خطبة فاطمة الزهراء (ع) في المسجد النبوي الشريف
بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيم
خُطْبَة فَاطِمَة الزَّهْرَاءِ عَلَيْهَا السَّلاَم في المسجد النبويالشريف:
اختارَت السَّيدة فاطمة الزَّهراء عليها السَّلام لخُطبتها هــذا
الأسلوب للبدايــة والنِّهايـة ، إنَّها لـم تكـتـف بالتركيز عـلى
مطالبتها للإرث ، بـل انتهــزت الفُرصـة لتفجـر للمسلـمين
عـيـون المعـارف الإلهـيـة ، وتـكشف لهــم محاســن الـديـن
الإسـلامي ، وتبيِّن لهــم عـلل الشـــرائع والأحكام ، وضـمنًا
تهيئ الجـو لكلامها المقصـود وهدفها المطلوب.
وهذه رؤوس مواضيع الخُطبة:
(1) الحمد والثناء على الله تعالى.
(2) التوحيد الاستدلالي.
(3) النبوَّة.
(4) التحدُّث عن العهد الجاهلي.
(5) إنجازات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
(6) توجيه الخطاب إلى الحاضرين.
(7) التحدُّث عن القرآن الكريم.
(8) بيان علل الشرائع وفلسفة الإسلام.
(9) حوادث فترة الرسالة.
وهذه هي الخُطبة:
رَوَى عبد الله بن الحسن بإسناده عن آبائه، أنَّه لَمَّا أرادت
فاطمةعليها السلام أن تَخطُب بهذه الخُطبة شدَّت خِمَارَهَا على رأسِهَا واشتملَتْ
بجِلْبَابَها، وأقْبَلَتْ في جماعَةٍ مِنْ نِسَاءِ قَوْمَهَا ، مَا تَنْقُصُ مَشْيَتَهَا
مَشْيَةِ رَسُول الله صلى الله عليه وآله وسلم)حَتَّى دَخَلَتْ المسجد النبوي وفي المسجد
حَشَدٍ مِنَ الْمُهاجرين والأنصار وغيرهم.
وأُمِرَ بستار بينها وبين الحاضرين بالمسجد، فجلستْ ثم أنَّت
أنَّةً أَجْهَشَ القوم بالبُكاءِ، فارتَجَّ المجلس ثُمَّ أمهلتْ هَنيئةً حتى
إذا سكنَ نشيجَ القوم وهدأتْ فَوْرتهُم، افتتحت الكلام بحمد الله
والثَّناءِ عليهِ والصَّلاةُ على رَسُوله صلى الله عليه وآله وسلم)، فعاد القومِ في بكائِهِمْ ،
فَلَمَّا أمْسَكُوا عادتْ في كلامِهَا، فقالت عليها السلام:
الْحَمْدُ للهِ عَلَى مَاأنْعَمَ ، ولَهُ الشُّكْرُ عَلَى مَا أَلْهَمَ ، وَالثَّنَاءُ بِما
قَدَّمَ ، مِنْ عُمُومِ نِعَمٍ ابْتَدَاهَا، وَسُبُوغِ آلاَءٍ أَسْدَاهَا(1)، وَتَمَامِ مِنَنٍ
وَالاَهاَ ، جَـمَّ عَـنِ الإِحْصَاءِ عَدَدُهاَ(2)، وَنَأَى عَنِ الْجَـزَاءِ أَمَـدُهَا(3)
، وَتَفَاوَتَ عَــنِ الإِدْرَاكِ أَبَـدُهاَ ، وَنَدَبَهُــمْ لاِسْـتِـزَادَتِهاَ بِالشُّكْــرِ
لاِتِّصَالِهَا(4)، وَاسْتَحْمَدَ إِلَى الْخَلاَئِقِ بِإِجْزَالِهاَ، وَثَنَّى بِالنَّدْبِ إِلَى
أَمْثَالِهاَ(5)، وَأَشْهَـدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْـدَهُ لاَ شَـرِيكَ لَهُ ، كَلِمَةٌ
جَعَلَ الإِخْلاَصَ تَأْوِيلَهاَ ، وَضَمَّنَ الْقُلُوبَ مَوْصُولَهَا (6)، وَأَنَارَ فِي
التَّفَكُّـرِ مَعْقُولَهاَ ، الْمُمْتَنِعُ عَــنِ الأَبْصَارِ رُؤْيَتُهُ ، وَمِـنَ الأَلْسُــنِ
صِفَتُهُ ،وَمِـنَ الأَوَهَامِ كَيْفِيَّتُهُ ، أَبْتَدَعَ الأَشْيَاءَ لاَ مِــنْ شَيْءٍ كَانَ
قَبْلَهَا(7)، وَأَنْشَأَهاَ بِلاَ احْـتِـذَاءِ أَمْثِلَةٍ إِمْتَثَـلَهاَ(8)،
كَـوَّنَهاَ بِقُدْرَتِهِ ،
وَذَرَأَهَا بِمَشِـيئَتِهِ(9)، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَى تَـكْوِينِهاَ، وَلاَ فَائِدَةٍ
لَهُ فِي تَصْـوِيرِهاَ ، إلاَّ تَثْبِيتاً لِحِكْمَتِهِ ، وَتَنْبِيهاً عَلَى طَاعَتِهِ ،
وَإِظْهَاراً لِقُدْرَتِهِ ، وَتَعَبُّداً لِبَريَّتِهِ ، وَإِعْزَازاً لِدَعْوَتِهِ.
