أمين سر حزب البعث العربي وعضو القيادة القومية في حوار الماضي والحاضر
(2-1):صدام حسين كان يتوقع احتلال العراق حسب آخر لقاء جمعني به ..
ظلت فكرةحزب البعث يتجاذبها مؤيدوها بكل ثورتهم ورياح أعدائها العاصفة،
ولكنها ما زالت تشكل حضوراً في كل دفاتر الوطن العربي، إذ أن الفكرة تكاد
تكون صممت خصيصاً للعرب والمسلمين وذلك حسب عنوان الحزب (حزب البعث
العربي الاشتراكي)، رغماً عن أن قيادته تتحدث عن الفكرة باعتبارها
إنسانية في المقام الأول، ولكن يبقى الاسم دليلاً قطعياً على اتهام
الفكرة من قبل غير العرب حول فكرة حزب البعث وتنظيماته وما حدث للحزب في
العراق وما حدث لقائدها هنالك صدام حسين.. وبشأن حزب البعث بالسودان كان
هذا الحوار مع أمين سر حزب البعث العربي الاشتراكي بالسودان علي الريح
السنهوري، وهو عضو القيادة القومية للحزب:-
هل صحيح أنه صدر حكم ضدك بالإعدام بتهمة مشاركتك في حركة 28 رمضان؟
- أنا سمعت بأنه صدر حكم ضدي بالإعدام ولكني لست متأكداً من هذا الأمر،
حيث أني لم أواجه حتى بتهمة ولم يتم استجوابي من قبل أية جهة فيما يتعلق
بحركة 28 رمضان، فاعتبرت أن الأمر شائعة كغيره من الشائعات التي تدور في
المجتمع ولذلك المسألة عندي غير مؤكدة ولا أستطيع أن أنفيها أيضاً، ولكن
لم أواجه بها ولم أواجه بأية تهمة فى ما يتعلق بحركة 28 رمضان. - حركة 28
رمضان حركة عسكرية قام بها العسكريون بعثيين وغير بعثيين ولكن أكثرهم كان
من البعثيين. والعسكريون هم الأقدر على التخطيط والتنظيم والحركة اتسمت
بالرصانة والشجاعة والبطولة، ولذلك صارت محل تقدير من كل القوى السياسية
وأصبح كل تنظيم ينسب أحد المشاركين له، ولذلك فهي من الحركات النادرة
التي كان هدفها إعادة الديمقراطية وتصحيح أوضاع القوات المسلحة بعد أن
أصابها الضرر، وكذلك باعتبار رفض هؤلاء الضباط للانقلابات العسكرية وما
ترتب عليها من أضرار، كان إخلاصهم ووفاؤهم للقوات المسلحة يجعلهم يرفضون
ويناهضون الانقلابات العسكرية، وكانوا يسعون من أيام نميري لتقويض أي
انقلاب عسكري، وكان لهم القدح المعلى في انحياز القوات المسلحة لانتفاضة
الشعب السوداني في السادس من أبريل عام 1985م، وكذلك فإنهم تنادوا منذ
اليوم الأول لـ 30 يونيو لتغيير هذا النظام وإعادة الديمقراطية، ولم يكن
همهم فقط المحافظة على القوات المسلحة كقوات ذات كفاءة وفاعلة في خدمة
الوطن والدفاع عن حدوده، ولكن كانوا أيضاً أصحاب ولاء لشعبهم وكانوا
أيضاً مقتنعين بأن الانقلابات العسكرية كانت وبالاً على الشعب السوداني،
رغماً عن أن لديهم تحفظات على تجاربنا الديمقراطية ولكنهم كانوا يعتقدون
أن هذا الطريق من شأنه أن يخلق حالة من الوعي والنضج وسط الجماهير،
فيمكنها من أن ترسم مصيرها وأقدارها بنفسها على أن تكون القوات المسلحة
حامية للوطن ولاستقلاله ولسيادته ووحدته، وهذا هو الدور الذي من المفترض
أن تقوم به القوات المسلحة ولذلك لا يحق لأي شخص أن يدعي دوراً في هذه
الحركة التي مهرها قادتها بدمائهم الزكية. - نحن كنا مطلوبين للجهات
