الغدير كما قاله الرسول صلي الله عليه وآله
بقي حديث
واقعة الغدير ، و ذكرياته في صدور المؤمنين من أتباع
أهل البيت
مكبوتة ، و في خواطرهم ثائرة ، و انقضى القرن الأول و الأمور تزداد سوءا ،
و تعقيدا ، بكم الأفواه و التشديد على منع و حضر كتابة الحديث بصورة عامة ،
و حديث الغدير بصورة خاصة.
و من جهة اخرى أطلقت الأفواه المنتنة ، و
الأصوات المبحوحة ، و الأقلام المأجورة ، في بث الإعلام الكاذب و تزييف
الحقائق ، و تحوير الواقع ، و قد خرجت بعض الاقلام المأجورة حديث الغدير
بتخريجات واهية أوهى من خيوط العنكبوت ، و خنقوا صوت الرسول العظيم صلى
الله عليه و آله و سلم ، و النداء الذي أطلقه في يوم العهد المعهود في
الموقع المشهود المسمى ب « غدير خم » ق، رب الجحفة بعد رجوعه من حجة الوداع ،
على مفترق طرق الحجيح ، و ذلك في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام في
السنة العاشرة من الهجرة النبوية المباركة ، رافعا عقيرته بين تلك الجموع
المتداككة، و التي تربو على المائة ألف من المسلمين ، و في رواية مائة و
عشرين ألفا ، مبلغا ما أمر الله سبحانه أن يبلغ ، و مهددا بعدم تبليغ
رسالته إن لم يفعل بقوله سبحانه: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك و
إن لم تفعل فما بلغت رسالته إلى آخر الآية.
وقف صلى الله عليه و آله و سلم خطيبا بين تلكم الجموع المحتشدة المتراصة ، و بعد خطبة بليغة قائلا: «
من أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ » ، قالوا : «
الله ، و رسوله » ، قال : «
اللهم اشهد » ، عندها رفع أخاه و ابن عمه
علي بن أبي طالب ، حتى بان بياض ابطيه ، ثم قال: «
من كنت مولاه فعلي مولاه » ، ثم أردف قائلا : «
اللهم وال من والاه ، و عاد من عاداه ، و انصر من نصره ، و اخذل من خذله ، و أدر الحق
معه حيثما دار ».
ثم
أمر صلى الله عليه و آله و سلم ، أن تفرد له خيمة يجلس فيها علي بن أبي
طالب عليه السلام لمبايعته بالخلافة ، و إمرة المؤمنين ، و ترادف عليه
المسلمون يبايعونه ، و كان في مقدمتهم الشيخان أبو بكر و عمر قائلين: ( بخ ،
بخ لك يابن أبي طالب ، أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة) .
كان
هدف الرسول صلى الله عليه و آله و سلم في اتخاذ كل تلكم الإجراءات السريعة
و التدابير الصارمة ، هو تبليغ أمر السماء بالولاية لعلي و الإمرة و
الخلافة ، تثبيتا لدعائم الدين و استمرارا في حكم الإسلام و دوامه ،
و
على رغم كل تلكم الإجراءات ، لم ينقض على هذه البيعة سوى سبعون يوما فقط ،
حتى التحق الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بالرفيع الأعلى ، و انقلبت
الأمة ، و تحقق منطوق الآية الشريفة : و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله
الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم الى آخر الآية.
فنقول :
( خلال قرن كامل من الزمان لم يستطع أي مسلم أن يدون الحديث ، و لم يتمكن
أي أحد ان يسجل الوقائع التأريخية ، و لا يجرؤ أن يتحدث الناس حتى فيما
بينهم بحديث واحد ، و حتى يستشهد بحديث في حكم شرعي ، إلا أن التابعي
الجليل سليم بن قيس الهلالي ( المتوفى سنة 67 ه ) ، استطاع ان يخترق جدار
الحضر ، و أن يتحدى السلطان حينذاك ، و يتجاوز المحاذير المفروضة و سجل
الوقائع المهمة التأريخية ، و دونها بصورة سرية و حذرة في كتابه المعروف
باسمه «
سليم بن قيس الهلالي »، الذي أيده
الإمام السجاد عليه السلام و
أقره ، و الذي لا يزال منتشرا بين ظهرانينا خاصة ، و بين المسلمين عامة في
معظم المكتبات العامة و الخاصة بعد ما دون الحديث خواص امير المؤمنين عليه
السلام امثال ابي رافع و ابنه.
و ما ان حل القرن الثاني من الهجرة
حتى دب الضعف في الحكم الأموي الجائر و خف الضغط،و انحسر الإرهاب الفكري و
الإرعاب التسلطي بعض الشيء عن المؤمنين و العلماء و أصحاب السير و التاريخ
، و ذلك بانشغال الحكم الأموي فيما بينهم ، و بصراعهم المرير مع القوى
الثائرة المناهضة لهم من بني العباس ، الذين رفعوا شعار« الرضا من أهل البيت » زورا و بهتانا.