اللهم صلي على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين وعجل فرجهم والعن عدوهم
بين المجتمع الآشوري ومجتمع الاستخلاف
يــــا فــاطمــــــة الــــزهـــراء يا قائم آل محمد
اللهم العن الجبت والطاغوت وحزبهم الأشرار وبلغ أرواحهم وأجسادهم مني اللعن، ولعنة الله ونقماته عليهما وابنتيهما
وصلى الله
على أعدائهم محمد وآله الأبرار وسلّم تسليماً كثيراً وحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير
.
أن الأحداث التي نحن بصدد بحثها ترتكز على جملة من الأسئلة نسأل الله تعالى أن يوفقنا في التعرف على إجابتها ، وذلك في محاولةٍ جادة لأحياء ما تم طمسه وتغييبه لأحداث ولي من أولياء الله تعالى وهو نبي الله يونس (عليه السلام) لما لهذه الأحداث من علاقة بطور الاستخلاف وقائده عليه السلام وارتباطها بما يجري الآن في وقتنا هذا من أحداث ، ليتأكد بعد ذلك للقارئ أن جميع أحداث الأولياء لازالت مبهمة غير معروفة وقد طالها الكثير من التزييف والتحريف!. ومن أهم هذه الأسئلة التي ستتناولها هذه الدراسة هي
كيف تمكنت مؤسسة الظالمين من الإحاطة بالنبي يونس عليه السلام والالتفاف على رسالته ؟
ما معنى قول يونس (عليه السلام) إني كنت من الظالمين؟
من هو الشخص الموصوف بـ(العابد تنوخا) الذي أصرّ على يونس (عليه السلام) في أن يدعو على قومه؟
من هو الشخص الموصوف بـ(العالم روبيل) في روايات أهل البيت (عليهم السلام) والذي ساعد قوم يونس (عليه السلام) على التوبة ورفع العذاب
عنهم ؟
هل مرّ قوم يونس في طور الاستخلاف؟
ما الفرق الدلالي بين(صاحب الحوت) و (ذا النون)؟
هل كانت رحلة يونس (عليه السلام) في بطن الحوت ضمن بحار الأرض أم في بحار كونية؟
وهل الحوت هو الصورة الحسيّة المعهودة لدينا أم هو كائن آخر؟
ما المعني بالظلمات ـ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ـ؟
تقديم:
إن الفكر الاعتباطي الذي هو أحد أدوات المؤسسة الظلامية يصر دائماً على إن لديه مناعة ضد النقاشات التي تستند على حقائق ثابتة كما هي قصة النبي يونس عليه السلام وأحداثه مع قومه وما جرى عليه في بطن الحوت ، التي أتى على ذكرها النص القرآني
إذ أَبَقَ إلى الفُلْكِ المَشحون.. فساهَم فكان من المُدْحَضين.. فالتَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُليم.. فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ.. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
هذه الأحداث ثابتة لدى الفكر الاعتباطي من خلال رؤيا تم إسقاطها على النص القرآني. وهذه الرؤيا لا تصمد أمام جملة من الاعتراضات منها أن الحوت المعهود لدينا (الكائن البحري) مرتهن بعمر معين! لو قلنا على سبيل الفرض إن يونس عليه السلام لم يكن من المسبحين فكيف فهل يبقى هذا الحوت حاضناً له إلى يوم يبعثون؟! كم عمر الحوت هذا؟ ألم تشير النصوص الدينية والتاريخية إن يونس (عليه السلام) كانت رسالته إلى نينوى
طيب بودنا أن نسأل هل يوجد حوت في هذه الرقعة الجغرافية بالصورة التي يصورها لنا الاعتباط الفكري! من المؤكد لا يوجد وسط مائي يتناسب مع حوت بهذا الحجم ، فهذه الرقعة تابعة إلى جغرافيا العراق ، ونحن نعرف أن لا وجود للبحار في أرض العراق ، فالقارئ يعلم خصوصاً في وقتنا هذا بعد أتساع العلوم أن الوسط المائي للحوت هو البحر وهذا ما يؤكده النص
القرآني
فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً
(الكهف : 61
قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً)
(الكهف : 63
فمن أين جاء هذا الحوت في قصة النبي يونس (عليه السلام) التي دارت أحداثها في أرض لا بحار فيها؟!.
طبعاً لم ولن تجد إجابة صحيحة لدى الاعتباط سوى اللف والدوران ، فإنك إن تقصيت جميع الأحداث لهذه القصة بتأني وصبر ستجد إن الرؤية التي يقدمها لك الفكر الاعتباطي قائمة على تصور مزيف وبعيد كل البعد عن وجه الحقيقة ، فضلا عن التقاطع الواضح بين ما يبديه هذا الفكر وما هو ثابت في النص القرآني ، فلا يوجد أي تناسب فيما بينهما فالنص القرآني يثبت شيء غير هذا التصور
أما النصوص الروائية تثبت صراحةً إن النبي يونس عليه السلام مرّ بسفر كوني خارج المجال الدنيوي
مجال تجاوزي يختلف عن هذا البعد بواسطة الحوت الذي هو قوة تعني باستقرار الكرة الأرضية كما سيأتيك. وتثبت النصوص الروائية أيضاً ان قومه مرّوا بطور الاستخلاف
وستلاحظ في مستقبل هذه الدراسة أن هناك فرق شاسع بين المركبات اللفظية لهذه القصة فـ(ذا النون) تختلف دلالتها ومفهومها عن (صاحب الحوت) وهناك الكثير مما سنقدمه لك بإذن الله تعالى
لكن على الرغم من الحقائق القرآنية ومن الثغرات البادية في رواية هذه القصة (وجميع الأحداث التاريخية الأخرى للفكر الاعتباطي
نجده يصر ويتعصب على الدوام لما يبديه من نتائج مبتورة! ولهذا أود أن أحذر كل من يقرأ هذه الدراسة ، من الذين نظرتهم لهذه القصة تستند على أساس اعتباطي ، أن يستعجلوا حكماً أو امتعاضا إلى أن ينهوا المتابعة أو القراءة . فالاعتباط لن يتقبل الحقائق المزعجة الواردة في هذه الدراسة. وهذا ينطبق أيضاً على الآخر المثقف!. (العلماني) الذي فطر على معلومات معيّنة يزعم بأن لها أسس علمية غير مشكوك بصحتها. فهو أيضاً لن يتقبل الآتي بسهولة. وكما تبين من خلال مراحل التأريخ التي مررنا بها ، إن كلا الجانبين
المتصارعين (العلمي والديني) لا يعرف بالضبط عما يتكلم ، حيث هو مشغول في إيجاد أو صنع الثغرات والهفوات في الجانب الآخر على الرغم من السرقة التي تجري فيما بينهما ، فكلاً يسرق من الآخر في وقت الحاجة لكن دون الاعتراف بذلك!. أما هذه الدراسة فلا تمثل كلا الجانبين بقدر ميولها وبحثها عن وجه الحقيقة ، بخلاف الطرفين الآنف ذكرهما فهما يعملان عمل الغشاوة القاتمة التي تمنعنا من معرفة الحقيقة. فكلاهما محتل فكري يعمل على فرض ثقافة معينة ليس إلا
من المؤمل لهذه الدراسة أن تفتح أعين القراء الكرام على أن معظم هذه السلطات الفكرية التي نشأت عبر التاريخ كان ولا يزال عملها من أجل تظليل البشرية ، هذه الحقيقة التي أغمضنا عيوننا عنها قرناً من الزمن، فإن هؤلاء أن لم يفعلوا ذلك لما كان لهم القدرة على تنظيم الحشود الغفيرة من حولهم. شأنهم شأن المحتل الغازي الذي يفرض ثقافة معينة بين الشعوب الخاضعة لاحتلاله من أجل أن تفرّخ له أجيالاً من الموالين بشكل أعمى، وهذا الشيء سيوفّر للسلطة الفكرية القائمة استنزاف جهود كبيرة في عمليات القمع والإرضاخ
للمعارضات الواسعة التي لا بد من أن تنتفض بين فترة وأخرى لرفض الفكر القائم. وهذا ما سيحدثونه فعلاً في المستقبل (أقصد بذلك الفكر الاعتباطي) ضد الإمام الموعود (عليه السلام) فهؤلاء أعدوا أجيالاً تواليهم بشكل أعمى ليعارضوا ويقمعوا كل من يخالف رأي علمائهم ، وللقارئ أن يتأمل ما ورد في مجمع النورين للمرندي: عنه (يعني الصّادق "عليه السلام" إنّ لله خليفة يخرج من عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ـ إلى أن قال: ـ يدعو إلى
الله بالسيف ويرفع المذاهب عن الأرض، فلا يبقى إلاّ الدين الخالص. أعداؤه مقلّدة العلماء أهل الإجتهاد ما يرونه من الحكم بخلاف ما ذهب إليه أئمّتهم فيدخلون كرهاً تحت حكمه خوفاً من سيفه، يفرح به عامّة المسلمين أكثر من خواصّهم ـ إلى أن قال:
ـ ولولا أنّ السيف بيده لأفتى الفقهاء بقتله ـ
إلى أن قال: ـ ويعتقدون فيه إذا حكم فيهم بغير مذهبهم أنّه على ضلالة في ذلك الحكم لأنّهم يعتقدون أنّ أهل الإجتهاد في زمانه قد انقطع وما بقي مجتهد في العالم وأنّ الله لا يوجد بعد أئمّتهم أحداً له درجة الإجتهاد، وأمّا من يدّعي التعريف الإلهيّ بالأحكام الشرعيّة فهو عندهم مجنون فاسد الخيال لا يلتفتون إليه
سيبقى هؤلاء المقلدون مسترسلون في نومهم إلى أن تأتيهم الفزعة! عندها سيكتشفون حقيقة هؤلاء العلماء كما ورد عن نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قال عن آخر الزمان :
يكون في أمتي فزعة فتصير الناس إلى علمائهم فإذا هم قردة وخنازير ، قد عوقبوا بنظير ما فعلوا من تغيير الحق عن جهته ، وتحريف الكلام عن مواضعه ، مسخ الله صورهم وغير خلقتهم كما بدلوا الحق باطلاً
بعد ذلك هل تعتقد أن الولي يرتضي هكذا شيعة تم برمجتها وأعدادها سلفاً؟! هل تعتقد عزيزي القارئ أن هؤلاء ينسجمون مع ما وصفهم أبا عبد الله الصادق عليه السلام حينما قال
ليس من شيعتنا من كان في مصر فيه مائة ألف وكان في المصر أورع منه
لكنك عزيزي القارئ تعلم الآن إن ( مقلّدة العلماء) تم برمجتهم من خلال تزويدهم بكميات هائلة جداً من المعلومات المنقوصة المتعلقة بفكرة طور الاستخلاف معلومات غير دقيقة، أو محرّفة بطريقة تناسب تلك السلطات الفكرية القائمة كما ورد عن الأمام العسكري (عليه السلام) واصفاً لفعل هؤلاء (..يدخلون الشك والشبهة على ضعفاء شيعتنا فيضلونهم ويمنعونهم عن قصد الحق المصيب..) ، وهنا تكتشف أن هذا التزويد تم بشكل مقصود
ومتعمد من فترة طويلة لغايةٍ هي إجهاض أو تأخير هذا الطور!.وعلى ذلك وجب علينا أن نلقي نظرة فاحصة في الفصل الأول على عملية تخريب الوعي المتعمد بقضية الاستخلاف للمجتمع الآشوري الذي أرسل إليه نبي الله يونس (عليه السلام) للتوصل بعد ذلك إلى معرفة النفس وعلاقتها بهذه القضية من ميول ونفور
وما هي العوامل التي تؤدي إلى ذلك.
أما في الفصل الثاني سنأخذ نموذج للوعي الملتوي على قضية الاستخلاف من خلال دراسة شخصية الذي رافق نبي الله يونس (عليه السلام) المدعو (تنوخا) والذي جميع أفعاله توحي لنا بأن لديه فكر مزيف وملتوي يعمل بالظن كما سترى ، وهذا الفكر كان موجوداً
ومرسخاً بشكل يتعاكس ويتضادد مع رسالة النبي يونس (عليه السلام) في ذلك الوقت من أجل تأخير طور الاستخلاف الذي حضي به قوم يونس عليه السلام في آخر المطاف
فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ
(يونس : 98
، وسنثبت للقارئ الكريم بإذن الله تعالى إن ذلك الفكر الملتوي الذي تعاكس مع رسالة نبي الله يونس عليه السلام) لا يختلف شكلاً ومضموناً عن ما موجود الآن!. فهذه الأمة تتبع مثيلاتها من الأمم السابقة وفق برنامج المتآمرين بشكل مدروس ومنتظم، كما قد
سيطروا على تلك الأمم تمكنوا من السيطرة على هذه الأمة وقد أخبرنا نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك حينما قال
لتسلكن سنن الذين من قبلكم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة حتى لو أن أحدهم دخل حجر ضب لدخلتموه
كما وسنكتشف معاً بإذن الله تعالى وفي نفس الفصل عن شخصية كانت محور الأحداث في المجتمع الآشوري ، هذه الشخصية كانت إمام ذلك الزمان لكن لم يتعرف عليها المجتمع الآشوري في بداية الأمر على الرغم من تواجده بين ظهرانيهم ، يخالطهم ويمشي في أسواقهم لكنهم لم يتعرفوا عليه إلا بعد أن أذن له الله تعالى!. في الكشف عن
نفسه.
أما الفصل الثالث معني بالتفريق الدلالي للمركبات اللفظية (صاحب الحوت / ذا النون) مصحوب بدراسات جديدة لمفهوم الحوت والنون.
اعتمدنا في هذا الفصل أسلوب المحاكاة بين أحداث الماضي والحاضر لما لهما من ارتباطٍ وثيق
يا فاطمة الزهراء يا أم أبيها .... يا قائم آل محمد
.ما هي وظيفة الرسل
قبل أن ندخل في تفاصيل هذه الدراسة هناك نقطة مهمة وجب الإشارة إليها فهي ترتبط بأدوار الأنبياء ووظائفهم التي أدوها مع مجتمعاتهم وعلاقتها بقضية الاستخلاف ، وهذه النقطة بالذات ظهرت واضحة جلية في رسالة نبي الله يونس (عليه السلام
عند تتبعك النص القرآني وملاحقة لفظة الرسل/الرسول ستكتشف أن وظيفة الرسل هي أزاحت الظاهر المزيف وتقويضه تماماً لتهيأت المجتمع إلى القادم المنتظر بعد بناء واقع آخر مختلف تماماً عما كان ، وذلك يعتمد بالدرجة الأولى على إعادة الوعي البشري إلى بنيته الأساسية من خلال تربية النفس وتهذيبها فهي الأرض التي سينمو فيها المشروع المرتقب، ولهذا السبب كثيراً ما نلاحظ أن المجتمعات تعمد إلى تكذب الرسل وقتل البعض منهم في بداية الأمر لأن الجديد الذي يأتون به لا يتوافق وقولبة الوعي والتربية
المضادة وما موجود في واقعهم من مشاريع مزيفة تم ترسيخها لتكون حائلاً دون تحقيق المشروع الإلهي تأمل قوله تعالى
.أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ)
(البقرة : 87).
والآن تعال معي لنلقي نظرة على الوظائف التي كلفت بها الرسل مع مجتمعاتها حينما بعثوا فيهم وذلك من خلال مراقبة وتتبع الموارد اللفظية المقترنة مع لفظة رسول
قوله تعالى:
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (البقرة : 129
كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ) (البقرة : 151
لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ
(آل عمران : 164).
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (الجمعة : 2
ما أود توضيحه هنا هو الدور الوظيفي المتعلق بالرسول وتحديداً ما جاء في النص القرآني
(يعلمهم الكتاب والحكمة)
.ففي هذا المركب اللفظي يبدو واضحاً أن تعليم الكتاب من قبل الرسل لمجتمعاتهم يكون متقدماً على الحكمة وذلك لما رأيناه حسب تتبعنا للمركب اللفظي الكتاب والحكمة) فجميع الموارد جاءت في النص القرآني بهذه الصيغة (الكتاب والحكمة) وبذلك يكون تعليم الحكمة هو الغاية الأساسية للمجتمعات وفق النسيج اللفظي ، وهناك التزكية أيضاً(ويزكيهم) فلا بد من تهيئة للوعي من خلال إبطال قوانين ونظم مستحكمة تعمل على تعمية معرفة النفس وطهارتها ومن ثم إرساء قوانين جديدة فاعلة في جوهر النفس مرتبطة
بمصدر حركتها وهذا الدور يؤدي إلى تعليم الكتاب والذي يؤدي بالنتيجة إلى تعلم الحكمة التي تعني بمعرفة الإمام (إليه التسليم) كما ورد في النصوص الروائية منها:
في تفسير على بن إبراهيم قوله
يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا
قال
الخير الكثير معرفة أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام
عن علي بن النضر عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال : قلت : جعلت فداك ما تقول في قوله
( ولقد آتينا لقمان الحكمة )
قال : أوتى معرفة إمام زمانه
ولا بد من الإشارة إلى أن معرفة الإمام دون معرفة النفس لا يمكن بحال من الأحوال لأنهما طرفي معادلة المعرفة وإليها أشارت الأحاديث
(من عرف نفسه عرف ربه)
وبما أن هذه العملية التي تعتمد على التزكية والتعليم منحصرة بالرسول المبعوث إلى قومه فقط كما لاحظت في النصوص القرآنية، فلا يمكن بعدها أن نقبل لشخص ما تأسيس فكري أو منهجي أو تربوي (عملي) عن معرفة الإمام (عليه السلام) إلا أن يثبت لنا أنه رسول وله رسالة!. وهذا الكلام الذي يستند إلى النص القرآني والروائي على حدٍ سواء يلغي مفاهيم كثيرة كنا نعتمدها من ذي قبل، فإذا كانت الحكمة تعني بمعرفة الإمام والمعلم فيها يكون رسولاً مبعوثاً من قبل الله عز وجل فما معنى الذين يؤسسون لنظرية المعرفة بعد ذلك؟! والسؤال الأدق هو أن كان هؤلاء غير مرسلين ومبعوثين من قبل الله عز وجل فمن هو الذي أرسلهم وسمح لهم أن يجعلوا أنفسهم في مصاف الرسل؟!.
طبعاً الجواب على ذلك واضح جداً ولا يحتاج إلى تكلف من نوع ما، إذ أننا نعلم من خلال ما تتبعناه في النص القرآني أن هناك دعوة للشيطان تعمل على الضد من دعوة الله تعالى ، فمن ذا الذي يستجيب لها ويلبيها ويقوم على ترسيخها؟!. تأمل النصوص التالية:
وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ
الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
إبراهيم : 22
إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ
فاطر : 6
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ
لقمان : 21
هذه النصوص وأخرى غيرها تؤكد على أن هناك دعوة للشيطان وهناك من يتبعها ويرسخ دعائمها في المجتمعات في أطار المعرفة وغيرها من أمور تُصبغ بصبغة شرعية تنطلي على الناس إذ أن الجميع يتكلم بصفة المبعوث أو الممثل عن الله تعالى وهذا الأمر كان من المسلمات في المجتمع الآشوري إذ أن هناك جهة تعمل كواسطة بين السماء والأرض ومن يشك في ذلك يعد كافراً وهذه الجهة هم الكهنة اللذين يسطرون على كل شيء كما
سيأتيك.
ومن هنا بدأت محنة نبي الله يونس عليه السلام
لقد لاحظت أن المعرفة تعتمد على طرفي معادلة ثابتة نفس ـ رب) وواسطة التعليم يكون رسول مبعوث من قبل الله تعالى وهذه المعادلة لا تمنّي الفرد في أن يعتمد على غيره بل تجعله دائم المجاهدة والمراقبة لنفسه ، أما ما يتم صناعته وأعداده له من شراك شيطانية هو أخراجه من وضعه الجهادي الذي يعمل على تنقية وطهارة باطنه وزجه في الظاهر ذلك المحيط المزيف من حوله ، وهذا الأسلوب المتبع للسيطرة على الوعي البشري نفسه قد
أستخدم منذ القدم وفق منهجية مدروسة ومتقنة ينطلق من استغلال مخاوف النفس البشرية من عدم (تحصيل اليقين) والتشكيك في كل شيء ومن ثم فرض طوق كبير جداً من حولها كي لا تخرج عن المسار المرسوم والمعد لها سلفاً ، هذا الشيء واضح أن تفحصته بنفسك وأن تغيرت أشكاله وطرائقه ، يبقى الهدف منه هو جعل الفرد
تابع صغير غير معتاد على التفكر بنفسه وغير قادر على مجاهدتها وجميع إجاباته التي يحتاجها يأخذها من غيره دون أن يجهد نفسه ، وهذا الغير هو المشكلة لدينا!!. فأن لم يكن مرتبط بالمصدر وله رسالة مكلف بها من قبل الله تعالى فقطعاً سيكون عاملاً على ترسيخ دعوة مضادة لدعوة الحق من حيث يعلم أو لا يعلم ،وهذه التربية هي عبارة عن بِدعة تهدف إلى قولبة الناس بحيث تجعلهم يتطابقون مع بعضهم البعض ليسهل
التحكم بهم وهذه الظاهرة للأسف هي ظاهرة حيوانية مستشرية في النفس يتم استخدامها للسيطرة كما هو الحال مع القطيع في تربيته منذ اللحظة الأولى إلى أن يساق نحو المسلخ
وهذه الظاهرة تصنف اليوم باللاموسية!. لعل القارئ الكريم يعرف حيوان اسمه اللاموس!. أليس كذلك؟. لكنه لا يعرف مدى التشابه فيما بينه وبين هؤلاء الغير معتادين على التفكير بأنفسهم
إن المجموعات البشرية التي هي غير معتادة على التفكير بنفسها وسلمّوا كل شيء لغيرهم، لا يمكن لأي حقيقة، مهما كانت واضحة وصريحة، أن تنحيهم عن معتقداتهم وأحكامهم المسبقة.
إنهم مستعدون لإنكار ما يرونه بأعينهم. إنهم ضحايا حالة نفسية تُسمى بـ"تأثير اللاموسية
lemming effect هذه الكلمة جاءت من "لاموس"، وهو أحد القوارض الصغيرة التي عُرف عنها بأنها تلحق بعضها البعض، بشكل أعمى، في سباق محموم نحو الموت المحتّم كالقفز من هاوية مُرتفعة أو من على حافة نهر هائج.
اللاموسية" هي ظاهرة نفسية كامنة في معظم الحيوانات، ويمكن ملاحظتها بوضوح بين الطبقات البشرية، فما من أحد منيع أو محصّن من الإصابة بتأثير هذه الحالة النفسية مهما كانت انتماءاته الطبقية أو الفكرية أو المذهبية
وما سيظهره هؤلاء من الإنكار الجازم اتجاه الموعود إليه التسليم في المستقبل هو عبارة عن آلية دفاع نفسية، يتم استخدامها من قبل (مقلدة العلماء) الذين لا يختلف سلوكهم عن "اللاموس" وذلك ليس فقط من أجل تحصين أنفسهم من التعرّف على واقع آخر غريب عنهم وبالتالي سيكون واقعاً مزعجاً، بل أيضاً من أجل طمأنة أنفسهم بأنهم
سيبقون مقبولين لدى جماعتهم، لأنهم يخافون من النبذ الجماعي كما لو أنه الموت بعينه.
فاللاموس البشري هو دائماً في حالة رعب من أن يصنّفه احد على أنه أرعن أو متمرّد أو شاذ، أو أي تهمة تصنفه بأنه خارج عن التوجّه العام. فبالتالي، وجب على معتقداته أن تكون دائماً
وفق معتقدات الجماعة، وأفكاره متماثلة وحتى متطابقة مع الفكر العام.
