القسم الأول : جبل التوباد حيّاك الحيــا وسقى الله صبانا ورعى
فيك ناغينا الهوى في مهده ورضعناه فكنت المرضعا
وعلى سفحك عشنا زمنـاً ورعينا غنم الأهل معـا
وحدونا الشمس في مغربها وبكرنا فسبقنا المطلعـا
في الأبيات الأربعة الأولى من هذا المونولوج يحادث قيس جبل التوباد موضع
التعارف واللقاء اليومي الطويل المتكرر عبر سنوات الطفولة بينه وبين
ليلى ، وما يحادث سوى نفسه . فحديث الإنسان للجماد أو للحيوان ما هو إلاّ
حديث الإنسان لنفسه ، يبث الجماد أو الحيوان شكواه ويسقط ما بداخله من
معاناة أمام هذا النموذج أو ذاك – متوهماً عن وعي غاف – أنه يحادث الآخر
الذي يكتفي بسماعه دونما أدنى تعليق ، بل دونما قدرة على التعليق ، في
حين أنه يحادث نفسه ؛ يلقي خطاباً من جهة واحدة ، إسقاطاً لما يعاني من
قهر وكبت. وهذا كثير في عالم الأدب وعالم الفن ، فهو كحلم اليقظة في حياة
الإنسان المقهور أو المكبوت المتطلع إلى منفذ أو مهرب مما هو واقع فيه ،
وهو قريب أيضاً من عالم الطفولة ، حيث يصطنع الطفل رفيقاً خيالياً يحادثه
ويبثه ما يشغل باله تفريجاً عن وحدته أو عن قهر من الكبار أو كبت من
القرناء ، وكلا الفعلين عند الكبار وعند الصغار يدور في غيبة الوعي –
الصغير وفق الغريزة – والكبير طلباً لنعمة النسيان أو الروغان غير الواعي
- .
ولأن قيس يجد نفسه صديقاً للجبل أو أنه لا يجد غير الجبل صديقاً قوياً
يرتمي في حضنه ، فإن واجب الصديق القادم نحو صديقه أن يلقي عليه التحية ،
هذه هي الأصول ؛ القادم المتحرك يلقي التحية على الثابت الساكن المستقر
في المكان – تلك من عادات البشر في كل جنس وفي كل زمان ومكان حتى يومنا
هذا – لذلك يرتفع صوت قيس هاتفاً : جبل التوباد : "حيّاك الحيا " وهي
دعوة بنزول الأمطار ، فتحية الجبال والقفر تتحقق بهطول غزير للأمطار ،
فبها تنبت الخضرة وتتفتح الأزاهير وتورق الأوراق وتصدح الطيور ويتحرك
المكان ويعج بالزواحف وتهرب اللواذع والقوارض ويكتسي المكان بأزياء
الحياة البهيجة.
ونلاحظ هنا ربط صورة الجبل على ذلك النحو بتمني عودة الحياة بينه وبين
حبيبته إلى ما عرفته في صباهما البريء على ذلك الجبل الذي كان مأنوساً
منهما جنباً إلى جنب مع الأغنام والماعز والزواحف والنسيم وقيظ شمس
الظهيرة وتقلبات الأجواء والأنواء . الكل يعيش في حوطة تلك المعطيات
الطبيعية راضياً سعيداً ، دون سيطرة موجود من موجودات المكان وآهليه على
موجود أو على شيء منها . هي الحياة البكر الحقة . فهو موقع فيه كل شيء
متحاب مع كل شيء ، لذلك ولد الحب بينه وبين ليلى وترعرع في حضن تلك
الطبيعة الجبلية ، حباً فيه عنفوان تلك الطبيعة لأنه ربيبها.
