|
وقائع ما بعد رحيل النبي صلى الله عليه و آله
الفصل الأول: بعد استماع أنباء السقيفة
أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون.
2ـأنا أحق من قريش بالإمامة.
3ـاحتجوا بالشجرة و أضاعوا الثمرة.
ـ168ـ
1ـأحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون.
تلاوة أمير المؤمنين عليه السلام لما اخبر ببيعة القوم أبا بكر
لما تم لأبي بكر ما تم و بايعه من بايع،جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام و هو يسوي قبر رسول الله صلى الله عليه و آله بمساحة في يده فقال له:إن القوم قد بايعوا أبا بكر،و وقعت الخذلة في الأنصار لاختلافهم،و بدر الطلقاء بالعقد للرجل خوفا من إدراككم الأمر.فوضع عليه السلام طرف المساحة في الأرض و يده عليها ثم قال:
«/بسم الله الرحمن الرحيم.الم.أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون/ (1) ».
*الارشاد للمفيد ج 1 ص 189ـ190،بحار الأنوار ج 22 ص 519 الرقم 27،و ج 24 ص 230 الرقم 36،تفسير نور الثقلين ج 4 ص 149 الرقم .11
ـ169ـ
2ـأنا أحق من قريش بالإمامة.
قال المسعودي:و اتصل الخبر بأمير المؤمنين عليه السلام بعد فراغه من غسلرسول الله صلى الله عليه و آله و تحنيطه و تكفينه و تجهيزه و دفنه بعد الصلاة عليه مع من حضر من بني هاشم و قوم من صحابته مثل سلمان و أبيذر و المقداد و عمار و حذيفة و أبي بن كعب و جماعة نحو أربعين رجلا،فقام خطيبا فحمد الله و أثنى عليه ثم قال:
«إن كانت الإمامة في قريش فأنا أحق من قريش بها،و إن لا تكن في قريش فالأنصار على دعواهم» .
*إثبات الوصية للمسعودي ص 145،بحار الأنوار ج 28 ص .308
ـ170ـ
3ـاحتجوا بالشجرة و أضاعوا الثمرة.
لما انتهت إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و آله،قال عليه السلام:«ما قالت الانصار؟»قالوا:قالت:منا أمير و منكم أمير.قال عليه السلام:
«فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم وصى بأن يحسن إلى محسنهم،و يتجاوز عن مسيئهم؟»قالوا:و ما في هذا من الحجة عليهم؟فقال عليه السلام:
«لو كانت الإمامة فيهم لم تكن الوصية بهم»ثم قال عليه السلام:«فماذا قالت قريش؟»قالوا :احتجت بأنها شجرة الرسول«فقال عليه السلام:
«احتجوا بالشجرة و أضاعوا الثمرة».
*نهج البلاغة(صبحي الصالح)الخطبة 67 ص 97،خصائص الأئمة للسيد الرضي ص 86،بحار الانوار ج 29 ص 611 الرقم .26
الفصل الثاني: امتناعه عليه السلام عن البيعة و احتجاجه
1ـلا ابايعكم و أنتم أولى بالبيعة لي.
2ـالله الله لا تنسوا عهد نبيكم إليكم في أمري.
3ـلا علمت أن رسول الله صلى الله عليه و آله ترك يوم غدير خم لأحد حجة.
4ـيابن ام إن القوم استضعفوني.
5ـأكنت أترك رسول الله صلى الله عليه و آله ميتا في بيته؟
6ـأرادوا أن يحرقوا علي بيتي.
7ـإن فلانا و فلانا أتياني و طالباني بالبيعة.
8ـيا معشر قريش أنا أحق بهذا الأمر منكم.
9ـإتمام الحجة على الناس.
10ـإتمام الحجة على الخليفة.
11ـالحق لنا دونكم.
12ـأتكون الخلافة بالصحابة و لا تكون بالصحابة و القرابة؟
13ـأما الكراهة لأمرهم فلست أعتذر منه إلى الناس.
ـ171ـ
1ـلا أبايعكم و أنتم أولى بالبيعة لي.
قال ابن قتيبة في الامامة و السياسة:ثم إن عليا كرم الله وجهه أتي به إلى أبي بكر و هو يقول:
«أنا عبد الله و أخو رسوله».
