شياطين الشعر بين الحقيقة والخيال ,,,,

2,609 views
Skip to first unread message

أصيل بلاشموس

unread,
Nov 26, 2010, 8:11:46 AM11/26/10
to



 

 





أصيلـ بلاشموس
شياطين الشعر... الوهم والحقيقة

أصيلـ بلاشموس
الكتابة عن قضية "قرين الشعر"أو " شياطين الشعر" في الأدب العربي تبدو أقرب إلى المخاطرة، والبحث الطويل، لقِدم جذورها، وصعوبة الوصول إلى كنهها، أو القطع بحقيقة تقنع السامع، وتزيل الشك عن القارئ؛ لأن النقاش لن ينقطع في هذا الموضوع خاصة عند أهل الأدب لتباين موقفهم بين الرافض للفكــرة والمتقبل لها، وهذا المقال محاولة للخوض في هذه القضية الأزلية المهمة التي شغلت الكثيرين، وأشغلت الباحثين.
ومقولة " شياطين الشعر " انتشرت في تراثنا القديم كمحاولة لتفسير ظاهرة الإبداع الشعري ،وكثيرا ما قرأنا عن " شيطان الشعر " لدى الشعراء ، وكثيرا ما ذكر الشعراء ذلك في أبياتهم، حتى غدا رمزا بَيّن المعالم لكل شاعر أن يكون له شيطان شعري، يفاخر بفحولته وقوته. ومولد هذه القضية وجد في العصر الجاهلي ،حين ساد اعتقاد بين العرب أن لكل شاعر شيطاناً يوحي إليه، ويلهمه البيان الشعري، والإعجاز اللغويّ الذي يقصر عنه العامة،و تُخاذلهم عن طلب تحقيقها، أو ظنها مستحيلاً ، بعد أن يخبره بالأمور، و يزوده بالأحداث، ثم يلقي على خياليه الإلهام الجميل،و التصوير الدقيق، والنظم البديع، حتى قارب الأمر الاعتقاد ، ومع ذلك كان الشعراء يتباهون بمنزلة الشعراء الذين يلهمونهم -في زعمهم الشعر- بل استفادوا منهم في مد نفوذهم، و الترقي في مراتب الكمال، ولأجل ذلك كانت العرب تقيم الأفراح والولائم عندما يظهر بينهم شاعر وما تلك الولائم والمناسبات إلا لذلك النبوغ المتميز الذي امتاز به ذلك الشخص دون غيره. فهل هذا الاعتقاد صحيح ، وهل هناك شياطين للشعر والشعراء؟ هذا ما سأحاول أن أبعثه من مرقده، وأنفض عنه غبار السنين، وأجلي عنه صدأ الأيام .
فبداية لاشك أن مصادرنا الأدبية أمطرتنا بفيض عظيم من القصص التي تؤكد وجود الارتباط الوثيق بين الشعراء وشياطينهم ، حتى لتكاد تكون تلك القصص أشبه بالأساطير التي نسجت لتناسب مكانتهم، وجودة شعرهم، ولا أستطيع الجزم هل أريد بهذه الأساطير الرفع من شأن بعض الشعراء، لدواعٍ عصبية و ذاتية؟ أم أن هدفها التقليل من أشعارهم للدواعي نفسها ؟ لأنهم بذلك يُعدون رواة لشعر شعراء الشياطين ؟! أم أن الأمر يرتبط بالسحر والكهانة، وفق اعتقادهم ،إذ كانوا يسجعون بكلمات غير مفهومة كان الناس يعتقدون بأن الجن يلقنونهم إياها، مما حدا ببعض باحثي الأدب أن يعدّ ذلك السجع هو بداية فن الخطابة (1) .
ونحن إذا عدنا إلى طفولة الشعر العربي نجد الروايات تتفق أنه نشأ متدرجاً من أناشيد، و تراتيل ،وأراجيز،وتولد من السجع (2) يدل على ذلك ما جاء في القرآن عن العرب ووصلهم بين الشعر و السحر و تعاويذ الكهنة، كقوله تعالى:"إِنه لقول رسولٍ كرِيم , وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون , و لا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون "[ الحاقة: 40-42] .فقوله تعالى: «و ما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون» نفيٌ أن يكون القرآن نظمًا قاله شاعر، والنبي – صلى الله عليه وسلم – لم يكن شاعرًا، وقوله تعالى: «و لا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون» نفي أن يكون القرآن من قول كاهن أخذه النبي - صلى الله عليه و سلم- عنه.