القسم الثاني : يشتمل على ثلاثة أبيات يحدد فيها المواقع الشاهدة على ذلك
الحب المنطلق دون رقيب سوى الجبل بكل ما فيه :
هذه الربوة كانت ملعباً لشبابينا وكانت مرتعا
لماذا الربوة ؟! لأنها أعلى مكان في هضاب الجبل وبطاحه ، يمكن من فوقها
تسيير الأعمال التي أنيطت بهما وهي رعاية الماشية في سياحة الغذاء هنا
وهناك على مدى النهار من مشرق شمسه حتى مغربه. وكذلك ملاحظة قادم من هنا
أو من هناك تحقيقاً للجانب الحياتي والدرامي – تبعاً للضرورة-، هذا إلى
جانب ما ترمز إليه من علو أو سمو في العلاقة البريئة على الجانب الفني
والجمالي.
" كم بنينا من حصاها أربعا وانثنينا فمحونا الأربعا "
في وصفه لحياة الطفولة يقرن العمل باللعب ، فالطفل غاية ما يصب إليه في
الحياة هو اللعب ولا شيء غير اللعب إيهاماً أو تشخيصاً ينمي خياله وينمي
جسده وينمي معرفته ، غير أنهما هنا في مهمة حراسة الماشية وهي مهمة عمل ؛
إلاّ أن غريزة اللعب لها الأولوية ، فمن يوقف الغريزة ؟! غير أن اللعب من
جنس المكان ، فالمكان مكوناته المتاح التعامل معها هي الزلط والحجارة
الصغيرة والرمال والعشب والأشجار والنخيل – ربما – وغريزة حب الحياة فرضت
على البشر الوقاية باصطناع أمكنة محمية وآمنة وصالحة لحياة مستقرة أو
دائمة ، لذلك بنيت المساكن والبيوت بأدوات من مشتملات البيئة ، فكل بناية
ابنة بيئتها ، والطفل ليس بعيداً عن التطلع إلى مستقبل يتوهمه أو يأمله ،
لذلك انشغل الطفلان (قيس) و(ليلى) باللعب البنّاء والإيجابي بالأحجار
والزلط ، فلم يستخدماه في التراشق المتبادل ، ولا برشق الجبل به وإنما
وظفاه في بنايات صغيرة لبيوت صغيرة في مخطط اجتماعي مقلد للمجتمع الذي
يعيش فيه أهلوهما فبنيا (ربعاً) أو حياً سكنياً ثم أزالاه وبنيا حياً
غيره وظلا كل يوم قائمين في أثناء العمل على لعبة البناء والهدم
استشفافاً طفولياً غريزياً لطبيعة الحياة القائمة دوماً على البناء
والهدم . هذا من ناحية بتصوير الحياة الطبيعية وضرورات استمرارها ومن
ناحية أخرى فهذه الصورة الشعرية معادل رمزي يعكس أمل الإنسان في مستقبل
آمن وسعيد وساعٍ إلى تكوين أسري في مجتمع متقارب منذ طفولته الباكرة حتى
وهو على فراش الموت.
ولأن الطفولة من طبيعتها التقافز من مكان إلى مكان آخر ومن حال إلى حال
أخرى ، فهي ملولة دوماً ومتقافزة دائماً ولها خصيصة الطبيعة في عدم
ثباتها على فصل واحد أو مناخ واحد أو حال واحدة ، لذلك وجدناها في وصف
قيس نفسه لحاله مع ليلى في طفولتهما الصحراوية متقلبين متغيرين كالزمن
يخططان ويمحوان خططهما إيماناً فطرياً بحتمية الفناء :
" وخططنا في نقى الرمل فلم تحفظ الريح ولا الرمل وعى "
هذه الصورة الاستعارية التمثيلية البديعة والبليغة . هل لعاقل أن يكتب أو
يرسم رسماً على الرمال ، فهي في حراك دائم مع أقل هبة من الريح ، كما أن
الرمال لا تعي ما خط عليها ورسم وكأن هناك جماد آخر يعي ما يكتب أو يحفر
على سطحه . إنها صورة بديعة حقاً تستأهل الاحتفاء بإحيائها غناء لا إلقاء
عادياً.
وإذا كان قيس يعتب على الريح أو يتهمها بالتعدي على مخططات طفولتهما على
صفحة الرمال مع سبق الإصرار والترصد ويتهم الرمل بعدم الوعي بخطط
العاشقين وبوحهما المرسوم على صفحته على الرغم من علمه وعلم من بلغته
دعوى اتهامه لهما (للريح والرمل) بأن قيس يخاطب جماداً ولا يحجم عُتبه أو
اتهامه لذلك الجماد . وهذا هو مكمن الغرائبية التي من الأنسب لأدائها أن
يكون غرائبياً أيضاً.