الأمنية قبل حركة 28 رمضان أنا وبعض الرفاق الآخرين، ومع ذلك لم يكن ذلك
هو السبب لخروجنا حيث أن خروجنا كان يجب أن يكون مؤقتاً، ينتهي بنهاية
المؤتمر القومي الثاني عشر لحزب البعث الذي كان مقرراً له أن ينعقد في
بغداد في عام 1990م، ولكن المجابهة الكبرى مع الإمبريالية العالمية في أم
المعارك أدت إلى تأجيل المؤتمر. - انتخبت في المؤتمر القومي الثاني عشر
في عام 1992م وبعد انتخابي كان لابد من البقاء في المركز وأعني به مركز
القيادة القومية، حيث أن الأعضاء الذين لا يستطيعون التنقل بين أقطارهم
والمركز بحرية كانوا يبقون بالخارج، بينما بعض أعضاء القيادة القومية كان
بمقدورهم التنقل بحرية بين أقطارهم والمركز. - هناك العديد من الوسائل
للخروج من السودان وكما هو معروف فإنه بلد واسع وهو مترامي الأطراف وكل
القوى المعارضة خرجت من السودان بطريقة أو أخرى. - جواً وبراً واستخدمنا
كل الطرق لا سيما وأنني لم أكن وجهاً معروفاً لأنني طوال فترة
الديمقراطية لم أترشح في الانتخابات، ولم تظهر صورتي في الصحف والإعلام
ولم تكن هناك مشكلة كبيرة في مغادرة السودان. - الموضوع (دا) أتركه لأنه
لا نعرف ماذا سيحدث غداً ويمكن أن نحتاج لنفس الطريقة.
ما هي أول مرة التقيت فيها بالراحل صدام حسين؟ -
كان ذلك في السبعينات وقد التقيته عدة مرات حتى قبل أن أكون عضواً في
القيادة القومية. - أذكر أنني في هذا اللقاء كان معي الأخ بدر الدين مدثر
التقينا بالقائد الرفيق الشهيد صدام حسين، وتناقشنا بشأن الأوضاع العربية
والأوضاع بالعراق وفي هذا اللقاء لاحظ الشهيد صدام أنني نحيف جداً حيث
كنت فعلاً كذلك أكثر مما عليه اليوم، فظن أنني قد أكون مريضاً رغماً عن
تأكيدي أنني لست مريضاً.. وأمر أن أخضع لفحوصات كاملة للتأكد من أنني
بصحة جيدة، وفعلاً تم إجراء هذه الفحوصات وتأكد أنني كنت بصحة جيدة. -
كان هذا اللقاء مع بداية العدوان على العراق في مارس 2003م خلال اجتماع
القيادة القومية لحزب البعث، حيث كانت القيادة القومية تجتمع بانتظام
وعندما اندلعت المعارك صارت لقاءاتنا تتم عن طريق المراسلة. - آخر لقاء
في بغداد كان النقاش حول الإعداد للمعركة وتعبئة الشعب، ومخاطبته بفهم أن
أمريكا بقيادة بوش والغرب الاستعماري المتحالف معها بكل ما يمتلك من
طاقات وإمكانات يستطيع أن يحطم قواتنا النظامية والبنية التحتية، ويستطيع
تحطيم كل ما هو مادي ولكنه لا يستطيع النيل من إرادة شعبنا العراقي ولا
إرادة الأمة العربية، وأن المعركة لن تنتهي خلال شهور كما يتصور
الأمريكان بل سوف تستمر إلى أن تهزم قوى العدوان هزيمة كاملة، وأنه قد تم
الترتيب لكل صفحات المعركة والأساس فيها أنها حرب عصابات أكثر من أنها
معركة نظامية، وهذه المعركة سوف تكون معركة طويلة كما هو يجري الآن. -
كان يتوقع ذلك لأنه ليس هناك تكافؤ في موازين القوى ومن السهل على العدو
أن يحتل الأرض ولكن من الصعب عليه أن يسيطر على الشعب، وكانت هذه هي
المعادلة الواضحة عند القيادة وليس عند صدام وحده ، وذلك لأن الشعب في
غالبيته الساحقة منتسب لحزب البعث العربي الاشتراكي ومُربى على أفكاره.