لقد تعايش هؤلاء الأفراد مع أفكار مزورة تناسب توجههم النفسي.لذلك عمل نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على تصنيف هذه الظاهر بقوله هذا لتسلكن سنن الذين من قبلكم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة حتى لو أن أحدهم دخل حجر ضب لدخلتموه
أن كل من سيتحرر من هذه الخديعة الكبرى سيكون في الآخر منفرد وحيد بوعيه وعقيدته وبالنتيجة سيكون غريباً عن توجه الجميع لأنه يتعاكس معهم تماماً، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ ، فطوبى للغرباء
، ثم قال
أما رأيت الرجل يكون في القبيلة صالحا ، فيقال إن فلانا لغريب فيهم
كيف سيطر الظالمين على المجتمع الآشوري؟.
أن أول خطوة يتبعها هؤلاء من أجل بسط سيطرتهم على المجتمع هو الاستحواذ على السلطة القانونية والتشريعية في جميع العصور وهذا الشيء قد حدث بإتقان عجيب في وقت نبي الله يونس (عليه السلام) لقد تمكن هؤلاء من السيطرة على الملك الآشوري اسرحدون الذي تزامن وجوده في وقت نبي الله يونس عليه السلام حسب ما يؤرخه المؤرخون والآثاريون ومنهم طه باقر().وكان هذا الملك فريسة سهلة للمسيطرين إذ أنه كان مريض الجسم يعانى من الحمى والوهن ونقص الشهية وحرقة في العيون والتهابات المفاصل والطفح الجلدي وألم الأذن والقشعريرة وهناك إشارات تدل على مرض اسرحدون عندما كان ولياً للعهد منها ما ورد في الرسالة الموجهة لأسرحدون التي نقرأ فيها
عندما الملك سيدي كان ولياً للعهد وذهب إلى نابو Nabu الحمى بقيت في عينه كما في عين الملك
كان الملك من وجهة النظر الدينية لدى المجتمع الآشوري هو الواسطة بين الآلهة والناس فكان يمثل الناس أمام الآلهة وبالمقابل كان الواسطة التي تنظم الآلهة من خلاله شؤون الدولة للناس( ) وما يؤكد ذلك هو ما وثقه لنا الملك الأشوري اسرحدون الذي أعتلى العرش بعد اغتيال والده سنحاريب ما جرى من طقوس يوم تتويجه ملكاً على بلاد آشور بقوله
عندما في بداية ملوكيتي أجلسني آشور ملك الآلهة بنوع من الافضلية على العرش فأن أنو أعطاني تاجاً وبيل عرشه وننورتا اسلحته ونركال عظمته التي لا يطالها أحد
وهذه العملية التنظيمية هي انتحال صريح للاستخلاف إذ أن هناك خلف مسرح الأحداث جهة تتلاعب بهذا الملك علانيةً وهذه الجهة تبدو واضحة أثناء عملية تتويج الملك تأمل هذا الرقيم الطيني قبل تتويج أسرحدون
يحمل الحمالون العرش الملكي على ظهورهم ويتجهون نحو المعبد فيدخلونه وأمامهم كاهن اشوروهو يضرب على الطبل
ويردد مع ضربات الطبل
(آشور هو الملك آشور هو الملك)
دلالة على أن التتويج لم يتم بعد وأن الملكية في هذه المدة الانتقالية بين دفن الملك المتوفي ومراسيم الدفن حتى تتويج ولي العهد ، قد عادت إلى الإله آشور ولعل القارئ الكريم ومن خلال هذه الفقرات يرى مدى التشابه للأحداث التاريخية التي لا يمكن أن تصنف بالعفوية، فمثلما كان ينادي الكاهن بخبث ودهاء بهذا النداء عن خطة خبيثة معدودة سلفاً لتنصيب الملك الجديد
كذلك فعل أبو بكر حينما نادى قائلاً
ألا من كان يعبد محمد فإن محمد قد مات ومن كان يعبد الله فأن الله حي لا يموت
من أجل التحضير إلى المخطط القادم.
لقد عملوا على إرساء فكرة الخليفة في الوعي البشرية منذ القدم بشكل منظم تماماً
وتلاحظ هذا الأمر بشكل أوضح من خلال استقراء التاريخ العام للمجتمع الآشوري ستجد أن العراقيين القدماء نظروا إلى الأقوام التي لا يوجد على رأسها ملك أو أمير نظرة استهجان لأنهم قوم لا يستطيعون تدبير أمورهم أو تنظيمها وتوجيهها الوجهة الصحيحة بالشكل الذي يؤدي إلى درأ الأخطار وما إلى غير ذلك وهذا ما أكدته نظرة العراقيين القدماء عندما شبهوا الشعب الذي يفتقد إلى الحاكم
بالحقل الذي لا ينمو فيه الزرع إذا لم يحرث-
وبقولهم أيضاً
الجنود بلا ملك غنم بغير راعيها
حتى أنهم ربطوا سلامة البلاد ورفاهيتها بسلامة الملك نفسه ( ) لأنهم يتعاملون معه على أساس فكرة الاستخلاف لكن بشكل منتحل ومزيف وفي الحقيقة هو يتوسط فيما بينهم وبين الآلهة تلك القوى المسيطرة عليه إذ أن هذه القوى عملت على قولبة الوعي ضمن صيغة معيّنة تعتمد على نظرتها الخاصة التي تناسب رغباتها ، فتم تربية المجتمع على مفهوم هو أن كل خطر يهدد حياة الملك يعد خطراً يهدد أمن
وسلامة البلاد ولقد كان الاعتقاد السائد آنذاك أن كل ما يحدث في العالم من أحداث إنما هو مقدر من الآلهة فلو عرف الإنسان إرادة الآلهة لاستطاع أن يقف على نتيجة أعماله وقد اعتقدوا أن معرفة إرادة الآلهة أمر ممكن لطبقة خاصة من الكهنة
أي أن هذه الطبقة تستطيع أن تقف على مشيئة الآلهة في الظواهر السماوية ، وفي حركات الإجرام السماوية وفي الرؤى والأحلام ، وفي المخلوقات الشاذة ، وفي الإمارات التي تظهر في كبد الحيوانات المضحى بها فيخبروا الملك بما تضمر له الأيام القادمة
أن هؤلاء في الوقت الذي احتكروا لأنفسهم تفسير كل شيء قد استطاعوا أن يسجنوا الملك داخل سياج من التحريمات والامتناعات على اعتبار أنها كانت مقدرة في الأصل من قبل الآلهة فكان عليه مثلاً ارتداء رداء أبيض خاص ببعض الطقوس السحرية لعدة أيام إذ نقرأ في رسالة لأحد هؤلاء إلى الملك اسرحدون ما نصه
إما فيما يتعلق بالملابس الكتانية البيضاء التي ذكرها سيدي الملك في رسالته سائلاً كم يوم عليّ أن ألبسها ؟
فيلبسها سيدي الملك في العشرين واليوم الواحد والعشرين من الشهر يومان كافيان كذلك في اليوم الثاني والعشرين فإن أكمام الثوب سوف تصبح مقدسة
وفي بعض المناسبات التي يكون حضور الملك اسرحدون فيها واجباً ولكنه لا يستطيع الحضور بسبب سوء الطالع فإنه كان يبعث ملابسه لكي لا يتعرض شخصه لأي خطر كما نجد هذا في الرسالة الموجهة إلى اسرحدون
ارجو من الملك سيدي إعطاء الأمر بإرسال ملابسه إلى محل الاحتفال والتي ستقرأ عليها الكلمات الخاصة بالشعائر والطقوس الدينية
وكان هؤلاء يتدخلون حتى في علاقته مع اقرب الناس أليه وهو أبنه ولي العهد كما تشير الرسالة التي بعث بها بلاسي إلى اسرحدون
اليوم الثالث من الشهر القادم على الملك سيدي أن لا يرى ولي العهد هذا اليوم ولا يجلس معه أو يكلمه ويشرب معه هكذا
!!!أشارت النجوم في السماء
ولم يتوقف تدخل هؤلاء في حياة الملك الشخصية بل تعداه حتى في تأثيرهم على قرارات الملك مهما كانت خطيرة وجسيمة مثل عقد المعاهدات وإرسال الجيوش للحروب ويتبين لنا ذلك من رسالة أحد المنجمين إلى الملك اسرحدون التي نقرأ فيها
إلى الملك سيدي خادمك بيل-ناصر بخصوص مراقبة القمر لم يكن هناك خسوف فقد حدث كسوف للشمس في اليوم الثامن عشر سيكون هناك خسوف للقمر في الشهر الثامن أنه علامة جيدة أعلم أنه في شهر نيسان ...لن أرسل...عندما...الملك كلمه...فاليسحب سيدي العدو...
أن هؤلاء من أجل أحكام سيطرتهم على جميع الجوانب الحياتية يعملون على خلق فوضى لتقسيم الناس إلى مجاميع تتصارع فيما بينها كي تتولد قوى معاكسة تطالب بحقوقها وذلك يكون ضمن نفس الدائرة لأجل توزيع السلطة بشكل متزن فيما بينهم
وهذا الأمر بدأ مع اسرحدون ملك آشور منذ اليوم الأول في توليه على المملكة الآشورية حيث بدأ بحملة على قتلة أبيه ثم استمر الأمر إلى قتاله مع الفراعنة والقارئ الكريم يعلم جيداً ما يصاحب هذه الحملات العسكرية من إلهاء فكري وتفكك اجتماعي وإلى غير ذلك
ولكي تتصور هذه العملية سأنطلق معك من واقعك هذا وعملية التزوير التي طالت فكرة الاستخلاف، إذ ليس هنالك اختلاف بين الماضي والحاضر بشأن هذه الفكرة التي تعتمد بالدرجة الأساسية على تمثل الله تعالى من على الأرض
أن عملية التمهيد للفكر المعاكس لمشروع الله تعالى يعتمد في المرحلة الأولى على جعل جميع المعلومات أو الأفكار التي يتم تزويدها للناس مبتورة وغير كاملة ومصممة خصيصاً من أجل المحافظة على الوضع الراهن في محاولة لتأخير طور الاستخلاف وتحييده كي يتسنى لهم ترسيخ مشروعهم البديل وهذا الأمر يعتمد اعتمادا كلياً على المشاكل
المطروحة في المجتمع وهذه المشاكل وجب أن ترتبط بمسلمات من أجل حمايتها ذاتياً وعدم المساس بقدسيتها من الخارج.
هنا تتعطل جميع الحلول
لأن جميع الأفكار منغلقة على ذاتها وبالتالي لا يمكن حل هذه المشاكل وهذا هو المطلوب بالدرجة الأولى وكيف يمكن حلّها وهي مرتبطة بمسلمات لا يمكن تجاوزها من قبل أي من الأطراف المتصارعة سواء كانت بين ديانات أو مذاهب مختلفة أو بين المذهب الواحد.
طبعاً تُعتبر هذه الظاهرة من أعراض المشكلة الأكبر، المتمثلة في المُعتقدات وتركيبة الوعي التي فُرضت على الناس المقسمة إلى مجاميع تتصارع فيما بينها ضمن دوائر مضغوطة بوعي لا يمكن الفرار منه ، ومُعظم هذه الأفكار أو المسلمات الغير قابلة للنقاش إن تم مراعاة الموضوعية فيها ستبدو سطحية، اصطناعية، معدة بخبث ودهاء!. ولا تعكس طبيعة علاقة الناس بفكرة الاستخلاف المنتظر بل ستبدو هذه الأفكار المطروحة في الساحة
شراك معدة لصيد كل من يهفو قلبه اتجاه هذه الفكرة ، وخطورة الموضوع تكمن في إن هذه الأفكار المتصارعة في الخارج هي أفكار متشابهه من حيث الجوهر!. نعم متشابهه وليست متعاكسة كما تراها في الخارج. سأعطيك مثلاً بسيط بين التعاكس الاجتماعي أو السياسي أو الديني الذي تنتج جراءه الحروب والخلافات بشكلها العام ، لتدرك بعد ذلك اللعبة التي يلعبونها ، وجب أن تعلم قبل كل شيء إن هذه الدوائر الفكرية التي نعيش داخلها، هي دوائر محدودة جداً وضيقة جداً، لدرجة أنه ليس هناك أفكار مضادة أو متعاكسة!. لذلك سوف يصنع الظلاميون أفكار متعاكسة لكي تكرّس سياسة فرّق
تسد. لكن وجب أن تتذكر أن الفكرة السائدة التي تقول بأن المجتمعات المتعاكسة تقاتل بعضها البعض هي "مصممة من أجل التقاتل". هي فكرة غير صحيحة.
فالمجتمع الذي يرى القتال كحل لكل شيء، يعاكسه في المقابل مجتمع يرى القتال كحل للا شيء، وبالتالي هو مجتمع مسالم لا يتقاتل أبداً بل يدافع عن نفسه فقط
لا أعتقد أن مجتمعاً من هذا النوع لازال موجوداً بيننا لكننا نبقي على هذا التساؤل قائماً هل صحيح إن المجتمعات التي تتقاتل هي مجتمعات متعاكسة؟.
أن جميع المجتمعات التي تتصارع اليوم هي مجتمعات متشابهة وليست متعاكسة. لأن كليها ترى القتال كحلّ لكل شيء. أكبر مثال على ذلك ما حصل أثناء الحرب العالمية الثانية. المعسكر القابع في أقصى اليسار، والمتمثّل بجوزيف ستالين، تم صدامه مع المعسكر القابع في أقصى اليمين، المتمثّل بأدولف هتلر. وطبعاً كانوا مختلفين ظاهرياً، أليس هذا ما قالوه لنا في دراسة التاريخ؟ لكن الحقيقة كلاهما كان دكتاتوراً!. وعلى ذلك أخبرك الآن أن الأفكار المسلّم بها والمتصارع عليها لدى المذاهب الفكرية هي الأخرى مسلّمات
متشابهة وليست متعاكسة لأن جميع هذه المذاهب تدعي الحقيقة لنفسها فتتقاتل فيما بينها، وبذلك لا تعدو أن تخرج هذه المذاهب والأطراف
عن دائرة الطاغوت وكلها لا تمثل الحقيقة!.
وهذا خلاف النص القرآني عندما يتكلم عن القتال فهناك تعاكس واضح لا خلاف فيه
الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً
[النساء : 76]
وإنك تشاهد هذا التعاكس على أرض الواقع بوجود الولي وضده الذي يعاكسه في كل شيء ومثال على ذلك الإمام علي (عليه السلام) ومعاوية فلا تشابه بينهما أبداً فالإمام مرتبط بالمركب اللفظي (سبيل الله) ومعوية مرتبط بالمركب اللفظي (سبيل الطاغوت)وبذلك يكون التعاكس واضح وبيّن لوجود الولي في ساحة الأحداث أما إذا كان غائباً فجميع ما موجود من تعاكس لا يمثل وجه الحقيقة ومن هنا نعلم الآن الحكمة الحقيقية في تعاليم أهل البيت (عليهم السلام) وتحذيرهم إيانا من عدم الدخول والمشاركة الفعلية في
هكذا تعاكس وصراع بل عدوه فتنة وجب الابتعاد عنها.
والآن بودي أن أسألك أخي القارئ سؤالاً ستكتشف من بعده جسامة وهول ما يتم صناعته من حولك في هذه الحياة.
هل تستطيع أن تحدد ما الفرق بين المتعصّب الهندوسي الذي يفرض تعاليمه للمنقذ القادم على أولاده بالقوّة، رافضاً أي إمكانية أو بديل آخر، وبين المتعصّب المسلم أو المسيحي الذي يفعل نفس الشيء، وكذلك اليهودي الذي يذهب بعيداً في هذا الأمر؟! الحقيقة هي أن جميع الديانات والمذاهب المنادية بالمنقذ القادم متشابهون، لا يختلفون سوى بالأسماء والعناوين، وطريقة التفكير. حتى وإن تناحرت هذه الفرق والأديان فيما بينها فهي متشابهة أيضاً فهي تقرر سيادة فكرتها الاعتباطية على الطرف الآخر
بما إن هذه المُعتقدات المُسلّم بها هي التي تحكم تفكير الناس الآن وليس تجربتهم الشخصية الخاضعة لطرفي المعادلة التي تكلمنا عنها
(من عرف نفسه فقد عرف ربه)
ومنظورهم الخاص لما كان ولا يزال يجري من حولهم بشأن الفكرة المهدوية التي هي أساس لجميع الاعتقادات ، فسيبدو أن مُعظم الناس هم نائمين مخدرين عن التعامل بالشكل الصحيح مع هذه العقيدة المهدوية وقائدها الموعود، سلّموا شؤونهم لمجموعة من الغزاة المحتلين للوعي البشري وما قد لاحظته في الحديث الذي ذكرناه في مقدمة البحث إن الذين يفرحون به -أي الموعود)
ـ هم عامّة المسلمين أكثر من خواصهم ـ لماذا؟
لان هؤلاء ليس لهم شأن بالدائرة الكهنوتية ولا في الجوانب التنظيرية لهذه العقيدة المهدوية ، فهؤلاء الموصوفين بالعوام لا يشبهون الطبقة الكهنوتية أو الموصوفين بالخواص بل أنهم متعاكسين معهم على جميع الأصعدة ، وهؤلاء هم من سينجون في آخر المطاف وهم من سيلتفون حول إمامهم (عليه السلام) على الرغم من المخططات والسيناريوهات التي أعدت لهم من قبل المؤسسة الكهنوتية في درجهم ضمن سلك معين لا يخرجون منه التقليد
ما الذي يعنيه نبي الله يونس (عليه السلام) بقوله: إني كنت من الظالمين
في الفصل الثاني ستتعرف بشكل تفصيلي على طبيعة عمل الظالمين إذ إننا سنناقش نموذجاً عن هذه المؤسسة وطبيعة عملها في وقت النبي يونس (عليه السلام) وما علاقته (عليه السلام) بها ، وكيف ركن إلى النصيحة التي أبدتها له عن طريق ولدها البار (تنوخا)! في أن يدعو على قومه بنزول العذاب؟ هذه النصيحة التي ومن خلالها بدأت الأحداث تتغير في محاولة لقطع
علاقة النبي يونس (عليه السلام) بالسماء ، بعد أن استمالته في أن يتقبل مخطط إهلاك قومه ، فهذا المخطط أدخل النبي يونس (عليه السلام) في ورطة كبيرة تتمثل في طبيعة علاقته الأساسية بربه مما أدى إلى تردد يونس (عليه السلام) في التعاطي والقبول معه كما ورد في حديث أبي حمزة الثمالي أنه دخل عبد الله بن عمر على زين العابدين عليه السلام وقال: { يا ابن الحسين أنت الذي تقول إن يونس بن متى إنما لقي من الحوت ما لقي لانه عرضت عليه ولاية جدي فتوقف عندها ؟ قال: بلى ثكلتك أمك (الحديث طويل
أخذنا منه محل الشاهد
ويمكنك أخي القارئ التعرف على طبيعة هذه المشكلة بشكل أوسع من خلال ما يلي:
إن رب يونس (عليه السلام) هو الذي يؤسس لمشروع طور الاستخلاف لأن هذا الطور هو مشروعه ، وبلا خلاف إن هذا المشروع يعتمد على عناصر أساسية وأهم هذه العناصر هو الذات الإنسانية بعد أن يتم تهيئتها وإعدادها من قبل هؤلاء المرسلين مثلما لاحظت في بداية الفصل بشأن تعليم الكتاب والحكمة وذلك لأجل الدخول في هذا المشروع ، وبذلك لا
يجوز للنبي يونس (عليه السلام) أن يدعو على قومه كما ستلاحظه في النصوص التي سنوردها أليك فيما بعد ، فيونس (عليه السلام) مكلف برسالة يؤديها ليس إلا.. أما مسألة تقرير العذاب ومستحقيه فهو منوط بالرب ، إلا أن يونس (عليه السلام) شملته عناية ربه في آخر المطاف كما في قوله تعالى
لولا أن تَدَارَكَهُ نِعمةٌ مِن ربِّه لنُبِذَ بالعراءِ وهوَ مَذْمُوم فاجتَباهُ ربُّهُ فجعلهُ من الصَّالحين
(50:القلم)
إن النبي يونس (عليه السلام) قام بعمل من شأنه أن يؤدي بالنتيجة إلى تأخير مشروع (المهدوية) حينما دعا على قومه ، وهذا ما تبحث عنه مؤسسة الظالمين طبعاً!. وهي الخديعة الكبرى التي أوقعوا فيها هذا النبي بعد أن ضغطوا عليه وحاصروه
طيلة فترة (33) سنة مع ما كابده منهم (عليه السلام) فلقد استطاعوا أن يحيطوا به كل هذه الفترة من أجل أن يجعلونه يدعو على قومه وهي الغاية التي يطمحون إليها!.
كي يقولون للناس إن هذا المشروع الذي أتى به هذا المدعي بالنبوة مشروع مزيف لا يرقى بكم إلى أي مستوى ألا ترون كيف فرط بكم ودعا عليكم؟
إن قلت كيف ذلك؟
نقول: هل تمعنت باعتراف النبي يونس (عليه السلام) عندما نادى في الظلمات (إني كنت من الظالمين) أليس هذا تأكيد منه على أنه كان جزءاً منهم في وقت مضى عندما أستمع إلى نصيحة (تنوخا)
ورفض نصيحة العالم (روبيل) (سيأتيك تفصيله في الفصل الثاني) وأن قلت كيف ذلك؟.
نقول ماذا تفهم حينما يصف القرآن رجلاً (بالظلم) وبهذه الصفة المطلقة أفليس هناك مظلوم في الخارج غير النفس؟!. "فان قلت تقصد قول يونس
إني كنت من الظالمين) الجواب نعم أن هناك ظلم تحقق وقوعه في الخارج من قبل يونس عليه السلام فقد ظلمَ قومَه عندما دعا عليهم وإذ ذهب مغاضاً لأنه تعالى يعلم أنهم سيؤمنون وقد آمنوا بالفعل و
(نفعتهم إيمانهم)
فلو لا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قومَ يونس)(98/ 10.)
وجب أن تعلم عزيزي القارئ عندما يرسل رسول معين فسيكون كلام هذا الرسول نقمه على المذاهب الفكرية المتسلطة آنذاك وهذا الشيء يدعو إلى التسلح في ردة فعل شرسة وعنيفة من قبل تلك المذاهب الفكرية لكنها ستكون منظمة جداً ، وحتى إن كانت تلك المذاهب متناحرة فيما بينها ستتحد من أجل المصلحة في آخر المطاف!. أما فكرة دعوة النبي يونس عليه
السلام على قومه فكانت صنيعة متقنة من قبل هؤلاء الظالمين فهي فكرة مدسوسة ، وبذلك حققوا هدفين من هذا الوضع ليصلوا الى النتيجة التي يرسمون اليها
الهدف الأول: شككوا الناس بهذا المشروع ومن ثم أوثقوا سيطرتهم عليهم من جديد
أما الهدف الثاني: فهو قطع علاقة هذا النبي بمصدره الذي يتلقى منه إلى أن وصل به الحدّ أن يذهب مغاضباً ، ومما ستلاحظه في النصوص الروائية أن هناك من حذر يونس (عليه السلام) من مغبة هذا الموقف وهو العالم روبيل- عندما قال
أي روبيل" انزل الوحي والأمر من الله فيهم على ما أنزل عليك فيهم من إنزال العذاب عليهم ، وقوله الحق ، أرأيت إذا كان ذلك فهلك قومك كلهم وخربت قريتهم أليس يمحو الله اسمك من النبوة وتبطل رسالتك وتكون كبعض ضعفاء الناس ، ويهلك على يديك مائة ألف او يزيدون من الناس
أما النتيجة فهي تأخير مشروع المهدوية فهؤلاء يجتهدون في تأخير هذا المشروع وتحققه لأنهم يعلمون جيداً إن هذا المشروع مرتبط بشروط وغير محتوم من ناحية الزمان وبالتالي لا يتحقق إلا عند توفر الشروط الخاصة به
أنظر عزيزي القارئ ما ورد عن فقيدنا النيلي في كتاب "طور الاستخلاف".