القسم الثالث :
ويتضمن بيتاً واحداً يعرض لمضمون غريب عن منطق التطور ، الذي هو جوهر أي
حياة ، جوهر الكون نفسه إذ توقف الزمن في عين قيس فيما يختص بنظرته بصفة
خاصة لليلى ، فهو لم يكن يتصور تحولها عمّا كانت عليه من براءة الطفولة
وسذاجتها في علاقتها به وبالأشياء المحيطة إلى موقفها المتزمت من حبهما
المتبادل ورفضها له زوجاً انطلاقاً من إعلائها للعادات والتقاليد على
حساب مشاعر الحب العميق التي مازالت تبادله إيّاها ، ومع ذلك ترتبط برجل
غيره .
" لم تزل ليلى بعيني طفلة لم تزد عن أمس إلاّ إصبعا "
القسم الرابع :
ولأن هذا كلام لا يعقل ولا يقبل من شخص عاقل ، لذلك يروغ قائله روغاناً
نحو الاستناد إلى الجماد إلى الجبل ، إلى غير الناطق وغير البشري عله يجد
عنده مساندة لما أدلى به مما لا يعقل :
ما لأحجارك صمـاً كلما هاج بي الشوق أبت أن تسمعا
كلما جئتك راجعت الصبا فأبـت أيـامـه أن ترجعـا
يشعر قيس بمعاندة كل الأشياء له لمجرد أن ليلى تعانده وترفضه زوجاً مع كل
ذلك الحب الذي ما زالا يعيشانه ، فهو يريد أن يستعيد الماضي دون أمل ،
وهو لا يريد أن يتكلم مع أحد سوى ليلى ، فإما الكلام مع ليلى وإما الكلام
مع ما لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم مع الجماد ، فلا أحد ولا شيء له قدرة
على تحمل ما يبوح به سوى الجبل ، فما يطلبه هو المستحيل فهو ضيف فوق
العادة – ضيف بدون دعوة من مضيف – فكل ما جاء له هو مراجعة الصبا ،
مراجعة ذكرى علاقته بمحبوبته . وهذا حق مشروع لا يحتاج إلى دعوة من أحد ،
ولا جبل التوباد حتى . غير أن المستحيل أن يطلب المراجع للذكرى أن تعود
أحداث الصبا ، فهذا هو العبث – وفق المنطق – لكنه في إطار السلوى
والتنفيس فهو أمر طبيعي إذ هو على محمل الكلام مع النفس بصوت مسموع
إسقاطاً لضيق أو حزن وتنفيساً عن شعور بالقهر وبالكبت.
القسم الخامس :
ويتضمن الباعث على محاولات المراجعة على هيئة حكمة مستخلصة ، فدافعه إلى
استرجاع ذكريات الطفولة هي الوفاء لتلك العلاقة التاريخية التي امتدت من
طفولته وليلى إلى لحظة الاسترجاع تلك بشدة حبه لمكان لقاءاتهما البريئة :
" قد يهون العمر إلاّ ساعة وتهون الأرض إلاّ موضعا "
فساعة لقاء المحبوب بمحبوبته تفوق العمر بأكمله ومكان لقاء الحبيبة يعدل
الكرة الأرضية بكاملها.
ولأن هذا الاستنتاج أو الجوهر المستخلص من تلك المراجعة التنفيسية يستلزم
وقفة انقطاع عن البوح قبل الإعلان عن أسباب هذا البوح أمام حائط مبكى
العشاق (جبل التوباد) والذي أحاله قيس إلى مزار مقدس مقصور عليه هو
وحده ، يقيم فيه أو أمامه جلسات الاعتراف ، وجلد الذات بطريقة
(ماشوسوتيه) أو (مازوكيه) فهو هنا في آخر بوحه يبدو كمن يعتذر لحائط
مبكاه (للجبل) عن لومه أو اتهامه له ، لأن رماله لم تع ما كان بينه وبين
ليلى من حب ، ورياحه لم تحفظ لهما سيرة خططاها معاً وأحجاره لا تبادله
الحديث أو المجاملة.