والمعروف عن العرب أنهم كانوا يربطون بشكل أو بآخر بين الكهانة والشعر , باعتبار الشعر نشاط إبداعي غير عادي , وسجع الكهان لوناً من ألوان فن القول الذي يندرج في إطار الفن الأدبي, بل إن بعض الباحثين يرون أن الشعر قد تطور عن هذا الفن (3).أما القول بوجود القرين الشياطني كباعث للإبداع الأدبي فنجد شذراته عند اليونانيين الذين كانوا يستجدون قبل نظم أشعارهم ربَّات الشعر ، وذُكر عن أفلاطون أنه لم يستقبل الشعراء في مدينته الفاضلة، لأن الشاعر ينظم شعره عن إلهام، وحالته تشبه حالة الجنون ، فـشـعره لا يصدر عن عقله، فهو كاذب، وسيضر المجتمع حسب رأيه. (4)
والسؤال هنا هل حكاية وادي عبقر، وشيطان الشعر الذي يملي الإلهام على الشعراء تعدّ من الخرافات المتناقلة، أم أنها من المسلمات، وإلا فكيف يمكن لشاعر كفيف أن يصف أشياء محسوسة ، أو يتغزل في جمال امرأة ، ويصف بدقة ملامح جسمها؟!!!
ولعل الأمور زادت جدلا بين الباحثين بعد القصة الشهيرة في رسـالـة " التـوابـــع والـزوابــع" لابن شهيد الأندلسي( 426 هـ) التي تحدث عن رحلته إلى العالم الأخر ( عالم الجان ) وجعل في هذا العالم الخفي وادي يسمى وادي "عـبـقــر" تجتمع فيه القرناء، وهو موجود في أرض التوابع والزوابع، التي تَخيّل أنه ينطلق إليها فيعرض شعره ونثره على توابع الشعراء والكتَّاب فيستحسنونه ويجيزونه، ويشهدون له بالجودة؛ ليثبت للآخرين أنه لا يقلّ نبوغاً عمَّن سبقه من أرباب الشعر والأدب، ثم يذكر بعض أسماء قرناء الشعراء الجاهليين كقرين هاجس عمر بن قطين(ت ؟ ) جهنام،و امرئ القيس (ت 30 ق.هـ) لافِظ بن لاحظ، وطرفة بن العبد (ت 60 ق.هـ) عنتر بن العجلان، وعبيد بن الأبرص( ت 25 ق. هـ ) هبيد بن الصلادم، وبشر بن أبي خازم (ت 22 ق.هـ) هبيد ، والنابغة الذبياني (18 ق. هـ ) هاذر بن ماذر، وزهير بن أبي سلمى ( ت 13 ق. هـ) زهير، وقيس بن الخطيم (ت 2 ق.هـ) أبو الخطَّار، والأعشى القيسي ( ت 7 هـ) مِسْحَل بن أثاثة، والكميت الأسدي ( ت 126 هـ ) مدرك بن واغم، وبشار بن برد (ت 176 هـ) شنقناق، وأبي نواس ( ت 198 هـ ) حسين الدَّنَّان، وأبي تمام ( ت 231 هـ) عتَّاب بن حبناء، والبحتري ( ت 284 هـ) أبو الطبع، وأبي الطيب المتنبي ( ت 354 هـ ) حارثة بن المُغَلِّس ، بل إنه جعل للكتاب شياطين أيضا ، فللجاحظ (ت 255 هـ) عُتْبةُ بن أرقم ، ولعبد الحميد الكاتب ( ت 132 هـ ) أبو هُبيرة ،ولبديع الزمان(ت 398 هـ ) زبدةُ الحقب.(5).
وجاء عن الثعالبي (ت 350هـ) قوله :"وكانت الشعراء تزعم أن الشياطين تلقى على أفواهها الشعر، وتلقنها إياه، وتعينها عليه،وتدعى أن لكل فحل منهم شيطانًا يقول الشعر على لسانه، فمن كان شيطانه أمرد كان شعره أجود ، وبلغ من تحقيقهم وتصديقهم بهذا الشأن أن ذكروا لهم أسماء...إلخ "(6). وجاء عن الأصفهاني(ت 502 هـ) قوله :" ادعى كثير من فحول الشعراء أن له رئيًا يقول الشعر بفيه، وله اسم معروف...إلخ "(7). وصيغتا " الإدعاء، والزعم" توحيان بالإخبار لا على وجه الحقيقة، ودرجة الصدق فيهما ضعيفة.