وقد كنا نعرف منذ البداية أن معركتنا مع الصهيونية والإمبريالية طويلة
وأن طريقنا شاق ومليء بالآلام والتضحيات، ولن ينتهي بسهولة لأن الأهداف
التي يناضل من أجلها حزبنا أهداف عظيمة تعاديها قوى عظيمة.
نبدأ هذه الحلقة بحديثك المنتهي في الحلقة السابقة عن اجتماع القيادة
القومية عند بداية المعارك في العراق وما دار فيه؟ -
قلت لك إن القيادة القومية مقتنعة بأن الأهداف التي يناضل من أجلها حزب
البعث أهداف عظيمة ولا يمكن لهذه الاهداف أن تتحقق بسهولة وهذا الحديث
أكده احمد ميشيل عفلق منذ الاربعينات حيث قال إن الأهداف العظيمة تحتاج
إلى تضحيات تتكافأ معها ولذلك فان استلام الحزب للسلطة في قطر واحد لم
يكن نهاية المطاف وانما بدايته. - الشهيد صدام حسين كان دائماً يختم
حديثه بقوله (نسأل الله أن يوفقنا وفي أمان الله). القرارات كانت تصدر من
القيادة القومية وليس كما يعتقد الناس ان صدام هو الذي يصدر القرارات وهو
الذي يأمر وينهى وكان إذا تبين لصدام أن رأي الأكثرية في القيادة القومية
غير منسجم مع رأيه كان يحتفظ برأيه ويقول إن لديه رأي آخر ولكنه يقف الى
جانب رأي الأغلبية ويقول فلنتوكل على الله، وكان يخضع دائماً لرأي
الاغلبية في القيادة القومية. - صدام حسين رجل واضح وباطنه كظاهره مع ان
لكل قيادة أسرارها فيما يتعلق بتفاصيل القرارات وآلية تنفيذها ولكن في
السياسات العامة المطروحة لحزب البعث لا نقول شيئاً ونفعل خلافه بمعنى
انه ليس لدينا (باطنية) والذين يبحثون عن الأسرار يضيعون زمنهم. -
الكيفية التي تم إلقاء القبض عليه بها ذكرها محامي صدام كما شرحها له
صدام بنفسه ولعدد من المحامين في أكثر من مرة حيث قال كنت في منزل أصلي
صلاة المغرب وجاني شخص وقال لي إن الأمريكان بالباب ولم يكن لديه وقت
للخروج عبر نفق كان داخل المنزل يفضي إلى مكان آخر ولم يكن لديه وقت لفعل
ذلك لأنه كان في حالة صلاة. - لم يكن هناك إنذار مبكر بأن هنالك مداهمة
ولو حدث لتمكن من مغادرة المنزل والذهاب الى موقع آخر لأنه كان يحتفظ
بمواقع كثيرة جداً للقيادة وكما حدث للأستاذ عزت إبراهيم الامين العام
للحزب وقائد المقاومة في العراق عندما داهمه الامريكان عن طريق القذف
بالطيران ومع ذلك تمكن من التسلل عبر النهر عن طريق قارب والاختفاء في
مكان اخر هو ومن معه وعندما نزلوا الى الارض وداهموا المكان لم يجدوهم. -
أرجو أن تعفيني من هذه الأسئلة.. - لم أشارك بصورة قتالية ولكني كنت مع
رفاقي في القيادة أشاركهم القيادة. - حوالي أربعة أشهر. - المقاومة في
العراق تدار بصورة لا مركزية وكان هذا قد خطط لها قبل الغزو الامريكي من
قبل كل تنظيمات الحزب التي قررت أن تشكل واجهات وتقود المقاومة وابتدعت
عدة صيغ لادارة المقاومة بحيث انها لا تكتشف ولا يتعرف على جهازها
واتصالاتها وطرق تسليحها وخططها ولذلك هي مستمرة حتى الان ومتصاعدة ولم
تتراجع رغم كل الإدعاءات. - هناك بالفعل العديد من القضايا السياسية
الساخنة كما سميتها وهي مفردات لأزمة وطنية شاملة والطريق الى حل هذه
الازمة هو حوار يجمع كل القوى السياسية السودانية لكي تتواضع فيه على