ثُـمَّ جَعَـلَ الثَّوَابَ عَـلَى طَاعَـتِهِ، وَوَضَعَ الْعِقَابَ عَلَى مَعْـصـِيَتِهِ،
ذِيَادَةً لِعِبَادِهِ مِــنْ نِقْمَتِهِ(10)، وَحِيَاشَـةً لَهُـمْ إِلَى جَـنَّتِـهِ(11)،
وَأَشْهَدُ أَنَّ أَبِي (مُحَمَّداً) عَـبْدُهُ وَرَسُـولُهُ، أَخْتَارَهُ قَـبْلَ أَنْ أَرْسَلَـهُ ،
وَسَمَّاهُ قَـبْلَ أَنْ اجْـتَبَلَه(12)، وَاصْطَفَاهُ قـَبْلَ أَنِ ابْتَعَـثَـهُ، إِذْ الْخَلاَئِقُ
بِالْغَيْبِ مَكْـنُونَةٌ، وَبِسِتْرِالأَهَاوِيلِ مَصُونَةٌ ، وَبِنِهَايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَةٌ
، عِلْماً مِنَ اللهِ تَعَالَى بِمَآئِلِ الأُمُورِ(13)، وَإِحَاطَةً مِنْهُ بِحَوَادِثِ
الدُّهُــورِ ، وَمَعْــرِفَةً بِمَوَاقِعِ الْمَقْـدُورِ ، ابْتَعَـثَهُ اللهُ إِتْمَاماً لأَمْـــرِهِ ،
وَعَـزِيمَةً عَـلَى إِمَضَاءِ حُكْمِهِ ، وَإِنْفَاذاً لِمَقَادِيـرِ رَحْمَتِهِ، فَرَأَى الأُمَمَ
فِرَقاً فِي أَدْيَانِهاَ، عُكَّفاً عَلَى نِيرَانِهاَ، عَابِدَةً لأَوْثَانِهاَ، مُنْكِرَةً للهِ مَعَ
عِــرْفَانِهاَ، فَأَنَارَ اللهُ بِأَبِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّـمَ
ظُلَمَهاَ(14)، وَكَـشَفَ عَـنِ الْقُلُوبِ بُهَمَهاَ(15)، وَجَلَى عَـنِ الأَبْصَارِ
غُمَمَهاَ(16)، وَقَامَ فِي النَّاسِ بِالْهِـدَايَةِ ، فَأَنْقَذَهُـمْ مِـنَ الْغِــوَايَةِ ،
وَبَصَّرَهُمْ مِنَ الْعِمَايَةِ وَهَدَاهُمْ إِلَى الدِّينِ الْقَوِيمِ وَدَعَاهُمْ إِلَى الصِّرَاطِ
الْمُسْتَقِيمِ ، ثُمَّ قَبَضَهُ اللهُ إِلَيْهِ قَـبْضَ رَأْفَـةٍ وَاخْتِيَارٍ ، وَرَغْـبَةٍ وَإِيثَارٍ
، فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، مِنْ تَعَبِ هَذِهِ الدَّارِ فِي رَاحَةٍ
، قَدْ حُفَّ بِالْمَلاَئِكَةِ الأَبْرَارِ، وَرِضْوَانِ الرَّبِّ الْغَفَّارِ، وَمُجَاوَرَةِ الْمَلِكِ
الْجَبَّارِ، صَلَّى اللهُ عَلَى أَبِي، نَبِيِّهِ وَأَمِينِهِ عَلَى الْوَحْيِ وَصَفِيِّهِ ،
وَخِيرَتِهِ مِنَ الْخَلْقِ وَرَضِيّهِ.
وَالسَّلاَمُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سبوغ النعم: إتساعها. (2) جم: كثر . (3) نأى: بعد. وهكذا تفاوت.(4) ندبهم:
دعاهم. والإستزادة: طلب زيادة الشكر. وهكذا أستحمد.(5) ثنى بالندب: أي كما أنه
ندبهم لاستزادتها كذلك ندبهم إلى أمثالها من موجبات الثواب.(6) جعل القلوب
محتوية لمعنى كلمة التوحيد.(7) أحدثها. (8) الإحتذاء: الإقتداء. (9) ذرأها: خلقها.
(10) ذيادة: منعاً. (11) حياشة لهم: سوقهم. (12) اجتبله: فطره. (13) المآئل:
جمع مئال أي المرجع. (14) ظُلم: جمع ظلمة. (15) البُهم: جمع بهمة وهي
مشكلات الأمور. (16) الغمم: جمع غمة أي الشيءالملتبس المستور.
ثُمَّ قَالَتْ عليها السَّلام:
أَنْتُمْ عِبَادَ اللهِ نُصُبُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ(1)، وَحَمَلَةَ دِينِهِ وَوَحْيِهِ، وَأُمَنَاءُ
اللهِ عَلَى أَنْفُسِكُـمْ(2)، وَبُلَغَاؤُهُ إِلَى الأُمَـمِ(3)، زَعِيـمُ حَـقٌّ لَهُ فِيكُـمْ ،
وَعَهْـدٍ قَدَّمَهُ إِلَيْكُـمْ ، وَبَقِيَّةٍ إسْتَخْلَفَهاَ عَـلَيْكُـمْ ، كِـتَابُ اللهِ النَّاطِـقُ ،
وَالْقُــرْآنُ الصَّادِقُ ، وَالنُّـورُ السَّاطِــعُ(4)، وَالضِّـيَاءُ اللاَّمِــعُ(5)،
بَيِّنَـةً بَصَائِــرُهُ ، مُنْكَـشِفَـةً سَــــرَائِـرُهُ(6)،مُتْجَلِيَةً ظَـوَاهِــرُهُ (7) ،
مُغْـتَبِطَـةً أَشـْيَاعُـهُ(8)، قَائِـدًا إِلَى الـرِّضْـوَانِ إتِّبَـاعُـهُ، مـُؤَدٍّ إِلَـى
النَّجَاةِ اسْـتِـمَاعُـهُ، بِـهِ تُـنَالُ حُجَجُ اللهِ الْمُنَوَّرَةُ، وَعَزَائِمُهُ الْمُفَسَّرَةُ
(9)، وَمَحَارِمُهُ الْمُحَذِّرَةُ ، وبَيِّـنَاتُهُ الْجَالِيَةُ (10)، وَبَرَاهِينُهُ الْكَافِيَةُ،
وَفَضَائِلُهُ الْمَنْدُوبَةُ(11)، وَرُخَصُهُ الْمَوْهُوبَةُ ، وَشَرَائِعُهُ الْمَكْتُوبَةُ
(12)، فَجَعَلَ اللهُ الإِيمَانَ تَطْهِيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلاَةَ تَنْزِيهاً
لَكُــمْ عَـنِ الْكِـبْرِ ، وَالزَّكَاةَ تَزْكِـيَةً لِلنَّفْسِ وَنمِاَءً فِي الـرِّزْقِ ،
وَالصِّـيَامَ تَثْبِيتـاً لِلإِخْلاَصِ ، وَالْحَجَّ تَشْيِيداً لِلدِّينِ، وَالْعَدْلَ تَنْسِيقًا
لِلْقُـلُوبِ(13) ، وَإِطَاعَـتَناَ نِظَاماً لِلْمِلَّـةِ ، وَإِمَامَتَناَ أَمَاناً لِلْفُــرْقَةِ ،
وَالْجِهَادَ عِزاًّ لِلإِسْلاَمِ، وَالصَّبْرَ مَعُونَةًعَلَى اسْتِيجَابِ الأَجْـرِ،وَالأَمْـرَ
بِالْمَعْـــرُوفِ مَصْلِحَةً لِلْعَامَّـةِ ، وَبِـرَّ الْوَالِدَيْنِ وِقَايَـةً مِـنَ السَّخَطِ ،
وَصِلَةَ الأَرْحَامِ مَنْسَاءً فِي الْعُمْرِ وَمَنْمَاةً لِلْعَدَدِ(14)، وَالْقِصَـاصَ
حِـقْناً لِلدِّمَـاءِ (15) ، وَالْوَفَـاءَ بِالنَّـذْرِ تَعْــرِيضاً لِلْمَغْفِــرَةِ(16)،
وَتَوْفِيَةَ الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ تَغْيِيراً لِلْبَخْسِ(17)، وَالنَّهْيَ عَنْ شُرْبِ
الْخَمْرِ تَنْزِيهاً عَـنِ الرِّجْسِ ، وَاجْتِنَابَ الْقَذْفِ حِجَاباً عَنِ اللَّعْـنَةِ ،
وَتَــرْكَ السَّــرِقَةِ إِيجَاباً لِلْعِـفَّـةِ، وَحَــرَّمَ اللهُ الشِّـرْكَ إِخْلاَصًا لَهُ
بِالرُّبُوبِيَّةِ.
