الحمد لله ، ما تعاقب الجديدان و تكررت المواسم ، أحمده
سبحانه و أشكره شكر التقي الصائم ،
و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عامل
بها وعالم ،
و أشهد أن سيدنا و نبينا محمدًا عبده و رسوله حميد
الشِّيم و عظيم المكارم ،
صلى الله و سلم و بارك عليه و على آله و صحبه كانوا على
نهج الهدى معالم ،
والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
.
أمــا بــعــد
:
فأوصيكم أيها
الناس و نفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله حيثما كنتم ،
و قوموا بالأمر
الذي من أجله خُلقتم ؛
{ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ
وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }
[الذاريات:56].
{ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا
خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ }
[المؤمنون:115].
أيها المسلمون
في مستفتح العام يحسن التذكير . و ما يتذكر إلا من ينيب ،
من غفل عن نفسه
تصرمت أوقاته ، و اشتدت عليه حسراته .
لا بد من وقفةٍ
صادقةٍ مع النفس في محاسبةٍ جادةٍ ، و مساءلةٍ دقيقةٍ ، فوالله
لتموتن كما تنامون ،
و لتبعثنَّ كما
تستيقظون ، و لتجزون بما كنتم تعملون .
هل الأعمار إلا
أعوام ؟ و هل الأعوام إلا أيام ؟ و هل الأيام إلا أنفاس
؟
و إن
عمراً ينقضي مع الأنفاس لسريع الانصرام .
{ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ
خَيْرٍ مُّحْضَرًا
وَمَا عَمِلَتْ
مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا
}
[آل عمران:30]
.
هذه يد المنون
تتخطف الأرواح من أجسادها . تتخطفها و هي راقدة في منامها .
تعاجلها و هي
تمشي في طرقاتها . تقبضها و هي مكبة على أعمالها .
تتخطفها و
تعاجلها من غير إنذار أو إشعار .
{ فَإِذَا جَآء أَجَلُهُمْ
لاَ يَسْتَـئَخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }
[النحل:61].
ها هو ابن آدم
يصبح سليماُ معافى في صحته و حُلَّته ،
ثم يمسي بين
أطباق الثرى قد حيل بينه و بين الأحباب و الأصحاب
.
أيها الإخوة : و
هذه وقفة محاسبة مع النفس ، بل مع أعز شيء في النفس ،
مع ما بصلاحه
صلاح العبد كله ، و ما بفساده فساد الحال كله .
وقفةٌ مع ما هو
أولى بالمحاسبة و أحرى بالوقفات الصادقة
يقول نبيكم محمد
صلى الله عليه و سلم :
(( ألا و إن في
الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ،
و إذا فسدت فسد
الجسد كله ، ألا و هي القلب )) .
و يقول عليه
الصلاة و السلام :
(( لا يستقيم
إيمان عبد حتى يستقيم قلبه )) .
و يقول الحسن
رحمه الله :
داوِ قلبك ؛ فإن
حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم ، و لن تحب الله
حتى تحب طاعته .
أيها المسلمون :
من عرف قلبه عرف ربَّه ، و كم من جاهل بقلبه و نفسه ،
و الله يحول بين
المرء و قلبه .
يقول ابن مسعود
رضي الله عنه : هلك من لم يكن له قلبٌ يعرف المعروف و ينكر المنكر
.
أيها الإخوة :
لا بد في هذا من محاسبةٍ تَفُضُّ مغاليق الغفلة ،
و توقظ مشاعر
الإقبال على الله في القلب و اللسان و الجوارح جميعاً
.
من لم يظفر بذلك
فحياته كلها و الله هموم في هموم ، و أفكارٌ و غموم ، و آلامٌ و
حسرات .
بل إن الله لم
يبعث نبيه محمداً صلى الله عليه و سلم إلا بالمهمتين العظيمتين :
علم الكتاب و
الحكمة و تزكية النفوس .
{ هُوَ ٱلَّذِى
بَعَثَ فِى ٱلأُمّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ
ءايَـٰتِهِ وَيُزَكّيهِمْ
وَيُعَلّمُهُمُ
ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ
مُّبِينٍ }
[الجمعة:2]
.
بل لقد علَّق
الله فلاحَ عبده على تزكية نفسه و قدم ذلك و قرره بأحد عشر قسماً
متوالية ؛
اقروؤا إن شئتم
و تأملوا قول الحق :
{ وَٱلشَّمْسِ
وَضُحَـٰهَا * وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلـٰهَا * وَٱلنَّهَارِ إِذَا
جَلَّـٰهَا *
وَٱلَّيْلِ إِذَا
يَغْشَـٰهَا * وَٱلسَّمَاء وَمَا بَنَـٰهَا * وَٱلأَرْضِ وَمَا
طَحَـٰهَا *
وَنَفْسٍ وَمَا
سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا *
قَدْ أَفْلَحَ
مَن زَكَّـٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـٰهَا }
[الشمس:1-10]
.