غير أن تفاخر الشعراء بقرنائهم من الجن واضح في أدبهم، جلي في أشعارهم، ولعل أول من صرح بذلك هو الأعشى القيسي(ت 7هـ) حين ذكر اسم شيطانه مِسْحَل، حيث يقول:
وما كنت ذا قولٍ ولكن حسبتني === إذا مِسْحلٌ يبري لي القول أنطق
خليلان فيما بيننا من مودةٍ === شريكان جنّي وأنسيّ موقق
وقوله : دعوت خليلي مِسْحلاً ودعوا له=== جُهنّام جدْعاً للهجين المذمّم (8)
وكلمة [ لعل ] السابقة تنفي فرضية الجزم بأولية الأعشى في التصريح باسم قرينه ، فقد يكون من سبقه صرح بذلك، غير أني لم أقع عليه، أو أن ذكره لم يصل إلينا، أو بقي حبيسًا في خزائن الكتب، وأرحام المخطوطات؛ ولذا لم أقطع بذلك وأجزم.
ومن شواهد موضوعنا قول حسان بن ثابت رضي الله عنه (ت 54 هـ):
إذا ما ترعرع منا الغلام === فما إن يقال له من هوه
إذا لم يسد قبل شد الإزار === فذلك فينا الذي لا هوه
ولي صاحب من بني الشَّيصبَان === فطوراُ أقول وطوراً هوه (9)
وهو يؤكد أن له صاحباً غير إنسي ، وأن هذا الصاحب ينتسب إلى الشيصبان ، وهو اسم للشيطان، و قيل: رئيس عظيم من الجن (10) وقيل: ابن جني من الجن (11) وقيل: قوم من الجن (12) ثم يعترف أنه وشيطانه يتناوبان قول الشعر، وهذا تصريح من شاعر مخضرم ،وصحابي جليل، بأن هناك من يساعده في قول الشعر، مما يعطي بُعدًا آخر لهذه القصة .
واستمرارًا لهذا المعتقد ظهر شعراء فحول يعترفون بأن لكل منهم شيطاناً يلقي عليه الشعر ويعينه عليه، كقول جرير (110هـ):
إني ليلقي عليَّ الشعرَ مكتهلٌ === من الشياطين إبليسُ الأباليسِ (13).
وقول الفرزدق (110هـ) حين يمدح شعره من خلال مدحه شيطانه في قصيدته التي مدح بها أسد بن عبد الله القسري، فيقول:
لَتَبلُغَن لأَبي الأَشبالِ مِدحَتُنا === مَن كانَ بِالغَورِ أَو مَروَي خُراسانا
كَأَنَّها الذَهَبُ العِقيانُ حَبّرها === لِسانُ أَشعَرِ أَهلِ الأَرضِ شَيطانا (14)
وقول أبي النجم العجلي (ت 140 هـ) :
إني وكل شاعر من البشر === شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
فما رأني شاعر إلا استتر === فعل النجوم إذا عاين القمر(15)
ولعل أبيات أعشى سُليم (ت 158 هـ) تصور لنا قصة جنّ الشعراء، يقول:
وما كان جنيّ الفرزدق أسْوة === وما كان فيهم مثل فحل المخبّل
وما في الخوافي مثل عمروٍ وشيخه === ولا بعد عمرو شاعرٌ مثل مِسحَل(16)
ومن القصص التي تناقلتها ألسن الرواة، وتلقفتها آذان الناس، وعقلتها عقولهم، وزاد من فرضية التصديق بشياطين الشعر، ما جاء عن جرير بن عبد الله البجلي (ت 51 هـ) قوله:" سافرت في الجاهلية فأقبلت على بعيري ليلة أريد أن أسقيه، فجعلت أريده على أن يتقدم فوالله ما يتقدم، فتقدمت فدنوت من الماء وعقلته، ثم أتيت الماء، فإذا قومٌ مشوهون فقعد، يقول: " فبينا أنا عندهم إذ أتاهم رجل أشدُّ تشويهًا منهم فقالوا: هذا شاعرهم. فقالوا له يا فلان؛ أنشد هذا فإنه ضيف؛ فأنشد:
وَدِّع هُرَيرَةَ إِنَّ الرَكبَ مُرتَحِلُ === وَهَل تُطيقُ وَداعًا أَيُّها الرَجُلُ!
فلا والله ما خرم منها بيتًا واحدًا، حتى انتهى إلى هذا البيت:
تسمعُ للحلْيِ وسواسًا إذا انصرفتْ === كما استعانَ بريحٍ عِشْرِقٌ زَجِلُ
فأعجب به. فقلتُ: من يقول هذه القصيدة؟ قال: أنا. قلتُ: لولا ما تقول لأخبرتك أن أعشى بني ثعلبة أنشدنيها عامًا أول بنجران! قال: فإنك صادق، أنا الذي ألقيتها على لسانه، وأنا مِسْحَل صاحبه، ما ضاع شعرُ شاعرٍ وضعه عند ميمون بن قيس" (17).