أو لم يروّا أنّ الله الذي خلق السموات والأرض قادرٌ على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلاً لا رَيبَ فيه فأبى الظالمون إلا كفور
الإسراء/99
لاحظ هنا علاقات النظام القرآني: القدرة على خلق مجموعة سموات وارض أخرى (الملكوت)، الأجل المرتبط بالسموات والأرض، لاحظ أيضاً ان الظالمين يؤخرون هذا الأجل لأنه اجل مسمّى بشروط لا محتوم من ناحية الزمان أي في يوم كذا في سنة كذا بل هُوَ مشروط ويتحقق عند توافر الشروط الخاصة به. (إنتهى كلامه).
هذا الإطار العام الذي تم اعتماده من قبل مؤسسة الظالمين في بسط سيطرتها وحكمها على قوم يونس عليه السلام قبل أن يؤمنوا وهذا الشيء لم يُبنى بالصدفة ولم يظهر بشكل عرضي. إنه سياسة مقصودة تم تطبيقها باستمرار عبر قرون طويلة ولا تزال إلى الآن في إنشاء بديل مشوه ينوب عن الإمام (عليه السلام) يحكم ويسيطر على الخلق أجمع. خصوصاً بعد أن يعرف القارئ الكريم أن هذه الأحداث جرت في الحضارة الآشورية التي تحوز على معارف
سرية كثيرة والتي ترتبط علومها بالعلوم الكونية ، فالحضارة الآشورية تشترك بالكثير مع الحضارة السومرية والبابلية اللتان يحوزان على علوم ومعارف لازال المجتمع العلمي يعجز عن إدراكهما ، وللقارئ الكريم أن يتصور مدى حجم المصاعب التي كان يصارعها النبي يونس (عليه السلام) مع هكذا سلطة! مع ما تحوز من دعم كهنوتي كبير يعمل على حرف الحقائق إلى ما يناسب ازدهار تلك السلطة
القائمة
أعلم إن أهم الصعوبات التي تواجهك الآن هي موضوع عصمة نبي الله يونس (عليه السلام) وموضوع المهدوية والأقوام القديمة
فان قلت فأين (العصمةُ) التي يجب أن يتصف بها يونس عليه السلام؟
فهذا السؤال وان كان خارج موضوعنا الآن لكنه سيكون في صميم الموضوع فيما بعد فاكتفي هنا بذكر ثلاثة أشياء
الأول: أن للعصمةِ درجاتٌ ومراتب بحسب الأفراد الذين هم موضوع العصمة
الثاني: أنّ العصمة كمرتبة لكل فرد ليست ثابتة وإنما هي دالة متغيرة الدرجة
الثالث: أنّ منشأ الأفعال له مصدران هما القلب والعقل - فعصمة القلب هي على نحوٍ ما واحدة وإنما يحدث التفاوت في عصمة العقل ومن هنا يختلف الفعل الخارجي الواحد الصادر من شخصين متفاوتين جداً في العِصمة. وسوف يتوضح الأمر في محله بأزيد من هذا في موضوع التفاضل
{ تلك الرسل فضلنّا بعضهم على بعض
253/2.(راجع كتاب أصل الخلق للفائدة أكثر)
أما موضوع المهدوية والأقوام القديمة قطعاً ستتساءل كثيراً عن مدى صحة هذه الفكرة ومدى واقعيتها وهل حقاً هذه الفكرة موجودة في تلك المجتمعات؟! وبدوري أقول لك أن العقيدة المهدوية قائمة منذ التاريخ الأول خصوصاً على أرض بلاد الرافدين. وأول من نادى بهذه الفكرة من هذه الحضارات وثبتها هم السومريون ومهديهم المخلص هو إيليا ثم من بعده ولده الإله سين
وهو أيضا مخلّص العراقيين
الآشوريين والبابليين والأكديين-
والآشوريين هم مجتمع نبي الله يونس (عليه السلام) وهؤلاء كان لهم نموذج معين ومعد سلفاً بحسب ما توارثوه بشأن عقيدة المهدي من قبل السومريين!
التي تم تحريفها عن وجهتها الصحيحة بعد أن كانت تحمل في ثناياها روح الإيمان الحقيقي ، لكن هذا الأمر لم يرق للمؤسسة الدينية والساسة المباركين من قبلها فلقد تم برمجة المجتمع الآشوري من قبل هؤلاء على طقوس معينة وحجب الحقيقة عنهم
فكما هو ثابت أن الآشوريون كانوا يعبدون القمر باسم(إله سين) (لقد فصلنا هذا الموضوع المتعلق بالإله سين في بحث الحوراء زينب) وان محلة (سينا) الحالية الواقعة غرب القوس القديمة وجنوب القوس المندرسة والأراضي الممتدة جنوب البلدة القديمة والمسماة بسينت) لدلالة بان هذه الحفرة هي بقايا معبد أو زقورة للإله سين. وكان الآشوريون يقيمون احتفالات سنوية في هذا المعبد بجلبهم تمثالا يمثل إله (سين) من معبده في نينوى ويطوفون به في هذا المعبد ثم يعاد إلى معبده الأصلي( ).وعندما تنتهي هذه المناسبة السنوية
ينتهي معها كل شيء وهذه العملية تكشف عن عمق إدراك المحتلين الغزاة لطبيعة الوعي البشرية وكيفية حشده وتبديده في زمان ومكان محدد
فعندما جاءهم يونس (عليه السلام) بالنموذج الجديد الذي يكشف عما تم طمسه وتحريفه لم يقبلوه ورفضوه جملة وتفصيلاً في بادئ الأمر لأنه نموذج يختلف عما يؤسس له المجلس الكهنوتي في تلك الفترة ، ومحاولاتهم في القتل والأذى الذي تلقاه نبي الله يونس (عليه
السلام) من هؤلاء لسبب بسيط فأنه قال لهم أن العقيدة المهدوية تم استغلالها من قبل المحتلين وهاهم يبدون لكم أنهم من المؤسسين لهذا المشروع ليدخلوا إلى وعيكم وقلوبكم من خلاله!. في الوقت الذي هم فيه أشد المعادين والمعاندين لهذا المشروع لذلك بدءوا بحرب على نبي الله يونس (عليه السلام) مما أضطره أن يخرج من بينهم ويدعو عليهم
ما علاقة الذي جرى مع يونس (عليه السلام) وقومه بما يجري الآن؟
أخي القارئ : أن النموذج المزيف الذي ساد المجتمع الآشوري قبل مرورهم بطور الاستخلاف تجده في هذا العصر الحديث!. أصبح أكثر رسوخاً وأكثر سوءاً من العصور السابقة فهؤلاء بدءوا يخلقون لك نماذج مزيفة وذوات مشوهة تدعي هذا المشروع الإلهي جهاراً! أصبح لهذا المشروع جيش يصول ويجول ويقتل الناس!. كل هذا من أجل قتل هذا المشروع في نفوس الناس وبغضه بغضاً شديداً.
وهذا التخطيط معد ومرسوم لمذهب التشيع ولقد نبهنا أهل البيت عليهم السلام
بشأن هذا المخطط فلقد ورد عن زرارة قال:
{ قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : قوله: { لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لا تينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين - فقال أبو جعفر (عليه السلام) : يا زرارة إنما صمد لك ولأصحابك، فأما الآخرين فقد فرغ منهم - بحار الأنوار
للقارئ الكريم أن يسأل كيف يصمد الملعون للشيعة؟
تأمل قوله تعالى
فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
القصص : 79
بعد أن أطلعت على هذا النص القرآني أصبح الأمر بسيط لديك ، فإذا تعلق المجتمع تعلق تام في الحياة الدنيا سيعمل النظام الملتوي على أعداد شخصيات تخرج على قومها بإمكانيات يتمناها الجميع وهذه الشخصيات وجب أن تكون من الذين لهم مكانة مقدسة ومتجذرة في الوعي البشري والواقع الاجتماعي وهذا الخروج وجب أن يكون (في زينة) كي يتمنى المجتمع ما لديهم ، والملفت حقاً قوله تعالى في النص أعلاه (خرج على قومه) فالخروج من الأساس مستعلي فهو لم يخرج لهم بل عليهم وبالتالي وجب
أن يكون هؤلاء "ناجحين" في ظل نظام قائم ليكتسبوا كل هذه الهيمنة على النفوس والعقول
لذا نلفت عناية القارئ إلى أن هؤلاء الذي يشرفون على النظام القائم في كل مجالاته لديهم مصلحة في المحافظة على الوضع الراهن مهما كلف الأمر ، إذ أنك تلاحظ وفي هذا الوضع الراهن، يقوم هذا النظام البديل الملتوي بتنظيم نفسه بنفسه في الوقت الذي يتم فيه إلهاء الناس بأحداث هنا وهناك تبعدهم عما يحدث حقيقةً ، كما وأن الأفراد اللذين لهم وجهات نظر وميول منحرفة تلائمهم استمرارية هذا النظام البديل الملتوي طبعاً فهم يكتسبون المنزلة والنفوذ فيه، أما أولئك الذين يوافقون على قواعد هذا النظام البديل
وقوانينه يجدون أساليب مناسبة لفرض وتطبيق هذه القواعد في الواقع الاجتماعي أو الفكري بشكل عام ،
وأما الذين كان لديهم منفعة كبيرة في هذا النظام البديل فيعتلون المناصب المناسبة للمساعدة على تفعيله عن طريق تسويقه بأساليب ملتوية وخبيثة. وبغض النظر عن الكيفية التي تم من خلالها نشوء هذا النظام المنحرف البغيض، فالحقيقة هي أن هذه النوعية من الأشخاص المنحرفين المناسبين لهذا النظام أصبحت تحكم الخلق بكل ثقة ، وذلك يؤدي إلى سطوة تأثيرهم الذي لا يمكن كبحه واستبعاده عن جميع مناحي حياتنا وأفكارنا ومعتقداتنا بسهولة!. فما يعتقده الكثير الآن بشأنهم هو اعتقاد
راسخ إنهم يمثلون الحق والحقيقة! بل ويدافعون عنها وفي بعض الأحيان تعتقد أنهم يقتلون دونها! وهذا ما برعوا في تجسيده طبعاً. وإن قلت عزيزي القارئ .. لكن كيف يكون الأمر كذلك؟.
نقول: لكل كيان فكري نشأ وازدهر عبر الزمن، يوجد له تاريخ. ودائماً يكون هذا التاريخ أسود (لكنه مخفي عنك)... مع الكثير من وشحات الدم والدموع. ويعتمد مدى ازدهار هذا الفكر وقوته وعظمته على عدد ضحاياه ومساحة انتشاره ، أما مدى الدمار والخسائر التي خلفها في هذا السبيل أيضاً تحسب له هي الأخرى .
يجب أن تعلم عزيزي القارئ إن هذه معادلة ثابتة علمنا إياها التاريخ. ولا أقصد بالفكر تحديداً الفكر الديني لا بل جميع المذاهب الفكرية وحتى السياسية منها ، فالسياسة السلمية والمعاملة العادلة والشريفة والنزيهة... إلى أخره، لا يمكنها صنع إمبراطوريات، بل مصيرها الحتمي هو الانكسار من أوّل جولة. وخلال قراءتك في تاريخ إحدى المذاهب الفكرية ، ستجد الكثير من العوامل مثل
المكر والخديعة والظلم والاستبداد والمجازر والدمار والإبادة... إلى أخره
وإن لم تجد هذه العوامل، هذا يعني أن التاريخ الذي تقرأه مزّور. تذكر أخي القارئ
أن تزوير التاريخ أيضاً هو سياسة
فلا بدّ من مسح الدماء ومحو الآثار بعد الجريمة، لأن مرحلة التخلص من العقبات قد انتهت وبدأت مرحلة إبراز الذات بصورة جميلة، رقيقة، لكي تحكم العواطف والقلوب ثم السيطرة على العقول للتوصّل إلى المآرب المنشودة بطريقة سلسة، خسيسة، وسهلة
هل يعلم القارئ شيئاً عن المذهب ألأخباري كيف تم إزالته من الساحة الفكرية وبأي أسلوب؟... طبعاً لا. وأن تيسرت له بعض المعلومات فهي مبتورة قطعاً هذا لان الآثار قد مسحت بشكل مدروس!. ماذا بعد ذلك؟ يجب إن تحافظ السلطة الفكرية الجديدة بقائها بشكل متماسك!. لكن كيف؟
لكي تحافظ هذه السلطة الفكرية الجديدة على بقائها وتماسكها، ومن أجل دوام هذا البقاء وأستمراريته وجب أن تجتمع عدة عوامل مهمة وأساسية لتكوين هذه السلطة هي
إيجاد مبررات لوجودها، مذهب فكري يلتزم به الناس، ذلك بهدف إخضاعهم تماماً وتوحيدهم حول محور واحد هو السلطة المركزية الجديدة من اجل سهولة توجيههم حسب الرغبة وهذا يحتّم وجود طبقة كهنوتية تنظّر لهذا المذهب الفكري الجديد وتعمل على ترسيخه في وعي الناس ، اقتصاد قوى يؤمن التمويل اللازم للمحافظة على بقائها، مناطق نفوذ - مستعمرات- من اجل امتصاص طاقاتها فكلما زادت مناطق النفوذ زادت الطاقة المتجمّعة في رأس هرم الطبقة الكهنوتية وبالتالي تتسع ولايتهم ،لعلك تعلم الآن الهدف من قاعدة التقليد!
أليس كذلك؟!. وتعلم أن كل الذي تم تنظيره وإسقاطه على الواقع هو عملية استعداد واستباق لشيء قادم
أرجو أن تبقي على ذهنك معي..
إن العامل الأهم الذي لم يُطرح بشكل مُفصّل في هذا المضمار هو أن هذه السيطرة للمحتلين الجدد تعتمد تماسكها وقوتها على مدى ترسيخ الأيديولوجيا التي تبرّر وجودها بين الناس ومريديها بالشكل الخاص. لقد تنبّه الآباء الأولون! الذين أسسوا هذا الفكر المنحرف لهذه النقطة المهمة منذ الزمن الأوّل وبالتالي استطاعوا أن يغرسوا هذه الأديولوجيا في نفوس مريديهم فالخطة مرسومة سلفاً في قطع الطريق على كل من يأتي ليبين عيوب هؤلاء المسيطرين وعداوتهم مع المشروع الإلهي المرتقب.
فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (القصص : 36).
لكننا لا نجد هذا الشيء موجوداً في التاريخ الذي نقرأه ، فالتاريخ الذي نقرأه لا يلقي الضوء على هذه النقطة أبداً، بحيث أن كل ما نتعلمه عن الصراعات التي دارت بين الدول والممالك والتيارات الفكرية في العالم كانت صراعات بين الخير والشرّ، المؤمنين والملحدين، الظلاميين والمتنورين
(أي مبني على فكرة التعاكس المصطنع)
وهذا طبعاً هو خطأ كبير وجب التنبه له لأن هذه القضية كلها أعدت من أجل التعمية على التعاكس الحقيقي المتعلق بمشروع الحق تعالى ومشروع الملعون. إذا دققنا في تفاصيل الغزوات والفتوحات التي شنتها دولة على دولة أخرى، سنلاحظ حقيقة واضحة وضوح الشمس، كان يجري قمع منظّم ومنهجي للعلوم والمعارف القائمة في تلك البلاد المهزومة بحيث ليس هناك أي تساهل أو تسامح بخصوص هذا الأمر لكي يتم استعمار الوعي وليس الجغرافية فحسب وللقارئ أن يعيد قراءة الفتوحات الإسلامية ليكتشف حقيقتها وعلاقة عمر
بإتلاف مكتبة الإسكندرية.
وهذا ينسحب على المذاهب الفكرية الأخرى أيضاً.
هذه الحقيقة لم تُذكر أبداً في التاريخ الذي تلقيناه. أو إذا ذُكرت، فستبدو مجرّد أحداث متفرّقة هنا وهناك دون أي رابط يجمع بينها
بعد هذا الكلام كله هل تعتقد إذا جاء رسول ما من طرف الإمام الموعود (عليه السلام) يعمل على تهيأت الناس لهذه القضية كيف ستتعامل معه هذه السلطات الفكرية هل تستقبله بالأحضان؟ هل تمد له يد العون؟ أم أنها ستطبق عليه من كل جانب من أجل الإطاحة بما جاء به؟
أخي القارئ : أن موضوع إرسال رسول من قبل الموعود (عليه السلام) قبل ظهوره أمر لا بد منه ونصت عليه نصوص روائية فلا بد من مجيء رسول يعلم الناس الكتاب والحكمة كما تقدم الكلام بهذا الشأن
يا محمد يا عليُّ يا عليُّ يا محمد أحفظاني فإنكما حافظاي وانصراني فإنَّكما ناصراي واكفياني فإنكما كافياي
الفصل الثاني
علاقة النبي يونس (عليه السلام) بالعالم روبيل والعابد تنوخا
ما الذي تكشفه لنا علاقة النبي يونس (عليه السلام) بالعالم روبيل والعابد تنوخا ؟
يا فاطمة الزهراء يا أم أبيها ... يا قائم آل محمد.
سنكتشف إنشاء الله تعالى من خلال هذه العلاقة جملة من الأحداث التاريخية التي أدت إلى التحول الاجتماعي لقوم النبي يونس (عليه السلام) إلى الإيمان ، وذلك بالتعرّف على شخصيتي العالم روبيل والعابد تنوخا، وسوف نتعرّف أيضاً على أفكار ومفاهيم كثيرة كانت
خافية علينا ، ضمن قسمين في هذا الفصل
القسم الأول: يتحدث عن (تنوخا) العابد ويبحث في طبيعة شخصيته والغرض من صحبته مع النبي يونس (عليه السلام)
أما القسم الثاني: فيبحث في شخصية العالم (روبيل) لتحديد علاقته بالنبي يونس (عليه السلام). لكن قبل أن ندخل في معطيات العلاقة بين يونس وروبيل وتنوخا التي انعطفت على تلك الأحداث المتعلقة بقوم يونس عليه السلام لنقف
ولنتساءل بعض الشيء عن الأسباب التي أدت بقوم يونس (عليه السلام) إلى رفض النموذج الحياتي الجديد الذي جاء به نبيهم؟. هل تكلم عن شيء أغاض السلطة الفكرية الحاكمة على الوعي الجمعي؟.
من الملاحظ إن الناس الذين يعيشون في واقع اجتماعي معين مرسوم سلفاً
هم مجرد قطع صغيرة تعمل ضمن الآلة الجماعية الكبيرة ، والأشخاص الذين يستطيعون تحمل شكل وعمل هذه الآلة هم الأشخاص الذين يعتبرهم النظام الاجتماعي ناجحون". وإذا كان التماثل والرضى بالواقع هو ثمنٌ "النجاح" فإن أولئك الأشخاص الذين يسعون إلى وجهات نظر بديلة ويرفضون ما يغرس في أذهانهم من أكاذيب يتم معاقبتهم عن طريق وصمهم بالعار وجعلهم يشعرون بالفشل والهوان داخل المجتمع أي يتم تسقيطهم اجتماعيا ، هذا ما نراه في جميع المجتمعات قديماً وحديثاً لأن النظام الاجتماعي هو نظام
مزيف مبني على أساس نموذج الطواغيت والجبابرة الذين لا يسمحون للخلق في التعرف على أية فكرة جديدة مخالفة لمعتقداتهم ، ومن السهل عليهم أن يحطوا أي شخص داخل هذه الدائرة الاجتماعية المزيفة
أما مقلدّة العلماء الذين يشكلون الأكثرية والذين تخرجوا على أساس عملية غسيل الدماغ هذه التي تعكس تماثلهم ورضاهم للواقع الحياتي ، فقد أصبحوا أفراداً لا يجادلون أبداً لما نهلوه من معلومات . مؤمنين تماماً بالواقع المزوّر الذي بنوا عليه أفكارهم و مفاهيمهم المزروعة . بالإضافة إلى قابليتهم لاستيعاب الحقائق و المعلومات المناسبة فقط لما تعلموه . أما المعلومات المخالفة لها فيرفضونها تماماً بحجة الفساد مهما أظهرت من مصداقيَّة تبقى فاسدة !. إن القوّة التي تدفع هؤلاء الأفراد إلى
الامتثال للتوجّه السائد لا يمكن مقاومتها بسهولة. فبالنسبة لمقلدة العلماء، ليس مهما لديهمً مدى المنطق الذي تعتمد عليه الفكرة، بل المهم هو مدى القوّة والشعبية التي تدعم تلك الفكرة!. هذه هي الحقيقة المحزنة فعلاً .. و لا يريد أحد سماعها أو تقبّلها كحقيقة .. لكنها الواقع بعينه !.. و جميع الدلائل تصب في هذا الاستنتاج !. فنحن نراه ونعيشه!. هذا هو الواقع الاجتماعي الذي نعيشه اليوم
لكن ما علاقة هذا الكلام وعلاقة النبي يونس (عليه السلام) بالرجلين تنوخا وروبيل؟
أن هذا الكلام له علاقة وثيقة بالرجل الذي يسمى بالعابد (تنوخا) وذلك بعد أن تلاحظ أسلوبه بالحوار مع يونس و(روبيل) ستكتشف أشياء وحقائق تؤكد لك إنه كان عدو للنبي يونس (عليه السلام) وصحبته هذه كانت غطاء لأشياء أراد أن يمررها ويزجها مع رسالة يونس (عليه السلام). لنترك هذا الكلام الآن جانباً ولنلاحظ ما جاء عن أهل البيت عليهم السلام بشأن (روبيل) و (تنوحا) وطبيعة علاقتهما بالنبي يونس عليه السلام
النص الروائي الأول
تفسير العيّاشي: عن الباقر(عليه السلام) في حديث ملخّصه { أنّه بعثه الله إلى قومه وهو ابن ثلاثين سنة، وكان رجلاً يعتريه الحدّة، وكان قليل الصبر على قومه والمداراة لهم، أقام فيهم يدعوهم إلى الإيمان بالله والتصديق به وإتباعه ثلاثاً وثلاثين سنة، فلم يؤمن به إلاّ رجلان: روبيل وتنوخا، وكان روبيل من أهل بيت العلم والنبوّة والحكمة، وكان قديم الصحبة ليونس قبل بعثه، وكان تنوخا رجلاً مستضعفاً عابداً زاهداً وليس
له علم ولا حكم
النص الروائي الثاني
تفسير العياشي (ج2 ص 139) عن الإمام الباقر (عليه السلام) تفصيلاً لطيفاً لهذه القصة يكشف عن جوانب كثيرة تأمل عزيزي ما ورد.