فقيل له:بايع أبا بكر،فقال:
«أنا أحق بهذا الأمر منكم،لا أبايعكم و أنتم أولى بالبيعة لي،أخذتم هذا الأمر من الأنصار،و احتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه و آله،و سلم،و تأخذونه منا أهل البيت غصبا؟ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم،فأعطوكم المقادة،و سلموا إليكم الإمارة،و أنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار،نحن أولى برسول الله حيا و ميتا،فأنصفونا (2) إن كنتم تؤمنون و إلا فبوؤا بالظلم و أنتم تعلمون».
فقال له عمر:إنك لست متروكا حتى تبايع،فقال له علي:«إحلب حلبا لك شطره،و اشدد له اليوم أمره يردده عليك غدا».
ثم قال:
«و الله يا عمر لا أقبل قولك و لا أبايعه».
فقال له أبو بكر:فإن لم تبايع فلا أكرهك.فقال أبو عبيدة بن الجراح لعلي كرم الله وجهه :يا بن عم إنك حديث السن و هؤلاء مشيخة قومك،ليس لك مثل تجربتهم،و معرفتهم بالامور،و لا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك،و أشد احتمالا و اضطلاعا به،فسلم لأبي بكر هذا الامر،فإنك إن تعش و يطل بك بقاء،فأنت لهذا الأمر خليق و به حقيق،في فضلك و دينك،و علمك و فهمك،و سابقتك و نسبك و صهرك.فقال علي كرم الله وجهه:
«الله الله يا معشر المهاجرين،لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره و قعر بيته،إلى دوركم و قعور بيوتكم،و لا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس و حقه،فو الله يا معشر المهاجرين،لنحن أحق الناس به،لأنا أهل البيت،و نحن أحق بهذا الأمر منكم،ما كان فينا القارىء لكتاب الله،الفقيه في دين الله،العالم بسنن رسول الله،المضطلع (3) بأمر الرعية،المدافع عنهم الامور السيئة،القاسم بينهم بالسوية،و الله إنه لفينا،فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله،فتزدادوا من الحق بعدا».
فقال بشير بن سعيد الانصاري:لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر،ما اختلف عليك اثنان.
*الامامة و السياسة لابن قتيبة الدينوري ص 28ـ29،الاحتجاج للطبرسي ج 1 ص 182،الفتوح لابن اعثم الكوفي ج 1 ص 13،شرح نهج البلاغة لابن ابن الحديد ج 6 ص 11،الغدير ج 7 ص .80
ـ172ـ
2ـالله الله لا تنسوا عهد نبيكم إليكم في أمري.
بعد بيعة الناس أبا بكر قالوا لأمير المؤمنين عليه السلام:بايع أبا بكر،فقال علي عليه السلام:«أنا أحق بهذا الأمر منه و أنتم أولى بالبيعة لي،أخذتم هذا الأمر من الأنصار و احتججتم عليهم بالقرابة من الرسول،و تأخذونه منا أهل البيت غصبا،ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم،لمكانكم من رسول الله صلى الله عليه و آله،فأعطوكم المقادة و سلموا لكم الإمارة،و أنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار،أنا أولى برسول الله حيا و ميتا،و أنا وصيه و وزيره و مستودع سره و علمه،و أنا الصديق الأكبر و الفاروق الأعظم
و أول من آمن به و صدقه،و أحسنكم بلاء في جهاد المشركين،و أعرفكم بالكتاب و السنة و أفقهكم في الدين و أعلمكم بعواقب الأمور،و أذر بكم لسانا (4) و أثبتكم جنانا،فعلام تنازعونا هذا الأمر؟أنصفونا إن كنتم تخافون الله على أنفسكم،ثم اعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفته الأنصار لكم،و إلا فبؤوا بالظلم و العدوان و أنتم تعلمون».
فقال عمر:إنك لست متروكا حتى تبايع طوعا أو كرها فقال له علي عليه السلام:
«إحلب حلبا لك شطره،اشدد له اليوم ليرد عليك غدا،إذا و الله لا أقبل قولك و لا أحفل بمقامك و لا ابايع».
فقال له أبو بكر:مهلا يا أبا الحسن،ما نشدد عليك و لا نكرهك.