وجاء قريب من هذه القصة برواية أخرى على لسان الشاعر نفسه ( الأعشى ) حيث يقول:"خرجتُ أريدُ قيس بن معد يكرب بحضرموت، فضللتُ في أوائل أرض اليمن؛ لأني لم أكن سلكتُ ذلك الطريق قبلُ، فأصابني مطرٌ، فرميتُ ببصري أطلبُ مكانًا ألجأُ إليه، فوقعتْ عيني على خباء من شعر، فقصدتُ نحوه، وإذا أنا بشيخ على باب الخباء، فسلمتُ عليه، فردَّ علي السلام، وأدخلَ ناقتي خباءً آخر كان بجانب البيت، فحططتُ رحلي وجلستُ، فقال من أنتَ؟ وإلى أين تقصد؟ قلتُ أنا الأعشى، أقصدُ قيس بن معد يكرب. قال: حياك الله! أظنُّك امتدحتَه بشعر؟ قلتُ: نعم، قال: فأنشدنيه، فابتدأتُ مطلع القصيدة:
رَحَلَت سُمَيَّةُ غُدوَةً أَجمالَها === غَضبى عَلَيكَ فَما تَقولُ بَدا لَها
فلما أنشدته هذا المطلع قال: حسبُك! أهذه القصيدة لك؟ قلتُ: نعم، قال: من سميَّة التي تنسُبُ بها؟ قلت: لا أعرفها، وإنما هو اسمٌ أُلقي في روعي؛ فنادى: يا سميَّة اخرجي، وإذا جارية قد خرجتْ، فوقفتْ وقالتْ: ما تريدُ يا أبتِ؟ قال: أنشدي عمكِ قصيدتي التي مدحتُ بها قيس بن معد يكرب، ونسبْتُ بك في أولها، فاندفعتْ تُنشد القصيدة حتى أتت على آخرها لم تخرم منها حرفًا، فلما أتمَّتها قال: انصرفي، ثم قال: هل قلتَ شيئًا غير ذلك؟ قلتُ: نعم، كان بيني وبين ابن عمٍ لي يقال له يزيد بن مسهر، ما يكون بين بني العم، فهجاني وهجوته فأفحمته. قال: ماذا قلتَ فيه؟ قال: قلتُ:
وَدِّع هُرَيرَةَ إِنَّ الرَكبَ مُرتَحِلُ === وَهَل تُطيقُ وَداعًا أَيُّها الرَجُلُ!
فلما أنشدته البيت الأول قال: حسبك! من هريرة هذه التي نسبتَ بها؟ قلتُ : لا أعرفها وسبيلها سبيل التي قبلها؛ فنادى: يا هريرة؛ فإذا جارية قريبة السن من الأولى خرجتْ، فقال: أنشدي عمك قصيدتي التي هجوتُ بها يزيد بن مسهر، فأنشدتها من أولها إلى آخرها لم تخرم منها حرفًا، فَسُقِط في يدي وتحيّرتُ وتغشتني رعدة.فلما رأى ما نزل بي قال: ليُفْرِخْ رَوْعُكَ يا أبا بصير؛ أنا هاجسك مِسْحَل بن أثاثة، الذي ألقى على لسانك الشعر" (18) .
واختلاف رواية القصة، ورودها على أكثر من وجه، لايضعفها، أو يقود إلى الطعن فيها وردها، لما قد يتعاورها أثناء تناقل الرواة لها .ومما يستأنس به هنا ما ذكره صاحب الأغاني :" أنَّ عبيدَ بن الأبرص سافر في ركب من بني أسد فبيناهم يسيرون إذا هم بشجاع يتمعك على الرمضاء (أي: يتقلب ويتمرغ ) فاتحًا فاه من العطش ،وكانت مع عبيد فضلة من ماء ،ليس معه ماء غيرها، فنزل فسقاه الشجاع عن آخره حتى روي وانتعش، فأنساب في الرمل، فلما كان من الليل ونام القوم، ندت ( مشت) رواحلهم فلم يُرَ لشيء منها أثر ، فقام كل واحد يطلب راحلته، فتفرقوا فبينا عبيد كذلك، وقد أيقن بالهلكة والموت إذا هو بهاتف يهتف به :
يا أَيُّها الساري المضِلُّ مذهبُهْ === دونكَ هذا البَكَر منّا فاركبه
وبكْرُكَ الشارد أيضاً فاجنبُهْ === حتى إذا الليلُ تَجَلّى غيهبه
فَحُطّ عنه رحلَه وسَيّبُه === ........................
