أخيراً.. بعد 61 عاماً من تأسيسه كأول بنك تجاري في السعودية وأعرقها، سيتمكن السعوديون من شراء أسهم البنك الأهلي التجاري الذي سيطرح خلال الأشهر المقبلة 15 في المئة من رأس المال (300 مليون سهم).
جميع المصارف التي أُسست بعد البنك الأهلي طرحت حصة من أسهمها للاكتتاب العام، وأخذت مسارها في سوق الأسهم السعودية، إلا أن نتائجها المالية وأداءها كانا غير مطمئنين، ولاسيما من تلك المصارف التي أُسست حديثاً، مثل مصرفي الإنماء والبلاد، أحدث مصرفين في سوق المصارف السعودية.
إلا أن قصة قيام البنك الأهلي التجاري تبقى أكثر تشويقاً ومضرب مثل لكل من يرغب في أن يعمل ويبدأ من الصفر، كما حدث مع مؤسس البنك الأهلي التجاري، كما تروي عنه القصص أنه جاء من حضرموت وكان فتى صغيراً يبحث عن عمل في الحجاز، فالتحق في محل صرافة كان يملكه صالح وعبدالعزيز كعكي، ولأمانته ونباهته وإخلاصه في العمل تزوج من ابنة شريكه عبدالعزيز كعكي، قبل أن تتحول ملكية المصرف إليه بعد شراء حصة الأخوين.
وخلال 60 عاماً الماضية بقي هذا المصرف من أكبر المصارف السعودية من حيث الملاءة المالية والتعاملات المصرفية وتحقيق الأرباح، ومنذ تأسيسه بقي الشكل القانوني كشركة تضامنية برأسمال قدره 30 مليون ريال إلى أن تم تحويله إلى مساهمة مقفلة عام 1998 كخطوة أولية بدخول 20 مساهماً من رجال الأعمال، وُزعت حصصهم على النحو الآتي: خالد سالم بن محفوظ 36 مليون سهم، نائلة عبدالعزيز كعكي 12 مليون سهم، إسماعيل أبو داود 20 ألف سهم، علي الجفالي 20 ألف سهم، عبدالله الغليقة 20 ألف سهم، عبدالرحمن خالد بن محفوظ 4.26 مليون سهم، عبدالله باحمدان 300 ألف سهم، مطلق المطلق 20 ألف سهم، ناصر الرشيد 20 ألف سهم، سلطان خالد بن محفوظ 3.6 مليون سهم، إيمان خالد بن محفوظ 1.8 مليون سهم، عبدالرحمن العوهلي 20 ألف سهم، أميمة كعكي 1.2 مليون سهم، مرعي بقشان 20 ألف سهم، وعمر العيسائي 20 ألف سهم، عبدالقادر الفضل 20 ألف سهم، صالح كعكي 600 ألف سهم، وعمر باجري 20 ألف سهم.
وفي عام 1999 دخلت الحكومة السعودية ممثلة في صندوق الاستثمارات العامة التابعة لوزارة المالية مساهماً في غالبية ملكية المصرف.
وقتها تعددت الروايات حول تملك الحكومة له، فمنهم من قال: كان تدخلاً لحماية المصرف من محاكم خارجية بعد انهيار بنك الاعتماد والتجارة الدولي والقضايا التي أثيرت، لهذا بقيت قضية انتقال ملكيته إلى الحكومة أمراً محل استفسار وتساؤل وبقي الطرفان بعيدين تماماً عن إثارة أي موضوع يتعلق بهذا الشأن أو ذكر الأسباب التي أدت إلى انتقال الملكية بهذه السلاسة، من دون أي ضجيج إعلامي، وهو ما يعني أن اتفاقاً كان مرتباً مسبقاً بين الطرفين.
يعد البنك الأهلي اليوم من أكبر المصارف في العالم العربي برأسمال يصل إلى أكثر من 15 بليون، ويتوقع أن يرتفع إلى أكثر من 20 بليون ريال بعد أن طالب بزيادة رأسماله، ومع أنه هو آخر المصارف السعودية الذي لم يطرح أسهمه للاكتتاب العام بدأ في إعلان نتائجه المالية منذ عام 2001، من دون تفاصيل ويكتفي بنشر الأرباح فقط.
اليوم حينما تتحدث الأوساط المصرفية عن قرب طرح حصة من أسهمه للاكتتاب العام، فهذا يعني أن مبنى المصرف المطل على البحر الأحمر بجوار جدة القديمة وبيوت تجارها القدامى ضمن المباني التي شيدت قبل 35 عاماً ومن التصاميم الهندسية التي تصنف ضمن أبرز المعالم العمرانية في المنطقة، كما يعد أحد ثلاثة مشاريع عالمية تعرض في متحف الفن الحديث في مدينة نيويورك، يتأهب لدخول أعضاء جدد في مجلس إدارته يستطيع المساهمون إدارة دفته في بعض الحصص التي سمحت لهم، بعد أن بقي أعواماً طويلة مغلقاً أمام العامة إلا لملاكه وأعضاء مجلس إدارته بعد تحوله إلى مساهمة مقفلة.
بعد أكثر من 60 عاماً لقيام البنك الأهلي التجاري - وهو المصرف العجوز ضمن المصارف السعودية - يظل أحد المصارف في السعودية والخليج الذي يعمل بطريقة احترافية ويملك فروعاً خارجية في لبنان والبحرين وما يقارب 300 فرع في الداخل، له مساهمات في المسؤولية الاجتماعية ودعم مشاريع الشباب وريادة الأعمال، فيما يعد أكبر مدير للأصول المالية في العالم العربي وأول مقدم لصناديق الاستثمار، كما يدير أكبر صندوق استثمار بالمرابحة في العالم بالريال السعودي.
الجيل الجديد من المصرفيين والمتابعون لقصة نشأة هذا المصرف وكيف مرت ظروفه ما بين الملاك والمؤسسين حتى انتقلت إلى حضن الدولة، وفي كل محطاته لم تتأثر عملياته ولا أنشطته، بقي شامخاً يسير بخطى قوية وحثيثة، وهذا قلما يحدث في المصارف أن تبقى قوية في أدائها على رغم تغير الإدارة.
وهذا دليل على أن فريق العمل في هذا المصرف يعمل باحترافية ومهنية عالية، بل إن قصة تحول أقدم مصرف في السعودية إلى مساهمة عامة يحتاج إلى إعادة النظر في المصارف الأخرى التي أُسست مساهمةً عامةً، بينما أداؤها ودورها ضعيفان في طرح منتجات مالية أو محافظ استثمارية، فيما بقي البنك الأهلي - على رغم أنه شركة مساهمة - يؤدي دوراً مصرفياً مهماً.
كما قاد تكتلات عدة في تمويل مشاريع حكومية. قصة الفتى الحضرمي سالم بن محفوظ وهجرته إلى الحجاز وعيشه في كنف أسرة الكعكي أحد القصص ستبقى دروساً حتى وقت طويل لاستلهام العبر منها.
* صحافي وكاتب اقتصادي.
جمال بنون
اعلامي وكاتب اقتصادي
رئيس المركز السعودي للدراسات والاعلام
Jamal Banoon
Business Writer & Media Personality
@jbanoon