فقام أبو عبيدة بن الجراح إلى علي عليه السلام فقال له:يابن عم لسنا ندفع قرابتك و لا سابقتك و لا علمك و لا نصرتك،و لكنك حدث السنـو كان لعلي عليه السلام يومئذ ثلاث و ثلاثون سنةـو أبو بكر شيخ من مشايخ قومك،و هو أحمل لثقل هذا الأمر،و قدمضى الأمر بما فيه فسلم له،فإن عمرك الله يسلموا هذا الأمر اليك،و لا يختلف فيك اثنان بعد هذا،إلا و أنت به خليق و له حقيق،و لا تبعث الفتنة في غير أوانها فقد عرفت ما في قلوب العرب و غيرهم عليك .فقال أمير المؤمنين عليه السلام:
«يا معاشر المهاجرين و الأنصار،الله الله لا تنسوا عهد نبيكم إليكم في أمري،و لا تخرجوا سلطان محمد صلى الله عليه و آله من داره و قعر بيته إلى دوركم و قعر بيوتكم،و لا تدفعوا أهله عن حقه و مقامه في الناس.
فو الله يا معاشر الجمع،إن الله قضى و حكم،و نبيه أعلم و أنتم تعلمون،أنا أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم،أما كان القارىء منكم لكتاب الله (5) ،الفقيه في دين الله،المضطلع بأمر الرعية؟و الله إنه لفينا لا فيكم،فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا من الحق بعدا،و تفسدوا قديمكم بشر من حديثكم».
*الاحتجاج للطبرسي ج 1 ص 182،شرح ابن أبي الحديد ج 6 ص 11،الفتوح لابن أعثم الكوفي ج 1 ص 13ـ14،بحار الأنوار ج 28 ص .186
ـ173ـ
3ـلا علمت أن رسول الله صلى الله عليه و آله ترك يوم غدير خم لأحد حجة.
بعد احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام في المسجد و دعوته المهاجرين و الانصار لقبول عهد رسول الله صلى الله عليه و آله،فقال بشير بن سعد الأنصاري الذي وطأ الأمر لأبي بكر و قالت جماعة من الانصار:يا أبا الحسن لو كان هذا الكلام سمعته منك الانصار قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف فيك إثنان.
فقال علي عليه السلام:
«يا هؤلاء!أكنت أدع رسول الله مسجى لا أواريه و أخرج أنازع في سلطانه؟و الله ما خفت أحدا يسموا له و ينازعنا أهل البيت فيه و يستحلما استحللتموه و لا علمت أن رسول الله صلى الله عليه و آله ترك يوم غدير خم لأحد حجة و لا لقائل مقالا،فأنشد الله رجلا سمع النبي صلى الله عليه و آله يوم غدير خم يقول:«من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله أن يشهد الان بما سمع».
قال زيد بن ارقم:فشهد اثنا عشر رجلا بدريا بذلك و كنت ممن سمع القول من رسول الله صلى الله عليه و آله فكتمت الشهادة يومئذ فدعا علي عليه السلام فذهب بصري.
*الاحتجاج للطبرسي ج 1 ص 184،الإمامة و السياسة لإبن قتيبة الدينوري ص 29ـ30،بحار الانوار ج 28 ص 186ـ .187
ـ174ـ
4ـيابن ام إن القوم استضعفوني.
قال ابن قتيبة في الامامة و السياسة:و إن أبا بكر رضي الله عنه تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه،فبعث إليهم عمر،فجاء فناداهم و هم في دار علي،فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب و قال:و الذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها،فقيل له:يا أبا حفص إن فيها فاطمة؟فقال:و إن.فخرجوا فبايعوا إلا عليا فانه زعم أنه قال:
«حلفت أن لا أخرج و لا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن».
فوقفت فاطمة رضي الله عنها على بابها،فقالت:لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم،تركتم رسول الله جنازة بين أيدينا،و قطعتم أمركم بينكم،لم تستأمرونا،و لم تردوا لنا حقا.
فأتى عمر أبا بكر،فقال له:ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة؟فقال أبو بكر لقنفذ و هو مولى له:اذهب فادع لي عليا.قال:فذهب إلى علي فقال له:«ما حاجتك؟»فقال:يدعوك خليفة رسول الله،فقال علي:«لسريع ما كذبتم على رسول الله صلى الله عليه و آله».
فرجع فأبلغ الرسالة،قال:فبكى أبو بكر طويلا.فقال عمر ثانية:لا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة،فقال أبو بكر رضي الله عنه لقنفذ:عد إليه فقل له:خليفة رسول الله يدعوك لتبايع،فجاءه قنفذ،فادى ما أمر به،فرفع علي صوته فقال:
«سبحان الله؟لقد ادعى ما ليس له».