عن أبى عبيدة الحذاء عن أبى جعفر (عليه السلام) قال : سمعته يقول : { وجدنا في بعض كتب أمير المؤمنين عليه السلام قال : حدثني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إن جبرئيل (عليه السلام) حدثه إن يونس بن متى (عليه السلام) بعثه الله إلى قومه وهو ابن ثلثين سنة ، وكان رجلا يعتريه الحدة وكان قليل الصبر على قومه والمداراة لهم ، عاجزا عما حمل من ثقل حمل أوقار النبوة وأعلامها وانه تفسخ تحتها كما يتفسخ الجذع تحت حمله وانه أقام فيهم يدعوهم إلى الإيمان بالله والتصديق به وأتباعه ثلثا وثلثين سنة ، فلم يؤمن به ولم يتبعه من قومه إلا رجلان ، اسم أحدهما روبيل واسم الآخر تنوخا وكان روبيل من (أهل بيت العلم والنبوة والحكمة) وكان قديم الصحبة ليونس بن متى من قبل أن يبعثه الله بالنبوة ، وكان تنوخا رجلا مستضعفا عابدا زاهدا منهمكا في العبادة وليس له علم ولا حكم ، وكان روبيل صاحب غنم يرعاها ويتقوت منها ، وكان تنوخا رجلا حطابا يحتطب على رأسه ويأكل من كسبه ، وكان لروبيل منزلة من يونس غير منزلة تنوخا لعلم روبيل وحكمته وقديم صحبته فلما رأى يونس إن
قومه لا يجيبونه ولا يؤمنون ضجر وعرف من نفسه قلة الصبر ، فشكى ذلك إلى ربه وكان فيما يشكى أن قال : يا رب انك بعثتني إلى قومي ولى ثلاثون سنة ، فلبثت فيهم أدعوهم إلى الإيمان بك والتصديق برسالاتي وأخوفهم عذابك ونقمتك ثلثا وثلثين سنة ، فكذبوني ولم يؤمنوا بى ، وجحدوا نبوتي ، واستخفوا برسالاتي وقد تواعدوني وخفت أن يقتلوني فأنزل عليهم عذابك فأنهم قوم لا يؤمنون . قال : فأوحى الله إلى يونس
أن فيهم الحمل والجنين والطفل والشيخ الكبير والمرأة الضعيفة والمستضعف المهين ، وأنا الحكم العدل ، سبقت رحمتي غضبى لا أعذب الصغار بذنوب الكبار من قومك ، وهم يا يونس عبادي وخلقي وبريتي في بلادي وفى عيلتى أحب أن أتاناهم وأرفق بهم وانتظر توبتهم ، وإنما بعثتك إلى قومك لتكون حيطا عليهم تعطف عليهم لسخاء الرحمة الماسة منهم ، وتأناهم برأفة النبوة فاصبر معهم بأحلام الرسالة ، وتكون لهم كهيئة الطبيب المداوى العالم بمداواة
الدواء ، فخرقت بهم ولم تستعمل قلوبهم بالرفق ولم تسسهم بسياسة المرسلين ، ثم سألتني عن سوء نظرك العذاب لهم عند قلة الصبر منك وعبدي نوح كان أصبر منك على قومه ، وأحسن صحبة وأشد تأنيا في الصبر عندي ، وأبلغ في العذر فغضبت له حين غصب لى ، وأجبته حين دعاني .
فقال يونس : يا رب إنما غضبت عليهم فيك ، وإنما دعوت عليهم حين عصوك فو عزتك لا أتعطف عليهم برأفة أبدا ولا أنظر أليهم بنصيحة شفيق بعد كفرهم و تكذيبهم اياى ، وجحدهم نبوتى ، فأنزل عليهم عذابك فأنهم لا يؤمنون أبدا
فقال الله : يا يونس أنهم مائة ألف أو يزيدون من خلقي يعمرون بلادي ويلدون عبادي ومحبتي أن أتأناهم للذي سبق من علمي فيهم وفيك ،
وتقديري وتدبيري غير علمك وتقديرك
وأنت المرسل وأنا الرب الحكيم وعلمي فيهم يا يونس باطن في الغيب عندي لا يعلم ما منتهاه ، وعلمك فيهم ظاهر لا باطن له ، يا يونس قد أجبتك إلى ما سألت من إنزال العذاب عليهم وما ذلك يا يونس بأوفر لحظك عندي ، ولا أجمل لشأنك ، وسيأتيهم
العذاب في شوال يوم الأربعاء وسط الشهر بعد طلوع الشمس فأعلمهم ذلك .قال فسر ذلك يونس ولم يسوؤه ولم يدر ما عاقبته وانطلق يونس إلى تنوخا العابد فأخبره بما أوحى الله أليه من نزول العذاب على قومه في ذلك اليوم ، وقال له : انطلق فأخبره بما أوحى الله اليه من نزول العذاب على قومه في ذلك اليوم ، وقال له : انطلق حتى أعلمهم بما أوحى الله الي من نزول العذاب ، فقال تنوخا : فدعهم في غمرتهم ومعصيتهم حتى يعذبهم الله ، فقال له يونس : بل نلقى روبيل فنشاوره فانه رجل عالم حكيم
من أهل بيت النبوة فانطلقا إلى روبيل فأخبره يونس بما أوحى الله أليه من نزول العذاب على قومه في شوال يوم الأربعاء في وسط الشهر بعد طلوع الشمس.
فقال له : ما ترى انطلق بنا حتى أعلمهم ذلك ، فقال له روبيل : ارجع إلى ربك رجعة نبى حكيم ورسول كريم ، واسأله أن يصرف عنهم العذاب فانه غنى عن عذابهم و هو يحب الرفق بعباده وما ذلك بأضر لك عنده ، ولا أسوأ لمنزلتك لديه ، ولعل قومك بعد ما سمعت ورأيت من كفرهم وجحودهم يؤمنون يوما فصابرهم وتأناهم
فقال له تنوخا : ويحك يا روبيل ـ على ـ ما أشرت على يونس وأمرته به بعد كفرهم بالله وجحدهم لنبيه وتكذيبهم إياه وإخراجهم إياه من مساكنه ، وما هموا به من رجمه فقال روبيل لتنوخا : اسكت فانك رجل عابد لا علم لك .
ثم اقبل على يونس فقال : أرأيت يا يونس إذا أنزل الله العذاب على قومك انزله فيهلكهم جميعا أو يهلك بعضا ويبقى بعضا ؟ فقال له يونس : بل يهلكهم الله جميعا وكذلك سألته ما دخلتنى لهم رحمة تعطف فأرجع الله فيهم وأسئلة أن يصرف عنهم فقال له روبيل : أتدرى يا يونس لعل الله إذا أنزل عليهم العذاب فأحسوا به ، ان تتوبوا أليه ويستغفروه فيرحمهم
فانه أرحم الراحمين ويكشف عنهم العذاب من بعد ما أخبرتهم عن الله انه ينزل عليهم العذاب يوم الأربعاء فتكون بذلك عندهم كذابا
فقال له تنوخا : ويحك يا روبيل لقد قلت عظيما يخبرك النبي المرسل إن الله أوحى أليه بان العذاب ينزل عليهم فترد قول الله وتشك فيه وفى قول رسوله ؟! اذهب فقد حبط عملك ، فقال روبيل لتنوخا : لقد فشل رأيك ثم اقبل على يونس فقال : انزل الوحي والأمر من الله فيهم على ما أنزل عليك فيهم من إنزال العذاب عليهم ، وقوله الحق ، أرأيت اذا كان ذلك فهلك قومك كلهم وخربت قريتهم أليس يمحو الله اسمك من النبوة وتبطل رسالتك وتكون كبعض ضعفاء الناس ، ويهلك على يديك مائة ألف او يزيدون من الناس ، فأبى يونس أن يقبل وصيته فانطلق ومعه تنوخا من القرية وتنحيا عنهم غير بعيد ، ورجع يونس إلى قومه فأخبرهم أن الله أوحى أليه انه منزل العذاب عليكم يوم الأربعاء في شوال في وسط الشهر بعد طلوع الشمس ، فردوا عليه قوله فكذبوه وأخرجوه من قريتهم أخراجا عنيفا فخرج يونس ومعه تنوخا من القرية وتنحيا عنهم غير بعيد وأقاما ينتظران العذاب ، وأقام روبيل مع قومه في قريتهم حتى إذا دخل عليهم شوال صرخ روبيل بأعلى صوته في رأس الجبل إلى القوم أنا روبيل شفيق عليكم الرحيم بكم ـ إلى ربه قد أنكرتم عذاب الله ـ هذا شوال قد دخل عليكم وقد دخل عليكم وقد أخبركم يونس نبيكم ورسول ربكم إن الله أوحى أليه إن العذاب ينزل عليكم في شوال في وسط الشهر يوم الأربعاء بعد طلوع الشمس ، ولن يخلف الله وعده رسله ، فانظروا ما انتم صانعون فأفزعهم كلامه ووقع في قلوبهم تحقيق نزول العذاب ، فأجفلوا نحو روبيل وقالوا له : ماذا أنت مشير به علينا يا روبيل ؟ فانك رجل عالم حكيم لم نزل نعرفك بالرقة ( الرأفة ) علينا والرحمة لنا ، وقد بلغنا
ما أشرت به على يونس فينا : فمرنا بأمرك واشر علينا برأيك ، فقال لهم روبيل : فأنى أرى لكم وأشير عليكم ان تنظروا وتعمدوا إذا طلع الفجر يوم الأربعاء وسط الشهر
أن تعزلوا الأطفال عن الأمهات في أسفل الجبل في طريق الأودية ، وتقفوا النساء في سفح الجبل وكل المواشي جميعا عن أطفالها
ويكون هذا كله قبل طلوع الشمس فإذا رأيتم ريحا صفراء أقبلت من المشرق ـ فعجوا عجيج الكبير منكم والصغير بالصراخ والبكاء والتضرع إلى الله والتوبة أليه والاستغفار له ، وارفعوا رؤوسكم إلى السماء وقولوا : ربنا ظلمنا أنفسنا وكذبنا نبيك وتبنا أليك من ذنوبنا ، وان لن تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين المعذبين ، فاقبل توبتنا وارحمنا يا أرحم الراحمين ثم لا تملوا من البكاء والصراخ والتضرع إلى الله والتوبة أليه حتى توارى الشمس بالحجاب أو يكشف الله عنكم العذاب قبل ذلك .فأجمع رأى القوم جميعا على أن يفعلوا ما أشار به عليهم روبيل ، فلما كان يوم الأربعاء الذي توقعوا فيه العذاب تنحى روبيل عن القرية حيث يسمع صراخهم ويرى العذاب إذا نزل ، فلما طلع الفجر يوم الأربعاء فعل قوم يونس ما أمرهم روبيل به فلما بزغت الشمس أقبلت ريح صفراء مظلمة مسرعة لها صرير وحفيف وهدير فلما رأوها عجوا جميعا بالصراخ والبكاء والتضرع إلى الله وتابوا أليه واستغفروه وصرخت الأطفال بأصواتها تطلب أمهاتها ، وعجت سخال البهايم تطلب الثدي وعجت الأنعام تطلب الرعى ، فلم يزالوا بذلك ويونس وتنوخا يسمعان ضجيجهم (صيحتهم ) وصراخهم ويدعوان الله عليهم بتغليظ العذاب
عليهم ، وروبيل في موضعه يسمع صراخهم وعجيجهم ويرى ما نزل وهو يدعو الله بكشف العذاب عنهم
القسم الأول : كشف الصورة المزيفة لتنوخا العابد وطبيعة دوره مع نبي الله يونس عليه السلام
لو درسنا الجانب السيكولوجي لـ(تنوخا) ذاك العابد لاكتشفنا دوافعه الحقيقة من عبوديته الظاهرة ، فالسلوك الذي ظهر به مع النبي يونس (عليه السلام) كافٍ لتقرير طبيعة (تنوخا) السيكولوجية فهذا الشخص تم تربيته تربية مضادة تماماً لمشروع السماء فهو يتسم بوعي مريض ، ونستطيع أن نشبّه شخصية المتعبد على غير علم بجبل جليدي يطوف فوق مياه
البحر، وما ظهر فوق السّطح هو "شخصيته المصطنعة" والتي هي ضئيلة جداً إذا ما ِقيست بما خفي تحت سطح الماء (شخصيته الحقيقية) فما يظهر من الجبل الجليدي هو 10% أما الذي يختفي في أعماق الماء هو 90% . إن شخصية العابد المصطنعة والتي لا تقوم على أساس علمي هي ناتج أساسي من الأحاسيس الخارجيّة المستمدّة من معطيات البيئة من حولها وهي شخصية مراوغة تبحث عن مطامع ذاتيه تأمل قول
إمامك زين العابدين عليه السلام
إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه وتماوت في منطقه وتخاضع في حركاته فرويداً لا يغرنكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب المحارم منها، لضعف نيته ومهانته وجبن قلبه، فنصب الدين فخا لها
أن جميع ما ينتج عن هذه الشخصية سيؤدي إلى الفساد بلا شك. تأمل قول نبينا الأكرم
(صلى الله عليه وآله وآله وسلم)
من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح
يعتقد الكثير من الناس أن الفرد المتدين هو بالنتيجة فرد صالح, فالتدين والصلاح هما وجهان لإنسان واحد. قد لا تكون هناك مشكلة من هذا التداخل بين التدين والصلاح إذا ما افترضنا أننا فعلا أخذنا بالمفهوم الصحيح للتدين, أما إذا كان التدين في الأصل مشوها ولا ينسجم مع القيم والمثل التي يدعو إليها الدين, فإن الخلط بين هذا التدين المشوه, ومفهوم الصلاح ينتج لنا إنسانا لا هو بالإنسان المتدين ولا هو بالإنسان الصالح
بل إن مثل هذا الإنسان المتدين غير الصالح هو أقرب إلى أن يضر المجتمع لا أن يخدمه وينفعه. وهذا ما كشفته النصوص الروائية لشخصية (تنوخا) عندما قال له النبي يونس عليه السلام
انطلق حتى أعلمهم بما أوحى الله ألي من نزول العذاب ، فقال تنوخا : فدعهم في غمرتهم ومعصيتهم حتى يعذبهم الله
هل كان تنوخا لا يرغب في أن يحذّر النبي يونس عليه السلام قومه أم هناك شيء آخر؟
في الروايتين الأنف ذكرهما إن (تنوخا) لا علم له وكان تنوخا رجلاً مستضعفاً عابداً زاهداً وليس له علم ولا حكم. من القراءة الأولى لهذا الحديث الشريف تكتشف إن الإمام (عليه السلام) يحكي لنا عن الصورة التي يظهر بها (تنوخا) ولا يقصد حقيقة العابد بالمفهوم الحقيقي بدليل قوله (عليه السلام)
(وليس له علم ولا حكم)
فالقارئ يعلم إن العبادة الحقة تعتمد على العلم وبدونه تكون العبادة لا شيء أنظر إلى ما ورد عنهم عليهم السلام
المتعبد بغير علم كحمار الطاحونة يدور، ولا يبرح
إذن إن كان (تنوخا) ليس له علم ولا حكم كما جاء في الحديث لماذا بدأ يشارك يونس بالحكم في اتخاذه بعض القرارات منها أن يترك قومه ولا يخبرهم بنزول العذاب حتى يأتيهم ، ومن ثم لماذا حكم على العالم روبيل) في أكثر من موقف كما لاحظت في الرواية أعلاه؟!. تأمل كيف يقاطع حوار العالم (روبيل) مع النبي يونس (عليه السلام) متعمداً وهذا الشيء يكشف لنا عن طبيعته المريضة ولا يتحلى بأي خلق ، ومن ثم تراه يحكم على روبيل بأنه يرد حكم الله ويشك فيه؟ كيف قرر جملة الأحكام هذه ومن أين أتى بها أن لم يكن له علم ولا حكم؟. تأمل هذا النص المجتزء من الرواية الشريفة.
فقال له روبيل : { أتدرى يا يونس لعل الله اذا أنزل عليهم العذاب فأحسوا به ، ان يتوبوا اليه ويستغفروه فيرحمهم فانه أرحم الراحمين ويكشف عنهم العذاب من بعد ما أخبرتهم عن الله انه ينزل عليهم العذاب يوم الاربعاء فتكون بذلك عندهم كذابا
.فقال له تنوخا : ويحك يا روبيل لقد قلت عظيما يخبرك النبى المرسل ان الله أوحى اليه بان العذاب ينزل عليهم فترد قول الله وتشك فيه وفى قول رسوله اذهب فقد حبط عملك
فقال روبيل لتنوخا : لقد فشل رأيك
من خلال ما قاله العالم (روبيل) نكتشف إن (تنوخا) بالفعل لم يكن له علم ولا حكم بل كان له (رأي) كما تلاحظه عزيزي القارئ في معرض جواب العالم روبيل حينما قال له (لقد فشل رأيك) وهذا الرأي قطعاً يستند على الظن إذ إن الذي لا علم له يتبع الظن بلا شك وريب ، والظن ليس له أي قيمه علمية ، وبذلك ستكون جميع أحكامه مقررة مسبقاً من قبل مؤسسة تضادد يونس (عليه السلام) ، تأمل قوله تعالى بشأن
الظن
وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً
النجم : 28
إذن وعلى ما تقدم تنكشف لنا حقيقة (تنوخا) المخفية ، وهذه الحقيقة تشير إلى أن تنوخا كان عدو للنبي يونس (عليه السلام) آمن بيونس إيماناً ظاهراً ليكون ملازماً لهو مدفوعاً من جهة أخرى ، ومن الواضح حسب ما جاء في النص القرآني لا يخلو نبي أو مؤمن من عدو قريب عليه يؤذيه كما في قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً
الفرقان : 31
تأمل ما ورد عن أبو الفضل الطبرسي في (مشكاة الأنوار): يرفعه إلى الإمام الصادق (عليه السلام)، أنه قال: { ما كان و لا يكون و ليس بكائن، نبي و لا مؤمن، إلا و قد سلط عليه حميم يؤذيه، فإن لم يكن حميم فجار يؤذيه، و ذلك قوله عز و جل:
(وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ)
لقد كان تنوخا يخاف من الخيار البديل الذي تقدم به العالم روبيل إلى النبي يونس (عليه السلام) حينما قال له (ارجع إلى ربك رجعة نبى حكيم ورسول كريم ، واسئله أن يصرف عنهم العذاب فانه غنى عن عذابهم و هو يحب الرفق بعباده) هذا الخيار البديل الذي لا يريده تنوخا أن يحصل أو يتحقق لأنه سيقوض المخطط المرسوم الذي أسند إليه ، لذلك كان يحارب نصيحة روبيل!
فما تلاحظه إن جميع كلامه كان تدخل دونما توجيه سؤال له ، بل كان يتدخل ليقطع على روبيل العالم كلامه خشيةً من أن يؤثر على يونس (عليه السلام). هذا الإطار العام لحركة (تنوخا) فالشيء الذي قام به لم يُبنى بالصدفة من قبل ولم يظهر بشكل عرضي. بل إن جميع أفعالة كانت مقصودة تم تطبيقها بشكل مدروس فيما بينه وبين مجموعة ظالمة لإجهاض رسالة النبي يونس (عليه السلام) وقطع علاقته بربه
أن الذي أتوجه إليه بهذه الأسطر وأريد أن أثبته لك عزيزي القارئ هو أن هناك مؤامرة كانت مرسومة ومعدة لمواجهة أي طارئ سماوي وهذه المؤامرة متواجدة في كل زمان ومكان ، لكن إن كنت أخي القارئ ممن يرفض فكرة "المؤامرة" والاحتيال على النص السماوي وتستبعد وجودها فأنت بالتالي لم تفكر ملياً قبل خروجك بهذا الاستنتاج الخاطئ. أو ربما انك لا تريد أن تستوعب حقيقة أن هناك أناس في هذا العالم يخططون لاستعباد أو تدمير الآخرين؟ إن كان هذا الأمر كما تتصور فلماذا أُرسل النبي يونس (عليه السلام) أساساً لإنقاذ مجتمعه؟
مع هذا أخبرك.. أن هناك الكثير من العوامل التي استخدمت في سبيل الإبقاء على المجتمع الآشوري تحت سيطرت الظالمين وجب الالتفات إليها والعامل الأساسي الذي تم استخدامه هو إبقائهم في حالة جهل تام عن مدى عظمة الرسالة التي أتى بها النبي يونس عليه السلام لفترة 33 سنة كما مرّ عليك في الرواية الآنف ذكرها وهذه الفترة شهدت صراعات مريرة واجهها النبي يونس (عليه السلام) ولك أن تتصور الأمر ، لقد استطاعوا هؤلاء الظالمين أن يحوّلوا المجتمع إلى حظيرة تخضع لنموذج حياتي ثابت جميع مفاصله تستند إلى المسلمات ، لهذا السبب نرى أن كل من سيرفع رأسه لمعارضة هذا النموذج الحياتي الذي تم فرضه ، سيتم الإطباق عليه مباشرة وبشراسة من قبل السلطة التي تسيطر على المجتمع وحتى المجتمع نفسه سيكون مساهماً فاعلاً بهذا الأمر في البداية لأنه أصبح
جزءاً من هذا النموذج المزيف! . فما بالك عزيزي القارئ لو أن يونس (عليه السلام) تُرك في سبيله ليتابع نشر رسالته بحرية تامة من أجل أن يوفّر لمجتمعه إمكانية أخرى للحياة ويثبت لهم أن هذا النموذج من الواقع الذي يعيشونه هو ليس الوحيد، بل أن هناك واقع آخر أكثر رقياً (طور الاستخلاف) والذي من أجله تم خلقهم! ماذا سيحدث بعد ذلك؟ طبعاً هذا الأمر مستحيل ومرفوض بلا أدنى شك . لذلك سينقضّون عليه مباشرة وفي الحال ، للمحافظة على استمرارية سيطرتهم ، ولكن هل ستستمر
سيطرتهم هذه؟ طبعاً لا.. إلا إذا بقي راسخاً في أذهان المجتمع بأن الواقع الذي يعيشونه هو الوحيد في الوجود ومفروض عليهم أن يعيشوه ويتحملوه بكل مساوئه. "إنها مشيئة الخالق"!!. أليس هذا ما يقولونه لنا اليوم ، إنه امتحان لصبرنا؟!.. الأمر في المجتمع الآشوري كان هو الآخر كذلك ، فلا يخلوا مكان أو زمان من تنظير كهنوتي مقيت يجثم على نفوس الخلق
عزيزي القارئ الكريم وجب أن تعلم إن مؤسسة الظالمين أعدت مخطط منظم جداً واستعانت بعامل الصراع الداخلي بين المجتمع الذي أرسل إليهم (يونس) عليه السلام) لفترة 33 سنة من أجل توليد الفوضى ، وهذا يعني أنهم عملوا على تضخيم الاختلافات بين المعتقدات المسلم بها لدى المجتمع وما جاء به النبي يونس (عليه السلام) مما زاد الشرخ أكثر وأكثر ، فالمجتمع
اليونسي (الآشوري) آنذاك كان يعتقد بالفكرة المهدوية التي تترسخ لديهم من خلال اعتقادهم بملحمة الإله (سين) الذي كانوا يصنعون له التشابيه والاحتفالات في كل سنة ويطوفون الأزقة وجميع الأماكن في نينوى عاصمة الدولة الآشورية وكانت هذه الاحتفالات مرفودة بدعم المؤسسة الدينية وهذا أخطر شيء تقوم به هذه المؤسسة فأنها تشترك مع وعي الناس بما يعتقدون كي تسيطر عليهم!.. لكن لماذا رفضوا ما جاء به النبي يونس
(عليه السلام) لننتظر قليلاً ونلاحظ ملياً لماذا يخلقون عامل الفوضى بين المجتمع ، أن هذا العامل أي الفوضى يقصد به أن يستثمر هذا الصراع ويؤدي إلى كارثة أو مشكلة ما تحل بهذا المجتمع ، شرط أن تكون هذه المشكلة بسبب النبي يونس (عليه السلام) ليحدثوا بعد ذلك قطيعة تامة بينه وبين مجتمعه ومن خلال نفس المشتركات الفكرية ، ومن أجل ذلك دسوا له هذه الصحبة الخبيثة
المتمثلة في (تنوخا) لكي يسيطروا على جميع مجريات الأحداث التي يتحرك بها النبي يونس (عليه السلام) ، فأنك عزيزي القارئ ومن خلال تتبع النص الروائي الثاني ستكتشف إن النبي يونس (عليه السلام) كان وحيداً حينما بلغ قومه بنزول
العذاب عليهم ولم يكن تنوخا معه بل عندما أخرجوا يونس (عليه السلام) رافقه أنظر إلى النص جيداً
(فردوا عليه قوله فكذبوه وأخرجوه من قريتهم إخراجا عنيفا فخرج يونس ومعه تنوخا من القرية وتنحيا عنهم غير بعيد وأقاما ينتظران العذاب) تأمل مفردات هذا النص (فردوا "عليه" قوله" فكذبوه" وأخرجوه") كل هذه المفردات وردت بصيغة المفرد ، ونحن نعلم أن تنوخا جاء مع النبي يونس (عليه السلام) ليخبروا القوم بنزول العذاب ، طيب أين ذهب تنوخا.. أولم يكن مؤمناً بنبوت ورسالة يونس (عليه السلام) لماذا تركه وحده؟
إن الذين يؤمنون مع الرسول لا يتركونه في مثل هذه المحنه
وهذا ما يخبرنا به النص القرآني في موارد كثيرة تأمل بعضها:
لَـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
(التوبة : 88
هل رأيت أخي القارئ الذين آمنوا مع الرسول جاهدوا بأموالهم وأنفسهم أليس كذلك؟ فلماذا إذن لم نرى هذا الشيء من (تنوخا)؟ ألم يخبرنا النص عن الذين مع النبي يكونون أشداء على الكفار؟
مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ
إن هذه الشخصية ليس لها أي مأثرة تذكر ، ولا تختلف عن تلك الشخصية الملعونة التي أرادت هي الأخرى أن تصحب نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من أجل أن تبدي به إلى الظالمين
لو قارن القارئ الكريم بين ما قدمناه عن تنوخا وبين أبي بكر لوجد تشابهاً عجيباً! في الدور الوظيفي المنوط إليهما لكن الأخير تم كشف وتحجيم مخططه من اللحظة الأولى على
يد نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم
وسيكتشف القارئ في الفصل الثالث
أن تنوخا هو أبا بكر بعينه
وسيلاحظ تواجد عمر أيضاً إذ أنهما السبب الرئيسي فيما جرى على النبي يونس عليه السلام
إن تنوخا وأبا بكر نماذج تاريخية قبيحة
، يدّعون المثالية والتفاني تجاه الآخرين وحتى تجاه أنفسهم من خلال مظهرهم الخارجي طبعا)، مع أنهم في الحقيقة يعملون بأنانية خبيثة لتحقيق المصلحة الفردية لا غير ، وهؤلاء دائما تجد مظاهرهم تختلف عن حقائقهم الباطنية ، يعملون على التمويه والمخادعة في اصطياد فرائسهم كما النبتة الآكلة للحشرات
Venus Fly Trap، فعملها هو إغراء الحشرات وإغواءها إلى أن تقع في الشرك لتواجه الموت.. فهؤلاء لا يتجاوز فعلهم في الحياة هذه العملية وبذلك يعتمد نجاحهم على عامل الخداع
نعود الآن إلى الظالمين والأساليب التي كانوا يراهنون من أجل إحداث الفوضى ليتمكنوا بعدها من استخلاص النظام الذي يريدونه من تلك الفوضى. نظام يخدمهم، ويخدم مخططاتهم.