فقال له عبيد: يا هذا المخاطب: نشدتك الله إلا أخبرتني من أنت، فأنشأ يقول :
أنا الشّجاع الذي ألفيْتَه رَمِضاً === في قفرةٍ بين أحجارٍ وأعقادِ
فَجُدْتَ بالماء لما ضَنَّ حامُله === وزِدتَ فيه ولم تبخل بإِنكادِ
الخيرُ يبقى وإن طال الزمانُ به === والشرُّ أخبثُ ما أوْعيتَ من زادِ
فركب البكر ،وجنب بكره وسار فبلغ أهله مع الصبح، فنزل عنه،وحل رحله وخلاه، فغاب عن عينه، وجاء من سلم من القوم بعد ثلاث " (19).
ونجد من الأدباء من اعتقد هذا الأمر، كابن دريد (ت 321 هـ ) الذي وضع في جمهرته فصلا سماه " شياطين الشعر"(20). ومثله فعل الجاحظ في كتاب الحيوان، وذكر في ذكر قول محمد بن السكن:" بنت عَمْرٍو وخالها مِسحل الخيـر === وخالي هُميمٌ صاحب عَمْرِو
فإنهم يزعمون أنّ مع كلِّ فحل من الشعراء شيطاناً يقول ذلك الفحلُ على لسانه الشعر، فزعم البهراني أنّ هذه الجنّية بنت عمرو شيطان المخبَّل، وأن خالها مِسْحل شيطان الأعشى، وذكر أن خاله هُمَيم، وهو همّام، وهمّام هو الفرزدق، وكان غالبُ بن صعصعة إذا دعا الفرزدق قال: يا هميم، وأما قوله : صاحب عمرو فكذلك أيضاً يقال إن اسم شيطان الفرزدق عمرو"(21) .
وذكر الجاحظ في بيانه أن بعضُ الشُّعراء قال لرجُلٍ:" أنا أقولُ في كلِّ ساعةٍ قصيدةً، وأنت تَقرِضُها في كلِّ شهرٍ فلم ذلك؟ قال: لأنِّي لا أقبل من شيطاني مثلَ الذي تقبَلُ من شيطانِك "(22) .
وذكر الأصفهاني أنه :" اجتمع ابن منادر وأبو العتاهية، فقال أبو العتاهية: كم بيتاً تقول في اليوم؟ قال: مقدار عشرة أبيات. فقال أبو العتاهية: فأنا أقول مئتين. فقال: فإنك تقبل من شيطانك نحو:
ألا يا عتبة الساعه === أموت الساعة الساعه
ولو أني أقول مثل ذلك لقلت ألوفاً " (23) .
وهناك الكثير من النماذج التي لا يتسع المقال لذكرها، وفيما مضى كفاية لشيء مما جاء عن الشعراء في العصور القديمة حول قضية شياطين الشعر ، نستطيع أن نخلُص منها إلى أن اعتقادهم التام بأن شيطان الشعر موجود باعترافاتهم، ولكن التساؤل الحائر هنا ألا يعني اعترافهم بوجود القرين معهم تقليلاً من شاعريتهم، وطعنًا في فحولتهم، لأنهم سيكونون مجرد رواة للشعر، ونقلة للنظم ؟!! وإذا كان هناك توجيه يمكن الاستئناس به، فهو أن العرب إذا أعجبهم الشعر سألوا ناظمه للطرافة، أو المجاملة المحمودة: من شيطان شِعرك؟ فيُجيبهم مستطرفاً أيضاً: شيطاني هو فلان بن فلان. ثم يذكر اسماً غريباً ؛ لشعوره أن سؤال الناس إياه طعن في فحولته، ونقص من قدره، لجعلهم الشريك الخفي معه، والذي يشاطره الإبداع، فلما كان هذا احتالَ الشعراء لأنفسهم .
ولكن هل في الشرع ما ينافي حقيقة وجود القرين الشعري لبعض الشعراء ،فيقولون لهم الشعر ويعينونهم عليه ، فأنا أرى – والله أعلم- أن لبعض الشعراء قرناء، ولا أرى ما يعارضه في الشرع ، فقد قال الله تعالى :" وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ "[ البقرة : 14 ]. والشياطين يوحون لأوليائهم من الإنس كما قال تعالى وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ليجادلوكم) [ الأنعام : 121 ]. وقد جاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِالْعَرْجِ إِذْ عَرَضَ شَاعِرٌ يُنْشِدُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- " خُذُوا الشَّيْطَانَ، أَوْ أَمْسِكُوا الشَّيْطَانَ، لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا "(24).وفي قوله عليه الصلاة والسلام :"خذوا الشيطان" يساند ما أميل إليه "أن لبعض الشعراء شياطين" لأن الذي قال الشعر ربما كان هو شيطان ذاك الشاعر وليس هو ،فكرهه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا ننسى اعتراف حسان بن ثابت التي ذكرناها آنفاً ؛ بأنه يتناوب هو وشيطانه في قول الشعر، ومما يدعم هذا الكلام أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- سمع الشعر واستنشده ، فقد جاء في صحيح مسلم : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا فَقَالَ :" هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِى الصَّلْتِ شَيْئًا ". قُلْتُ : نَعَمْ قَالَ: " هِيهِ ". فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا فَقَالَ: " هِيهِ ". ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا فَقَالَ: " هِيهِ ". حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ. (25). وما استزادة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من شعر أمية إلا دليل إعجاب ، ورغبة في السماع .