فرجع قنفذ،فأبلغ الرسالة،فبكى أبو بكر طويلا،ثم قام عمر،فمشى معه جماعة،حتى أتوا باب فاطمة،فدقوا الباب،فلما سمعت اصواتهم نادت بأعلى صوتها:«يا ابت يا رسول الله،ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب و ابن أبي قحافة»فلما سمع القوم صوتها و بكائها انصرفوا باكين و كادت قلوبهم تنصدع و أكبادهم تنفطر،و بقي عمر و معه قوم،فأخرجوا عليا،فمضوا به إلى أبي بكر،فقالوا له:بايع،فقال:
«إن أنا لم أفعل فمه؟».
قالوا:إذا و الله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك.فقال:
«إذا تقتلون عبد الله و أخا رسوله».
قال عمر:أما عبد الله فنعم،و أما أخو رسوله فلا.و أبو بكر ساكت لا يتكلم،فقال له عمر :ألا تأمر فيه بأمرك؟فقال:لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه،فلحق علي بقبر رسول الله يصيح و يبكي و ينادي:
«يابن ام إن القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني» (6) .
*الامامة و السياسة لابن قتيبة الدينوري ص 30،الاحتجاج للطبرسي ج 1 ص 202 و 208،شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 11 ص 111،اعلام النساء ج 4 ص 114،بحار الانوار ج 28 ص .356
ـ175ـ
5ـأكنت أترك رسول الله صلى الله عليه و آله ميتا في بيته؟
روى الجوهري باسناده عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام:
أن عليا حمل فاطمة على حمار،و سار بها ليلا إلى بيوت الأنصار،يسألهم النصرة،و تسألهم فاطمة الانتصار له،فكانوا يقولون:يا بنت رسول الله،قد مضت بيعتنا لهذا الرجل،لو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به،فقال علي:
«أكنت أترك رسول الله ميتا في بيته لا اجهزه،و أخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه؟!»و قالت فاطمة:ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له،و صنعوا هم ما الله حسبهم عليه.
*شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 6 ص 13 شرح خطبة 66،الامامة و السياسة لابن قتيبة الدينوري ص 29،الاحتجاج للطبرسي ج 1 ص 184،الفتوح لابن أعثم الكوفي ج 1 ص 13،أعلام النساء ج 4 ص 114،بحار الانوار ج 28 ص 186،و ص 352،الغدير ج 7 ص .81
ـ176ـ
6ـأرادوا أن يحرقوا علي بيتي.
لما بايع الناس أبا بكر دخل علي عليه السلام و الزبير و المقداد بيت فاطمة عليها السلام،و أبوا أن يخرجوا،فقال عمر بن الخطاب:اضرموا عليهم البيت نارا،فخرج الزبير و معه سيفه،فقال أبو بكر:عليكم بالكلب،فقصدوا نحوه،فزلت قدمه و سقط إلى الأرض و وقع السيف من يده،فقال أبو بكر:اضربوا به الحجر،فضرب بسيفه الحجر حتى انكسر.و خرج علي بن أبي طالب عليه السلام نحو العالية فلقيه ثابت بن قيس بن شماس (7) ،فقال:ما شأنك يا أبا الحسن؟فقال:«أرادوا أن يحرقوا علي بيتي و أبو بكر على المنبر يبايع له و لا يدفع عن ذلك و لا ينكره».
فقال له ثابت:و لا تفارق كفي يدك حتى أقتل دونك،فانطلقا جميعا حتى عادا إلى المدينة و إذا فاطمة عليها السلام واقفة على بابها و قد خلت دارها من أحد من القوم و هي تقول :«لا عهد لي بقوم أسوأ محضرا منكم،تركتم رسول الله صلى الله عليه و آله جنازة بين أيدينا و قطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا،و صنعتم بنا ما صنعتم و لم تروا لنا حقا».
*الأمالي للمفيد المجلس 6 الحديث 9،أعلام النساء ج 4 ص 114،بحار الانوار ج 28 ص .231
ـ177ـ
7ـإن فلانا و فلانا أتياني و طالباني بالبيعة.