فَاتَّـقُوا اللهَ حَـقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَأَطِيعُوا اللهَ
فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنهَاَكُمْ عَنْهُ، فَإِنَّهُ إِنمَّاَ يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمَاءُ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) منصوبون لأوامره ونواهيه. (2) أمناء: جمع أمين.(3) البلغاء: جمع بليغ
، والمقصود هنا المُبلِّغ. (4) الساطع: المرتفع. (5) اللامع: المضيء.
(6) البصائر: جمع بصيرة ، والمراد هنا: الحجج والبراهين. والسرائر: جمع سريرة،
والمقصود هنا:الأسرار الخفية واللطائف الدقيقة.(7) متجلية: منكشفة. (8) الغبطة:
أن تتمنى مثل حال المغبوطإذا كان بحالة حسنة. (9) العزائم: جمع عزيمة:-
الفريضة التي افترضها الله. (10) الجالية: الواضحة. (11) المندوبة: المدعو
إليها. (12) المكتوبة: الواجبة. (13) التنسيق: التنظيم.(14) منماة على وزن
مسحاة :- اسم آلة للنمو ، ولعلها مصدرميمي للنمو. (15) حقناً: حفظاً.
(16) تعريضاً: إذا جعلته في عرضة الشيء. (17) المكاييل: جمع مكيال: وهو
ما يكال به. والموازين: جمع ميزان. والبخس: النقص.
ثُمَّ قَالَـتْ: أيُّهاَ النَّاسُ .. اعْـلَمُوا أَنيِّ فَاطِمَةٌ ، وَأَبِي مُحَمَّدٌ، أَقُولُ
عَـوْداً وَبَـدْءاً(1)، وَلاَ أَقُـولُ مَا أَقُـولُ غَـلَطاً، وَلاَ أَفْعَـلُ مَا أَفْعَـلُ شَطَطًا
(2)، " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِـنْ أَنْفُسِكُمْ عَـزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَـنِتُّـمْ حَرِيصٌ
عَلَـيْكُمْ بِالْمـُؤْمِنِـينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ "(3)، فَإِنْ تَعْــزُوهُ وَتَعْــرِفُـوهُ تَجِـدُوهُ
أَبِي دُونَ نِسَائِكُمْ(4)، وَأَخَا ابْنِ عَمِّي دُونَ رِجَالِكُمْ، وَلَنِعْمَ الْمَعْزِيِّ
إِلَيْهِ (5) ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّــمَ) ، فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ ، صَادِعاً
بِالنَّذَارَةِ(6)، مَائِلاً عَـنْ مَـدْرَجَةِ الْمُشْرِكِينَ(7)، ضَارِبًا ثَبَجَهُمْ(8) ،
آخِذًا بأَكْظَامِهِـمْ (9) ، دَاعِياً إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَـوْعِـظَةِ
الْحَسَنَةِ ، يَجُـفُّ (يُكَسّـِرُ) الأَصْـنَامَ، وَيَنْكُتُ الْهَامَّ(10)، حَتَّى انْهَزَمَ
الْجَمْعُ وَوَلُّوا الدُّبُرَ، حَتَّى تَفَــرَّى اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ(11) ،وَأَسْفَــرَ
الْحَقُّعَنْ مَحْضِـهِ(12) ، وَنَطَقَ زَعِيمُ الدِّينِ ، وَخَـرَسَتْ شَقَاشِـقَ
الشَّيَاطِينِ(13)، وَطَاحَ وَشِيـظُ النِّفَاقِ(14)،وَانْحَلَّتْ عُقَدُ الْكُفْـرِ
وَالشّـِقَـاقِ(15)، وَفُهْـتُــمْ بِكَلِمَةِ الإِخْـلاَصِ (16)، فِـي نَفَـرٍ مِنَ الْبِيضِ