ولأن هذا المونولوج نوع من البوح الذاتي الذي يكشف عن حالة ضعف الشخصية ،
ولأنها شخصية شاعر كبير له من الكبرياء ما له ، فإن حديثه عن حالة الضعف
التي وجد نفسه عليها بعد أن نزل به من هوان على يد معشوقته، لذلك خص
الجبل بالاعتراف أمامه بذلك الضعف لأنه بذلك يضمن عدم ذيوع بوحه بحالة
الضعف والهوان اللتين يعيشهما والبوح فعل إسقاطي للذات لذا فصياغته –
غالباً – ما تكون غنائية ، لذلك أدرك الإخراج ضرورة أدائه غناء؛ لذلك نقف
عند أدائه بلحن محمد عبد الوهاب وبصوته وقفة تحليلية .
رابعاً : تقنيات الأداء الغنائي في المونولوج المسرحي الشعري :
المونولوج والمناجاة والجانبية كلها حديث فردي ، غير أنها تختلف من حيث
المادة والشكل والتعبير
المونولوج : حديث فردي تتحاور فيه الشخصية مع نفسها (عقلها ومشاعرها)
تعبيراً عن صراع في داخلها ، وفيه تتغلب المشاعر على العقل.
المناجاة : تعبير فردي أيضاً إلاّ أنه يجسد النتيجة التي انتهى إليها
الصراع في داخل الشخصية بين عقلها ومشاعرها وهو حديث نجوى تنفرد فيه
المشاعر وحدها في حالة انتكاسها وانكسار إرادة تحقيقها للسيادة أمام
الآخر مما يضعها في موضع المناشدة الغيبية أو التنفيس وجلد النفس.
الجانبية (الوشوشة المسرحية): حديث في النفس مفترض عدم سماع الشخصيات
الأخرى في المشهد له . وهو بمثابة تعليق انتقادي في جملة مقتضبة وهو
تنفيس وانتقاد صامت للغير. وهو ماثل في المسرحيات الكوميدية أكثر من
غيرها . وهو كثير في مسرح ألفريد فرج وفي بعض المسرحيات الشكسبيرية ، وفي
مسرح شوقي الشعري .
ولذلك فإن لكل تعبير من مستويات حديث النفس شروطاً وتقنيات في الكتابة
وفي الأداء التمثيلي يحقق عن طريقها كل مستوٍ أثره الدرامي والجمالي ،
وإن ظهرت المبالغة في أداء كل منها.
غير أن الغناء هو الأنسب لأدائها باستثناء الجانبية (الوشوشة المسرحية)
لأنها إسقاط ذهني عقلي بحت ، بينما نجد المونولوج والغلبة فيه للشعور
أمام العقل في تحقيق الإرادة بينما الغلبة في المناجاة من حيث الانفراد
بالخطاب هي للمشاعر وحدها في نعيها على انكسار إرادتها والغناء هو
التعبير المناسب لأحاديث البوح.
