إحسان الإمام الجواد ( عليه السلام ) ومواساته للناس
إحسانه كان منها ما يلي :
1 - روى أحمد بن زكريّا الصيدلاني ، عن رجل من بني حنيفة من أهالي سَجِستان قال
:
رافقت أبا جعفر ( عليه السلام ) في السنة التي حجّ فيها في أوّل خلافة المعتصم ،
فقلت له وأنا على المائدة : إنّ والينا جعلت فداك يتولاّكم أهل البيت ويحبّكم وعليّ
في ديوانه خراج ، فإن رأيتَ جعلني الله فداك أن تكتب إليه بالإحسان إلي .
فقال ( عليه السلام ) : لا أعرفه .
فقلت : جعلت فداك إنّه على ما قلت ، من محبّيكم أهل البيت ، وكتابك ينفعني .
فاستجاب له الإمام ( عليه السلام ) فكتب إليه بعد البسملة :
( أمّا بعد : فإنّ موصل كتابي هذا ذكر عنك مذهباً جميلاً ، وإن ما لك من عملك
إلا ما أحسنت فيه ، فأحسن إلى إخوانك ، واعلم أنّ الله عزّ وجلّ سائلك عن مثاقيل
الذرة والخردل ) .
ولما ورد إلى سجستان عرف الوالي ـ وهو الحسين بن عبد الله النيسابوري ـ أن
الإمام قد أرسل إليه رسالة ، فاستقبله من مسافة فرسخين ، وأخذ الكتاب فقبّله ،
واعتبر ذلك شرفاً له ، وسأله عن حاجته فأخبره بها .
فقال له : لا تؤدّ لي خراجاً ما دام لي عمل ، ثم سأله عن عياله فأخبره بعددهم .
فأمر له ولهم بصلة ، وظل الرجل لا يؤدي الخراج ما دام الوالي حيّاً ، كما أنه لم
يقطع صلته عنه .
وكان كل ذلك ببركة الإمام ( عليه السلام ) ولطفه .
مواساته ( عليه السلام ) للناس :
واسى الإمام الجواد ( عليه السلام ) الناس في سَرّائهم وضَرّائهم ، فيقول
المُؤرّخون :
إنه قد جرت على إبراهيم بن محمد الهمداني مظلمة من قِبل الوالي ، فكتب إلى
الإمام الجواد ( عليه السلام ) يخبره بما جرى عليه ، فتألم الإمام ( عليه السلام )
وأجابه بهذه الرسالة :
( عَجّل الله نُصرتك على من ظلمك ، وكفاك مؤنته ، وأبشِرْ بنصر الله عاجلاً إن
شاء الله ، وبالآخرة آجلاً ، وأكثِر من حمد الله ) .
ومن مواساته ( عليه السلام ) للناس تعازيه للمنكوبين والمفجوعين ، فقد بعث (
عليه السلام ) رسالة إلى رجل قد فجع بفقد ولده ، وقد جاء فيها بعد البسملة :
( ذكَرتُ مصيبتَك بعليٍّ ابنك ، وذكرت أنه كان أحب ولدك إليك ، وكذلك الله عزّ
وجلّ ، إنّما يأخذ من الولد وغيره أزكى ما عند أهله ، ليعظم به أجر المصاب بالمصيبة
.
فأعظم الله أجرك ، وأحسن عزاك ، وربط على قلبك ، إنه قدير ، وعَجّل الله عليك
بالخلف ، وأرجو أن يكون الله قد فعل إن شاء الله ) .
وأعرَبَت هذه الرسالة الرقيقة عن مدى تعاطف الإمام ( عليه السلام ) مع الناس ،
ومواساته لهم في السَرّاء والضَرّاء .
ومن مواساته ( عليه السلام ) للناس أن رجلاً من شيعته كتب إليه يشكو ما
ألمَّ به من الحزن والأسى لفقد ولده ، فأجابه الإمام ( عليه السلام ) برسالة تعزية
جاء فيها :
( أمَا علمتَ أن الله عزّ وجلّ يختار من مال المؤمن ، ومن ولده أنفسه ، ليؤجره
على ذلك ) .