الخِمَاصِ(17)، وَكُنْتُـمْ عَلَى شَفَا حُفْرةٍ مِنَ النَّارِ(18)مُذْقَةَ الشَّـارِبِ
(19)، وَنُهْـزَةَ الطَّامِعِ(20)، وَقُبْسَةَ الْعَجَلاَنِ(21)، وَمَوْطِئَ الأَقْدَامِ،
تَشْرَبُونَالطَّرْقَ(22)، وَتَقْتَاتُونَ القِدَّ وَالْوَرَقَ(23)، أَذِلَّةً خَاسِئِينَ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عوداً وبدءاً: آخراً وأولاً. (2) شططاً: ظلماً وجوراً. (3) سورة التوبة آية 129.
(4) تعزوه: تنسبوه. (5) المعزي إليه: المنسوب إليه.(6) صادعاً: مظهراً. النذارة:
الإنذار والتخويف. (7) مدرجة المشركين: طريقهم ومسلكهم. (8) الثبج فتح الثاء
والباء: الكاهل ، ووسط الشيء. (9) الكظم بفتح الكافوالظاء: الفم أو الحلق أو
مخرج النفس. (10) نكته على هامته: إذا ألقاه على رأسه. (11) تفرى: انشق.
(12) أسفر: إذا انكشف وأضاء. والمحض: الخالص.(13) شقاشق: جمع شقشقة
وهي شيء يشبه الرئة يخرج من فم البعير إذاهاج. (14) الوشيظ: الأتباع والخدم.
(15) الشقاق: الخلاف. (16) فهتم: تلفظتم. (17) البيض: جمع أبيض. والخماص:
جمع خميص وهو الجائع. (18) شفا حفرة: جانبها المشرف عليها. (19) المذقة:
بضم الميم شربة من اللبن الممزوج بالماء. (20) النهزة: بضم النون الفرصة.
(21) قبسة العجلان: الشعلة من النار التي يأخذها الرجل العاجل .
(22) الطرق: بفتح الطاء وسكون الراء الماء الذي خوضته الإبل وبولت فيه.
(23) تقتاتون: تجعلون قوتكم. والقد: بكسر القاف قطعة جلد غير مدبوغ
ويحتمل أن يكون بمعنى القديد وهو اللحم المجفف في الشمس.
تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ، فَأَنْقَذَكُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
بمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، بَعْدَ اللَّتَيَا وَالَّتِي، وَبَعْدَ أَنْ مُنِيَ
بِبُهَمِ الرِّجَالِ ،(1)وَذُؤْبَـانِ الْعــَرَبِ ، وَمَــرَدَةِ أَهْلِ الْكِتَـابِ(2)، كُـلَّمَا
أَوْقـَدُوا نَاراً لِلْحَــرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ ، أَوْ نَجَــمَ قَــرْنُ الشَّيْطَانِ(3)،
أَوْفَغَرَتْ فَاغِـرَةً مِـنَ الْمُشْـرِكِينَ (4)، قَـذَفَ أَخَـاهُ فِي لَهَـوَاتِهَـا(5)،
فَـلاَ يَنْـكَفِئَ حَتَّى يَطَـأَ صِـمَاخَهَـا بِأَخْمَصِهِ(6)، وَيِخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيْفِهِ
(7) مَكْـدُوداً فِي ذَاتِ اللهِ(8) ، مُجْتَهِـداً فِي أَمْـرِ اللهِ ، قَـرِيباً مِـنْ
رَسُولِ اللهِ، سَيِّداً فِي أَوْلِيَاءِ اللهِ ، مُشَمِّراً نَاصِحاً، مُجِداًّ كَادِحًا(9) ،
لاَ تَأْخُذُهُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَأَنْتُمْ فِي رَفَاهِيَةٍ مِنَ الْعَيْشِ (10) ،
وَادِعُـونَ فَاكِهُـونَ آمِنُـونَ(11)، تَتَرَبَّصُونَ بِنَا الدَّوَائِرَ، وَتَـتَوَكَّفُونَ
الأَخْبَارَ (12)، وَتَنْكُصُونَ عِنْدَ النِّزَالِ (13)، وَتَفِرُّونَ مِنَ الْقِتَالِ.