وفي بلاد العرب الواسعة أماكن كثيرة اشتهرت بإلهام الشعراء، منها:" زَرُود، وعبقر، ووادي الأرواح" فلافظ بن لاحظ شيطان امرئ القيس، وهَبِيد بن الصَّلادم شيطان عبيد بن الأبرص الأسدي، وعنتر بن العجلان شيطان طرفة بن العبد، وهادر شيطان النابغة الذبياني، وأبا الخطار شيطان قيس بن الخطيم، ومُدرِك بن واغم شيطان الكميت بن زيد يسكنون في رمال زرود.
وهناك فئة من شياطين الشعراء يسكنون بلاد عبقر وهم كُثُر.وفئة ثالثة من شياطين الشعراء يسكنون في وادي الأرواح، وهم : حسين الدَّنَّان شيطان أبي نواس، وعتَّاب بن حبناء شيطان أبي تمام، وأبو الطبع شيطان البحتري، وحارثة بن المُغَلِّس شيطان المتنبي. (26) .
وشهرة بلاد زرود بإلهام الشعراء قديمة حتى إن شهرتها معروفة في كل بلد، ومن رغب في قول الشعر فما عليه إلا أن يتجه إلى زرود، ويقيم فيها، يشرب من لبن الظباء، كما فعل المروزي، وهو أحد الراغبين في قول الشعر، حيث يقول:" خرجت على بعير لي صعبٍ، يمر بي لا يملكني من أمر نفسي شيئاً، حتى مرَّ على جماعة ظباءٍ في سفح جبل على قلته رجلٌ عليه أطمارٌ له، فلما رأتني الظباء هربت، فقال: ما أردت إلى ما صنعت؟ إنكم لتعرضون بمن لو شاء قدعكم عن ذلك ( أي : منعكم ) قال: فدخلني عليه من الغيظ ما لم أقدر أن أحمله، فقلت: إن تفعل بي ذلك لا أرضى لك، فضحك، ثم قال: إمض عافاك الله لبالك، قال: فجعلت أردد البعير في مراعي الظباء لأغضبه، فنهض وهو يقول: إنك لجليد القلب! ثم أتاني فصاح ببعيري صيحةً ضرب بجرانه الأرض، ووثبت عنه إلى الأرض، وعلمت أنه جان، فقلت: أيها الشيخ! إنك لأسوأ مني صنيعاً. فقال: بل أنت أظلم وألأم، بدأت بالظلم ، ثم لؤمت في تركك المضي، فقلت: أجل! عرفت خطئي. قال: فاذكر الله فقد رعناك، وبذكر الله تطمئن القلوب، فذكرت الله تعالى، ثم قلت دهشاً: أتروي من أشعار العرب شيئاً؟ فقال: نعم! أروي، وأقول قولاً فائقاً مبرزاً. فقلت: فأرني من قولك ما أحببت، فأنشأ يقول: البسيط
طافَ الخيالُ علَينا لَيلةَ الوادي، === من آلِ سَلمى ولم يُلمِمْ بميْعادِ
أنّى اهتَديتَ إلى مَن طالَ لَيلُهُمُ === في سَبسبٍ ذاتِ دَكْدَاكٍ وأعقادِ
يُكَلِّفُونَ فَلاها كلَّ يَعْمَلَةٍ === مثلَ المَهاةِ، إذا ما حَثَّها الحادي
أَبلِغْ أبا كَرَبٍ عنّي وأُسْرَتَهُ === قولاً سَيَذهَبُ غَوراً بعدَ إنجادِ
لا أعرِفَنَّكَ بَعْدَ اليَومِ تَندُبُني === وفي حَياتيَ ما زَوَّدْتَني زادي
أمَّا حِمامُكَ يوماً أنتَ مُدرِكُهُ === لا حاضرٌ مُفلِتٌ منهُ، ولا بادِ
فلما فرغ من إنشاده قلت: لهذا الشعر أشهر في معد بن عدنان من ولد الفرس الأبلق في الدهم العراب هذا لعبيد بن الأبرص الأسدي، فقال: ومن عبيد لولا هبيد! فقلت: ومن هبيد؟ فأنشأ يقول: المتقارب
أنا ابنُ الصّلادِمِ أُدعى الهبيدَ، === حبَوتُ القَوافيَ قَرْمَيْ أسَدْ
عَبيداً حَبَوتُ بمأْثُورَةٍ، === وأَنْطَقْتُ بِشراً على غَيرِ كَدّ