لقد شارك الإمام ( عليه السلام ) الناس في السَرّاء والضَرّاء ، وواساهم في
فجائعهم ومِحَنهم ، ومدَّ يد المعونة إلى فقرائهم ، وضعفائهم .
وبهذا البرّ والإحسان احتلّ ( عليه السلام ) القلوب والعواطف ، وأخلص له الناس ،
وأحبّوه كأعظم ما يكون الإخلاص والحُب .
اثبات الامام الجواد عليه السّلام امامته
روى يحيى بن أكثم قاضي قضاة بني العبّاس وهو من أهل السنّة وعلمائهم، ذاكراً
أنّه بعد أن ناظر الإمامَ
الجواد عليه السّلام في بعض المسائل قال له: واللهِ إنّي أريد أن أسألك مسألةً
وإنّي ـ واللهِ ـ لأستَحْيي مِن ذلك. فأجابه الإمام الجواد عليه السّلام: أنا أخبرك
قبل أن تسألني، تسألني عن الإمام، فقال يحيى: هو ـ واللهِ ـ هذا! فقال: أنا هو.
فقال يحيى بن أكثم: فعلامة تدلُّني عليك.
وكان في يد الإمام الجواد عليه السّلام عصاً، فنطقت وقالت: يا يحيى، إنّ إمام
هذا الزمان مولاي محمّد عليه السّلام، وهو الحجّة.
• عن محمّد بن أبي العلاء قال: سمعت يحيى بن أكثم ـ قاضي سامرّاء ـ بعدما جهدتُ
به وناظرتُه وحاورته وواصلته، وسألته عن علوم آل محمّد صلّى الله عليه وآله
فقال: بينا أنا ذات يوم دخلتُ أطوف بقبر رسول الله، فرأيت محمّد ( الجواد ) بنَ
عليّ الرضا يطوف به،
فناظرتُه في مسائل عندي، فأخرجها إليّ، فقلت له: واللهِ إنّي أريد أن أسألك مسألةً
وإنّي لأستحيي من ذلك. فقال: أنا أُخبرك قبل أن تسألني، تسألني عن الإمام ؟ فقلت:
هو ـ واللهِ ـ هذا. فقال: أنا هو. فقلت: علامة ؟
فكان في يده عصاً فنطقت وقالت: إنّ مولاي إمامُ هذا الزمان، وهو الحجّة. الكافي
للكليني 353:1 / ح 9 ـ وعنه: إثبات الهداة للحرّ العاملي 329:3 / ح 3، ووسائل
الشيعة للحرّ العاملي 450:10 / ح 3، والوافي للفيض الكاشاني 178:2 / ح 21، ومرآة
العقول للشيخ المجلسي 99:4 / ح 9 ـ وعنه: بحار الأنوار 68:50 / ح 46 وعن مناقب آل
أبي طالب لابن شهرآشوب 393:4. وأخرجه: ابن حمزة في الثاقب في المناقب 508/ ح 1 ـ
وفيه: وهو الحجّة عليهم.
------------------------------------------------------
الهوامش:
دلائل الإمامة للطبري الإمامي 132
الكافي 353:1 / ح 9
الهداة للحرّ العاملي 329:3 / ح 34
وسائل الشيعة للحرّ العاملي أيضاً 450:10 / ح 3
الوافي للفيض الكاشاني 178:2 / ح 21
ومرآة العقول للشيخ المجلسي 99:4 / ح 9
بحار الأنوار للشيخ المجلسي أيضاً 68:50 / ح 46 ـ عنه وعن مناقب آل أبي طالب
لابن شهرآشوب 393:4.
موقف الامام الجواد عند طفولته مع المأمون
ذكرت الأخبار أن المأمون خرج يوماً في نزهة للصيد، فاجتاز بطرق البلد. ولعلّه
كان قاصداً لاختيار هذا الطريق، فقد علم قبل ذلك أين نزل الوافدون... وعلم أيضاً من
هم؟!