عن أبي الحسن الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال:لما أتى أبو بكر و عمر إلى منزل أمير المؤمنين عليه السلام و خاطباه في البيعة و خرجا من عنده،خرج أمير المؤمنين عليه السلام إلى المسجد،فحمد الله و أثنى عليه بما اصطنع عندهم أهل البيت،إذ بعث فيهم رسولا منهم،و أذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا.ثم قال:
«إن فلانا و فلانا أتياني و طالباني بالبيعة لمن سبيله أن يبايعني،أنا ابن عم النبي صلى الله عليه و آله و أبو إبنيه،و الصديق الأكبر،و أخو رسول الله صلى الله عليه و آله لا يقولها أحد غيري إلا كاذب،و أسلمت و صليت،و أنا وصيه،و زوج ابنته سيدة نساء العالمين فاطمة بنت محمد عليهما السلام،و أبو حسن و حسين سبطي رسول الله صلى الله عليه و آله،و نحن أهل بيت الرحمة،بنا هداكم الله،و بنا استنقذكم من الضلالة،و أنا صاحب يوم الدوح (8) ،و في نزلت سورة من القرآن،و أناالوصي علي الأموات من أهل بيته صلى الله عليه و آله و أنا
بقيته على الأحياء من امته،فاتقوا الله يثبت أقدامكم و يتم نعمته عليكم».
ثم رجع عليه السلام إلى بيته.
*الامالي للطوسي المجلس 22 الحديث 1 ص 568،بحار الانوار ج 28 ص 248 الرقم .29
ـ178ـ
8ـيا معشر قريش أنا أحق بهذا الأمر منكم.
من كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى شيعته
«...و لم يكونوا لولاية أحد منهم أكره منهم لولايتي،كانوا يسمعون و أنا أحاج أبا بكر و أقول:يا معشر قريش أنا أحق بهذا الأمر منكم،ما كان منكم من يقرأ القرآن و يعرف السنة و يدين بدين الله الحق؟
و إنما حجتي أني ولي هذا الأمر من دون قريش،إن نبي الله صلى الله عليه و آله قال:«الولاء لمن أعتق»فجاء رسول الله صلى الله عليه و آله بعتق الرقاب من النار و أعتقها من الرق،فكان للنبي صلى الله عليه و آله ولاء هذه الامة،و كان لي بعده ما كان له،فما جاز لقريش من فضلها عليها بالنبي صلى الله عليه و آله جاز لبني هاشم على قريش،و جاز لي على بني هاشم بقول النبي صلى الله عليه و آله يوم غدير خم:«من كنت مولاه فعلي مولاه»،إلا أن تدعي قريش فضلها على العرب بغير النبي صلى الله عليه و آله،فإن شاءوا فليقولوا ذلك...».
*كشف المحجة للسيد ابن طاووس الفصل 155 ص 245،معادن الحكمة لعلم الهدى ج 1 ص 33،بحار الانوار ج 30 ص .7
ـ179ـ
9ـإتمام الحجة على الناس.
خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام و هي خطبة الوسيلة.قال أبو جعفر الباقر عليه السلام :إن أمير المؤمنين عليه السلام خطب الناس بالمدينة بعد سبعة أيام من وفاة رسول الله صلى الله عليه و آله،و ذلك حين فرغ من جمع القرآن و تأليفه فقال:
«الحمد لله الذي منع الأوهام أن تنال إلا وجوده (9) و حجب العقول أن تتخيل ذاته لامتناعها من الشبه و التشاكل بل هو الذي لا يتفاوت في ذاته و لا يتبعض بتجزئة العدد في كماله،فارق الأشياء لا على اختلاف الأماكن و يكون فيها لا على وجه الممازجة،و علمها لا بأداةـلا يكون العلم إلا بها (10) ـو ليس بينه و بين معلومه علم غيره به،كان عالما بمعلومه،إن قيل:كان،فعلى تأويل أزلية الوجود و إن قيل:لم يزل،فعلى تأويل نفي العدم (11) ،فسبحانه و تعالى عن قول من عبد سواه و اتخذ إلها غيره علوا كبيرا.
نحمده بالحمد الذي ارتضاه من خلقه و أوجب قبوله على نفسه و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله،شهادتان ترفعان القول و تضاعفان العمل،خف ميزان ترفعان منه و ثقل ميزان توضعان فيه و بهما الفوز بالجنة و النجاة من النار و الجواز على الصراط و بالشهادة تدخلون الجنة و بالصلاة تنالون الرحمة،أكثروا من الصلاة على نبيكم/إن الله و ملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما/ (12) صلى الله عليه و آله و سلم تسليما.