وفي أداء "عبد الوهاب" للمونولوج الدرامي في مسرحية (مجنون ليلى) تتجسد
مشاعر قيس في حديثه المنفرد مع جبل التوباد ، إذ يتخذ من الجبل (رفيقاً
خيالياً) يخصه بالبوح إسقاطاً لما في نفسه من حزن وأسى عميق ، يخجل
العربي البدوي من التحدث به أمام إنسي . والموقف نفسه خارج عن نطاق
الصورة الطبيعية وإن كان محتمل الحدوث في عالم الإنسان في حالات مخصوصة
أو نادرة الحدوث – أحياناً – لذلك فأداؤها لا يبتعد عن صور المبالغة
والتكرار والتماثل والإيقاعات البطيئة الناعمة التي هي أقرب إلى الصوت
المهموس، لأن الشخصية في حالة بوح واعتراف أمام الطبيعة فالجبل هنا
بمثابة حائط مبكى (قيس) دون أن تشذ عن هذا الجو إطالة "عبد الوهاب" في
مقطع من المونولوج أو في علو نبره في مقطع آخر لأن الغناء يتم في مكان
مفتوح ، فهو وحده أمام الطبيعة ومن ثم فهو ملتزم بشروطها وهو في ذلك
الموضع بسماواته المفتوحة يمتلك زمام الأثير ، فما الذي يمنعه من أن يذيع
خطاب بوحه للكون كله فالريح هنا مسخّرة لصوته ، كما أن مادة المونولوج
(الخطاب الدرامي) تساعده على الإطالة في بعض المقاطع بما فيها من حروف
المد بجانب إحساسه بأن الأثير مسخّر له. كما أنه مطالب بجمالية البوح في
الموضع الذي شهد مولد غرامه بليلى ، خاصة وأن الطبيعة نفسها جميلة
وتشاركه في عملية البوح للنفس عبر الرياح والنسمات المحملة بأريج الزهور
البرية لذلك يتشارك معها قيس بصوت عبد الوهاب وموسيقاه التي تشكل المعادل
النغمي لبوح الطبيعة من على سفح الجبل ، بموسيقى هي حفيف الهواء الرقيق
الناعم التي عبر عنها اللحن للإيحاء النفسي والتخييلي بالمكان (الجبل) في
وقوف قيس الحائر والغارق في الذكرى وحالة افتقاده لليلى، حيث جسدت
الموسيقى التهيئة النفسية أمام الشخصية (قيس) ومهدت له مدخلاً نفسياً
للبوح والاعتراف قبل أن يوجه تحته لمضيفه الذي فرض نفسه ضيفاً عليه دون
أن توجه إليه دعوة!! ولقد أدى تكرار المقطع الصوتي لبعض الجمل اللحنية
إلى توكيد حالة الفقد التي يعيشها قيس . والتكرار عنصر من العناصر التي
تسهم في ترسيم جمالية التعبير في الصورة الفنية بالإشباع والتوكيد ،
ولصنع تقنيات التظليل ، كما هو الحال في اللوحة التشكيلية . وذلك أقرب ما
يكون إلى الشيء وظل الشيء ؛ فتكرار مقطع غنائي هو تظليل تعبيري ، وتكرار
مقطع موسيقي أو جملة موسيقية – عند صمت الغناء – وفق التوزيع الموسيقي
وأصوله – هو تظليل تأثيري فالجمل الموسيقية البسيطة انبساط الصحراء
وثقافتها والتي تشكل شكلاً من أشكال الوصل بين مقطع غنائي ومقطع غنائي
تال له هي ليست بمثابة جسر اتصال بين مقطع وآخر فحسب ولكنها معادل موسيقي
لأصوات الطبيعة في ذلك الموضع المنعزل عن الأرض وعن السماء ، كما لو كان
جزيرة في الفضاء العريض. وهي بمثابة الطرف الآخر في حوارية طرفها الأول
هو قيس وطرفها الثاني (المسكوت عنه) هو الجبل قائداً لجوقة الطبيعة
بنسائمها وأريج زهور أعشابها وهسيس كائناتها وعصف رياحها في تفاعلات
هارمونية .
إن التكرار الموسيقي لجملة أو لمقطع لحنى هو تظليل يستهدف خلق مصداقية
المكان والجو النفسي للبيئة. كما أن تبادل المواقع في فضاءات التعبير
الصوتي عند الأداء الغنائي واللحني للمونولوج يخلق حالة التنويع عبر
إيقاعات اللحن من حيث السرعة والشدة واللين وتهيئة آذان التلقي لاسترجاع
ذكرى مماثلة لذكريات المؤدي (قيس) بأداء عبد الوهاب ، بالإضافة إلى تأمل
الحالة ، وتخيل صورة لمكان لقاء خاص بالمتلقي – الذي تتقارب حالته مع
حالة (قيس)- بديلاً عن الجبل الذي تصور أجواءه موسيقى اللحن في لحظات صمت
المغني ، وتجسد حالة حفيف الرياح بالحواف الجبلية في اندفاعها الناعم ما
بين الوهاد في اتجاه السهول. والموسيقى هنا تصور أيضاً خلو المكان من
الإنسان.