ثُمَّ قَالَتْ عَلَيْهَا السَّلاَمُ:
فَلَمَّا اخْتَـارَ اللهُ لِنَبِيِّهِ صَـلَّى اللهُ عَـلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّـمَ دَارَ أَنْبِيَائِهِ ،
وَمَأْوَى أَصْفِيَائِهِ ، ظَهَرَ فِيكُمْ حَسْكَةُ النِّفَاقِ (14) ،وَسَمُلَ جِلْبَابُ
الدِّينِ (15)، وَنَطَـقَ كَاظِـمُ الْغَاوِيـنَ (16)،وَنَبَـغَخَامِلُ الأَقَـلِّينَ (17)
، وَهَدَرَ فَنِيقُ الْمُبْطِلِينَ(18)، فَخَطَرَ فِي عَرَصَاتِكُمْ (19)، وَأَطْلَعَ
الشَّيْطَانُ رَأْسَـهُ مِـنْ مَغْــرَزِهِ (20)، هَـاتِفاً بِكُـمْ ، فَأَلْفَـاكُـمْ لِدَعْــوَتِهِ
مُسْـتَجِيبِـينَ ، وَلِلْغِــرَّةِ فِـيهِ مُلاَحِظِينَ(21)، ثُمَّ اسْتَنْهَضَكُمْ فَوَجَدَكُمْ
خِفَافاً، وَأَحْمَشَكُمْ فَأَلْفَاكُمْ غِضَاباً(22)، فَـوَسَـمْتُـمْ غَـيْرَ إِبِلِكُـمْ(23)
، وَأَوْرَدْتُـمْ غَـيْرَ مَشْـرَبِكُـمْ (24)، هَـذَا وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ ، وَالْكَلْمُ رَحِيبٌ
(25)، وَالْجُـرْحُ لَمَّا يَنْدَمِلُ (26)، وَالرَّسُـولُ لَمَّا يُقْبَرُ(27)،
إِبْتِـدَارًا
زَعَمْتُمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ(28)" أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ
بِالْكَافِرِينَ ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مني: فعل ماضي مجهول: ابتلي . والبهم على وزن الغرف: جمع بهمة ،
وهو الشجاع الذي لا يهتدي من أين يؤتى . (2) مردة بفتح الميم والراء
والدال: جمع مارد وهو العاتي. (3) نجم فعل ماضي: طلع. وقرن الشيطان:
أتباعه. (4) فغر: فتح . فاغرة فاها: أي فاتحة فمها. (5) اللهوات جمع لهاة:
لحمة مشرفة على الحلق في أقصى الفم. (6) ينكفىء: يرجع. يطأ: يدوس.
صماخها: أذنها. بأخمصه: باطن قدمه. (7) يخمد: يطفأ: لهبها: اشتعالها.
(8) المكدود: المتعب. (9) شمر ثوبه: رفعه. مجد بضم الميم وكسر الجيم:
مجتهد. والكادح: الساعي. (10) رفاهية: سعة. (11) وادعون. مرتاحون.
فاكهون. ناعمون. (12) الدوائر: العواقب المذمومة وحوادث الأيام.
تتوكفون. تتوقعون بلوغ الأخبار. (13) تنكصون: ترجعون وتتأخرون.
والنزال: القتال. (14) الحسكة والحسيكة: الشوكة. (15) سمل الثوب: صار خلقاً ،
والجلباب: ثوبواسع. (16) كاظم الغاوين: الساكت الضال الجاهل. (17) نبغ: ظهر
من خفي صوته واسمه من الأذلاء. (18) هدر البعير: ردد صوته في حنجرته ،
والفنيق: الفحل من الإبل. (19) خطر: إذا حرك ذنبه. (20) المغرز: بكسر الراء:
ما يختفي فيه. (21) الغِرَّة: الإنخداع. وملاحظين: ناظربن ومراعين.
(22) أحمشكم: أغضبكم. (23) الوسم: الكي. وسمه: كواه. (24) الشِّرب: النصيب |