وهكذا كان... فقد تم ( اللقاء الأول ) في الطريق على ما ينقله المؤرخون، ويمكن
أن يكون الإمام الجواد (عليه
السلام) هو الذي سعى لاَن يلتقيه المأمون في هذا المكان. فلسان الرواية يقول:
اجتاز ـ المأمون ـ بطرف البلد، وثمّ صبيان يلعبون، ومحمد الجواد (عليه السلام) واقف
عندهم... فالإمام (عليه السلام) ليس من شأنه الوقوف على قارعة الطريق أو التفرج على
ملاعب الصبيان لقضاء الوقت، ولا عُرف عن الأئمة أنهم كانوا يلعبون ويلهون في
الطرقات مع أقرانهم في أيام طفولتهم، فهم أجلّ وأسمى من أن يصرفوا أوقاتهم في اللعب
أو اللهو؛ لاَنّ الإمام (عليه السلام) متعين عليه هداية الأمّة وبنائها فكرياً
واجتماعياً، وقيادتها نحو إرساء قواعد الشريعة بما يحقق حكومة الله في الأرض.
فالإمام (عليه السلام) لا يلهو ولا يلعب (1) قط منذ طفولته، فقد روي عن علي بن
حسان الواسطي أنّه كان ممن خرج مع الجماعة (2)، وهم ثمانون عالماً اجتمعوا في موسم
عام ( 203 هـ ) من مختلف الأقطار، والتقوا في المدينة المنورة لمعرفة من هو المتعين
للإمامة بعد شهادة الإمام
الرضا (عليه السلام) .
قال علي بن حسان: حملت معي إليه (عليه السلام) من الآلة التي للصبيان، بعضها من
فضة، وقلت: أُتحف مولاي أبا جعفر بها. فلما تفرّق الناس عنه بعد جواب الجميع قام
فمضى إلى صريّا واتّبعته، فلقيت موفقاً، فقلت: استأذن لي على أبي جعفر، فدخلتُ
فسلّمت، فردّ عليَّ السلام وفي وجهه كراهة، ولم يأمرني بالجلوس، فدنوت منه وفرّغت
ما كان في كمي بين يديه، فنظر إليَّ نظر مغضب، ثم رمى يميناً وشمالاً، ثم قال : (
ما لهذا خلقني الله، ما أنا واللعب ؟! ) فاستعفيته، فعفا عني، فأخذتها وخرجت
(3).
إذن، يبدو أن الإمام أبا جعفر (عليه السلام) استغل فرصة خروج المأمون ومروره
بالقرب من منازلهم، فوقف بإزاء صبيان يلعبون في الطريق؛ ليتم هنالك اللقاء... وخبر
هذا اللقاء ينقله لنا ابن شهرآشوب، وابن الصباغ المالكي، والمحدّث الشيخ عباس
القمي، وغيرهم. ونحن ننقل نصّ رواية ابن شهرآشوب حيث قال: اجتاز المأمون بابن الرضا
(عليه السلام) وهو بين صبيان يلعبون، فهربوا سواه، فقال: عليّ به، فقال له: مالك ما
هربت في جملة الصبيان؟ قال (عليه السلام): ( مالي ذنب فأفرّ، ولا الطريق ضيّق
فأوسعه عليك، تمرّ من حيث شئت، فقال: من تكون؟
فقال: ما تعرف من العلوم؟ قال: سلني عن أخبار السموات ). فودّعه ومضى، وعلى يده
باز أشهب يطلب به الصيد. فلما بعد عنه نهض عن يده الباز فنظر يمينه وشماله لم ير
صيداً، والباز يثب عن يده، فأرسله وطار يطلب الأفق حتى غاب عن ناظره ساعة ثم عاد
إليه وقد صاد حية، فوضع الحية في بيت الطعم، وقال لأصحابه: قد دنا حتف ذلك الصبي في
هذا اليوم على يدي، ثم عاد وابن الرضا في جملة الصبيان.
فقال: ما عندك من أخبار السموات؟
فقال: ( نعم يا أمير المؤمنين، حدثني أبي، عن آبائه، عن النبي، عن جبرائيل، عن ربِّ
العالمين، أنّه قال: بين السماء والهواء بحر عجاج يتلاطم به الأمواج، فيه حيّات خضر
البطون، رقط الظهور، ويصيدها الملوك بالبزاة الشهب يمتحن بها العلماء ).
فقال: صدقت، وصدق آباؤك، وصدق جدّك، وصدق ربك. فأركبه ثم زوّجه أُمّ الفضل
(4).
----------------------------------------------------
الهوامش:
1- وردت أحاديث كثيرة في هذا الشأن منها، ما رواه الكليني بسنده عن الإمام
الباقر (عليه السلام) في معرض بيانه علائم الإمام المعصوم فقال: ( طهارة الولادة،
وحسن المنشأ، ولا يلهو ولا يلعب ).
وروى صفوان الجمّال عن الإمام الصادق (عليه السلام) في صفات الإمام، فقال (عليه
السلام): ( صاحب هذا الأمر لا يلهو ولا يلعب ). وما تعرّض له أمير المؤمنين علي
(عليه السلام) من خصائص وعلامات الإمام المعصوم، فقال : ( والإمام المستحق للإمامة
له علامات فمنها: أن يعلم أنّه معصوم من الذنوب كلّها صغيرها وكبيرها، لا يزلّ في
الفتيا، ولا يخطئ في الجواب، ولا يسهو، ولا ينسى، ولا يلهو بشيء من أمر الدنيا ).
راجع: مناقب آل أبي طالب 4 : 317 . وبحار الأنوار 25 : 164.
2- إثبات الوصية: 188. ودلائل الإمامة: 402 | 360.
3- المصدر السابق نفسه.
4- مناقب آل أبي طالب 4 : 388 ـ 389 . أما رواية ابن الصباغ في الفصول المهمة:
252، والشيخ المحدِّث القمي في منتهى الآمال 2 : 527 ـ 528 عن مستدرك العوالم 23 :
522 . وبحار الأنوار 50 : 56 فهي تختلف عن هذه في بعض أحداثها، فراجع
أهل البيت (عليه السلام) والقيادة الرسالية
لم يستطع المأمون العبّاسي أن يحقّق نواياه الخفية في تسقيط شخصية الإمام الرضا (عليه السلام)
وإخراجها من القلوب العامرة بحب أهل البيت (عليهم السلام)، لأنّ الإمام الرضا (عليه
السلام) استطاع أن يخترق العقول والنفوس على مستوى اجتماعي عام، فتلألأت شخصيته
العملية وتجلّت ذاته السامية للقريب والبعيد.
ولم يجد المأمون لنفسه طريقاً إلاّ أن يتخلّص من تواجد الإمام وحضوره الفاعل في
الساحة الإسلامية من خلال تصفيته الجسديّة; لأن ترك الإمام ليرجع إلى المدينة بعدما
طار صيته وتلألأت شخصيته سوف يطيح بعرش المأمون والعباسيين بسرعة، وبقاؤه في عاصمة
الخلافة لم يكن بأقل تأثيراً من إبعاده إلى المدينة من حيث الآثار السلبية على عرش
المأمون والآثار الايجابية لصالح خط الإمام الرسالي.
والنقطة الثانية التي جدّ فيها العباسيون بشكل عام وتجلّت في سلوك المأمون
السياسي بشكل خاص هي قلقهم من قضية الإمام المهدي الموعود والمنتظر الذي قد وعد
الله به الأُمم ليرأب به الصدع ويلمّ به الشعث ويقضي به على أعمدة الجور والطغيان،
فالخطر الذي قد أنذر به الرسول (صلى الله عليه
وآله) الحكّام الطغاة وبشّر به المؤمنين والمستضعفين بدأ يقترب منهم، لما أفصح
به النبي (صلى الله عليه وآله) من بيان نسب الإمام المهدي (عليه السلام) وموقعه
القيادي حين نصّ على أنه التاسع من ولد الحسين (عليه السلام) حتى
ذكر اسمه واسم أبيه ومجموعة من صفاته وخصائصه وعلائمه.
ومثل هذا الإخبار من النبي (صلى الله عليه وآله) لا يدع الظالمين في راحة
واطمئنان; لأن الرسول (صلى الله عليه وآله) مرتبط بالوحي ومسدّد من السماء، ولا
تكون إخباراته سُدىً.
ومثل هذا الإخبار من منجّم عادي أو محترف يكفي لزعزعة الاستقرار النفسي الذي
يبحث عنه الحكّام الظالمون فكيف وهم يسمعون هذا الإخبار من نبي مرسل يدّعون
الانتساب إليه؟!
و لا سيّما وهم يبحثون عن كلّ شيء لإحكام ملكهم ويحسبون لما يزعزعه ألف حساب،
فكيف لا يتهيّؤون لدرء الخطر الداهم ؟
والعدد الذي ذكره النبي (صلى الله عليه وآله) لأهل بيته الطاهرين المسؤولين عن
حمل مشعل الرسالة عدد مضبوط محدود، فهم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش ومن بني هاشم
وهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأحد عشر من ولده الأبرار
الأطهار.
والعدد الذي ذكره النبي (صلى الله عليه وآله) لأهل بيته الطاهرين المسؤولين عن
حمل مشعل الرسالة عدد مضبوط محدود، فهم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش ومن بني هاشم
وهم علي بن أبي طالب (عليه
السلام) وأحد عشر من ولده الأبرار الأطهار.
وهاهو الإمام الرضا (عليه السلام) كان الثامن من الاثني عشر المنصوص عليهم من
قبل الرسول (صلى الله عليه وآله) وهو الخامس من ولد الحسين (عليه السلام) فضلاً عن
النصوص عليهم من سائر الأئمة الطاهرين.
ولا نستبعد وجود عناصر مرتبطة بالجهاز الحاكم كانت تحاول اختراق الجماعة الصالحة
التي حرصت على حفظ تراث أهل
البيت (عليهم السلام) وعلومهم الربّانية والتي استودعوها اسرارهم، وهي الأسرار
التي لا يتحملها إلاّ مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان.
والحكّام العباسيّون إن لم يستطيعوا السيطرة على الجماعة الصالحة فلا أقل من
اختراقها والحصول على المعلومات التي تخدمهم للتعرّف على الخط المناوئ لهم.
ومع شعورهم بقرب ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) مع جهلهم بزمان ولادته
وظهوره، لابد وأنهم يحاولون صد أهل البيت (عليهم السلام) من إنجاب الإمام المهدي
(عليه السلام) قبل كل شيء كما حدث لفرعون مع موسى
النبي (عليه السلام).
ومن أجل تحقيق هذه المهمة والحيلولة دون ولادة من يقلقهم ذكره ووجوده شدّدوا
المراقبة على أهل البيت (عليهم السلام) ودخلوا إلى أعماق حياتهم الشخصية فجعلوا
الرقيب الخاص على تصرّفاتهم كما يبدو من إصرار المأمون لتزويج ابنته اُم الفضل من
الإمام الجواد (عليه السلام) بل حدّدوهم حتّى من حيث الزواج والإنجاب، ويشهد لذلك
قلّة عدد أبناء الأئمة (عليهم السلام) بعد الإمام الرضا (عليه السلام) بشكل ملفت
للنظر، إذا ما قسناهم مع من سبق الإمام الرضا (عليه السلام) من الأئمة من حيث
الأبناء والأزواج.
كما حاولوا طرح البديل عن الإمام المهدي المنتظر للأُمة الإسلامية بتسمية بعض
أبنائهم بالمهدي والمهتدي تمويهاً وتغريراً لعامّة الناس بأنهم هم المقصودون بهذه
النصوص النبوية. ولكن حبل الكذب قصير والحقيقة لابدّ أن تنجلي والطغاة لا يستطيعون
أن يتظاهروا بمظهر الحق على مدى طويل فلا يطول التظاهر منهم ماداموا غير متلبسين
حقيقةً بلباس الحق ومادامت شخصيتهم لم تنشأ في بيئة طاهرة تتّسم بالحق وبالقيم
الربّانية الفريدة.
ومن هنا نجد أن هذا التمويه لم يستطيع أن يحقق الغرض الذي من أجله ارتكبوه وهو
التغطية على حقيقة المهدي المنتظر (عليه السلام).
وتبقى الخطوة الأخيرة الممكنة لهم وهي أنهم إن لم يستطيعوا أن يحولوا بين أهل
البيت (عليهم السلام) وبين إنجاب الإمام المهدي (عليه السلام) ولا التمويه على
جمهور المسلمين فعليهم أن يكتشفوه، أي أنّ عليهم أن يترصّدوا ولادته ليقضوا عليه
ويريحوا أنفسهم من هذا الكابوس الذي يُخيّم عليهم وهو كابوس المهدي المنتقم الذي
يزعزع عروش الطغاة لا محالة.
نعم لا ضرورة للاعتقاد البات من قبل الخلفاء بهذه الحقيقة بل يكفي لديهم
احتمالها ليبادروا لاتخاذ الإجراءات الصارمة أمام الخطر الداهم أو المحتمل الذي قد
يحدق بهم عن قريب.
وقد استطاع الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) فضح الحكّام المنحرفين من خلال
سيرتهم المباركة التي شكّلت تحدّياً عملياً و علمياً وأخلاقياً صارخاً فاتّضحت
للأُمة جملة من الفواصل الكبيرة بين الخط الحاكم والخط الذي ينبغي له أن يتولّى
شؤون الحكم والزعامة الإسلامية.
وهكذا كانت الساحة السياسية العامّة من جهة والحاجة العامة للمسلمين تتطلب بقاء
الأمل كبيراً بانجلاء غياهب الجور والطغيان على يدي الإمام القائم بالسيف من أهل
بيت النبوّة والذي بشّر به الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرون. وكان
من الضروري استمرار شعلة هذا الأمل والحيلولة دون انطفائها لأنها تهزّ عروش
الظالمين والمستكبرين وتسلب الأمان والحياة الرغيدة منهم إن هذه المفردة حاجة
واقعية للأُمة ومهمّة رسالية لأهل البيت (عليهم السلام) الذين لم تسمح لهم الظروف
بالقيام بدور الإمام المهدي (عليه السلام) المرتقب، غير أنهم يستطيعون التمهيد
لولادته ومن ثم بقائه حيّاً ليدبّر شؤون المسلمين من وراء ستار كيما تتهيأ له ظروف
الثورة المباركة التي بشّر بها القرآن الكريم وأيّدتها نصوص الرسول العظيم.
وفي مقابل هذه الحاجة العامّة نجد محاولات العباسيين للحيلولة دون ولادة القائم
المهدي من آل محمد (صلى الله عليه وآله) أصبحت جادّة وقوية وسريعة، لأن الخطر بدأ
يقترب منهم. فالإمام الجواد ومن سيأتي بعده من الأئمة (عليهم السلام) بين مهمّتين:
مهمّة حفظ الأمل الكبير واستمرار شعلته، ومهمّة التعتيم على السلطة تجاه ولادة
المهدي (عليه السلام) والحيلولة بينهم وبين الاقتراب من المهدي (عليه السلام) لئلاّ
تناله أيديهم الأثيمة ولئلاّ يصادروا آخر قيادة ربّانية قد نذرت نفسها لله لتحمل
لواء الحق وراية الإسلام المحمدي وتحقق كل آمال الأنبياء على مدى القرون والأعصار،
كما صادروا قيادة آبائه من قبل وأحكموا الحصار على من تبقّى منهم.
وقد استطاع الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) فضح الحكّام المنحرفين من خلال
سيرتهم المباركة التي شكّلت تحدّياً عملياً و علمياً وأخلاقياً صارخاً فاتّضحت
للأُمة جملة من الفواصل الكبيرة بين الخط الحاكم والخط الذي ينبغي له أن يتولّى
شؤون الحكم والزعامة الإسلامية.
والأُمة لازالت بحاجة للتعرّف على مزيد من الفواصل المعنوية بين الخطّين، كما
أنها لابدّ أن تقف على حقيقة الأقنعة الزائفة التي يقبع تحتها الحكّام
الظالمون.
واستطاع المأمون أن يقترب من الإمام الجواد (عليه السلام) ويتقرّب منه شيئاً ما
بتقريبه له وتزويجه لابنته لترصد تحركات الإمام ولتستطيع أن تمنعه من الإنجاب منها
وممّن سواها، إذا كان ذلك مقصوداً للمأمون تحقيقاً لجملة من الأهداف التي لاحظناها
في هذا البحث.
واستمرّ الحكّام من بعده على نفس هذا المنهج الدقيق لأنّهم لا يرون بديلاً له
بعد ما فضح المأمون نفسه باغتيال الإمام الرضا(عليه السلام) حيث تخلّص من رقيب كبير
كان يهدد ملكه ولكنه قد اُبتلي برقيب جديد يفوقه في التحدي وإرغام أنوف
الظالمين.
ومن هنا كانت ظروف الإمام الجواد (عليه السلام) لا سيّما وهو في التاسعة من سني
عمره، تشكل سؤالاً أسياسياً للمأمون أوّلاً ولعامة الناس ثانياً، ولبعض شيعة أهل
البيت ثالثاً، والسؤال هو مدى جدارة هذا الصبي للقيام بمهمة الإمامة والقيادة
الربانية المفترضة الطاعة التي لابد لها أن تخترق كل الحجب السياسية والاجتماعية
الموجودة.
ومن هنا كانت ظروف الإمام الجواد (عليه السلام) لا سيّما وهو في التاسعة من سني
عمره، تشكل سؤالاً أسياسياً للمأمون أوّلاً ولعامة الناس ثانياً، ولبعض شيعة أهل
البيت ثالثاً، والسؤال هو مدى جدارة هذا الصبي للقيام بمهمة الإمامة والقيادة
الربانية المفترضة الطاعة التي لابد لها أن تخترق كل الحجب السياسية والاجتماعية
الموجودة.
وهكذا كان الإمام الجواد (عليه السلام) حين تسلّمه زمام القيادة الرسالية أمام
تساؤل كبير قد طرح نفسه لأوّل مرة على مستويات ثلاثة، ولابدّ للإمام الجواد (عليه
السلام) من أن يثبت جدارته للجميع، وإن كان ذلك يكلّفه حياته فيما بعد; لأن بقاء
هذا الخط الربّاني وإثبات حقّانية خط أهل البيت ورسالته الربانية هما فوق كل شيء.
ومن هنا كان لابدّ للإمام الجواد (عليه السلام) أن يتصدّى للردّ على كل هذه الأسئلة
ويتحدّى كل القوى السياسية والعلمية التي تنطوي عليها الساحة الإسلامية ليتسنى له
القيام بسائر مهامّه الرسالية الأُخرى في الحقلين العام والخاص معاً.
إذاً فقد كان إثبات الإمامة على المستويين العام والخاص أُولى مهام الإمام
الرسالية في مرحلته التي عاشها بعد استشهاد أبيه الإمام الرضا (عليه السلام) الذي
كان قد نصّ عليه وعرّفه لأصحابه وأتباعه; لأنّ الإمام الرضا (عليه السلام) كان قد
عاصر خطط المأمون وعرف عن كثب أهدافه الخفية من اُطروحة ولاية العهد الخبيثة والتي
استطاع الإمام أن يستثمرها لصالح الإسلام رغم قصر الفترة الزمنية ورغم ما كلّفته من
حياته الغالية والتي قدمها رخيصة في ذات الله تعالى.
وتأتي إجابات الإمام الجواد (عليه السلام) في المجالس العامة للخلفاء على
الأسئلة الموجّهة إليه خطوة موفّقة لإثبات أحقيّة خط أهل البيت (عليهم السلام)
الرسالي وإثبات إمامة محمد الجواد (عليه السلام) وجدارته العلمية وشخصيته القيادية
لعامّة المسلمين إتماماً للحجة عليهم وعلى الخلفاء والعلماء المحيطين بهم.
وهي في نفس الوقت تشكّل تحدّياً عملياً للخلفاء وعلمائهم الذين كانوا يشكّلون
الرصيد العلمي والخلفية الثقافية والشرعية في منظار مجموعة من أبناء المجتمع الذين
نشأوا في مجتمع منحرف عن خط الرسالة المحمدية الأصيلة ممّن اغترّوا بالمظاهر
والشعارات ولم ينفذوا بعقولهم إلى عمق الأحداث والتيارات المتحكّمة في المجتمع
الإسلامي آنذاك.
كما أنها كانت ردّاً على محاولات التسقيط والاستفزاز التي كان يستهدفها الحكّام
بالنسبة لأهل البيت (عليهم السلام) الذين كانوا يشكّلون المعارضة الصامتة والخطّ
المخالف للخلفاء المستبدين بالأمر والمتربّعين على كرسيّ الحكم دون إذن ونصّ الهي،
كما هي عقيدة أهل البيت (عليهم السلام) بالنسبة للإمامة حيث إن الإمام (عليه
السلام) لابد أن يكون معصوماً ومنصوصاً عليه من الله تعالى ورسوله.