالح الهمداني قال حدثنا الحسن بن علي يعني ابن زكريا بن صالح بن عاصم بن زفر البصري ، قال :حدثنا زكريا بن يحيى التستري ، قال: حدثنا أحمد بن قتيبة الهمداني عن عبد الرحمن بن يزيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:( إن الله تبارك وتعالى كان ولا شيء ، فخلق خمسة من نور جلاله ، وجعل لكل واحد منهم اسما من أسمائه المنزلة ، فهو الحميد وسمى النبي محمدا (صلى الله
عليه وآله وسلم) ، وهو الأعلى وسمى أمير المؤمنين عليا ، وله الأسماء الحسنى فاشتق منها حسنا وحسينا ، وهو فاطر فاشتق لفاطمة من أسمائه اسما فلما خلقهم جعلهم في الميثاق ، فإنهم عن يمين العرش وخلق الملائكة من نور ، فلما أن نظروا إليهم عظموا أمرهم وشأنهم ولقنوا التسبيح ، فذلك قوله : وإنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون ، فلما خلق الله تعالى آدم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، نظر إليهم عن يمين العرش ، فقال : يا رب من هؤلاء (قال : يا آدم هؤلاء صفوتي وخاصتي خلقتهم من نور جلالي وشققت لهم اسما من أسمائي) قال: يا رب فبحقك عليهم علمني أسماءهم
|