You do not have permission to delete messages in this group
Copy link
Report message
Show original message
Either email addresses are anonymous for this group or you need the view member email addresses permission to view the original message
to
بسم الله الرحمن
الرحيم
تكامل الإيمان
بالإنفاق
قال تعالى:
{آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم
مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ
كَبِيرٌ * وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ
لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ *
هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * وَمَا
لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ
أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * مَن ذَا
الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ
كَرِيمٌ * يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ
أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن
تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا
نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا
فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ
مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى
وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ
الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ *
فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ
الْمَصِيرُ}. يتناول هذا المقطع موضوعا يبدو أن السورة الشريفة سيقت لأجله، وهو موضوع
الإنفاق في سبيل الله وعلاقته بالإيمان، حيث تحدثت السورة الكريمة عن موضوع الأيمان
في تسع من الآيات، وعن موضوع الإنفاق في سبع من الآيات، و إذا اتضحت العلاقة بين
الإنفاق والإيمان - كما سيتضح في هذا البحث إن شاء الله - سنرى أن السورة الشريفة
تناولت هذين الموضوعين في إطار واحد أساسي، وهو ما يمكن تسميته بإطار تكامل الإيمان
بالإنفاق.
بحث
المفردات
توجد في هذا المقطع الشريف عدة مفردات
مهمة: المفردة الأولى: (مستخلفين)، في قوله تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم
مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ
كَبِيرٌ} فقد تحدث القرآن الكريم عن المال لكونه أمراً وضع تحت يد
الإنسان، باعتباره خليفة عليه، فذكر مفردة (مستخلفين) وهي مأخوذة من الخلافة، وعلى
ما يذكر علماء التفسير و اللغة: أن الخلافة: هي عبارة عن قيام شيء مقام شيء آخر و
يسد مسده(1)، وبالتالي هذا القيام، تارة
يتحقق مع وجود ذلك الشيء الآخر وأخرى مع غيابه، وفي كلتا الحالتين إذا قام شيء مقام
شيء آخر وصف بأنه خليفته، ومن هنا يوصف الإنسان، كما في القرآن الكريم بأنه خليفة
لله سبحانه وتعالى، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ
لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}(2). ومستخلفين مأخوذة من
الخلافة، حيث إن المال الذي وضع بيد الإنسان يتصرف به ويعتبر نفسه مالكا له، فيتصرف
به وكأنه ماله، ولكن لو ينظر الإنسان إلى علاقته بهذا المال، فسيرى بأنه مستخلف
فيه، أي: قائم مقام شيء آخر في هذا المال، وهذا الشيء الآخر تارة نفترضه الله
سبحانه وتعالى باعتباره المالك الحقيقي لكل الأشياء، وهذا الإنسان مستخلف من قبله
تعالى فيه، فالمال مال الله، والإنسان قائم مقامه تعالى فيه، وأخرى نفترضه الأجيال
التي سبقت وجود هذا الإنسان؛ لأن الذين سبقوا الإنسان الذي بيده المال كانوا هم
المالكون له - المال - والقيمون عليه، والمتصرفون فيه، وأصبح الإنسان الفعلي في دور
آخر مستخلفاً على هذا المال وقائما مقام تلك الأجيال السابقة، وعليه فهذا المال ليس
ماله بالأصل، وإنما انتقل إليه ممن سبقه من الناس والأجيال.
فالقرآن الكريم
يشير في هذه المفردة: إلى أن الإنسان مستخلف في هذا المال، وليس أصيلا في تملكه
وتصرفه فيه. المفردة الثانية: مفردة (ميراث) في قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} والميراث عند أهل اللغة: هو عبارة عن انتقال
مال من جهة إلى جهة أخرى، من غير عقد ولا ما يجري مجراه(3)، من قبيل:
الهدية، أو الحيازة، أو غير ذلك من الأسباب المقتضية لانتقال الملك، وإذا حصل
الانتقال بدون سبب من هذه الأسباب، عبرّ عنه بالميراث، ومن هنا عُبرّ عن المال الذي
ينتقل من الميت إلى وريثه بالميراث؛ لأن هذا الانتقال لم يحصل بموجب عقد أو ما يجري
مجراه، ووصف القرآن الكريم الله سبحانه وتعالى بالوارث، باعتبار أن كل ما في
السماوات والأرض يرجع ويصير إليه تعالى، ولذا وصفت أيضاً بأنها ميراث الله،
وبالنتيجة فكل الأموال الموجودة في السموات والأرض تنتقل وترجع إليه، فهو منتهاها.
