قد يحتفظ التاريخ بذكرى هذا الحدث لقرون متتالية, إنْ ظلَّ في عمر الدنيا قرون! ولا أقول ذلك الكلام مبالغًا, ولكني أقوله استنادًا إلى عدة حقائق واضحة؛ منها أنه حدث غير مسبوق لم يحدث على غرار حدث سابق, ومنها أنه حدث ناجح حتى هذه اللحظة نجاحًا لم يتوقعه أكثر المتفائلين, ومنها أنه أدى إلى إزاحة نظام دكتاتوري متجذِّر في تونس منذ ثلاث وخمسين سنة، هي عمر فترتي حكم كئيبتيْن متعاقبتين لرئيسين طاغيتين بورقيبة وزين العابدين. ومنها أن آثار الحدث قد تتعدى تونس إلى العديد من الأقطار الأخرى, ومنها أن نتائج الحدث قد تبقى عدة عشرات من السنين، إنْ أحسن التونسيون استغلاله.
ولو وجد هذا الشاب الذي تعرض للظلم في أول قصة ثورة تونس آليات عادلة تحفظ له حقه، ما قامت الثورة، ولو حدث مثل هذا الموقف في بلد عادل يحترم الشعب والدستور، لكانت آليات حلِّه في منتهى البساطة، ولكانت النتائج محدودة للغاية، لكن هذا الظلم المتراكم قاد إلى نتائج عشوائية عجيبة، دفع الظالم ثمنها، هو ومن ساعده في ظلمه.
بل هل من شاهد على شاشات التلفزيون أحداث الاضطرابات الأخيرة من أول أيامها كان يتوقع مثل هذا التغيير ولو من بعيد؟ لقد كنتُ في زيارة لفرنسا أثناء الاضطرابات في الشارع التونسي، والتقيت عددًا كبيرًا من التونسيين هناك، ومنهم رموز إسلامية ووطنية ممتازة، ولم أجد أكثرهم تفاؤلاً يتوقع أي بارقة أمل وراء هذه الأحداث! بل إنهم لم يتوقعوا ولو تخفيفًا من الظلم، أو مساحة من الحرية!