أيها الإخوة :
إن في القلوب فاقةً و حاجةً لا يسدها إلا الإقبال على الله و محبته و
الإنابة إليه ،
و لا يلم شعثها
إلا حفظ الجوارح ، و إجتناب المحرمات ، و إتقاء الشبهات
.
معرفة القلب من
أعظم مطلوبات الدين ، و من أظهر المعالم في طريق الصالحين .
معرفة تستوجب
اليقظة لخلجات القلب و خفقاته ، و حركاته و لفتاته ، و الحذر من كل
هاجس ،
و الاحتياط من
المزالق و الهواجس ، و التعلق الدائم بالله ؛ فهو مقلب القلوب و
الأبصار .
جاء في الخبر
عند مسلم رحمه الله من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال
:
سمعت رسول الله صلى الله
عليه و سلم يقول :
(( إن قلوب بني
آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن عز و جل
كقلب واحد
يصرفه حيث يشاء )) .
ثم قال رسول
الله عليه أفضل الصلاة و السلام :
(( اللهم مصرف
القلوب صرف قلوبنا على طاعتك )) .
و لا ينفع عند
الله إلا القلب السليم :
{ يَوْمَ لاَ
يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ
سَلِيمٍ }
[الشعراء:88-89]
.
و من دعاء رسول
الله صلى الله عليه و سلم :
(( و أسألك
قلباً سليماً )) .
و القلوب
– أيها الإخوة – أربعة :
قلب تقي نقي فيه
سراج منير : فذلك قلب المؤمن ،
و قلب
أغلف مظلم : فذلك قلب الكافر :
{ وَقَالُواْ
قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً
مَّا يُؤْمِنُونَ }
[البقرة:88] .
و قلب مرتكس
منكوس : فذلك قلب المنافق ، عرف ثم أنكر، و أبصر ثم عمي
:
{ فَمَا لَكُمْ
فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا
كَسَبُواْ }
[النساء:88] .
و قلبٌ تمده
مادتان : مادة إيمان ، و مادة نفاق فهو لِما غلب عليه منهما .
و قد قال الله
في أقوام :
{ هُمْ لِلْكُفْرِ
يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَـٰنِ }
[آل
عمران:167].
و في القلب
قوتان : قوة العلم في إدراك الحق و معرفته و التمييز بينه و بين
الباطل .
و قوة الإرادة و
المحبة في طلب الحق و محبته و إيثاره على الباطل . فمن لم يعرف الحق
فهو ضال ،
و من عرفه و آثر
غيره عليه فهو مغضوب عليه .
و من عرفه و
اتبعه فهو المنعم عليه السالك صراط ربه المستقيم .
يقول ابن القيم
رحمه الله :
و هذا موضع لا
يفهمه إلا الألبّاء من الناس و العقلاء ،
و لا يعمل
بمقتضاه إلا أهل الهمم العالية و النفوس الأبية الزاكية
.
و رجل الدنيا و
واحدها هو الذي يخاف موت قلبه لا موت بدنه ،
و أكثر الخلق
يخافون موت أبدانهم ، و لا يبالون بموت قلوبهم
.
إذا كان الأمر
كذلك أيها الأحبة . فاعلموا أن صاحب القلب الحي يغدو و يروح ،
و يمسي و يصبح و
في أعماقه حسٌ و محاسبة لدقات قلبه ، و بصر عينه ، و سماع أذنه ،
و حركة يده ، و
سير قدمه ، إحساس بأن الليل يدبر ، و الصبح يتنفس ،
و الكون
في أفلاكه يسبح بقدرة العليم و تدبير الحكيم
؛
{ كُلٌّ
يَجْرِى لاجَلٍ مُّسَمًّـى }
[لقمان:29].
قلب حي تتحقق به
العبودية لله على وجهها و كمالها ، أحب الله و أحب فيه .
يترقى في درجات
الإيمان و الإحسان فيعبد الله على الحضور و المراقبة ،
يعبد الله كأنه
يراه ، فيمتلئ قلبه محبةً و معرفةً ، و عظمةً و مهابةً و أُنساً و
إجلالاً .
و لا يزال حبه
يقوى ، و قربه يدنو حتى يمتلئ قلبه إيماناً و خشية ،
و رجاء و طاعة ،
و خضوعاً و ذلة ؛
(( و لا يزال
عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه )) .
كلما اقترب من
ربه اقترب الله منه :
(( من تقرب إليّ
شبراً تقربتُ إليه ذراعاً )) .
فهو لا يزال
رابحاً من ربه أفضل مما قدم ،
يعيش حياة لا
تشبه ما الناس فيه من أنواع الحياة :
{ فَٱذْكُرُونِى
أَذْكُرْكُمْ }
[البقرة:152].
(( من ذكرني في
نفسه ذكرته في نفسي ،
و من ذكرني في
ملأ ذكرته في ملأ خير منه )) .
من بذل شيئاً
لله عوضه الله خيراً منه ، و جازاه أفضل ما قدم
.
أصحاب القلوب
الحية صائمون قائمون ، خاشعون قانتون ، شاكرون على النعماء ،
صابرون في
البأساء ، لا تنبعث جوارحهم إلا بموافقة ما في قلوبهم ،
تجردوا من
الأثرة و الغش و الهوى . اجتمع لهم حسن المعرفة مع صدق الأدب ،
و سخاء النفس مع
مظانة العقل . هم البريئة أيديهم ، الطاهرة صدورهم ، متحابون بجلال
الله ،
يغضبون لحرمات
الله ، أمناء إذا ائتمنوا ، عادلون إذا حكموا ، منجزون ما وعدوا ،
موفون إذا
عاهدوا ، جادون إذا عزموا ، يهشون لمصالح الخلق ، و يضيقون بآلامهم ،
في سلامة من
الغل ، و حسن ظن بالخلق ، و حمل الناس على أحسن المحامل .
كسروا حظوظ
النفس ، و قطعوا الأطماع في أهل الدنيا .
جاء في صحيح
مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
عن رسول الله
صلى الله عليه و سلم أنه قال :
(( يدخل الجنة
أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير )) ،
فهي سليمة نقية
، خالية من الذنب ، سالمة من العيب . يحرصون على النصح و الإخلاص ،
و المتابعة و
الإحسان . همتهم في تصحيح العمل أكبر منها في كثرة العمل
:
{ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ
أَحْسَنُ عَمَلاً }
[الملك:2] .
أوقفهم القرآن
فوقفوا ، و استبانت لهم السنة فالتزموا ،
{ يُؤْتُونَ مَا
ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبّهِمْ
رٰجِعُونَ }
[المؤمنون:60] .
رجال مؤمنون ، و
نساء مؤمنات ، بواطنهم كظواهرهم بل أجلى ،
و سرائرهم
كعلانيتهم بل أحلى ، و همتهم عند الثريا بل أعلى .
إن عُرفوا
تنكَّروا ، تحبهم بقاع لأرض ، و تفرح بهم ملائكة السماء
.
هذه حياة القلوب
و هذه بعض آثارها .
أما القلوب
المريضة فلا تتأثر بمواعظ ، و لا تستفزها النذر ، و لا توقظها العبر
.
أين الحياة في
قلوب عرفت الله و لم تؤد حقه ؟؟ قرأت كتاب الله و لم تعمل به .
زعمت حب رسول
الله و تركت سنته .
يريدون الجنة و
لم يعملوا لها ، و يخافون من النار و لم يتقوها
.
رُب امرئ من
هؤلاء . أطلق بصره في حرام فحُرم البصيرة ،
و رب مطلق لسانه
في غيبة فحرم نور القلب ، و رب طاعم من الحرام أظلم فؤاده ،
لماذا يُحرم
محرومون قيام الليل ؟ و لماذا لا يجدون لذة المناجاة ؟
إنهم باردوا
الأنفاس ، غليظوا القلوب ، ظاهروا الجفوة
؟؟.
القلب الميت :
الهوى إمامه ، و الشهوة قائده ، و الغفلة مركبه ،
لا يستجيب لناصح
، يتَّبع كل شيطان مريد . الدنيا تُسخطه و ترضيه ،
و الهوى يصمه و
يعميه . ماتت قلوبهم ثم قبرت في أجسادهم ، فما أبدانهم إلا قبور
قلوبهم .
قلوب خربة لا
تؤلمها جراحات المعاصي ، و لا يوجعها جهل الحق .
لا تزال تتشرب
كل فتنة حتى تسود و تنتكس ، و من ثم لا تعرف معروفاً و لا تنكر
منكراً .
عباد الله .
غفلة القلوب عقوبة ، و المعصية بعد المعصية عقوبة ،
و الغافل لا يحس
بالعقوبات المتتالية و لكن ما الحيلة ؟ فلا حول و لا قوة إلا بالله
.
أعوذ بالله من
الشيطان الرجيم :
{ يٰأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا
دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ
وَٱعْلَمُواْ
أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْء وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ
إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ *
وَٱتَّقُواْ
فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً
وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }
[الأنفال:24-25]
.
بارك الله لي و لكم في القرآن العظيم ، و نفعني و
إياكم بما فيه من الآيات و الذكر الحكيم ، أقول هذا القول ، و أستغفر
الله العظيم لي و لكم و لسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو
الغفور الرحيم .