وتتضافر الموسيقى واللحن مع الصورة الاستعارية التمثيلية للعب الطفولي
الذي يصور الشاعر في المونولوج حيث يسترجع قيس صورة لعبه طفلاً مع ليلى
ببناء بيوت وأحياء من الحصى ، وما ترمز إليه الكلمات في البيت الشعري وما
تصوره الموسيقى من حالة خواء تلك البيوت الوهمية المسترجعة للعب الطفولة
من الناس كما يوظف الصوت اللحني عبث الطفولة بالرسم والتخطيط على الرمال
دون وعي من المخططين (قيس وليلى) –ربما- بماهية الخطوط ووظيفتها
ودلالاتها ودون وعي من صفحة الرمال نفسها – بالطبع- تدليلاً على صدق
المعايشة البريئة المتطلعة إلى المستقبل مبكراً في جملة مكثفة تشخص
التجريد في الخط على الرمال في حالة من الوجد الطفولي البريء. بما يكشف
عن أن الطفل هو الوحيد القادر على اللعب بالطبيعة ولا يشاركه في ذلك سوى
العالم والفنان في حين أن الطبيعة هي التي تلعب بالبشرية كلها.
تحليل الصورة الجمالية في لحن (جبل التوباد) :
توحي موسيقى المطلع قبل الغناء بالمكان ، فهي تحيل المستمع إلى أجواء
الصحراء ، وحركة سير الإبل تجسدها الوحدة الإيقاعية المتتالية ، كما توحي
بالجو النفسي الذي تشيعه حالة السكون ، الذي لا يقطعه سوى صرير الرياح .
تركيز الصوت اللحني على لفظة "التوباد" دلالة على عظمة قدر هذا الموضع
في نفس (قيس) وعلى أمله المعقود عليه وطول عشرته فيه.
وما الإطالة في أداء (حياك الحيا) إلاّ للتدليل على صدق المعاشرة
والمحبة والدعاء بطول البقاء ، لأن (الحيا) وهو المطر أعظم ما يدعو به
الأعرابي أو ساكن الصحراء لمن يحب وما يحب والتعبير هنا مناط قول ، لذلك
تعمل الإطالة على وضع الجملة (الدعاء) موضع التوكيد التعبيري والتأطير
الزمني المناسب لصدق الدعاء. إلى جانب مراعاة الوزن الموسيقي من الناحية
التقنية قطعاً.
في انتفاعه بخواص المد في إطالة زمن الأداء الصوتي للفظ الجلالة في
دعائه للجبل ولذكرى صباه مع ليلى "وسقى الله صبانا ورعى" للتعبير عن
القداسة والإجلال والإيمان المطلق بالقدر راجياً ألا تبهت صورة طفولتهما
البريئة في هذا الموضع. وهو أيضاً إظهار لقرب الله من نفسه وهو في موقف
ضعف. وهو كذلك يوظف حرف المد في لفظة (صبانا) توظيفاً ملائماً في طوله
الزمني لأن الصبا محبب إلى نفسه، وهو ما عاد إلى مواضع الصبا إلاّ لكونه
افتقد الحاضر مع محبوبته، ومن ثم فإنه في رحلة بحث في الماضي عبر مكان
النشأة العاطفية تعويضاً أو تسلية عن حالة الفقد. وما كان تكراره لتلك
الصورة في إعادة غنائه للبيت نفسه بنفس الطاقة النغمية إلاّ نوعاً من
التوكيد على إحساسه بحالة الفقد ، وهو في الوقت ذاته يترسم البعد
الجمالي.
في إطالته للجملة اللحنية "ورضعناه" للتدليل على امتلائه بالحب ورسوخ
عاطفته في نفسه.
ولتأكيد فضل (الجبل) في ترعرع ذلك الحب عبّر لحنياً عن ذلك في جملة
(فكنت المرضعا).