الثوابت الوطنية والتي على رأسها الاستقلال والسيادة والوحدة الوطنية
والتحول الديموقراطي بكل شروطه. - أنا في تقديري إذا جرى هذا الحوار
باخلاص من قبل كافة القوى السياسية فإن ذلك سيفضي الى اتفاق وطني وقيام
حكومة قومية انتقالية تدير البلاد في هذه المرحلة الى حين اجراء انتخابات
عامة في كل البلاد على ان يتم أثناء ذلك فتح حوار مع كل القوى التي تحمل
السلاح في دارفور واقناعها بالخضوع لمقتضيات التحول الديموقراطي ولاجراء
انتخابات تحدد اوزان القوى السياسية وتمكن البلاد من الولوج الى مرحلة
جديدة يتوافق فيها الناس على الثوابت وعلى التحول الديموقراطي ثم يختلفوا
فيما هو دون ذلك. - أنا لست ميالاً لهذه التوصيفات الحادة والمتطرفة خاصة
وأن السودان قد مر بأزمات متعددة منذ الثورة المهدية وحتى الآن ولكن
السودان تجاوز كل الازمات ولكن هنالك اشكالات حقيقية الآن على سبيل
المثال فيما يتعلق بالانتخابات نجد انه رغماً عن المطلب القوي بقيام
انتخابات حرة ونزيهة ولكن قبل ذلك فان الانتخابات إذا جرت في ظل هذه
النظم الموضوعة مسبقاً تقع المشكلة. - على سبيل المثال تجري الانتخابات
على اعتبار أن السودان جمهورية رئاسية وهذا أمر مختلف عليه ويأتي
التساؤل
«من هو الذي قرر أن يكون السودان جمهورية رئاسية؟» ولماذا لا يكون
جمهورية برلمانية؟
وهي الأقرب لواقع السودان بتعدده وتنوعه الثقافي والجهوي ولذلك الأقرب أن
يكون السودان جمهورية برلمانية وذلك لان الجمهورية الرئاسية تطرح
اشكاليات من نوع ان كل ولاية تريد أن يكون لها نائب لرئيس الجمهورية
ولهذا الاقليم مساعد للرئيس، ولماذا وزن هذا الاقليم اكثر من هذا الاقليم
وهكذا الى آخر الحجج التي بدأت تثار من قبل النخب الجهوية التي تبحث عن
مصالحها الضيقة وليست عن مصالح السودان بينما النظام الديموقراطي يمكّن
كل القوى الفاعلة من أن تؤسس لها كتلاً داخل البرلمان حيث إن التعددية
تنعكس داخل البرلمان وليسـت في مؤسسـة الرئـاسة. - الفيدرالية تتم في بلد
كان مقسماً ثم بدأ يتوحد حيث انه كان عدة كيانات التقت وتوحدت واتفقت في
مرحلتها الاولى على ان تخلق نظاماً اتحادياً وبالتالي لا بد من قدر من
الفيدرالية في خطوة نحو الطريق باتجاه الوحدة الاندماجية ولكن الفيدرالية
الان هي نكوص عن وحدة اندماجية كانت قائمة، ولكن الفيدرالية الحالية في
السودان هي التي عمقت الولاءات الجهوية والتي تدحرجت للولاءات القبلية
فالعشائرية. - لا يوجد من يطالب بإلغاء اتفاق نيفاشا ولكن جل القوى
السياسية بما فيها الشريكان تطالب بإجراء تعديلات على اتفاق نيفاشا بما
يتناسب مع أوضاع السودان وأجراء تعديلات بالتوافق بين أطراف اتفاق نيفاشا
ولا يكون قاصراً على المؤتمر الوطني والحركة الشعبية.
ما هو آخر حديث قاله الراحل صدام حسين في آخر اجتماع للقيادة القومية؟
وفي اجتماعات القيادة القومية دائماً يتحدث أعضاء القيادة ككل وكان
الرفيق القائد صدام حسين دائماً مستمعاً جيداً حيث كان يستمع لكل الآراء
والأفكار ويسجل الآراء التي تلفت الانتباه.
كيف كانت تصدر قرارات القيادة القومية؟ ما هي الاشياء التي لم تقل
بعد عن مسيرة صدام حسين؟ ما هي الحقيقة بشأن الطريقة التي تم بها إلقاء
القبض على صدام؟ إذاً صدام لم يعط إنذار مبكر بأن هنالك مداهمة؟
والحديث عن قبض صدام في حفرة مجرد محاولة أمريكية لتشويه صورة القائد
لأن صدام حسين كان يقود المعركة وكان يراسل الرفاق في مختلف مناطق العراق
وخارجها وقد كانت مراسلاته منظمة. وقد وصلتنا منه عدة رسائل.
ما هي مضامين هذه الرسائل وكيف كانت تصل؟ هل كنت تشارك في المقاومة
خلال اقامتك ببغداد بعد بداية الغزو الأمريكي؟ كم كانت الفترة التي
قضيتها بعد الغزو؟ كيف كان ينظم عمل المقاومة؟ نعود للشأن السوداني
أستاذ السنهوري كيف تقرأ الواقع السياسي الحالي في ظل العديد من الملفات
الساخنة؟ هل تتوقع أن يحدث هذا التلاقي؟ تحدثت أستاذ السنهوري عن حل
الأزمة ولكن ماذا عن الأزمة نفسها وما هو رأيك فيما يردده البعض عن أن
البلاد على شفا جرف هار؟
ماذا تعني بهذه النظم الموضوعة مسبقاً؟ ومن ناحية ثانية نجد ان
الانتخابات تجرى على اساس ان السودان بلد فيدرالي والسؤال أيضاً من هو
الذي قرر ان يقسم السودان الى فيدراليات؟ خاصة وان السودان بلد واحد
وموحد على الاقل منذ الثورة المهدية وظل كذلك وقد اتفقت دول القارة
الافريقية على ان لا يجرى اي تعديل على الحدود الموروثة من الاستعمار
للابتعاد عن الصراعات التي يمكن ان يخلقها هذا الامر لان هذه الحدود رسمت
وفقاً لنفوذ كل دولة استعمارية في افريقيا.
لماذا ترفض النظام الفيدرالي؟
وعلى سبيل المثال كان في السابق يصدر كشف مركزي موحد للمعلمين وإذا كان
المعلم من حلفا يمكن أن يعمل في الجنينة او في نيالا او في جوبا او طوكر
وليس بالضرورة ان يعمل في ولايته او معتمديته وكذلك سائر الموظفين أو
المهنيين وإدارة الحكم المحلي
ولكن اتفاقية نيفاشا التي أصبحت المرجع لكل القوى السياسية اعتمدت
النظامين الرئاسي والفيدرالي والجميع يبصم عليها؟
قلت في الحلقة السابقة إن الجميع بما فيهم الشريكان يطالبون بتعديل
اتفاق نيفاشا ولكننا لم نسمع بمطالبة حقيقية للتعديل من قبل المؤتمر
الوطني والحركة الشعبية، بل يصرون على استمرار الإتفاق بحذافيره؟ - الآن
الشريكان وجدا نفسهما أمام أزمة تتمثل في انتهاء أمد هذه الحكومة في
التاسع من يوليو الماضي، لأن الإتفاقية تنص على إجراء انتخابات بعد نهاية
السنة الرابعة وهذا لم يحدث ولم يتمكنا من إجراء هذه الانتخابات وهذه
عقبة مع أن الطرفين اتفقا وقررا تجاوز هذه العقبة، أي أن يتجاوزا نصاً من
نصوص اتفاق نيفاشا وهذا يعني أنه من الممكن تجاوز بعض نصوص اتفاق نيفاشا-
لا أقول إن رفضنا للجمهورية الرئاسية والفيدرالية هو رأي عام وسط القوى
السياسية ولكن أنا أطرح لك رأي حزب البعث العربي الإشتراكي وفقاً لمصلحة
السودان. - نظام الحكم في هذه المرحلة يقتضي قيام نظام ديمقراطي يؤسس على
جمهورية برلمانية وعلى حكم محلي وليس على حكم اتحادي أو فيدرالي. - أنا
أريد أن أصل بك الى أن الموظفين والمهنيين والمعلمين والإداريين كانوا
يتنقلون في كل أنحاء السودان دون أي قيود وكان هناك تعمد أن لا يبقى
المواطن أو المهني في منطقة أكثر من فترة معينة وقد أدى ذلك الى خلق دمج
وطني ثقافي واجتماعي، بينما الحكم الفيدرالي حول الولايات الى كيانات
قادت الى العديد من المشاكل وعلى رأسها انكفاء الناس على أنفسهم في
ولايتهم وأدى للصراع داخل الولاية الواحدة سواء كانت قبلية أو أثنية، بل
وصل لحد النزاع بين الولايات في الحدود وكأنها حدود سياسية وليست إدارية.