ولاقَى بمُدرِكَ رَهطُ الكُمَيتِ === مَلاذاً عَزيزاً ومَجداً وَجَدّ
مَنحاناهُمُ الشِّعرَ عن قُدرَةٍ === فهَل تَشْكُرُ اليَومَ هذا مَعَدّ
فقلت: أما عن نفسك فقد أخبرتني، فأخبرني عن مدرك، فقال: هو مدرك بن واغم، صاحب الكميت، وهو ابن عمي، وكان الصلادم وواغم من أشعر الجن، ثم قال: لو أنك أصبت من لبنٍ عندنا؟ فقلت: هات، أريد آلأنس به، فذهب فأتاني بعسٍّ فيه لبن ظبي، فكرهته لزهومته – أي : رائحته المنتة- فقلت: إليك، ومججت ما كان في فمي منه، فأخذه ثم قال: إمض راشداً مصاحباً! فوليت منصرفاً فصاح بي من خلفي: أما إنك لو كرعت – أي : شربت بفيك - في بطنك العس لأصبحت أشعر قومك. قال أبي: فندمت أن لا أكون كرعت عسه في جوفي على ما كان من زهومته"(27).
وهذا مظعون بن مظعون الأعرابي قصد زرود وأقام بها يطلب الشعر، فمر به رجل على راحلته فاستضافه، ولما أقام الرجل عنده سأله مظعون عن شياطين الشعراء، فقال الرجل:
بِتُّ عند واحد منهم ليلة البارحة في ناحية من زرود، وقد أنشدني لامرئ القيس، والنابغة، وعبيد والأعشى، ولما فرغ من إنشاد قصيدة للأعشى قلت:لقد سمعت بهذا الشعر منذ زمن طويل،قال : للأعشى !قلت :نعم، قال: فأنا صاحبه، قلت: فما اسمك ؟ قال: مسحل السكران بن جندل.
وذكر مطرف الكناني :أنه استمع إلى رجل من أهل زرود يقول: استمعت إلى لافظ بن لاحظ وهو ينشد:
قِفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلٍ=== بسقط اللوى بين الدخولِ فحومل
فهؤلاء وغيرهم عرفوا زرود بأنها موطن الشعر ومقر شياطينه. (28). وشهرة زرود وصلت إلى الخلفاء والأمراء، فكان الرشيد إذا حج يسأل عن زرود، فإذا وصل إليها أقام بها واستمع إلى الشعر والشعراء فيتذاكر الشعر مع من يحضر مجلسه، وقد قال في زرود وهو يجتازها:
أقولُ وقد جُزنا زرودَ عشيّةً ===وراحت مطايانا تؤمُّ بنا نجدا
على أهل بغدادَ السلامُ فإنني=== أزيدُ بسيري عن بلادهم بُعدا"(29)
أما وجود القرين بشكل مطلق مع الإنسان فهذه حقيقة لا يختلف عليها، ولامجال للتشكيك فيه؛ لأنه مذكور في القرآن،في قوله تعالى:" قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ". [ ق:27 ], والقرين في الآية مقصود به الشيطان الموكل به في الدنيا، كما جاء ذلك في تفسير الطبري ( 310 هـ ) من قول ابن عباس ، ومجاهد،وقتادة، ومعمر، والضحاك ، وقال ابن زيد في قوله( قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ ) قال: قرينه من الجنّ: ربنا ما أطغيته، تبرأ منه" (30).وجاء في السنة من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :" مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ ". قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ :" وَإِيَّاىَ إِلاَّ أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِى عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلاَ يَأْمُرُنِى إِلاَّ بِخَيْرٍ ".(31).