انتقل الملحن (عبد الوهاب) من الإيقاع البطيء إلى الإيقاع السريع ،
والمتراقص طرباً. في كل من البيت الثالث:
" وعلى سفحك عشنا زمناً ورعينا غنم الأهل معا "
والبيت الرابع :
" وحدونا الشمس في مغربها وبكرنا فسبقنا المطلع "
لأنه يسترجع عبرهما ذكريات سعيدة هي ذكريات الطفولة والمرح والانطلاق لذا
يتغير الإيقاع بتغير حركة المشاعر المسترجعة . كما أنه يتذكر هنا في هذين
البيتين تفصيلات حبهما ، ففي البيتين تفصيل بعد إجمال لإظهار روعة الحب
الذي كان بينهما وذكرياتهما على ذلك الموضع. غير أن هذه السعادة
المسترجعة عبر التذكر سريعاً ما تبهت.
يعود البيت الخامس إلى الإيقاع البطيء مرة أخرى للفت السامع إلى أن
فرحته أقصر زمناً مما يجب وأنه إنما كان يسترجع ذكرى ماضيه فحسب. كما أنه
يركز على موضع بعينه ، هو يتأمل ما كان ولذا يتنوع النغم لانتقاله من
مرحلة عمرية إلى مرحلة عمرية مغايرة حيث يصور تدرج التنغيم الصوتي نحو
نبر أعلى بدرجة أو درجتين ما بين تصويره لعبارة " كم بنينا من حصاه
أربعا" وتصويره لعبارة "وانثنينا فمحونا الأربعا" صعوداً في النبر
التنغيمي اللحني إلى عبارة: "وخططنا في نقا الرمل فلم تحفظ الريح"
ليقطع الصوت اللحني بشرطة موسيقية اعتراضية تفيد انتقاده لسوء فعل الريح
ليصلها بالصوت اللحني في نبر أعلى درجة وحدة في تعبيره عن عبارة "ولا
الرمل وعى" ليرقى بالتعبير اللحني إلى مرحلة الاتهام – اتهام الريح
والرمل كليهما بالتعدي على خصوصية المحب العاشق وحقه السرمدي في التعبير
عن مكنون عشقه بالطريقة التي يراها. وللدلالة على تشديده في مؤاخذة الرمل
وتغليظ اتهامه له يكرر التعبير اللحني نفسه (ولا الرمل وعى) بنفس الطاقة
النغمية . ولتأكيد ظاهرة طبيعية يسجلها على اجتماع الريح والرمال ففي
اجتماعهما المتفاعل اندثار لمخططات البراءة العاطفية في فضائهما
المتغير ، وفي ذلك يختبئ المسكوت عنه وهو المستقبل ، مستقبل هذين
العاشقين ، لأن في محو الرياح لمخططاتهما الطفلية على صفحة الفضاء الرملي
هو استشفاف مبكر لما سيؤول إليه حالهما في الكبر حيث افترقا. وهل هناك
أفضل من الاستشفاف المستقبلي فيما يبدع الشاعر أو الأديب أو الفنان ؟!
ومع أن التكرار تظليل تعبيري عن حالة الأداء الغنائي وتظليل تأثيري حالة
الجمل الموسيقية في فضاء ما بين مقطع صوتي غنائي ومقطع غنائي تال له ،
إلاّ أن الجملة الموسيقية التي تفصل ما بين تكرار عبد الوهاب لعبارة "ولا
الرمل وعى" والبيت الثاني عشر "لم تزل ليلى بعيني طفلة" هو فاصل قصد به
الملحن التعبير عن الخروج من حالة الاتهام الناقد لسنن الطبيعة ومظاهرها
إيماناً بانعدام الحيلة إزاء ذلك كما أن هذه الجملة اللحنية هي تعبير عن
انقضاء فترة زمنية تفصل حالة انفعال (قيس) عن حالة استيعابه للدرس . ولأن
الشخصية تضع نفسها موضع التقرير في تصويرها الذي يوقف الزمن أمام نظرتها
لليلى:
" لم تزل ليلى بعيني طفلة لم تزد عن أمس إلاّ إصبعا "
لذلك تتوافق الطاقة النغمية اللحنية مع ذلك المعنى في تقرير الشخصية
