إن الملكة بلقيس ما كان لها هذا الشأن العظيم لولا اتصافها برجاحة العقل و سعة الحكمة و غزارة الفهم. فحسن التفكير و حزم التدبير أسعفاها في كثيرٍ من المواقف
الصعيبة والمحن الشديدة
(*)
التي تعرضت لها هي ومملكتها؛ و منها قصتها مع الملك ذي الأذعار الذي كان يضمرالشر لها و لمملكتها، ولكن دهاءها وحنكتها خلصاها من براثن ذي الأذعار و خلص
قومها من فساده و طغيانه و جبروته.
(*)
كما أنها عرفت بحسن المشاورة إلى جانب البراعة في المناورة، فهي لم تكن كبقية الملوك متسلطة في أحكامها، متزمتة لآرائها، لا تقبل النقاش أو المجادلة،
بل كانت كما أجرى الله على لسانها “ قالت أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون}، و ذلك على الرغم من أنه كان بمقدورها أن تكتفي برأيها
و هي الملكة العظيمة صاحبة الملك المهيب . فهي ببصيرتها النيّرة كانت ترى أبعد من مصلحة الفرد، فهّمها كان فيما يحقق مصلحة الجماعة.
(*)
كثيرةٌ هي القصص المذكورة في القرآن عن أقوامٍ لم يؤمنوا برسل الله و ظلوا على كفرهم على الرغم مما جاءهم من العلم . إلا أن بلقيس وقومها آمنوا برسول الله
سليمان –عليه السلام- ولم يتمادوا في الكفر بعدما علموا أن رسالته هي الحق وأن ما كانوا يعبدون من دون الله كان باطلاً. واعترفت بلقيس بأنها كانت ظالمة لنفسها
(بعبادتها لغير الله (قالت ربي إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين
(*)
كانت بلقيس فطينة رزينة، و كانت فطنتها نابعة من أساس كونها امرأة، فالمرأة خلقها الله –عز وجل- وجعلها تتمتع بحاسة تمكنها من التبصر في نتائج الأمور وعواقبها.
والشاهد على ذلك أنه كان لبلقيس –كعادة الملوك- عدد كبير من الجواري اللاتييقمن على خدمتها، فإذا بلغن استدعتهن فرادى، فتحدث كل واحدة عن الرجال فإن
رأت أن لونها قد تغير فطنت إلىأن جاريتها راغبة في الزواج، فتُزوجها بلقيس رجلاً من أشراف قومهاوتكرم مثواها. أما إذا لم تضطرب جاريتها ولم تتغير تعابير وجهها،
فطنت بلقيسإلى أنها عازفة عن الرجال، وراغبة في البقاء عندها ولم تكن بلقيس لتقصر معها. ومن أمارات فطنتها أيضا أنه لما ألقي
عليها كتاب سليمان علمت من ألفاظه أنه ليس ملكاً كسائر الملوك، وأنه لا بد وأن يكونرسول كريم وله شأنٌ عظيم؛ لذلك خالفت وزراءها الرأي عندما أشاروا عليها باللجوء إلى القوة، وارتأت بأن ترسل إلى سليمان بهدية، و كان المراد من وراء هذه الهدية ليس فقط لتغري وتلهيسليمان – عليه السلام - بها،
وإنما لتعرف أتغير الهدية رأيه و تخدعه؟ و لتتفقد أحواله و تعرف عن سلطانه و ملكه و جنوده. ومن علامة ذكائها أيضا أن سليمان – عليه السلام - عندما قال لها
متسائلاً “ أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو" ولم تؤكد أنه هو لعلمها أنها خلفت عرشها وراءها في سبأ ولم تعلم أن لأحد هذه القدرة العجيبة على جلبه من مملكتها إلى الشام.
كما أنها لم تنفِ أن يكون هو؛ لأنه يشبه عرشها لولا التغيير والتنكير الذي كان فيه .
وقفة عظيمة مع هذه الآية الكريمة
(( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ))
ففي هذهـ الآيه دليل على ان لباس المرأة و خاصة الملكات كان طويلا و ليس بالقصير ،