أما أصل التسمية بـ" شياطين الشعر" فإنها جاءت من كلمة " شطن"أي : نزع، والشاطن هو ذو الشطن، الذي ينزع الماء من البئر الشطون، والبئر الشطون بئر بعيدة القعر، وهذا الشاطن أو المشاطن، رجل شديد الجذب، نشيط النَّزْع، فحركة تراوح ذراعيه في جذب شطن الدلو، وسرعة انحناء ظهره ورفعه إياه شديدتان لا تفترتان، كأنه في سباق فلذلك قيل له: (هو الشيطان)، والشيطان مبالغة من (الشاطن)، وصيغة (فَيْعال) صيغة لم يذكرها النحاة في صيغ المبالغة. فيقال: وهذا شاطنٌ للماء، وهذا شيطانٌ للماء،ثم جاز لفظ ( الشاطن ) وهو ذو الشطن الذي ينزع ماء البئر إلى معنى كل عاتٍ من الجن مجازاً من الاستعارة التصريحية لجامع شدة النزع والجذب وسرعة حركة الذراعين. قال أمية بن أبي الصلت ( ت 5 هـ ) في سليمان عليه السلام:
وأيُّما شاطنٍ عصاه عكـاه === ثم يلقى في السجن والأغلال
وعكاه: شدّه وقيّده .ثم جاز الشاطن مجازاً من طريق الاستعارة التصريحية من معنى المارد من الجن إلى معنى الخبيث والبعيد عن الحق من الناس لجامع سوء السريرة فيهما .
وكذلك كان حال لفظ (الشيطان) ، إذ جاز من طريق الاستعارة التصريحية من معنى نزاع شطن الدلو وجذَّابه، إلى معنى كل عاتٍ ومتمرد من الجن لجامع سرعة الحركة والجذب فيهما، ثم جاز لفظ الشيطان إلى معنى (الخبيث من الناس) لجامع سوء السريرة مع الشيطان من الجن، ثم غلب لفظ الشيطان اسماً علماً على إبليس لعنه الله تعالى .ثم اشتقوا من الشيطان الذي هو مارد الجن الفعل فقالوا: ( تشيطن الرجل) أي فعََل فِعل الشيطان .
ثم اختلط معنيا لفظ (الشيطان) المجازيان وهما معنى نزّاع الكلام المنظوم من جوف الإنسي من جهة الاستطراف، ومعنى المتمرد والعاتي من الجن حتى صارا معنىً واحداً ،ولما غلب لفظ الشيطان على المارد من الجن ، فقد غلب على الظن أن (شيطان الشعر) من الجن أيضاً، وإن كان أصل سؤال الاستطراف يوجب أن يكون (شيطان الشعر) من الإنس لا من الجن؛ لأن الشيطان الذي يراد به معنى (نزّاع الماء) هو في حقيقته إنسان يقف على رأس الشعر (البئر) ليشطن الشعر أي (الماء). والله تعالى أعلم .
ويصح في أصل( شيطان الشعر) معنى آخر, وهو أن يكون العرب جازوا لفظ (الشيطان) من معنى نزّاع الماء المكنون في البئر إلى معنى (اللسان) الذي ينزع الكلام المكنون من الجوف, وذلك لجامع شدة الحركة والسرعة . فالشيطان أي النزّاع يراوح بين يديه ليشطن الحبل وهو بين راكع مرة و رافعٍ مرة أخرى في حركة سريعة شديدة . وكذلك اللسان إذا سهل الكلام عليه من غير فتور فهو شديد الحركة ، سريع بين قبض وبسط . فقالوا على الحقيقة في صفة رجل (هذا شيطان الشعر من الشعر) أي (هذا نزّاع الماء من البئر). ثم جازوا الجملة وهم يصفون اللسان فقالوا (هذا شيطان الشعر من الشعر) أي (هذا نزّاع الكلام المنظوم من الجوف) ،وهم يريدون اللسان. ومما يقوِّي هذا المذهب في معنى (شيطان الشعر)أن لفظ المائح جاز إلى معنى اللسان ، والمائح في أصله هو الرجل يدخل في البئر ليميح ماءها إذا قلّ، فلا عجب إن جاز الشيطان وهو الرجل الذي يشطن ماء البئر بالشطن إلى معنى اللسان أيضاً .(32)
وختامًا أرجو أن يكون ارتباطنا بالشعراء ارتباطاً مجازياً لا يتعدى صلتنا بالنبوغ، وسعة الذاكرة، وسرعة البديهة، والجمال والتذوق والإبداع ،وأن لا يصل بنا المطاف إلى تلك الأمور غير المرئية لأنه من التجاوز أن ننسب فضل الموهبة لغير الخالق... ولأثر ذلك بقية .


الله يحفظك يا بــــــــلادي

http://up101.9ory.com/v/10/11/18/07/23257449143.png
مع فائق تقديري وإحترامي 
-
تعاڷ ۆاحضنيـﮱ ° قبڷ شۆقيـﮱ ڷا يمۆت
تعاڷ انــا بعطيــڪْ ° بــاقيـﮱ حــنانيـــﮱ °
° ايـــام عمريـﮱ ° معــڪْ ڷحضـﮧ ۆتفـــۆت
شـــۆف يا خــڷيـﮱ ° زمــانيـﮱ رمــانيـﮱ °


590036669.jpg
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages