تحيط قصبتَها واحةٌ عظيمة من أشجار النخيل وأنواع الفاكهة تبلغ مساحتها من الشمال إلى الجنوب تقريباً 18 ميلاً
ومن الشرق إلى الغرب 3 أميال، ويظهر أنها كانت فيما مضى من الزمن أكثر سعة وامتداداً، فقد روى أبو الفداء
المتوفّى 732 هـ في كتابه ( تقويم البلدان ) نقلاً عن بعضهم أنها أكبر من الأحساء. ويرجع السبب ـ كما يظهر ـ
في تقلّص مساحتها إلى زحف رمال الصحراء على بساتينها ومزروعاتها من جهة، وإلى اضطراب حبل الأمن
وارتباك الأوضاع السياسية في الأيام الغابرة من جهة أخرى ويحدث بعض المعمَّرين أنهم كانوا في أيام شبابهم
يقفون قرب النزهة ويرون البر. ويدل على تقلص مساحتها ايضاً ما نجده من أطلال وبقايا أحجار في تلك الصحارى،
مما يدل على أنها بقايا قرى كانت عامرة، وكذلك وجود العيون البرية على مسافات شاسعة من الواحة. ويقال إن
تلك الصحارى التي تفصل الأحساء عن القطيف كانت كلها آهلةً بالسكان وبالقرى والواحات، بل يذهبون إلى أبعد
من ذلك فيقولون إن الماشية السائبة كانت تنتقل من مدينة القطيف بين القرى والواحات حتى تصل إلى مدينة
الأحساء وهذا القول إذا حملناه على المبالغة فمما لا شك فيه أنه يدل إجمالاً على أن هذه المساحة كانت آهلة بالسكان
والمزروعات في الزمن الغابر، وأن جفاف الينابيع التي تسقي سيحاً بالإضافة إلى الأسباب التي ذكرناها آنفاً يرجع
إليها السبب في تسرّب الخراب والدمار إلى هذه المناطق ومما ينهض دليلاً على صحة هذا القول أن رجال شركة
الزيت العربية الأمريكية عثروا أخيراً على صهاريج متصلة بعضها ببعض بأنفاق عليها فتحات في مواضع متعددة
لاستقاء الماء منها.. عثروا عليها في القطيف والأحساء والفلج وأواسط نجد وأماكن أُخرى تعدّ اليوم من المناطق
الصحراوية، كما وُجِدت على مقربة منها آثار قرى كانت عامرة ومزارع واسعة، مما يدل على أنها كانت غير
ما كانت عليه الآن، وأنها كانت عامرة آهلة بالسكان وقد عُثر على آثار مدفونة خلال الحفريات أثناء مدّ خطوط
أنابيب البترول، فكلّما حفروا بقعة في هذه المنطقة وجدوا خرائب مدفونة تحت الرمال، وأحياناً تكون بارزة على
سطح الأرض، كما يشاهد قطع نقود وبقايا أوانٍ فخّارية قديمة منتثرة هناك، يجدها المتجول دون عناء. وإن
هذه المساحات الواقعة جنوبي الخُبَر وبين الدمّام والخُبر، وكذلك الأراضي الصحراوية الواقعة غربي واحة القطيف
وشماليها حتى مدينة الجبيل.. تكاد تمتلئ بالآثار التاريخية وقد دلّت الآثار التي اكتُشفت حديثاً في سواحل هذه
المنطقة في ثاج وجاوان وتارُوت ونواحي القطيف على أنها كانت مهداً لشعوب عريقة في الحضارة، وحين
تتاح لهذه المنطقة بعثة أثرية تقوم بأعمال التنقيب سيُزاح الستار من الناحية العلمية عن الوجه التاريخي القديم لهذه البلاد.