وإذا قارنا بين
هذه المفردة والمفردة السابقة، سنرى أن المال من ناحية هو مال الله تعالى والإنسان
مستخلف فيه من قبله ومن ناحية أخرى سيصير إليه سبحانه وتعالى؛ لأنه ميراث لله
تعالى. المفردة الثالثة: مفردة (الاقتباس) في قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا
انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ}
ويذكر أهل اللغة: أن الاقتباس هو طلب الشعلة من النار(4)، فعند أخذ
شعلة من النار يسمى هذا الفعل: اقتباساً، واستخدم القرآن الكريم مجازاً هذه اللفظة
هنا بهذا المعنى، حيث يقف المنافقون والمنافقات يوم القيامة، ويطلبون أخذ شعلة من
نور المؤمنين. كما أن الاقتباس يستخدم كذلك في طلب الهداية وفي طلب العلم، باعتبار
أن العلم يكنى به عن هذا النور الذي يري الإنسان الطريق، وهكذا بالنسبة إلى
الهداية. المفردة الرابعة:مفردة (السور) في قوله تعالى :{ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم
بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ
الْعَذَابُ}، والسور عند أهل اللغة: عبارة عن الحائط المحيط بالشيء،
ويكون في الوقت نفسه مانعا غيره من الوصول إليه(5)، وتشير
الآية الشريفة إلى هذا الحائل والحاجز والمانع القائم بين المنافقين والمنافقات من
ناحية، وبين المؤمنين والمؤمنات من ناحية أخرى، حيث يوجد هناك سور يحيط بهم ويحول
بينهم وبين الآخرين. المفردة الخامسة:مفردة (الفتنة) في قوله تعالى: {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ
فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} والفتنة لغة: تعريض الشيء إلى النار لصهره وبيان
حقيقته وواقعه(6)، فعندما يدخل الحديد في
النار، يقال: فتّن الحديد، وعندما يدخل الذهب في النار أيضاً يقال: فتّن الذهب،
فالفتنة معناها اللغوي تعريض الشيء إلى النار لمعرفة واقعه.
المفردة السادسة:مفردة (التربص) في قوله تعالى: {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ
فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ
حَتَّى جَاء أَمْرُ}، والتربص لغة: هو الانتظار المقرون بتوقع حصول تغير
في أمر أو حال(7)، ويشير القرآن الكريم إلى
أن المنافقين كانوا يتصفون بهذه الصفة، بحيث لما جاءتهم الرسالة، وأخذت تتطور
وتتقدم وتنمو وتكبر، كانوا يعيشون حالة الشك والريب والتربص تجاهها، فينتظرون حصول
تغير في مجمل الأوضاع التي يعيشها المؤمنون، ويحياها المجتمع
الإسلامي. المفردة السابعة:مفردة (القرض)، في قوله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا}، والقرض
لغة(8): هو المال المدفوع على شرط
أن يرجع إلى الدافع بدله، وإنما سمي القرض - أي هذا الدفع المرجوع - قرضا، لان
القرض هو القطع، فكأن الإنسان قد قطع من ماله شيئا وأعطاه للآخرين مع بقاء ملكيته
وعلاقته به. وهذا المعنى من الملكية - أي ما كان بدله مضمونا ومشروطا - سمي أيضاً
قرضا حسنا بلحاظ ما بإزائه من الثواب عند الله سبحانه وتعالى، فالإنسان الدافع لا
يريد مالا أضافيا، كما هو الحال في الربا حينما يعطي المال مع بقاء علاقته به لا
يقصد بذلك التقرب إلى الله سبحانه، وإنما الحصول على مال إضافي، وهذا هو الفرق بين
القرض الحسن والقرض الربوي، فالقرض الحسن هو: القرض الذي فيه أجر وثواب، باعتبار أن
القصد فيه هو التقرب إلى الله(9). والقرض الربوي هو: ما يرجى
منه فائدة مالية مترتبة عليه، فأطلق القرآن الكريم عنوان القرض الحسن على ما ينفقه
الإنسان في سبيل الله عز وجل ولا يقصد منه إلا اجر الله تعالى وثوابه، ويطلق مفهوم
القرض الحسن في المعاملات الشرعية على ما إذا أعطى إنسان لآخر مالاً على أن يرجعه
بعد ذلك، وقصده التقرب إلى الله سبحانه، أي: لا نية له في الحصول على مال آخر،
فالقرض الحسن روحه وجوهره هذه النية القربية، ومن هنا سمي بالحسن؛ لأن الأعمال
الصالحة والأعمال الحسنة بحسب المفهوم القرآني: هي تلك الأعمال المقترنة بنية
التقرب لله تعالى، فكل عمل اقترن بنية القربة عدّ عملا صالحا وحسنا، وأما إذا لم
يقترن بها، حتى لو كان مفيدا ونافعا للناس بشكل عام، لا يعد عملا صالحا أو حسنا،
بمعنى أن الأعمال التي يقوم بها بعض الناس رياءً ومن أجل السمعة أو طلبا للوجاهة،
قد تكون في بعض الأحيان مفيدة ونافعة للناس، لكنها لا تعتبر أعمالاً حسنة بحسب
المفهوم القرآني.