والشاهد على ذلك الصراع الأخير بين الرزيقات والمسيرية ومطالب الحركات
المسلحة بدارفور حول ترسيم حدود دارفور وكأنما هذه الحدود هي حدود سياسية
بينما الحدود التي كانت قائمة بين المديريات والتي تحولت الى أقاليم كانت
حدوداً إدارية وكان المواطنون يتنقلون في السودان بمنتهى البساطة
والسهولة والآن هناك بعض ولاة الولايات يفرضون رسوماً على حركة التنقل
داخل الولاية أو على السلع والناقلات التي تعبر ولاياتهم. - هذا حديث
نظري، لأنه على أرض الواقع لا يوجد أهل ولاية يقررون في شأنهم وقد بدأ
هذه النظرية المرحوم جعفر محمد علي بخيت إبان العهد المايوي بدعوى تنزيل
السلطة للجماهير، ولكن النتيجة كانت أن هذا التنزيل يضخم جهاز الدولة
بشكل يمتص كل الفائض المالي الذي كان ينبغي أن يوجه للتنمية والخدمات،
فيتحول الى الجيش الجرار من الوكلاء والوزراء والمديرين رغماً عن أنه في
مايو لم تكن هناك جيوش من هؤلاء مثل الآن. - نحن بحاجة الى تبسيط النظم
الإدارية بحيث نقلل نفقات جهاز الدولة ونوفر فائضاً نوجهه للتنمية
والخدمات. - نعم استفادت نخب محددة وليست غالبية جماهير الشعب التي هي
محرومة وتعاني من نقص في التنمية والخدمات. - أولاً اذا أردت أن أتحدث لك
عن العراق فإن الحديث يطول، ولكن أقول لك إن الوطن العربي مر بظروف تجزئة
طويلة وهذه التجزئة خلقت خصوصية في كل قطر من أقطار الوطن العربي ولا
نستطيع أن نستنسخ تجربة قطر لتطبيقها في قطر آخر، لأن سياق التطور يتفاوت
من قطر لآخر وكذلك هناك اختلاف اقتصادي واجتماعي وغيره، أما الحديث عن
الديمقراطية الليبرالية والشعبية وأيهما يعبر عن الشعب أكثر، حديث يطول
ولكننا نتحدث عن مرحلة معينة في السودان ولا نقول إن الديمقراطية
الليبرالية المستنسخة من الغرب هي الحل لمشاكل السودان، نقول إنها حل
مرحلي لمشاكل السودان حتى يتم التوافق بين كل القوى السياسية التقليدية
والجهوية ولذلك لابد من نظام ديمقراطي ليبرالي في هذه المرحلة.
ولكن هل هذا النظام هو الحل الذي يحقق التنمية الشاملة؟..