الخارج عن نطاق المعقول فجاء التعبير اللحني مكثفاً ولا منطق فيه لزمن
التنغيم ليؤكد حالة التقرير بغض النظر عن معقوليته أو منطقيته. ليخرج بعد
ذلك إلى عتاب الجبل عتاب الصديق للصديق في تعبيره اللحني:
" ما لأحجارك صماً كلما هاج بي الشوق أبت أن تسمعا "
" كلما جئتك " "راجعت الصبا " "فأبت أيامه " " أن ترجعا" وأرى أن الطاقة
النغمية هنا لاهثة مقطوعة الأنفاس غير موفقة في التعبير عن مستويات
المعنى والموقف الشعوري بسبب التقطيع اللحني المتكرر الذي يعقب كل مقطع
منه بشرطة موسيقية كما لو كنا أمام عبارة مكتوبة تتوالى فيها (الشولات) :
ولو كانت المقاطع الموسيقية – بين هذه التقطيعات اللحنية لأوصال الجمل في
البيتين – صورت حالة النهنهة البكائية لقيس لكانت أبلغ في الحاجة إلى مثل
تلك التقطيعات التي أوجدها عبد الوهاب في لحنه لهذين البيتين التي يعاتب
فيهما قيس صديقه الجبل ؛ فاللحن هنا يفصل فعل الشرط (المجيء) عن سببه
(مراجعة الصبا) وكذلك فصل جواب الشرط (فأبت أيامه) فصل القرار عن آلياته
(أن ترجعا) في تقطيع نغمي لحني (مونوتون) تتساوى الوقفات فيه ويتكرر
التنغيم اللحني في كل جملة صوتية بنفس المسافات الزمنية والإيقاعية حيث
أن الجملة اللحنية في كل المقاطع النغمية واحدة مع أن الفعل غير السبب
الباعث عليه وفعل الشرط غير جواب الشرط. فالثاني مترتب على الأول ونتيجة
له.
وهنا نقف عند الطاقة النغمية في التعبير اللحني للبيت الأخير الذي يضم
"شوقي" صوته إلى صوت (قيس) ويتوحد معه من خلف القناع ليرسخ أو يثبت حقيقة
يؤمن بها كل عاشق حقيقي على مر العصور واختلاف الأماكن والبلدان في البيت
الأخير من المونولوج :
" قد يهون العمر إلاّ لحظة وتهون الأرض إلاّ موضعا "
وقد نجح "عبد الوهاب" في تصوير حالة القصر والاستثناء في البيت الشعري
الأخير للمونولوج بمعادلة لحنية بتركيزه وتأطيره التنغيمي لكلمتي (ساعة) و
(موضعا) وهما موضع الاستثناء والقصر ، لأن الساعة استثناء من العمر كله
ومعادله في عرف المحب وكذلك الموضع من الأرض كلها فهو عند العاشق معادل
للأرض كلها لأن ساعة لقاء الحبيب بحبيبه بالدنيا كلها أو بعمره كله وموضع
لقائه بمن يحب بالأرض كلها لذلك بالغ التعبير اللحني عنهما في الأداء
اللحني الصوتي.
تعقيب أخير :
وفق المخرج عزيز عيد عندما أخرج هذه المسرحية (مجنون ليلى) في فلسفته
لأداء بعض المواقف الدرامية التي رأى أن أداءها يناسبه الغناء أكثر مما
يناسبه التمثيل ومنها حوارية : "من الهاتف الداعي أقيس أرى ؟ " ومنها
مونولوج "جبل التوباد" مع أن أسلوب إخراجه للمسرحية كان أسلوباً طبيعياً
إذ صنع على المسرح تلاً رملياً حقيقياً وغرس فيه أشجار النخيل ووظف
الإضاءة لتعكس ليل الصحراء فكانت سيقان (أحمد علام) ممثل دور (قيس) في
الثلاثينيات من القرن العشرين وسيقان (فاطمة رشدي) ممثلة دور (ليلى)
وبقية الممثلين تغوص في الرمال في أثناء سيرهما على المسرح عند عرضها على
خشبة المسرح (سينما الهمبرا) بمنطقة محطة الرمل بالإسكندرية *.