وأنت تعلم عزيزي القارئ إذا حاول أحد أن يسيطر على مجتمع ما بانسجام وتناغم مع الآخرين،
أي أن يتحكّم بمجتمع يحترم معتقدات الآخرين ويؤمن بحرية التفكير، فصدقني هذا سيكون كابوساً بالنسبة لذلك المسيطر بل لا تتحقق له السيطرة إطلاقاً.
لكن إذا سيطر عليهم بسياسة التفرقة والصراع، فهذا أسهل بكثير
ولهذا السبب ترى العالم اليوم في حالة فوضى وصراع دائم.. هذا لأنها مسألة تحكّم وسيطرة لا غير. فالمجتمع اليونسي هو أنموذج مصغر لما تراه اليوم. وما قد رأيته إن هؤلاء الظالمين لا يستطيعوا مواجهة المجتمع اليونسي بحقيقة ما يهدفون إليه، لأنهم أي المجتمع سيرفضون هذا التوجّه، إدراكاً منهم بأن الغاية هي استعبادهم والسيطرة عليهم، وبالتالي سيثورون حتماً. لذلك، سوف يتبع الظالمين سياسة أخرى تعمل على جعلهم، ليس فقط يقبلون ويقرّون بما يبتغيه الظالمين ،
بل سوف يطالبون به أيضاً! وبإصرار
ويعمدون إلى طرد كل من يهاجم هذه البنية الفكرية أو النظم الاجتماعية كما رأيت من طردهم النبي يونس عليه السلام
إن مجتمع نبي الله يونس (عليه السلام) قبل إيمانه لم يتعرّف على الحقائق المتعلّقة بالأفكار التي ينهل منها ، والتي يعتمد عليها اعتماداً كبيراً في عيش حياته اليومية واتخاذه القرارات المصيرية والخروج بالاستنتاجات التي يظن أنها صحيحة.
وهذا ما يجري علينا الآن تحديداً فنحن نعيش بنفس هذه المرحلة التي تسبق الإيمان
الإيمان بالفكرة المهدوية- وما ينتج عنها من
(طوراً إستخلافياً)
وأن أردنا أن نتجاوز هذه المرحلة فأوّل شيء وجب علينا معرفته هو.. خلال خوضنا معترك الحياة هذه والنظر إلى العالم من حولنا، هو إننا نعتمد على معلومات متوافقة مع الفكر المألوف وليس من الضرورة أن يكون هذا الفكر صحيحاً، فهناك فرقٌ بين الفكر السائد والفكر الصحيح، لأن الفكر السائد هو الفكر المنتصر وليس مصداقيته هي السبب الرئيسي لانتصاره طبعاً. وبعد أن نتعمّق أكثر في الحقائق والأحداث التاريخية والمُعاصرة، سوف نكتشف حقيقة واضحة تقول أن الفكر المألوف الذي نعتمده وبجميع منظوماته
الأخلاقية السياسية الأدبية العلمية ..إلخ. تصنعه مؤسسة الظالمين
ذلك بهدف توجيه معتقداتنا وطريقة تفكيرنا بشكل يتوافق مع مصالح ورغبات الظالمين. ولهذا السبب بالذات، لازلنا حتى هذه اللحظة
نجهل عدونا الحقيقي.
وهناك حقيقة لا مناص منها هي إننا نتبع نظامهم البديل الآن بلا شك بذلك لا نعدو أن نكون مشتركين معهم ونحن منهم
لقد حذر الله تعالى نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من مجموعة (الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ) فهؤلاء لهم نظام بديل كما ستلاحظ قوله تعالى:
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِين
البقرة : 145
وما تلاحظه إن هؤلاء نظامهم بديل يعتمد على الأهواء ولا يعتمد على العلم ، كما وأن الآية تعتمد على معادلة بسيطة وصارمة جداً في نفس الوقت وهي إن الذي يتبع الأهواء من بعد ما جاءه العلم يكون من الظالمين!. بعد التعرّف على هذه الحقيقة، ربما أصبحنا نعرف الآن معنى قول النبي يونس (عليه
السلام) والإعتراف الذي أبداه (إني كنت من الظالمين) هذا لإنه رفض العلم الذي لديه والعلم الذي لدى العالم روبيل ووافق تنوخا ، وتنوخا هذا ليس له علم كما مرّ عليك من الروايات، ومن المؤكد إن جميع ما يبديه سيكون عن الهوى لا غير!. وعلى ذلك يكون ممن يعتمدون النظام البديل. إنظر الى ما جاء عن ابا عبد الله (عليه السلام) وكان العابد يشير على يونس بالدعاء
عليهم ، وكان العالم ينهاه ويقول : لا تدعن عليهم فان الله يستجيب لك ، ولا يحب هلاك عباده ، فتقبل قول العابد ولم يقبل من العالم
أهم الفوائد التي يمكن أن تستخلصها عزيزي القارئ من هذا الموضوع هو أنك تعرّفت من خلاله على عدوّ نبي الله يونس (عليه السلام) الحقيقي. طبعاً هذه ليست دعوة منا إلى كره (تنوخا) العابد الذي يتلبس بلباس العبودية في هذا العصر لما ضمّنا في هذه الدراسة من دلالات عن اللذين يتلبسون بهذا الزي الفاضح!. بل إننا أردنا أن نعرف طبيعة المشكلة ونحددها
تحديداً دقيقاً في محاولة للوصول إلى مصدر المشكلة الرئيسية التي عانى منها نبي الله يونس (عليه السلام) ومجتمعه على حدٍّ سواء ، وهذه الدراسة أضحت واضحة جداً في إن السبب الرئيسي لما كان يعاني منه يونس (عليه السلام) ومجتمعه هو المؤسسة الدينية ،
لم نفطن أبداً إلى حقيقة أن حالة العداء هذه هي التي تحدث مع المصلحين الجدد ليست نتيجة مباشرة لأحداث عفوية حصلت مع النبي يونس (عليه السلام)، بل هي نتيجة مخطط مقصود ومرسوم مسبقاً ويتم تنفيذه والمحافظة عليه عبر هذا التاريخ الطويل
ولكي يحافظوا على هذا الوضع البائس الذي تتخبط فيه كافة المجتمعات البشرية على هذه المعمورة،
وجب أن تسيطر المؤسسة الدينية التي تحكم عقولنا وعلى طريقة تفكيرنا.
ومن أجل تحقيق ذلك فلا بد من اتخاذ الإجراءات اللازمة قبل أن يجيئ مصلح جديد
لعلك ستقول وما الفائدة التي ترجوها مؤسسة الظالمين من سيطرتهم أن حدثت الكارثة وأهلك ذلك المجتمع؟
هم يعلمون جيداً أن نبوة يونس ورسالة مقتصرة على رقعة جغرافية معينة حدودها مقتصرة على عاصمة آشور (نينوى) حتى أطراف هذه الدولة لذلك حتى وأن حدث ذلك فهم يريدون أن يسوّقوا نموذجاً لجميع العالم عن رسل السماء ليستخّفوا بعدها بأي شخص يتكلم بهذا العنوان وليقطعوا بعد ذلك العلاقة بين الفرد والسماء ، ألم تلاحظ قولهم على أمير المؤمنين (عليه السلام ) ووصفهم له بـ(قتال العرب) ويسبونه من
وساءل أعلامهم لسنين طويلة!. فهل سألت نفسك لماذا يسبونه وماذا يريدون من هذا الوصف (قتّال العرب)؟ أن مؤسسة الظلمات أنفسهم متواجدون في كل زمان ومكان يتوارثون منهج الشيطان (لعنة الله عليه) أنظر إلى قول أحد أفراد هذه المؤسسة وهو عمر بن سعد والذي برز دوره في واقعة كربلاء
فقال عمر بن سعد لقومه: الويل لكم أتدرون لمن تقاتلون؟ هذا ابن الانزع البطين، هذا ابن قتال العرب!..، فاحملوا عليه من كل جانب
وما تلاحظه من هذا القول الذي يتفوه به اللعين (هذا ابن قتال العرب) كان له دور ساهم في شحذ الهمم لدى الجيش فهم متيقنين أن علي (عليه السلام ) نموذج حياة يختلف عن نموذج الحياة التي يطمحون إليها فهذا الملعون عندما خاطبهم بهذا القول يعلم جيداً ماذا يقول مما جعل الرماة الذين كانوا أربعة آلاف، أن يرمونه بالسهام دفعة واحدة فحالوا بينه وبين رحله..
وعندما سألهم الحسين (عليه السلام) (ويلكم على مَ تقاتلونني؟ على حقٍّ تركته؟ أم على شريعة بدّلتها؟ أم على سنّة غيّرتها)؟
أنظر عزيزي القارئ بأي شيء أجابوه
قالوا:
نقاتلك بغضاً منّا لأبيك وما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين
هل هناك أبين من هذا الكلام؟! أن هؤلاء تم تثقيفهم ضد النص السماوي وضد شخوصه بشكل منظم ، لذلك وعندما سمع منهم أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) هذا الكلام آيس منهم وجعل يحمل عليهم وهم ينهزمون من بين يديه كأنهم جراد منتشر.
القسم الثاني: الكشف عن العالم روبيل وطبيعة علاقته مع نبي الله يونس عليه السلام
مما تقدم لاحظت عزيزي القارئ الصفة أو الوصف الذي يطلقه أبا جعفر (عليه السلام) على شخصية روبيل) وعلى الرغم من قلة المصادر التاريخية حول هذه الشخصية سنكتشف معاً عن الدور الذي لعبته مع النبي يونس (عليه السلام) ومع المجتمع اليونسي من جهة أخرى ، وسنعتمد خصائص هذه الشخصية التي وردت في النص الروائي من أنه
من أهل بيت العلم والنبوّة والحكمة
ما الذي أراد أن يظهره أبا جعفر (عليه السلام) حينما قال كان (روبيل) من
(اهل بيت العلم والنبوة والحكمة)
هل في ذلك ترميز معين لهذه الشخصية ، وهل تجتمع جميع هذه الخصال في أهل بيت؟ أن هذا الترميز واضح وأن أهل بيت العلم والحكمة والنبوة الذين خصتهم هذه الرواية معروفين ومشخصين على البعدين الزماني والمكاني ، فالأهل مجموعة واحدة والبيت هو الآخر بيت واحد وليس بيوت ، كما وأن هذه الرواية الشريفة وضعت لنا تفسيرات واضحة جداً لرموز هذه الإحداث، بهدف إزالة التشويش عن
عقول الأتباع المهتدين بنور الإئمة الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين
لقد حفظت معطيات هذه الرواية بما تنطوي على أحداث جمة من خلال استخدام الرموز
(أي تم تشفيرها من قبل المعصوم).
مما جعل هذه الرواية الثمينة تُخزّن وعلى مرأى من الجميع ، لذلك بقيت محجوبة عن الجميع بسبب طبيعتها المرمزة.
إن الترميز الذي أقصدة بشأن العبارة التي تم من خلالها وصف العالم روبيل بأنه كان من (اهل بيت العلم والنبوة والحكمة) لا تحتاج الى التكلف في بيانها في حال عودتنا إلى المنهج اللفظي الذي تخضع إليه روايات أهل البيت عليهم السلام) فالروايات الشريفة تم تصميمها وفق نظام هندسي خاضع لمنهج لفظي ، وما يجري على القران يجري عليها هي الأخرى كبناء هندسي، فإذا عدنا بهذه العبارة
(أهل بيت العلم والنبوة والحكمة)
ودققنا جميع مفرداتها سنجدها تعني مجموعة واحدة
(أهل) و(بيت) واحد لا غير)
ومن المحال أن تجتمع هذه الصفات في أهل بيت غيره!. وهذا البيت وأهله يتصفون بالاستمرار ألزماني مثلما ورد عن زيد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب عليه السلام
في كلّ زمان رجل منّا أهل البيت يحتجّ الله به على خلقه وحجة زماننا ابن أخي جعفر بن محمد لا يضل من تبعه ولا يهتدي من خالفه
وهذه الصفات (العلم والنبوة والحكمة) مرتبطة بالبيت كصفات ملازمة له ولهذا البيت أهل ثابتين أيضا ، لا يخلو منهم زمان ، ومن الملفت إن هذه الصفات التي وردت بشأن العالم روبيل ( العلم والنبوة والحكمة) تجدها قد وردت في الزيارة الجامعة المخصوصة (بأهل البيت) (عليهم السلام) تأمل هذا النص :
السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ، وَمَوْضِعَ الرِّسَالَةِ وَمُخْتَلَفَ المَلائِكَةِ
هذا النص يثبت لنا إن العالم (روبيل) كان له شأن كبير ، في ذلك الزمن حتى من قبل المجتمع الآشوري تأمل وصفهم له مثلما ورد في النص الروائي الثاني:
-فانك رجل عالم حكيم لم نزل نعرفك بالرقة الرأفة علينا والرحمة لنا ، وقد بلغنا ما اشرت به على يونس فينا : فمرنا بأمرك واشر علينا برأيك).في نفس هذه الرواية تجد إن يونس (عليه السلام) كان مع العالم روبيل قبل أن يبعثه اله بالنبوة (وكان روبيل من اهل بيت العلم والنبوة والحكمة وكان قديم الصحبة ليونس بن متى من قبل أن يبعثه
الله بالنبوة).وهذا يعني إن روبيل كان حجة على يونس من قبل أن يبعث وبعد بعثته بالنبوة والصفات المثبوته له الواردة بالرواية تؤكد ذلك ، كما لا يخفى على القارئ اللبيب أن أغلب الأنبياء كانوا يتلقون علومهم وجميع ما يتكلفون به من إمام زمانهم وكان ليونس (عليه السلام) إمام مثلما ورد في هذه الرواية
في أصول الكافي محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن أبى يحيى الواسطى عن هشام بن سالم ودرست بن أبى منصور عنه قال قال أبو عبد الله عليه السلام
الأنبياء والمرسلون على أربع طبقات ،
فنبي منبأ في نفسه لا يعدو غيرها ،
ونبي يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاينه في اليقظة ، ولم يبعث إلى أحد وعليه امام مثل ما كان إبراهيم على لوط عليهما السلام
، ونبى يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك وقد أرسل إلى طائفة قلوا أو كثروا كيونس ،
{ وأرسلناه إلى مأئة ألف أو يزيدون }
قال : يزيدون ثلثين ألفا وعليه إمام ، والذي يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاين في اليقظة وهو إمام مثل أولى العزم ، وقد كان إبراهيم عليه السلام نبيا وليس بإمام حتى قال الله
{ أنى جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي }
فقال الله : { لا ينال عهدي الظالمين }
من عبد صنما أو وثنا لا يكون إماما
لا شك روبيل هو من أعد يونس (عليه السلام) وعلمه بدليل الصحبة التي سبقت البعثة النبوية ليونس ، وهناك ما ورد في النص الروائي الذي أوردناه آنفاً ما يؤكد على أن (روبيل) هو أرفع درجة من يونس (عليه السلام) تأمل بعضاً من هذه الموارد ثم أربطها بمستقبل الأحداث ستجد إن العالم روبيل مطلع لما ستميل إليه نتيجة الأحداث
.النص الروائي الثاني : { فقال له روبيل: أي للنبي يونس (عليه السلام) : ارجع إلى ربك رجعة نبى حكيم ورسول كريم ، واسأله أن يصرف عنهم العذاب فانه غنى عن عذابهم و هو يحب الرفق بعباده وما ذلك بأضر لك عنده ، ولا أسوأ لمنزلتك لديه ، ولعل قومك بعد ما سمعت ورأيت من كفرهم وجحودهم يؤمنون يوما فصابرهم وتأناهم
إن هذا النص الذي يصف لنا كلام العالم روبيل مع يونس (عليه السلام) يؤكد على شيء مهم وهو أن هناك أمل في توبة قوم يونس (عليه السلام) بل إن هذا الكلام مرتبط أساساً بكلام الرب الذي صدر من الرب عندما طلب منه يونس (عليه السلام) أن ينزل
العذاب على قومه!. تأمل ما قاله الرب عندما طلب منه يونس عليه السلام أن ينزل عليهم العذاب
فأوحى الله إلى يونس أن فيهم الحمل والجنين والطفل والشيخ الكبير والمرأة الضعيفة والمستضعف المهين ، وأنا الحكم العدل ، سبقت رحمتي غضبى لا أعذب الصغار بذنوب الكبار من قومك ، وهم يا يونس عبادي وخلقي وبريتي في بلادي وفى عيلتى
أحب أن أتاناهم وأرفق بهم وانتظر توبتهم
النص الروائي الثاني: { فقال له روبيل :أتدرى يا يونس لعل الله إذا أنزل عليهم العذاب فأحسوا به ، أن يتوبوا أليه ويستغفروه فيرحمهم فانه أرحم الراحمين ويكشف عنهم العذاب من بعد ما أخبرتهم عن الله انه ينزل عليهم
العذاب يوم الأربعاء فتكون بذلك عندهم كذابا - هذا النص كله تلميح للنبي يونس (عليه السلام) لما سيجري لكن يونس (عليه السلام) لم يلتفت إلى كلام العالم.
.النص الروائي الثاني: ثم اقبل على يونس فقال : انزل الوحي والأمر من الله فيهم على ما أنزل عليك فيهم من أنزال العذاب عليهم ، وقوله الحق ، أرأيت إذا كان ذلك فهلك قومك كلهم وخربت قريتهم أليس يمحو الله اسمك من النبوة
وتبطل رسالتك وتكون كبعض ضعفاء الناس ، ويهلك على يديك مائة ألف أو يزيدون من الناس
وبالفعل أن النبي يونس (عليه السلام) تقرر أن يبعث مرة ثانية كما نفهمه من هذا النص (أو يزيدون) الوارد في قوله تعالى:
(وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ)
الصافات : 147
مما قرأته في النص الروائي الثاني أن المائة ألف أنقذهم العالم روبيل وهو من بقى معهم طول فترة غيبة النبي يونس (عليه السلام) يربيهم ويعلمهم حتى أدخلهم طور الاستخلاف ، إلى أن عاد يونس
(عليه السلام) فتعامل مع العدد السابق بالإضافة للزيادة وستعرف ارتباط العدد الجديد وعلاقته بطور الاستخلاف الذي مرّ به المجتمع اليونسي في الدراسات القادمة.وعلى ذلك ستعرف أيضاً إنه أرسل مرتين فهناك رسالة جديدة جاء بها بعد غيبته ، أما وأن قلت لماذا؟ سنقول لك لأن الأشياء تبدلت والأنظمة تبدلت والمجتمع تبدل فغاية متعلق رسالته الأولى هي أن يؤمن قومه!. فماذا بعد الإيمان؟ ، وهذا ما سيحدث لك في قابل الأيام على يد الموعود
عليه السلام
{ يخرج بدين جديد وكتاب جديد...}
ما أريد قوله هنا إن روبيل كان هو إمامهم ولم يعرفوه على الرغم من تواجده بين ظهرانيهم ، يخالطهم ويمشي في أسواقهم ولم يعرفوه إلا بعد أن أذن له الله تعالى
إن شخصية العالم روبيل توحي لنا بالكثير من خلال هذه النصوص التي مررنا عليها والاشتراك بالصفات التي لا تجوز إلا لأهل بيت واحد تؤكده هذه النتيجة ، خذ مثلاً وصفه بـ (العالم) وهذا الوصف لا ينطبق إلا على شخوص محددين لا يتعداهم هذا الوصف وهم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة (عليهم السلام ) تأمل ما جاء في الصحيفة المهدية
الحبر العالم، بدر الظلام، وربيع الأنام، التقى النقي، الطاهر الزكي مولاي أبا محمد الحسن بن على العسكري. وأتقرب أليك بالحفيظ العليم، الذي جعلته على خزائن الأرض، والأب الرحيم، الذي ملكته أزمة البسط والقبض، صاحب النقيبة الميمونة، وقاصف الشجرة الملعونة. مكلم الناس في المهد، والدال على منهاج الرشد، الغائب عن الأبصار، الحاضر في الأمصار، الغائب عن العيون، الحاضر في الأفكار، بقية الأخيار، الوارث لذي الفقار، الذي يظهر في بيت الله ذي الأستار، العالم المطهر الحجة بن الحسن عليهم أفضل التحيات، وأعظم البركات، وأتم الصلوات
.فالعالم لا يطلق إلا على شخوص أو أهل هذا البيت المشار إليه في النصوص الروائية بـ (أهل بيت النبوة) كما ورد عن عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من أدرك منكم قائمنا فليقل حين يراه:
السلام عليكم يا أهل بيت النبوة، ومعدن العلم وموضع الرسالة
إن هذا البيت وأهله مستمرون في الزمان لا يخلوا منهم مكان وهم الحجج على الخلق ، فهل تنقطع حجة الله عن خلقة؟ لو لم يتواجد أحدٍ منهم لساخت الأرض بأهلها كما ورد في الحديث
(لو لا الحجّة لساخت الأرض).
فلا دوام للوجود إلا بأهل هذا البيت ، بيت الله عز وجل.
الفصل الثالث
محور البحث في هذا الفصل : هو التباين اللفظي بين (الحوت/ النون
وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
[الأنبياء : 87
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ
[القلم : 48
يا فاطمة الزهراء يا أم أبيها... يا قائم آل محمد.
ما الفرق بين لفظتي الحوت والنون؟
في هذا الموضوع الراهن سنثبت إنشاء الله تعالى التغاير والتباين اللفظي بين مفردتي (الحوت) و (النون) اللتان ارتبطتا بقصة النبي يونس (عليه السلام) ، في الوقت الذي لازالت العقول المخمورة بالفكر الاعتباطي تؤسس إلى أن اللفظين يعنيان بمفهوم واحد!. وهو
الصورة الحسية لكائن بحري!. ، دون الوقوف على المضامين الأخرى في النسق النصي للقرآن ، انظر ماذا يفعل المفسّر حينما يشرح مفردات النص القرآني بمفردات غيرها بحجّة أنها مرادفات لتلك الألفاظ؟!
لنلقي نظرة إلى أحد هذه التفاسير ولنأخذ تفسير مكارم الشيرازي بشأن لفظة (النون): يقول
كلمة { النون} في اللغة تعني السمكة العظيمة،
أو بتعبير آخر تعني الحوت، وبناءً على هذا فإنّ
{ ذا النون } معناه صاحب الحوت }
إن ما تلاحظه عزيزي القارئ هنا هو
نتيجة تعسفية واعتباطية لفهم النص القرآني
فهو لا يشوّه المعنى التام وحده للمفردتين حينما ضغطهما في معنى واحد، بل يتعدّاه إلى جميع المعاني والحقائق المرتبطة به علاوة على تدميره اللغة عموماً ، لكنه رغم تأخره في الزمن عن غيره من المفسرين هل أتى بجديد؟.. الحقيقة أن هذا الجهبذ لم يأتي بشيء جديد بل ذهب إلى ما قاله غيره وهو القول بالاشتراك اللفظي الترادف
قبل أن ندخل في الفرق بين الدلالة اللفظية للـ الحوت/النون) سنأخذ الاقتران اللفظي الذي جاء مع الحوت والنون وأقصد بذلك لفظي
(صاحب.. كصاحب الحوت) و(ذا...وذا النون)
كما قد لاحظت الآيتين أعلاه.
الفرق بين اللفظين (صاحب)و (ذا)..
إن الفرق بين لفظ (صاحب) ولفظ (ذا) هو أن لفظ صاحب) يكشف عن علاقة تناقضية ، أي أن هناك تباين وتغاير واختلاف بين طرفي (الصحبة) في الأهداف والنوايا ، بل وحتى في الشكل والنوع فصاحب الحوت هو يونس (عليه السلام) وبالتالي يختلف عن الطرف الآخر (الحوت) أيّاً كان هذا الحوت فهو مختلف عن يونس(عليه السلام) ، ولقد تم معالجة مفردة أو لفظة (أصحاب) بشكل مفصل من قبل فقيدنا النيلي "رحمه الله" في كتاب نظام المجموعات
يمكن للقارئ الكريم أن يعود إليه للفائدة أكثر.
أما لفظ (ذا) فهو يعمل على تفعيل الحركة الناتجة وتنشيطها بعد إن كانت ساكنة بحيث يكون الزمان والمكان ساحتان مفتوحتان لهذه الحركة كما في قوله
حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً
[الكهف : 86
قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً
الكهف : 94
وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
الأنبياء : 87
نلاحظ في النص أعلاه أن لفظ (قرنين) مثنى وجمعه (قرون) أما مفرده (قرن) هو مكاني الدلالة من الاقتران ولكن ليس اقتران زمانٍ وحده ولا مكانٍ وحده ، بل مع عنصرٍ ثالثٍ هو السنن الكونية والاجتماعية لأنّه ارتبط بالنشوء كما في قوله تعالى
أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ
الأنعام : 6
{ ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ
المؤمنون : 31
وعلى ذلك يكون الشخص المختص بقوله (ذا القرنين) يعني بذلك تفعيل حركته وفتحها على زمكانين مع السنن الكونية والاجتماعية لهذين الزمكانين ، وهذا يعني أنه عاش دورتين زمكانيتين بجميع أنظمتهما وما يرتبط بهما من سنن كونية واجتماعية وإلى غير ذلك.
أما قوله تعالى: (وذا النون) لا يعني صاحب الحوت ، بعدما رأيت الفرق بين دلالة اللفظتين (صاحب/ذا) فلفظ (ذا) يختلف عن لفظ (صاحب) ولفظ (الحوت) يختلف هو الآخر عن لفظ (النون)ولا أدري كيف أستطاع الاعتباط أن يقلص هذه المفردات الأربع إلى مفردتين فقط والخروج بنتيجة واحدة هي (صاحب الحوت) وأن كان الأمر كما يدّعي الاعتباط فلماذا لم يختصر النص هذا الأمر من الأساس ويقول (وذا الحوت) بدل (وذا النون) أو يقول (كصاحب النون) بدل (كصاحب الحوت) إلى جانب كونه أي النص القرآني سيمثل حينها أداة لغوية بسيطة للمتلقي خاصة لما
يعرفه من تكلف المفسرين!. قطعاً النص لا يسمح لهؤلاء أن يتصرفوا هكذا لذلك قطع عليهم الطريق بنظامه الهندسي اللفظي الذي لا يستقيم والفهم الاعتباطي أبداً.. وبذلك أخبرك عزيزي القارئ إن لفظ ذا) يكشف عن علاقة النبي يونس (عليه السلام) بـ (النون) فلفظ (ذا) يتكون من حركتين لا غير (الذال) و(الألف) وما تلاحظه أن (الذال) وفق تعريف معاني الأصوات هو: (تسكين الحركة وتذليلها وحدوثها مرة واحدة مع
استمرار آثارها) وربما طبيعة هذا التعريف توحي إليك طبيعة حركة نبي الله يونس (عليه السلام) الذال وفق تعريفها تعني ـ مرحلة التسليم ـ التي مرّ بها نبي الله يونس (عليه السلام) والتي أعقبتها حركة (الألف) : (تفعيل الحركة الناتجة
وتنشيطها بحيث يكون الزمان والمكان مفتوحان لها) وبذلك تم انفتاح حركة النبي يونس (عليه السلام) على (النون) والذي ستتعرف عليه قريباً إنشاء الله تعالى لتتأكد بعد ذلك أن النبي يونس (عليه السلام) لم ينفتح زمكانيا على النون) إلا بعد التسليم.
علاقة نبي الله يونس (عليه السلام)بالحوت:
أكثر الموروثات الشعبية، والأساطير والملاحم الأدبية والآثار المادية المنتشرة حول العالم تتحدث عن هذا الحوت) الغامض العجيب المذهل والسحيق في القدم ، لكن جميعها تم تصنيفها في خانة الخرافات الماورائية.. إن النصوص الروائية الشريفة التي جاءتنا عن أئمتنا عليهم السلام بخصوص هذا الحوت الذي أرتبط بالنبي يونس (عليه السلام) تكاد بالفعل تسعفنا وتخرجنا من الهذيان الذي على أساسه تم تصنيف هذه القصة ، بل وتضع حلاًّ
لا يمكن دحضه بحال من الأحوال ، فبعد أن تطلع على هذه النصوص الروائية ستتأكد أن هذا الموضوع أكبر وأوسع من أن يحيط به الفكر الاعتباطي في محاولاته التي أظهر من خلالها هذه القصة بشكل مهين ومخجل وبعيداً كل البعد عن النص القرآني.
أن الروايات الشريفة التي تناولت قصة نبي الله يونسعليه السلام تأكد على أن هذا (الحوت) ليس هو بالكائن البحري المعهود لدينا!. بل هو نظام كوني!. يدخل في عملية تنظيم وموازنة الأرض ، وأما البحار والظلمات التي طافها يونس (عليه السلام) في بطنه هي ليست بحار ولا ظلمات أرضية بل هي الأخرى كونية ، يأتيك تفصيلها إنشاء الله تعالى ، فهل ستصدق ذلك؟
لعل هذه الفكرة غريبة عليك بعض الشيء بسبب ركام الفكر الاعتباطي لكن تريث وأقرأ ما سأورده لك من أحاديث المعصومين (عليهم السلام) لكي تنتزع التصور القديم وتنطلق إلى رحاب كوني واسعٍ جديد.. وأثناء قراءتك أرجو أن تجعل هذه الصورة أدناه نصب عينيك كلما قرأت شيئاً عن الحوت أنظر لها.
لقطتان للشفق القطبي الشمالي والجنوبي نيويورك - خاص:
نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
أحاديث عن الحوت والبحار...
النص الروائي الأول : مُحَمَّدٌ عَنْ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عَلَيْهِ السَّلام) قَالَ
سَأَلْتُهُ عَنِ الأرْضِ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ هِيَ قَالَ هِيَ عَلَى حُوتٍ قُلْتُ فَالْحُوتُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ هُوَ قَالَ عَلَى الْمَاءِ قُلْتُ فَالْمَاءُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ هُوَ قَالَ عَلَى صَخْرَةٍ قُلْتُ فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ الصَّخْرَةُ قَالَ عَلَى قَرْنِ ثَوْرٍ أَمْلَسَ قُلْتُ فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ الثَّوْرُ قَالَ عَلَى الثَّرَى قُلْتُ فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ الثَّرَى فَقَالَ هَيْهَاتَ عِنْدَ ذَلِكَ ضَلَّ عِلْمُ الْعُلَمَاءِ
النص الروائي الثاني: قال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم
إن لله عزَّ وجلّ عموداً من ياقوت أحمر ، رأسه تحت السماء وأسفله على ظهر الحوت الذي في الأرض السابعة السفلى ، فإذا قال العبد : لا إله إلاّ الله اهتز العرش ، وتحرك العمود ، وتحرك الحوت ، فيقول الله تعالى : اسكن عرشي ، فيقول : كيف اسكن وأنت لم تغفر لقائلها ، فيقول الله تعالى : اشهدوا سكان سماواتي أني قد غفرت لقائلها
النص الروائي الثالث:
إن قوما من ما وراء النهر سألوا الرضا عليه السلام عن الحور العين مم خلقن ؟ وعن أهل الجنة إذا دخلوها ما أول ما يأكلون ؟ فقال عليه السلام: { أما الحور العين فإنهن خلقن من الزعفران والتراب لا يفنين، وأما أول ما يأكلون أهل الجنة فإنهم يأكلون أول ما يدخلونها من كبد الحوت التي عليها الأرض البحار.
النص الروائي الرابع: عن علي بن محمد بإسناده رفعه قال: { أتى علي بن أبي طالب (عليه السلام) يهودي فقال: يا أمير المؤمنين إني أسألك عن أشياء إن أنت أخبرتني بها أسلمت. قال: علي (عليه السلام): سلني يا يهودي عما بدالك، فإنك لا تصيب أحدا أعلم منا أهل البيت. فقال له اليهودي: أخبرني عن قرار هذه الارض على ما هو ؟ وعن شبه الولد أعمامه وأخواله ؟ ومن أي النطفتين يكون الشعر واللحم والعظم والعصب ؟ ولم سميت السماء سماء ؟ ولم سميت الدنيا دنيا ؟ ولم سميت الآخرة آخرة ؟ ولم سمي آدم آدم ؟ ولم سميت حواء
حواء ؟ ولم سمي الدرهم درهما ؟ ولم سمي الدينار دينارا ؟ ولم قيل للفرس: أجد ؟ ولم قيل للبغل: عد ؟ ولم قيل للحمار: حر ؟.
فقال (عليه السلام): أما قرار هذه الأرض لا يكون إلا على عاتق ملك، وقدما ذلك الملك على صخرة، والصخرة على قرن ثور، والثور قوائمه على ظهر الحوت في اليم الأسفل، واليم على الظلمة، والظلمة على العقيم، والعقيم على الثرى، وما يعلم تحت الثرى إلا الله عز وجل
بحار الأنوار ج10).
النص الروائي الخامس:
وأسألك باسمك الذي شققت به الأرض شقا و أنبت فيها حبا و عنبا و قضبا و زيتونا و نخلا و حدائق غلبا و فاكهة و أبا يا الله و أسألك باسمك الذي تخرج به الحبوب من الأرض فتزين بها الأرض فتذكر بنعمتك يا الله و أسألك باسمك الذي تسبح لك به الضفادع في البحار و الأنهار و الغدران بألوان صفاتها و اختلاف لغاتها يا الله و أسألك باسمك الذي يسبح لك به الملك القائم على الصخرة تحت الأرضين السفلى فيثبت عليها بذلك الاسم فهو يسبحك به خشية أن يسقط من مقامه فيهلك يا الله و أسألك باسمك الذي أثبت به الأرضين على هامة ذلك الملك القائم على الصخرة بأمرك فهو يسبحك بذلك الاسم دائما لا يفتر من التسبيح لك و التقديس ليدوم ثبوتها و إلا يسقط في اليم فيهلك يا الله و أسألك باسمك الذي أهبطت به الصخرة من جنة الفردوس إلى تحت الأرضين السفلى كلها فجعلتها أساسا لقدمي ذلك الملك يقف عليها بقدرتك فهو يسبح لك بذلك الاسم وهي مسبحة لك به لا تفتر من التسبيح لك لئلا تقع في اليم الأكبر على البردة العظمى يا الله و أسألك باسمك الذي أثبت به قوائم الثور على شوكة من ظهر الحوت فثبتت عليها قوائمه بقدرتك يا الله فهو يسبح لك بذلك الاسم لا يفتر من التسبيح لحظة خوفا أن يقع في اليم فيهلك يا الله و أسألك باسمك الذي أثبت به اليم الأكبر على البردة العظمى فهو يسبح لك بذلك الاسم لا يفتر منه أبدا يا الله و أسألك باسمك الذي أثبت به البردة مطبقة على النار بقدرتك فهي مسبحة لك بذلك الاسم لا تفتر من التسبيح و التقديس خشية أن تذوب من وهج النار الكبرى يا
الله
افتراض علمي بشأن الحوت
بعد هذا التقديم الروائي الذي يعتني بكائن (الحوت) ويؤكد على أنه نظام تعتمد عليه حركة الأرض عندها قطعاً ستتولد لديك جملة من الإشكالات على النتائج الفكرية التي قدمها لك الفكر الاعتباطي فيما سبق بشأن هذا الحوت، ولذلك سنفترض افتراض علمي ترجوا من ورائه أن يقربنا بعض الشيء إلى النتائج التي نأملها. فالذي تراه في هذه المرويات الشريفة لا علاقة له بالكائن البحري المعهود أبداً ودليلاً على ذلك الصورة التي ثبتناها والتي تكشف عن شكلِ حوتٍ يحيط بالكرة الأرضية الذي منحنا كشفاً علمياً جديداً ، كما
وألفت عناية القارئ الكريم إلى أن النصوص الروائية الشريفة أكدت على أن الأرض على حوت أو على ظهر حوت وما تشاهدونه في الصورة أن الحوت فوق الأرض ولعل هذه الحالة تسبب أرباك للقارئ الكريم لكن لو كان النظر من الفضاء الخارجي لهان الأمر إذ أن هذه الجهوية (أعلى/أسفل ـ فوق/ تحت) لا وجود لها. أما النص الروائي عندما وصف الأرض على الحوت فذلك معني باستخلاص حركة الأرض واعتمادها على الحوت كما ستلاحظ
أن هذا الشكل الماثل أمامك في الصورة يتكون نتيجة طاقة الأورورا (Aurora) أو كما تسمى بالعربية الفجر القطبي أو الشفق القطبي. ينتج عن اصطدام الأشعة الكونية بالغلاف الجوي للأرض وبسبب وجود مجال مغناطيسي حول الأرض، فأن الأشعة الكونية تتحول مسارها و تتركز في القطبين.. ويحصل ظهور الشفق القطبي على ارتفاع 70 ميلا أو أكثر عن سطح الأرض في غلافها الجوي الأعلى . ويمكن رؤيته من على ارتفاعات كبيرة .
إن هذا الصورة التي تومض بأضواء خضراء اللون عجيبة المظهر ومهيبة المنظر، والمأخوذة من الفضاء، تكشف النقاب عن جمال الأنوار في القطبين الشمالي والجنوبي وإلى جانب هذا الجمال تضعنا أمام تساءل كبير حول انتشار هذه الفكرة حول العالم أقصد بذلك الأرض على ظهر حوت- تجد هذه الفكرة تغذي فلكلور الحضارات القديمة لكننا وللأسف الشديد أقول أنّنا نشأنا على رفض تصديق الفلكلور وعلم الأساطير وأخذها بعين الجد . ولكن أليس هذا أمراً غير علمي؟! خاصّة أنّ الموروثات الشعبية والأساطير غالباً ما تقودنا لاكتشاف
حقائق علمية لما كان يروى .
نعود الآن إلى اللقطة المأخوذة من خارج الكرة الأرضية لهذه الطاقة ، لقد كانت الأمواج المضيئة باللونين الأخضر والأحمر واضحة كل الوضوح من مسافة أميال خارج الغلاف الجوي للكرة الأرضية فوق المنطقتين القطبيتين. وقد استخدم رواد الفضاء كاميرات لأخذ اللقطات من مسافات بعيدة بأفلام مقاس 35 مليمترا لالتقاط هذه الصور الفريدة من المدار حول الكوكب الأرضي.تأمل عزيزي القارئ هذه اللقطة الأخرى التي تظهر هذه الطاقة (طاقة الأرورا الخضراء) المتمركزة حول القطبين
نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
لا غرابة بعد ذلك أن تقرأ حديثاً عن الإمام الصادق (عليه السلام)
في أن الأرض على حوت ، فهذا الحوت الذي يحمل الأرض لا يعدوا أن يكون عمله عمل تنظيمي لحركة الأرض ، وبما أنه نظام يستند إلى قوانين فيزياوية كونية فهو الآخر يعتمد على قوة كونية أخرى تسمى بالماء كما ورد في بعض الأحاديث من أن الحوت هو الآخر على (ماء) وهذا ما نفهمه من الأحاديث الشريفة التي تحكي عن بحار بين الأرض والسماء فهي مجالات طاقة عظيمة (راجع الفصل الأول من بحث ملحمة الطوفان ومركبة الناجين )، ولقد وردة هذه المفردات (بحار الظلمات) في ملحمة جلجامش ولقد فصّل المرحوم النيلي في كتاب ملحمة
جلجامش هذا الظلام وعلاقته بالفضاء الخارجي تأمل كلامه رحمه الله:
إنّ هذِهِ المسألةَ تَحلُّ لنا إشكالاتٍ عديدةً في نصِّ المَلْحَمَةِ حيثما ذُكِرَت الظلمةُ وغيابُ النّور. وهي الأشياءُ التي كرَّرها النّصُ مراتٍ عديدةً بلا كَلَلٍ للتأكيدِ على فضائيةِ الرّحلةِ. لاحِظْ هذِهِ الأسْطُرَ من العمودِ الخامِسِ:
البدايةُ مكسورةٌ.
23. عندما صارَ على مسافةِ أربعِ ساعاتٍ مضاعفةٍ
24. صار الظّلامُ كثيفاً واختفى النّورُ
25. وَلَمْ يمكنْهُ تمييزُ شيءٍ أمامَهُ ولا خلفَهُ
26. وعندما كَانَ على مسافةِ خمسِ ساعاتٍ مضاعفة
27. صارَ الظّلامُ كثيفاً واختفى النّورُ
28. وَلَمْ يمكنْهُ تمييزُ أيِّ شيءٍ أمامَهُ ولا خلفَهُ
29. وعندما كَانَ على مسافةِ ستِّ ساعاتٍ مضاعفةٍ
30. صارَ الظلامُ كثيفاً
31. وعندما كَانَ على مسافةِ سبعِ ساعاتٍ مضاعفةٍ
32. صارَ الظّلامُ شديداً واختفى النّورُ
33. وَلَمْ يمكنْهُ تمييزُ شيءٍ أمامَهُ ولا خلفَهُ
35. وعندما سارَ مسافةَ ثماني ساعاتٍ مضاعفةٍ
36. أخذَ يصرخُ.. وصارَ الظّلامُ كثيفاً واختفى النّورُ
37. فلم يمكنْهُ تمييزُ أيِّ شيءٍ أمامَهُ أو خلفَهُ
38. وعندما صارَ على مسافةِ تسعِ ساعاتٍ مضاعفةٍ
39. شعرَ (بالرّيحِ)..وأخذ يهوي على وجهِهِ
40. وصارَ الظّلامُ كثيفاً واختفى النّورُ
41. وَلَمْ يمكنْهُ تمييزَ شيءٍ أمامَهُ ولا خلفَهُ
42. وعندما سارَ مسافةَ عشرِ ساعاتٍ مضاعفةٍ
43. ...... صارَ قريباً……
44. ........ من السّاعة…....
45. وعندما سارَ مسافةَ إحدى عشرةَ ساعةٍ مضاعفةٍ خرجَ قرصٌ
46. وعندما سارَ مسافةَ أثنى عشر ساعةٍ مضاعفةٍ صارت (الأرضُ) منيرةً.
47. وعندما رأى غابةَ الصّخورِ بدأ…
لا أعتقدُ أنّ هناك وصفاً أكثرَ دقّةٍ من هذا الوصف لرحلةٍ في الفضاء حسب ما نعرفُهُ من علومٍ حديثةٍ. فلاحظْ كيف يؤكّدُ النّصُ على تكاثفِ الظّلامِ كلّما ابتعدَ في الفضاء }.انتهى كلامه).
وجب أن نلفت عناية القارئ الكريم إلى أن مفردة الظلمات) وردت في النص القرآني (14) مرة ، وهذا العدد يشير إلى تعدد عوالم الظلمات التي تقابل النور، فالظلمات تمثل الضد للنور. وعلى ذلك نعلم الآن لماذا تكلم يونس (عليه السلام) مع قارون المعذب (كما سيأتيك) ، بعد أن نادى في الظلمات
فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
الأنبياء:87
أن الظلمات هي عوالم خاضعة لسلطة تعمل بالضد لمحمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين وسيعمل الإمام الموعود على تطهيرها وبث الدين فيها من جديد بعد أن يجتث الشجرة الخبيثة وجنود الجهل والقضاء على الطينة الخبيثة في جميع مستوياتها العالمية (الظلمات) تأمل هذا النص الروائي
ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون
قال: المفضل يا سيدي ومن فرعون وهامان قال "إليه التسليم" (أبو بكر وعمر) قال المفضل
يا سيدي رسول الله وأمير المؤمنين يكونان معه فقال لابد أن يطأ الأرض حتى ما وراء القاف أي والله وما في الظلمات وما في قعر البحار حتى لا يبقى موضع قدم إلا وطئاه وأقاما فيه الدين الواجب لله تعالى
لعل الكلام أخذ طابعاً أوسع مما هو أرضي وبذلك يستطيع القارئ الكريم أن يسأل ويشكل في نفس الوقت على جميع المناهج وأخص بالذكر منها الاعتباطية والتي عبثاً حاولت أن تصور لنا أحداث النبي يونس (عليه السلام) بهذه الصورة ، فلك أن تسألهم عزيزي القارئ ..إذا كانت أحداث النبي
يونس (عليه السلام) قد حدثت في مدينة نينوى فأين يوجد هذا الحوت؟ ألا يستلزم أن يتواجد أولاً وسط مائي كبير ليحتضن هذا الكائن الكبير؟ أوليس الحوت يتواجد في الأوساط البحرية كما ورد الاقتران
بين (الحوت / البحر) في النص القرآني؟
فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً
الكهف : 61
فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً
الكهف : 62
قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً
الكهف : 63
لعل الآخر سيماطل وسيقول لك ألم تلاحظ قول موسى (عليه السلام) (آتنا غداءنا) إذن الحوت يطلق على السمكة والسمكة لا تحتاج إلى وسط مائي كبير كالبحر ومن الممكن أن تتواجد في أنهار العراق!. وهذا القول طبعاً لا يستقيم مع ما جرى على النبي يونس عليه السلام إذ أن الحوت يجب أن يكون أكبر من يونس (عليه السلام) كحجم وإلا كيف (أبتلعه) على حسب رأيهم ، لكن وعلى الرغم من أن مؤرخيهم يقولون أن هذه الحادثة وقعت في مدينة (بلد) على ضفاف نهر دجلة!. لازال الإصرار من قبلهم في ما يصفونه بتفاسيرهم وتصورهم المعهود لكائن الحوت البحري! هذا ما قاله ياقوت الحموي { بــلـــد : مـدينة قـديمة علـى دجـلة فـوق الموصـل بينهـما سبعة فراسخ وسميت بلـط لان الحوت ابتلعت يونس النبي (عليه السلام) في نينوى مقابل الموصل وبلطته هناك
، ياقوت الحموي ، معجم البلدان ،ج2، ص330
فهل تتصور عزيزي القارئ الهوة الكبيرة بين النص القرآني والفهم الاعتباطي الذي يريد جاهداً أن يواري جرم الظالمين وما فعلوه بنبي الله يونس (عليه السلام) ، ونحن لا نكتفي بذلك بل نحيل هذا المفهوم الذي يطرحونه إلى إشكال على مزاعمهم فإذا كان الحوت المتكلم عنه في النص القرآني بهذا الحجم الصغير فلا مخرج لهم بعد ذلك من الورطة التي تورطوا فيها
فكيف لهذا الحوت أن يلتقم شخص أكبر منه حجماً ويستودعه في بطنه؟!
{ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
الصافات : 144
أن لفظ ـ بطن ـ له دلالة تختلف عما هو معهود لديك سيأتيك في محله
إذن وبعد كل هذا ما الذي سيقوله لك الاعتباط ، هل سيقول لك أن هناك بحراً في العراق! أم أنه سيقول أن يونس (عليه السلام) ذهب هارباً إلى فلسطين؟! إن قال لك ذلك فأعلم أنه يريد أن يتستر على جريمة كبيرة! هي مساوقة اليهود حينما أرادوا جاهدين في أن يثبتوا أن النبي يونس (عليه السلام) يهودي الديانة بعث إلى نينوى ليشارك في المشروع الإلهي من أجل توسيع دولة إسرائيل!. ومن أجل أن نطلع القارئ الذي لم يلتفت إلى هذه الأكذوبة سنلقي نظرة فاحصة على النص التوراتي وكيف يصف أحداث النبي يونس (عليه السلام) لنرى بعد ذلك هل هناك تلاعب في أحداث النبي يونس عليه السلام
تسويق الأكاذيب اليهودية بشأن نبي الله يونس عليه السلام إلى الفكر الإسلامي
النص التوراتي: ملوك 142
23. { فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةَ عَشَرَةَ لأَمَصْيَا بْنِ يُوآشَ مَلِكِ يَهُوذَا، مَلَكَ يَرُبْعَامُ بْنُ يُوآشَ مَلِكِ إِسْرَائِيلَ فِي السَّامِرَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ سَنَةً.
24. { وَعَمِلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ. لَمْ يَحِدْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ خَطَايَا يَرُبْعَامَ بْنِ نَبَاطَ الَّذِي جَعَلَ إِسْرَائِيلَ يُخْطِئُ.
25. { هُوَ رَدَّ تُخُمَ إِسْرَائِيلَ مِنْ مَدْخَلِ حَمَاةَ إِلَى بَحْرِ الْعَرَبَةِ، حَسَبَ كَلاَمِ الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ عَنْ يَدِ عَبْدِهِ يُونَانَ بْنِ أَمِتَّايَ النَّبِيِّ الَّذِي مِنْ جَتَّ حَافِرَ.
26. { لأَنَّ الرَّبَّ رَأَى ضِيقَ إِسْرَائِيلَ مُرًّا جِدًّا، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَحْجُوزٌ وَلاَ مُطْلَقٌ وَلَيْسَ مُعِينٌ لإِسْرَائِيلَ.
27. { وَلَمْ يَتَكَلَّمِ الرَّبُّ بِمَحْوِ اسْمِ إِسْرَائِيلَ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ، فَخَلَّصَهُمْ بِيَدِ يَرُبْعَامَ ابْنِ يُوآشَ
28.{ وَبَقِيَّةُ أُمُورِ يَرُبْعَامَ وَكُلُّ مَا عَمِلَ وَجَبَرُوتُهُ، كَيْفَ حَارَبَ وَكَيْفَ اسْتَرْجَعَ إِلَى إِسْرَائِيلَ دِمَشْقَ وَحَمَاةَ الَّتِي لِيَهُوذَا، أَمَاهِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ لِمُلُوكِ إِسْرَائِيلَ } ؟
29. { ثُمَّ اضْطَجَعَ يَرُبْعَامُ مَعَ آبَائِهِ، مَعَ مُلُوكِ إِسْرَائِيلَ، وَمَلَكَ زَكَرِيَّا ابْنُهُ عِوَضًا عَنْهُ.
تصف التوراة يونس (عليه السلام) بالنبي و تسميه يونان بن أمتاي من قرية جت حافر بالجليل ، وتقول إن الله أوحى إليه بتحديد امتداد إسرائيل من مدخل حماه إلى بحر العربة (تأكيداً أنه من بني إسرائيل و أنه كان يعيش في فلسطين و أنه من المؤسسين للمشروع الإلهي القديم إسرائيل فوق أرض فلسطين
نستخلص من النص أعلاه عدت نتائج أهمها
{ (1) وصار قول الرب إلى يونان بن أمتّاي قائلا قم اذهب الى نينوى المدينة العظيمة وناد عليها لأنه قد صعد شرّهم أمامي (3) فقام يونان ليهرب إلى ترشيش من وجه الرب فنزل إلى يافا ووجد سفينة ذاهبة إلى ترشيش فدفع أجرتها ونزل فيها ليذهب معهم إلى ترشيش هارباً من وجه الرب!. علماً أن ترشيش مدينة تقع في أسبانيا
يبدأ النص التوراتي بأمر من الله لنبيه يونان (ع) بأن يذهب لتبليغ الرسالة إلى سكان نينوى المدينة العظيمة بالعراق(قرب الموصل) ، وهذا الاختلاف واضح جداً مع النص القرآني ، وبذلك سنرفع مجموعة من التساؤلات التي من شأنها أن تنقض هذه السورة الملتوية والمحرفة للنص التوراتي
كيف يبعث الله رسولا إلى قوم ليسوا بقومه ، و بلسان ليس لسانهم؟ أليس هذا غريباً عن النص القرآني؟
اللهم إلا إذا افترضنا أن نينوى كان مجتمعها مجتمعاً يهودياً وهذا شئ لم يحدث تاريخيا إذ أن مجتمعها كان آشورياً ، أو إذا افترضنا أن يونس (عليه السلام) ولد بنينوى بالعراق ثم هاجر إلى فلسطين ليعيش هناك حتى كلفه الله بالرسالة في العراق ، لكن هذا الافتراض ينقض عليه من نفس النص التوراتي المحرف ويبقى الإشكال
قائماً فهو من بني إسرائيل حسب زعم التوراة وسكان نينوى هم آشوريون! وللمجتمعين الآشوري واليهودي لغتين مختلفتين!.(سنوضح هذا الأمر قريباً)
الملفت للنظر هو أن هروب يونس (عليه السلام) من وجه الرب بمجرد سماعه للأمر الإلهي بالدعوة ، خلافا لما جاء بالنص القرآني الذي يصور لنا الأحداث بنسق مختلف تماماً كما لاحظت عزيزي القارئ، وهو شئ غريب لا بد أن نقف عنده
كيف يمكن لنبي و هو أعلم الناس بأن لا مفر من الله تعالى ، أن يهرب منه بالركوب في سفينة ذاهبة من يافا إلى ترشيش باسبانيا
هل يعقل هذا الأمر! أي سذاجة هذه؟
إن العودة إلى النظام القرآني تنير لنا الطريق ، فيونس عليه السلام عند تكليفه بتبليغ الرسالة بلغ "قومه"
فلم يستجيبوا له ولقد رأيت عزيزي القارئ ما جرى عليه من قومه وطبيعة علاقة بالعالم روبيل والعابد تنوخا وما نتج من أحداث.
سورة الصافات (37): الآيات 139 الى 148
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ
إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ 147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (148
سورة الأنبياء
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
الأنبياء 87
أن النبي يونس (عليه السلام) ذهب مغاضباً بعد أن مكث في قومه 33 سنة حسب ما جاء في النصوص الروائية التي أوردناها أليك في الفصل الثاني ، وبعد عدم استجابة منهم إليه ، و ليس مباشرة بعد أمر الله تعالى له بالدعوة.
إذا أخذنا بعين الاعتبار هذه الحقيقة القرآنية ، وأجريناها على النصوص التوراتية ، سنجد أن يونس عليه السلام بعد أمر الله له بتبليغ الرسالة إلى أهل نينوى ، سنلاحظ أنه قد سافر من يافا إلى نينوى حيث بلغ الرسالة إلى أهلها ثم لما لم يستجب له ذهب مغاضبا من نينوى إلى يافا ليركب الفلك المشحون وهذا خلاف النص القرآني . و بعد أن
لفظه الحوت بالعراء على شاطئ فلسطين عاد إلى نينوى ليجد أهلها قد صاروا مسلمين وهذا خلاف النص القرآني أيضاً إذ أنك وبتدبر بسيط ستلاحظ أن الحصيلة لسفر النبي يونس (عليه السلام) بين يافا ونينوى هي ثلاث مرات يقطع فيها يونس (عليه السلام) المسافة بين نينوى و يافا بفلسطين وهي تقريباً ألف كيلومتر ،
أي ما مقداره 3000 كيلومتر أن جمعنا رحلاته الثلاث. لكن مؤلف الرواية التوراتية كان ذكيا فاختصر الطريق ، فعوضا عن أن يقطع يونس (عليه السلام) المسافة ثلاث مرات ، و هي في الحقيقة معضلة ، سيقطعها فقط مرة واحدة ذهابا من يافا إلى نينوى ، و ذلك بجعله يركب الفلك المشحون مباشرة بعد الأمر الإلهي بالتبليغ ، فيبتلعه! الحوت ثم يلفظه بيافا فيذهب لتوه إلى نينوى.
أين يكمن موضع الخلل في هذه الرواية التوراتية؟
يكمن الخلل في هذا النص التوراتي أن يونس (عليه السلام) ولد في قومه وعاش بين ظهرانيهم في نينوى ثم بعث فيهم شأنه في ذلك شأن جميع الأنبياء و الرسل كافة تأمل هذا النص القرآني
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [إبراهيم : 4
إن التلفيق في هذه الرواية متعدد الجهات ، فيونس عليه السلام) ألحق قسرا باليهود وهو ليس منهم ، و أسكن في فلسطين وهو لم يسكنها ، ما نلاحظه أن مؤلف الرواية اليهودية سعى إلى ربط يونس (عليه السلام) بالمجتمع اليهودي ، ثم بفلسطين ثم بالعراق كمحاولة للسطو على تاريخ و حضارة وادي الرافدين كردة فعل على السبي البابلي الذي سبب لهم عقد نفسية كثيرة هذا من جهة، ومن جهة أخرى إضفاء الشرعية الدينية على ملكية أرض فلسطين
والعراق و جزء من سوريا من النيل إلى الفرات باستعمال أحداث قصة النبي يونس عليه السلام ورسم مسارها كما لاحظت بما ينسجم مع مخططهم
ولأجل ذلك أعد مؤلف الرواية التوراتية نصاً محرفاً لأحداث قصة النبي يونس (عليه السلام) لتخدم هذا الهدف ، و لم يثنه عن ذلك بعد المسافة بين يافا و نينوى فقد وجد مخرجا من هذا المأزق بتغيير في ترتيب أحداث القصة ، لكنه تغاضى عن انتساب يونس (عليه السلام)
لقوم نينوى بشكلٍ غريب! وهذا ديدن الاعتباط حينما يريد أن يمرر أكذوبة تاريخية وإلى غير ذلك ،ولا نريد أن نذهب بعيداً فحسبنا أن النص القرآني له حاكمية على جميع النصوص الأخرى فمن شأنه أن يصدق ويثبت النصوص الأخرى أو ينفيها نفياً قاطعاً لأنه نظام محكم وعلى ذلك ندعوك أخي القارئ في أن تتأمل هذا النص التوراتي الثاني الذي يختلف عن النص القرآني.
يونان 2
1. ثُمَّ صَارَ قَوْلُ الرَّبِّ إِلَى يُونَانَ ثَانِيَةً قَائِلاً:
2. قُمِ اذْهَبْ إِلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ، وَنَادِ لَهَا الْمُنَادَاةَ الَّتِي أَنَا مُكَلِّمُكَ بِهَا».
3. فَقَامَ يُونَانُ وَذَهَبَ إِلَى نِينَوَى بِحَسَبِ قَوْلِ الرَّبِّ. أَمَّا نِينَوَى فَكَانَتْ مَدِينَةً عَظِيمَةً للهِ مَسِيرَةَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ.
4. فَابْتَدَأَ يُونَانُ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَنَادَى وَقَالَ: «بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَنْقَلِبُ نِينَوَى».
5. فَآمَنَ أَهْلُ نِينَوَى بِاللهِ وَنَادَوْا بِصَوْمٍ وَلَبِسُوا مُسُوحًا مِنْ كَبِيرِهِمْ إِلَى صَغِيرِهِمْ.
6. وَبَلَغَ الأَمْرُ مَلِكَ نِينَوَى، فَقَامَ عَنْ كُرْسِيِّهِ وَخَلَعَ رِدَاءَهُ عَنْهُ، وَتَغَطَّى بِمِسْحٍ وَجَلَسَ عَلَى الرَّمَادِ.
7. وَنُودِيَ وَقِيلَ فِي نِينَوَى عَنْ أَمْرِ الْمَلِكِ وَعُظَمَائِهِ قَائِلاً: «لاَ تَذُقِ النَّاسُ وَلاَ الْبَهَائِمُ وَلاَ الْبَقَرُ وَلاَ الْغَنَمُ شَيْئًا. لاَ تَرْعَ وَلاَ تَشْرَبْ مَاءً.
8. وَلْيَتَغَطَّ بِمُسُوحٍ النَّاسُ وَالْبَهَائِمُ، وَيَصْرُخُوا إِلَى اللهِ بِشِدَّةٍ، وَيَرْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيئَةِ وَعَنِ الظُّلْمِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ،
9. لَعَلَّ اللهَ يَعُودُ وَيَنْدَمُ وَيَرْجعُ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ فَلاَ نَهْلِكَ».
10. فَلَمَّا رَأَى اللهُ أَعْمَالَهُمْ أَنَّهُمْ رَجَعُوا عَنْ طَرِيقِهِمِ الرَّدِيئَةِ، نَدِمَ اللهُ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي تَكَلَّمَ أَنْ يَصْنَعَهُ بِهِمْ، فَلَمْ يَصْنَعْهُ
لاحظ عزيزي القارئ هنا طريقة التبليغ التي لا تستقيم والنص القرآني ، فبعد محنة الحوت يذهب يونس(عليه السلام) بأمر الله تعالى إلى نينوى المدينة العظيمة(مسيرة ثلاثة أيام) ، و يسير يوما كاملا و هو ينذر السكان بالعذاب ، والقارئ الكريم يعلم أن الرسل لا يوحى إليها بأن تنذر بالعذاب إلا بعد أن تكون قد بلغت الرسالة التي أنيطت بها ، وفي حال لم يستجب القوم أو المجتمع إلى الرسالة يتم أنذارهم بالعذاب ، أليس من
المنطق أن يدعوهم إلى الله أولا ، ثم يأتي الإنذار آخراً؟ راجعوا جميع الاحداث المتعلقة بالرسل (عليهم السلام) لتتأكدوا من ذلك ، فهذا النص التوراتي لا يستقيم مع النص القرآني ابداً كما هو بائن تأمل قوله تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً
الإسراء : 15
بعد أن قرأت النص القرآني لك أن تتأمل عزيزي القارئ مدى التحريف لقصة أحداث يونس (عليه السلام) في النص التوراتي أعلاه ، فبمجرد ما سمع القوم الإنذار(يوم واحد) ، آمنوا و بدؤوا يتضرعون إلى الله أن ينقذهم من العذاب !.. متى بلغهم الرسالة حتى يبلغهم عن العذاب؟
سأهمل الآيتين الأخيرتين من النص (9) و (10) لأنهما يبتعدان كثيراً وفيهما وصف لا يليق أن يوصف به الخالق عز وجل.
إذن فالقصة مقلوبة الأحداث ، و بهذا الشكل لم يعد لها معنى و لا مغزى ، نبي يعصي ربه في تبليغ الرسالة من اللحظة الأولى ، فيعاقبه الله ثم يتوب عليه ، ويكرر أمره له بالتبليغ فيبلغ ، و يستجيب له قومه.تأمل خريطة الأحداث التي تكلم عنها النص التوراتي المحرف.
خريطة تنقل النبي يونان كما زعموا
نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي
بعد أن لاحظت عزيزي القارئ تحريف أحداث النبي يونس (عليه السلام) في النص التوراتي وتلك الصورة المقلوبة رأساً على عقب ، تعال معي لتكتشف أن هناك في هذه الأمة من يريد أن يقطع علاقتك بالسماء كما حاولوا أن يخفوا عنك علاقة النبي يونس (عليه السلام) بالسماء كرحلة كونية بشكلٍ مقصود بعدما عملوا على تعمية الحقائق وأفرطوا في أن يربطوا عقولنا بالصورة الحسية للكائن البحري المعهود ، فهل تعتقد أخي القارئ أن هذا الأمر نتيجة عبثية غير مدروسة؟!. قطعاً خلف هذه الفوضى الفكرية غايات كثيرة فالذي يجري هو عملية تحكم كبيرة جداً من قبل الظالمين فهم يحاولون أن يربطونا بمصدر معلوماتي واحد ليتحكم بعقولنا ، هذا التحكم يشبه عملية التحكم بمجموعة من الحاسبات حين ربطها بمصدر واحد ، أما بالنسبة للبشرية فهذا المخطط يمثّل
زرعهم بمعلومات زائفة موصولة بمركز فكري واحد!. وهذا المركز الفكري هو الذي يعمل على تقويض مصدرية النص السماوي.
لماذا هاجموا أحداث هذا النبي بالذات! لماذا عملوا على درسها وإخفائها ومن ثم تزييفها ووضعها في مصاف القصص الخرافية! لماذا هذا التلاعب الصريح؟!. أتدري لماذا؟
لأن أحداث هذا النبي بالذات مرتبطة بطور الاستخلاف الذي يقلقهم ويربكهم أشد الإرباك خصوصاً أن علم الخلق بحقيقة هذا الأحداث وارتباطها الكوني،ولو تساءلت هل تم تفضيل نبي الله يونس
(عليه السلام) على العالمين يجيبك النص القرآني على ذلك :
وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ
الأنعام : 86
فماذا يعني ذلك؟ أليس هذا يعني أن أحداثه لها أثر عالمي وأنها تشكل ركيزة أساسية ومصدر أشعاع لفكرة طور الاستخلاف ، أليس هذا ما نفهمه من التفضيل على العالمية لكونه متعلق أساساً بطور الاستخلاف ، الذي ينطلق من الأرض التي هي مصدر الإشعاع لإيصال تلك العوالم إلى مرحلة المهدوية؟.
لقد ورد عن أستاذنا النيلي (رحمه الله) ما يلي:
ومن هنا قال لبني إسرائيل
(وأني فضلتكم على العالمين)
ذلك أنه أراد منهم أن يشكلوا ركيزة للاستخلاف في الأرض- وتمنى لهم ذلك رسولهم فقال:
عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ( بيد أن هذه الأمة فشلت أخيراً في الاختبار } انتهى كلامه رحمه الله : تسألني الآن كيف تثبت لنا أن نبي الله يونس (عليه السلام) أنتقل إلى مجال تجاوزي؟
أجيبك لكن دون أي تكلف بالرأي فهناك نصوص روائية كثيرة ستحسم الموضوع جميعها وردت عن أهل البيت (عليهم السلام) تثبت أن نبي الله يونس(عليه السلام) رحل إلى عالم آخر غير هذا العالم وانه تكلم مع أحد الأموات وهو قارون والقارئ الكريم يعلم أن الفاصل الزمني كبير بين قارون ويونس(عليه السلام) فكيف تكلم معه ؟. وعلى ذلك سنرفع إشكال على مفهوم الحوت ذاك الكائن البحري وفق ما سنقرئه من هذه الرواية الشريفة!. أن هذه
الرواية طويلة وردت في تفسير العياشي نأخذ منها ما حاجتنا فقط : عن الثمالى عن أبي جعفر (عليه السلام):
فألقى نفسه فالتقمه الحوت فطاف به البحار السبعة ، حتى صار إلى البحر المسجور وبه يعذب قارون ، فسمع قارون دويا فسأل الملك عن ذلك فأخبره انه يونس ، وان الله قد حبسه في بطن الحوت فقال له قارون : أتأذن لي أن أكلمه فأذن له فسأله عن موسى فاخبره انه مات وبكا ثم سأله عن هارون فاخبره انه مات فبكا وجزع جزعا شديدا وسأله عن أخته
كلثم وكانت مسماة له فأخبره إنها ماتت ـ فقال : وا أسفا على آل عمران ـ قال : فأوحى الله إلى الملك الموكل به : أن ارفع عنه العذاب بقية الدنيا لرقته على قرابته
لقد قال الإمام (عليه السلام) في هذا الحديث واصفاً رحلة يونس (عليه السلام) عندما إلتقم من قبل الحوت فطاف به البحار السبعة ، حتى صار إلى البحر المسجور. وعلى ذلك يأتي السؤال التالي أين يوجد البحر المسجور هل هو في الأرض أم في مكان كوني آخر؟.
دعونا أن لا نتكلف الإجابة ولنلاحظ ما ورد عن أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) فيما يتعلّق بقوله تعالى: (وَاْلبَحْرِ اْلمَسْجُور).
عن عليّ(صلوات الله وسلامه عليه) في حديث
وَاْلبَحْرِ المسجور) بحر في السماء تحت العرش }
إذن وعلى ما جاء في كلام أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) أن هذا البحر ليس بحراً أرضياً وبذلك تكون رحلة النبي يونس (عليه السلام) رحلة كونية وليس كما كان يتبادر إلى الأذهان ، وللقارئ الكريم أن ينظر إلى الروايات التي تتكلم عن الوسط المائي البحر الكبير بين السماء والأرض
مناقب ابن شهر آشوب: قال الجواد(عليه السلام): حدّثني أبي، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن جبرئيل، عن ربّ العالمين أنّه قال:
بين السماء والهواء بحر عجاج، يتلاطم به الأمواج، فيه حيّات خضر البطون، رقط الظهور، ويصيدها الملوك بالبزاة الشهب، يمتحن به العلماء
تفسير عليّ بن إبراهيم، الكافي، من لا يحضره الفقيه: عن السّجاد(عليه السلام) قال:
من الآيات الّتي قدّرها الله للناس ممّا يحتاجون إليه البحر الّذي خلقه الله تعالى بين السّماء والأرض، قال: وإنّ الله قدّر فيه مجاري الشّمس والقمر والنجوم والكواكب
التوحيد: عن جميل قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام): هل في السماء بحار؟ قال: نعم، أخبرني أبي، عن أبيه، عن جدّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ في السماوات السبع لبحاراً عمق أحدهما مسيرة خمسمائة عام، فيها ملائكة قيام منذ خلقهم الله عزّ وجلّ، والماء إلى ركبهم
لنلاحظ الآن دلالة بعض المفردات المتعلقة بأحداث نبي الله يونس (عليه السلام):
{ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
الصافات : 140
قوله تعالى (إذ) نقل للخطاب زمكانباً وهذا الانتقال لا يراد منه انتقال من عبارة إلى عبارة أخرى بل هو شامل وهذا ما تلاحظه من لفظ (أبق) فهذا اللفظ لا يعني الهروب بل يعني الانطلاق بأقصى سرعة مع بقاء أتصاله بمصدره الأول
أنظر لفظ (أ ـ ب ـ ق ) مع بقاءه متصلاً بمركزه وأصلة الذي تحرك منه وفق معاني الأصوات الألف: تفعيل الحركة الناتجة وتنشيطها بحيث يكون الزمان والمكان مفتوحان لها.. الباء: انبثاق الحركة من مكمنها بقوة بعيدًا عن المركز.. القاف: اندفاع الحركة بتدبير مقصود لهدف معلوم، ووضع الحركة في إطار واضح المعالم وهذه الحركة التي تصورها لنا معاني الحروف هي حركة مقصودة تصور لنا الانتقال السريع الذي حدث لنبي الله يونس (عليه السلام) وأدى به إلى الفلك
دلالة لفظ -فلك
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
البقرة : 164
هذه الآية ليست معنية كما تلاحظ بالفلك الذي تتصوره ولا البحر المعهود لديك بل أن هذه الآية تتكلم عن مدارات الكواكب والبحر الذي ورد في الآية أعلاه هو نفسه الذي تكلم عنه السّجاد عليه السلام قال: { من الآيات الّتي قدّرها الله للناس ممّا يحتاجون إليه البحر الّذي خلقه الله تعالى بين السّماء والأرض، قال: وإنّ الله قدّر فيه مجاري الشّمس والقمر والنجوم والكواكب }
بالنتيجة أن هذه الآية لها فضاء كوني واسع
ولقد ورد عن فقيدنا النيلي (رحمه الله) في كتاب ملحمة جلجامش ما يؤكد ذلك:
وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
الرحمن:24)
إذ تُشيرُ إلى الجَواري من الكواكِبِ والنجومِ والمذنَّبَاتِ في بَحْرِ الفَضَاء لارتباطِهَا بـ (الجَواري الكُنَّسِ) المذكورةِ في سورةِ التكويرِ آية 16 حيثُ هي النجومُ أو المذنَّبَاتُ. وبِصِفَةٍ عامَّةٍ فَقَدْ حَدَثَ التباسٌ شديدٌ بِشَأنِ لَفْظِ البَحْرِ، إذ زَعَمَ أهْلُ اللغَةِ والتفسيرِ أنَّهُ البَحْرُ المعلومُ أيْنَمَا جَاءَ في النصّ القرآنيِّ مَعَ أنَّ اللفظَ واسِعُ المعنى عِنْدَ العَرَبِ وغَيْرُ مَقْصُورٍ على البَحْرِ المعلومِ، وعلى ذلكَ
ارتأى الحَلُّ القصديُّ للغَةِ قراءةَ الضَمِّ في قولِهِ تعالى
وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ
(إبراهيم: من الآية32)
لتكونَ مشيرةً إلى المجموعِ أي الأفلاكِ. وهي مداراتُ الكواكبِ والنجومِ تجري في بَحْرِ الفَضَاء، إذ أنَّ السُّفُنَ لا تجري بأمْرِهِ تعالى، بل بأَمْرِ الرُّبَانِ وأَصْحَابِ السُّفُنِ، ونِسْبَتُهَا إليه تعالى باعتبارِهِ غاية العِلَلِ والأسبابِ هو نوعٌ من التكلُّفِ في شَرْحِ المفرداتِ في هذا الموضِعِ وأمثالِهِ ومفتاحٌ لبابِ النقاشِ السوفسطائيِّ في (الجَبْرِ والاختيارِ } (انتهى كلامه رحمه الله).
مفردة (بطن) وعلاقتها مع (الحوت):
{ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ }
(الصافات:144)
المراد بلفظ (بطنه) هو المركز الذي تنبثق منه الحركات وبذلك لا يشترط أن يكون هذا الوسط هو جوف كائن بحري يحيط بالإنسان من كل الجهات ، بل هو مركز تنبثق منه حركات الفرد أو أي شيء كان كما تلاحظ في قوله تعالى:
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً
الفتح:24
أن بطن مكة مركز انبثاق الحركات لكل من يتواجد في داخل مكة من الناس وحتى البيت العتيق ، بل أن البيت العتيق له علاقة وثيقة بهذا المركز( ). روي عن المعلى قال دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) في صبيحة يوم النيروز فقال { يا معلى أتعرف هذا اليوم؟ قلت: لا ولكنه يوم يعظمه العجم و تتبارك فيه قال كلا والبيت العتيق الذي ببطن مكة ما هذا اليوم إلا لأمر قديم أفسره لك حتى تعلمه } على ما تقدم نقول يجب أن يكون هذا الوسط (بطن)
هو مركز حركات يحتوي على جميع العوامل التي ومن خلالها تمنح الأشياء الظهور بعد الغياب ، فـ(الباء) يبقى متمركزاً في حركات (ب ـ ط ـ ن) ويمثل قطباً لها ، أي أن هذا الوسط يوفر للأشياء آليات الظهور بعد أن كانت غائبة ، فيطويها بـ (الطاء) وينشأ حركة متولدة بـ (النون). فالطفل مثلاً الذي في بطن أمه وجب أن تتوفر له عوامل متعددة في هذا المركز (بطن أمه) ، منها أمور فسيولوجية وبيولوجية إلى غير ذلك من عمليات متداخلة ، لكي يظهر بعد أن كان غائباً كما يعلم القارئ الكريم بعدها تطوى هذه العمليات المتداخلة بـ (الطاء) ومن ثم تأتي عليها(النون) لتنشأ حركات
متولدة ، تأمل قوله تعالى :
إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
[آل عمران : 35].
لذلك تقرر لبعض الكائنات أن تمشي معتمدة على بطنها كمركز لحركتها الفيزياوية
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ -النور:45
ومن هذا المنطلق تعلم الآن لماذا يوصف أمير المؤمنين عليه السلام) بالأنزع (البطين) فهو مركز انبثاق جميع الحركات أي يوفر للأشياء آليات الظهور بعد أن كانت غائبة ، فيطويها بـ (الطاء) وينشأ حركة متولدة لها بـ (النون). قال رسول الله (صلى الله عليه و آله وسلم- يا علي، إن الله (عز و جل)قد غفر لك و لشيعتك، و محبي شيعتك،
فابشر فإنك الأنزع البطين، منزوع من الشرك، بطين من العلم
وعلى ذلك تسقط إدعاءات القوم من أن أمير المؤمنين عليه السلام) موصوف بكبر (البطن)..!. ومن الملفت للنظر أن الذي يرتبط بمركز الحركات تتغير لديه خصائص كثيرة فالنبي يونس (عليه السلام) تغيرت لديه الكثير من خصائصه العقائدية وحتى البيولوجية تأمل تعاريف معاني أصوات الحروف مرة أخرى لنرى هل تتوافق مع ما سنورده إليك من نص روائي
الباء- يوفر للأشياء آليات الظهور بعد أن كانت غائبة ، فيطويها بـ (الطاء) وينشأ حركة متولدة بـ النون).. وفق هذه التعاريف وجب أن يكون النبي يونس (عليه السلام) قد غاب بكل مستوياته منها البيولوجية فيطويها (الطاء) وتنشأ من جديد بـ النون) هذه الحركات توحي إلينا أن النبي
يونس (عليه السلام) رجع إلى قومه بشكل يتغاير مع ما كان عليه معهم أي أنه رجع إليهم شاب بعد أن غاب عنهم بعمر الستين ، أنظر إلى هذا الحديث وتأمله جيداً: روى بسنده عن محمد بن مسلم الثقفي، قال
دخلت على أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) وأنا أريد أن اسأله عن القائم من آل محمد، فقال لي مبتدئا: يا محمد بن مسلم، أن في القائم من أهل بيت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) سنة من خمسة رسل: من يونس بن متى، ويوسف بن يعقوب، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات اللّه عليهم. فإما سنة من يونس بن متى فرجوعه من غيبته وهو شاب بعد
كبر السن - إذن أن يونس (عليه السلام) رجع شاباً أثر علاقته بـ(بطن) الحوت نكمل الرواية من أجل البركة
وإما سنة من يوسف بن يعقوب فالغيبة من خاصته وعامته، واختفاؤه من أخوته وإشكال أمره على أبيه يعقوب النبي مع قرب المسافة بينه وبين أبيه، وأهله وشيعته. وإما سنة من موسى فدوام خوفه، وطول غيبته، وخفاء ولادته، وتعب شيعته من بعده مما لقوا من الأذى والهوان إلى أن يأذن اللّه عز وجل في ظهوره ونصره، وتأييده على عدوه. وإما سنة من عيسى فاختلاف من اختلف فيه حتى قالت طائفة: ما ولد، وطائفة منهم قالت: مات. وطائفة قالت: قتل
وصلب. وإما سنة من جده المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فتجريده السيف، وقتله أعداء اللّه تعالى، وأعداء رسوله، والجبارين والطواغيت، وانه ينصر بالسيف والرعب، وانه لا ترد له راية
ومن خلال هذا الكلام نرفع أشكالاً آخر على التصور المرتبط بالكائن البحري (الحوت) فنقول هل هناك عوامل متوفرة تساعد على بقاء النبي يونس (عليه السلام) على قيد الحياة في بطن الحوت أو أن تمكنه في أن يعود إلى قومه بصورة الشاب؟!.هل يمتلك الكائن البحري (الحوت) كل هذه الخصائص؟
دلالة لفظ "دحض
{ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
الصافات:141)
د ـ ح ـ ض :اندفاع مقصود والحاء تعاظم والضاد الإحاطة بالحركة
الحركة العامة في التسلسل تشبه دفع باب بقوةٍ وتوجد قوةٌ في الجانب الآخر تقاومه وتحيط ـ والداحض فيها هو المسيطر و(المدحض) هو المسيطر عليه.اللغة الموحدة
أن هذا الفظ (د.ح.ض) يؤكد على أن النبي يونس عليه السلام) ساهم في مناظرة فكرية مع قيادات الكفر فساهم) متعلق بالفكر أو المحاججة العقائدية أو الفكرية ، ومن الواضح أن الذي على حق تكون حجته دامغة ولا يمكن ردها بالاستدلال الموضوعي لذلك يجادل الظالمون دوماً بالباطل أو يعمدوا إلى استغلال نفوذهم السلطوي
وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُواً
(الكهف : 56
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ
غافر : 5
والمؤكد لدينا أن الذي واجه النبي يونس (عليه السلام) في هذه المكيدة الجديدة هم قيادات الكفر إذ ليس من المعقول أن يترك نبي الله يونس (عليه السلام) بعد أن رفع العذاب عن قومه دون
التعرض له من قبل هذه القيادات الكافرة خصوصاً بعد أن حدثت عملية المواجهة فيما بينه وبينهم، وبالتالي فالذي نراه أن هذه آخر مجادلة لهؤلاء مع يونس (عليه السلام) فهو لم يهرب حاشاه بل أن الأمر قد عن عمد أنقلب بشكل معكوس فيونس (عليه السلام) لحق بهؤلاء الهاربين ليعنفهم عما بدر منهم ، وذلك كله بعد أن تمكن العالم روبيل من السيطرة تماماً على إدارة مجريات الأحداث للمجتمع الآشوري لأجل انتشالهم وتخليصهم من العذاب!. فعندما لاحظ الظالمين أن الأمور آلت إلى ما
لا يمكن السيطرة عليه هربوا فتبعهم يونس (عليه السلام) ليفضحهم ويخزيهم. وسوف نعرف القارئ الكريم الآن ونؤكد له كل التأكيد على أن هؤلاء الهاربين يتسمان بوحدة الشخصية لـ
(أبا بكر وعمر)
فهم وكعادتهم لا يواجهون ولا ينازلون أبداً. فلقد مرّ عليك دهاء ومكر (تنوخا) وعلاقته بأبا بكر فهل تتصور بعد ذلك أن عمر لم يكن متواجداً في وقت النبي يونس (عليه السلام)؟! وجب أن تعلم أخي القارئ أن هؤلاء لا يفترقان أبداً وسيأتيك ما يعضد هذا الكلام
أما الآن تأمل عزيزي القارئ أن بعد عملية المساهمة تم دحض يونس (عليه السلام) مباشرةً
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
الصافات:141)
وبالتالي أنتقل بعدها مباشرةً إلى الحبس في بطن الحوت كما في قوله تعالى: { فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ } (الصافات : 142
فمن ذا الذي تسبب بذلك؟ أنظر هذه الرواية الشريفة: يا معشر الخلايق هذا قبر جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم" فيقولون نعم يا مهدي آل محمد فيقول ومن معه في القبر
فيقولون صاحباه وضجيعاه
أبو بكر وعمر
فيقول وهو اعلم بهما والخلايق كلهم جميعا يسمعون من أبو بكر وعمر وكيف دفنا من بين الخلق مع جدي رسول الله "صلى الله عليه واله وسلم" وعسى المدفونون غيرهما فيقول الناس يا مهدي آل محمد ما ههنا غيرهما إنهما دفنا معه لاتهما خليفتا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبوا ز وجتيه فيقول للخلق بعد ثلاث أخرجوهما من قبريهما فيخرجان غضين طريين لم يتغير خلقهما ولم يشحب لونهما فيقول هل فيكم من يعرفهما فيقولون نعرفهما بالصفة وليس ضجيعي جدك غيرهما فيقول هل فيكم احد يقول غير هذا أو يشك فيهما فيقولون لا فيؤخر إخراجهما ثلاثة أيام ثم ينتشر الخبر في الناس ويحضر المهدي ويكشف الجدران عن القبر ين ويقول للنقباء ابحثوا عنهما وانبشوهما فيبحثون بأيديهم حتى يصلوا أليهما فيخرجان غضين
طريين كصورتهما فيكشف عنهما أكفانهما ويأمر برفعهما على دوحة يابسة نخرة فيصلبهما عليها فتحيى الشجرة وتورق وتونع وبطول فرعها فيقول المرتابون من أهل ولايتهما هذا والله الشرف حقا ولقد فزنا بمحبتهما وولايتهما ويخبر من أخفى ما في نفسه ولو مقياس حبة من محبتهما وولايتهما فيحضرونهما ويرونهما ويفتنون بهما وينادي منادي المهدي عليه السلام كل من أحب صاحبي رسول الله وضجيعيه فلينفرد جانبا
فيتجزئ الخلق جزئين احدهما موال والآخر متبرء منهما فيعرض المهدي عليه السلام على أوليائهما البراءة منهما فيقولون يا مهدي آل رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " ما نبرأ منهما وما كنا نقول لهما عند الله وعندك هذه المنزلة وهذا الذي بدالنا من فضلهما أنبرأ الساعة منهما وقد رأينا منهما ما رأينا في هذا الوقت من نضارتهما وغضاضتهما وحياة الشجرة بهما بل والله نبرأ منك وممن آمن بك وممن لا يؤمن بهما ومن صلبهما وأخرجهما وفعل بهما ما فعل فيأمر المهدي "عليه السلام" ريحا سوداء فتهب عليهم فتجعلهم كأعجاز نخل خاوية ثم يأمر بإنزالهما فينزلان إليه فيحييهما بإذن الله تعالى ويأمر
الخلايق بالاجتماع ثم يقص عليهم قصص فعالهما في كل كور ودور حتى يقص عليهم قتل هابيل بن آدم (عليه السلام) وجمع النار لإبراهيم عليه السلام وطرح يوسف عليه السلام في الجب (وحبس يونس عليه السلام في الحوت) وقتل يحيى عليه السلام وصلب عيسى عليه السلام وعذاب جرجيس ودانيال عليهما السلام وضرب سلمان الفارسي وإشعال النار على باب أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) لإحراقهم بها وضرب يد الصديقة الكبرى فاطمة صلوات الله وسلامه عليها بالسوط ورفس بطنها وإسقاطها محسنا وسم الحسن
وقتل الحسين عليهم السلام وذبح أطفاله وبني عمه وأنصاره وسبي ذراري رسول الله "صلى الله عليه واله وسلم" وإراقة دماء آل محمد " عليهم السلام" وكل دم سفك وكل فرج نكح حراما وكل زني وخبث وفاحشة واثم وظلم وجور وغشم منذ عهد آدم عليه السلام إلى وقت قيام قائمنا "عليه السلام" كل ذلك يعدده عليهما ويلزمهما إياه فيعترفان به فيقتص منهما في ذلك الوقت بمظالم من حضر ثم يصلبهما
على الشجرة ويأمر نارا تخرج من الأرض } بعد هذه الرواية تعلم الآن جيداً أن الذي كان يسيطر على مجريات الأحداث هو (عمر) وصاحبه (أبا بكر) الذي كشفنا عن شخصيته المتمثلة بـ (تنوخا) في الفصل الثاني. فلقد تم تدبير هذا الأمر منذ البداية فمن ذا الذي يحاجج المرسلين غيرهما؟
وهذا المفهوم يعد بذاته إجابة لأشكال لاحقني طيلة فترة كتابتي لهذا الفصل ألا وهو كيف تسنى لهؤلاء الضالين الإمكانية في أن يحبسوا يونس (عليه السلام) في (بعد تجاوزي) وهل لهم الإمكانية والقدرة على ذلك؟
حقاً كنت متحيراً بعض الشيء لكن ومن خلال ما تقدم في النص الروائي من أن الظلمات تحت سيطرة هؤلاء وأنها باقية إلى أن يقوم القائم ليطهرها عندها أيقنت أن هؤلاء يحوزون على أشياء لا يمكن تصورها بل لو طرحت في أوساطنا العلمية ستعد ضرباً من الخيال العلمي ليس إلا. أن جميع الدلائل التي تم تقديمها تؤكد على أن نبي الله يونس (عليه السلام) تم ألتقامه
إلى بعد تجاوزي وللتأكيد أيضاً سنلقي الضوء على لفظة (العراء) وإلى أي شيء ستفضي دلالتها. العراء: قالوا هو الفضاء.. وقالوا أيضاً أن العراء بالمد فضاء لا يتوارى فيه شجر أو غير. تأمل موارد لفظ "عراء" وعلاقتها بنبي الله يونس (عليه السلام) وفق النص القرآني.
لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ
القلم : 49
فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ
الصافات : 145]..
عراء
العين إعادة تنظيم وترتيب يفضي إلى اتضاح ذاتي للحركة والراء تكرار فأي حركة تظهر يتم إيضاحها وبيان حقيقها فيصبح المركز وسطا واضح المعالم بجميع حركاته والألف يمنح هذه الحركات الواضحة فاعلية وديمومة في الزمان والمكان والهمزة هي مركز أو نقطة البداية التي تنطلق منها الحركات وبالهمزة ترجع الحركات إلى أصلها ومركز انطلاقها
أذن فالعراء هو الوسط المكشوف الذي يمكن فيه رؤية الحقائق الفاعلة والدائمة دون أي شوائب أو غوامض أو هو الوسط والمركز الذي تكون الأمور فيه واضحة ولا يحجب فيه شيء عن شيء، والنبذ كان بواسطة العراء (بالعراء) وليس في العراء فالعراء هو الواسطة والسبب الذي نُبذ به.
(معاني الأصوات .. بقلم الأخ الموالي).
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
الأنبياء:87
قلنا أن (الذال) وفق تعريف معاني الأصوات هو: تسكين الحركة وتذليلها وحدوثها مرة واحدة مع استمرار آثارها) وربما طبيعة هذا التعريف توحي إليك مرحلة التسليم التي مرّ بها النبي يونس (عليه السلام) في بادئ الأمر والتي أعقبتها حركة (الألف) : (تفعيل الحركة الناتجة وتنشيطها بحيث يكون الزمان والمكان مفتوحان لها- وبذلك تم انفتاح حركة النبي يونس عليه السلام على (النون). والآن لنسأل ونتوجه بسؤالنا هذا إلى نبينا الأكرم (صل الله عليه وآله وسلم) ما دلالة أو معنى لفظ (النون)؟
الجواب: هو ما جاء في كتاب الخصال عن محمد بن سالم رفعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : قال عثمان بن عفان : { يا رسول الله ما تفسير أبجد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
تعلموا تفسير أبجد فان فيه الأعاجيب كلها ، ويل لعالم جهل تفسيره ؟
فقال : يا رسول الله ما تفسير أبجد ؟ قال : أما الألف فآلاء الله (إلى قوله) إليه التسليم) وإما النون فنون والقلم وما يسطرون ، فالقلم قلم من نور وكتاب من نور في لوح محفوظ يشهده المقربون
ما تلاحظه عزيزي القارئ أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أرجع حرف النون بأسلوب الاقتران إلى (ن والقلم) لكن والى هذه اللحظة يبقى تساءلنا قائماً عن حقيقة النون التي أنفتح عليها النبي يونس عليه السلام زمكانياً كما قلنا، وبالتالي يبقى التساؤل قائماً ما الذي يعنيه النبي الأكرم (صلوات الله وسلامه عليه وآله) من هذا الاقتران؟
الجواب عن هذا التساؤل يأتينا عن أبى جعفر (عليه السلام) قال
أن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشرة أسماء خمسة في القرآن وخمسة ليست في القرآن ، فأما التي في القرآن محمد واحمد وعبد الله ويسن ون
ما تلاحظه هنا عزيزي القارئ أن (ن) أسم من أسماء أبا القاسم (صلوات الله عليه وآله وسلم) وعلى ذلك يتبلور سؤال آخر هو أن كان النون هو سيدنا أبا القاسم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فما هي علاقة النبي يونس (عليه السلام) به؟ لنلاحظ هذا الحديث سويةً عن سفيان بن سعيد الثوري عن الصادق عليه السلام) حديث طويل يقول فيه (عليه السلام) وإما { ن } فهو نهر في الجنة قال الله عز وجل أجمد فجمد فصار مدادا ، ثم قال عز وجل للقلم : اكتب فسطر القلم في اللوح المحفوظ ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة ، فالمداد مداد من نور والقلم قلم من نور واللوح لوح من نور ، قال سفيان : فقلت له :
يابن رسول الله بيّن لي أمر اللوح والقلم والمداد فضل بيان وعلمني مما علمك الله فقال : يابن سعيد لولا انك أهل للجواب ما أجبتك ، فنون ملك يؤدى إلى القلم وهو ملك ، والقلم يؤدى إلى اللوح وهو ملك ، واللوح يؤدى إلى اسرافيل ، واسرافيل يؤدى إلى ميكائيل ، وميكائيل يؤدى إلى جبرئيل ، وجبرئيل يؤدى إلى الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم ، قال: قال لي : قم يا سفيان فلا آمن عليك
من خلال هذا الحديث تعلم الآن أن النبي يونس (عليه السلام) أنفتح على النون الذي يختص بنبينا (صلوات الله عليه وآله وسلم) والذي تترشح منه جميع الأشياء التي تصير إلى الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم كما لاحظت في الحديث أعلاه فهو
الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل والمهيمن على ذلك كله والشاهد على خلقه
وهذا الأمر يؤكد لنا معنى قوله تعالى (وذا النون) وبالتالي أصبح واضحاً لدى القارئ الكريم أن لفظ النون) يختلف عن (الحوت) ولا يمكن بحال من الأحوال ضغطهما بمفهوم واحد.
والحمد لله رب العالمين
*****
رفض امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام
الخلافة عندما عرضها عليه
عبد الرحمن بن عوف
مشترطا عليه الالتزام بسيرة الشيخين ابي بكر وعمر
فردها قائلا
بل اسير بسيرة الرسول الاعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم
اذن هنالك تناقض وتباين كبير بين سيرة المصطفى محمد
صلوات الله وسلامه عليه وآله
وبين سيرة المغضوب عليهما من القاهر الجبار
استنادا لغضب سيدة نساء العالمين
وروح النبي الكريم التي بين جنبيه عليهما
"ان الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها "
فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها
فأي سيرة هي سيرة هذين الشيخين اذا وعلى اي نهج نهجهما