وهل هو الذي يحقق التحول الجذري للإنقلاب على واقعنا التبعي والمتخلف،
أم هو رافعه لمرحلة أعلى تنضج فيها الحركة الشعبية وتتوحد جبهة الشعب. -
أنا لا أريد أن أتحدث عن سوريا وهي تجربة أخرى ونحن معنيون بالتجربة
العراقية. - دستور حزب البعث العربي الإشتراكي ينص على المجالس النيابية
وعلى تداول السلطة. - التجربة في العراق ليست تجربة دكتاتورية ولا تجربة
حكم فرد، لأن صدام حسين هو عضو نشأ وتربى في حزب البعث العربي الإشتراكي
ولم يكن من مؤسسيه وإنما كان إبناً للحزب وعندما احتل الحزب السلطة في
العراق لم تكن هناك مؤسسات ديمقراطية ولا انتخابات وتداول السلطة، كان
يتم عن طريق القوة ولكن أي قوة لا تعتمد على قاعدة شعبية عريضة في العراق
لم يكن بوسعها الإستمرار لفترة طويلة والشاهد على عدم صحة الإتهام القائل
بأن حزب البعث يعتمد على القوة هو أن الشعب العراقي يخضع للفكرة والمبدأ
ولو لم تكن لديه قناعة قوية بالنظام القائم لما استمر كل هذه الفترة،
والدليل على ذلك أنه بعد احتلال العراق لم تتمكن قوى الإحتلال بكل
جبروتها وقوتها وبطشها وإرهابها هي والعملاء الذين جاءوا معها، لم تتمكن
من السيطرة على العراق وشعبه، بينما تخرج المظاهرات وهي تهتف باسم صدام
حسين وباسم حزب البعث وكان آخر ذلك عند زيارة المالكي للأعظمية حينها
فوجيء بمسيرات تهتف باسم البعث وباسم صدام حسين. ولذلك أقول إن لحزب
البعث في العراق قاعدة شعبية عريضة وله مؤسسات حكم منتخبة ومؤسسات مجتمع
مدني منتخبة وقيادته تأتي عن طريق الإنتخاب. - نظام صدام حسين هو نظام
وطني وقومي يقوده حزب البعث وبالتالي فإن الذين يعتقدون ذلك، متأثرون
بالإعلام الأمريكي حيث أن أمريكا هي التي قادت حملتين ضد العراق، الأولى
في عام 1991م والثانية في عام 2003م واستنزفت كل قواها في العراق، ولذلك
كان لابد أن تقود حملة إعلامية لتشويه النظام القائم. وأنت اذا لاحظت
خطاب أوباما بعد أن فقدت أمريكا الذرائع المتعلقة باحتلال العراق بحجج
أسلحة الدمار الشامل والتعاون مع القاعدة، لجأ لتبرير احتلال العراق بأن
النظام العراقي كان نظام طغيان واستبداد.
هل رفضكم للجمهورية الرئاسية والفيدرالية قائم على تنسيق مع قوى سياسية
أخرى أم يوافق عليه آخرون؟ ما هو تصوركم لنظام الحكم في السودان؟
إذن أنت تريد العودة للحكم المحلي؟ البعض يقول إن الحكم الاتحادي أنزل
الحكم للقواعد وقلل هيمنة المركز؟ إذن أنت تدعو لتبسيط النظم
الإدارية؟
ونجد أنه في السابق كانت المجالس البلدية والريفية تنتخب من قبل
المواطنين وكانت طوعية وليست مناصب دستورية تقابلها امتيازات مثل ما هو
الآن، حيث أدى ذلك للعجز الكبير في الموازنة بسبب تمويل جهاز الدولة، بل
هناك كثير من المحليات لا تستطيع أن تفي حتى بالتزاماتها تجاه موظفي
الدولة كمرتبات المعلمين والعمال وغيرهم، وذلك لعدة أشهر والجميع سمع عن
الإضرابات والتهديد بها في الشمالية والنيل الأبيض ولذلك فقد أصبحت كل
الميزانية موجهة لخدمة جهاز الدولة وليست لخدمة الشعب، ولذلك لم تتنزل
سلطة حقيقية للشعب ولا لخدمات حقيقية.
كأنك تقول إن نخباً محددة هي التي استفادت؟ أستاذ السنهوري أنت تنتقد
النظام الرئاسي ولكن كل تجارب البعث في العراق وفي سوريا قامت على هذا
النظام.. أليس هناك ناقض بين حديثك وفعلكم؟
ما هي دفوعاتك بشأن اتهام الأنظمة البعثية في العراق وسوريا بأنها
دكتاتورية؟ ولكن عندما كان البعث يحكم في سوريا كان يحكم عن طريق
البرلمان ولم يصعد الى السلطة عن طريق انقلاب وإنما عن طريق البرلمان
وعلى ذات الطريق حقق الوحدة الإندماجية مع مصر، كذلك عن طريق البرلمان.