أيها الناس إنه لا شرف أعلى من الإسلام و لا كرم أعز من التقوىو لا معقل أحرز من الورع و لا شفيع أنجح من التوبة و لا لباس أجمل من العافية و لا وقاية أمنع من السلامة و لا مال أذهب بالفاقة من الرضا بالقناعة،و لا كنز أغنى من القنوع،و من اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة و تبوء خفض الدعة،و الرغبة مفتاح التعب،و الإحتكار مطية النصب،و الحسد آفة الدين،و الحرص داع إلى التقحم في الذنوب و هو داعي الحرمان،و البغي سائق الى الحين (13) ،و الشرة (14) جامع لمساوىء العيوب،رب طمع خائب و أمل كاذب و رجاء يؤدي
إلى الحرمان،و تجارة تؤول إلى الخسران،ألا و من تورط في الامور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفضحات النوائب،و بئست القلادة قلادة الذنب للمؤمن.
أيها الناس إنه لا كنز أنفع من العلم،و لا عز أرفع من الحلم،و لا حسب أبلغ من الأدب،و لا نصب (15) أوضع من الغضب،و لا جمال أزين من العقل،و لا سوأة (16) أسوء من الكذب،و لا حافظ أحفظ من الصمت،و لا غائب أقرب من الموت.
أيها الناس إنه من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره،و من رضي برزق الله لم يأسف على ما في يد غيره،و من سلم سيف البغي قتل به،و من حفر لأخيه بئرا وقع فيها،و من هتك حجاب غيره انكشف عورات بيته،و من نسي زلله استعظم زلل غيره،و من أعجب برأيه ضل،و من استغنى بعقله زل،و من تكبر على الناس ذل،و من سفه على الناسشتم،و من خالط الأنذال (17) حقر،و من حمل ما لا يطيق عجز.
أيها الناس إنه لا مال هو أعود (18) من العقل،و لا فقر هو أشد من الجهل،و لا واعظ هو أبلغ من النصح،و لا عقل كالتدبير،و لا عبادة كالتفكر،و لا مظاهرة (19) أوثق من المشاورة،و لا وحشة أشد من العجب (20) ،و لا ورع كالكف عن المحارم،و لا حلم كالصبر و الصمت.
أيها الناس في الإنسان عشر خصال يظهرها لسانه:شاهد يخبر عن الضمير،حاكم يفصل بين الخطاب،و ناطق يرد به الجواب،و شافع يدرك به الحاجة،و واصف يعرف به الأشياء،و أمير يأمر بالحسن،و واعظ ينهى عن القبيح،و معز (21) تسكن به الأحزان،و حاضر تجلى به الضغائن (22) ،و مونق (23) تلتذ به الأسماع.
أيها الناس إنه لا خير في الصمت عن الحكم كما أنه لا خير في القول بالجهل.
و اعلموا أيها الناس إنه من لم يملك لسانه يندم،و من لا يعلم يجهل،و من لا يتحلم لا يحلم (24) ،و من لا يرتدع (25) لا يعقل،و من لا يعقل يهن،و من يهن لا يوقر،و من لا يوقر يتوبخ،و من يكتسب مالا من غير حقهيصرفه في غير أجره (26) ،و من لا يدع و هو محمود يدع و هم مذموم (27) ،و من لم يعط قاعدا منع قائما (28) ،و من يطلب العز بغير حق يذل،و من يغلب بالجور يغلب،و من عاند الحق لزمه الوهن،و من تفقه وقر،و من تكبر حقر،و من لا يحسن لا يحمد.
أيها الناس إن المنية قبل الدنية (29) ،و التجلد قبل التبلد (30) ،و الحساب قبل العقاب (31) ،و القبر خير من الفقر،و غض البصر خير من كثير من النظر،و الدهر يوم لك و يوم عليك فإذا كان لك فلا تبطر (32) و إذا كان عليك فاصبر فبكليهما تمتحن (33) .
أيها الناس أعجب ما في الإنسان قلبه،و له مواد من الحكمة و أضداد من خلافها،فإن سنح له (34) الرجاء أذله الطمع،و إن هاج به الطمع أهلكه الحرص،و إن ملكه اليأس قتله الأسف،و إن عرض له الغضب اشتد به الغيظ،و إن أسعد بالرضا نسي التحفظ (35) ،و إن ناله الخوف شغله الحذر،و إن اتسع له الأمن من استلبته العزة (36) ،و إن جددت له نعمة أخذته العزة،و إن أفاد مالا أطغاه الغنى،و إن عضته (37) فاقة شغله البلاء (38) ،و إن أصابتهمصيبة فضحه الجزع،و إن أجهده الجوع قعد به الضعف،و إن أفرط في الشبع كظته البطنة
(39) ،فكل تقصير به مضر و كل إفراط له مفسد.
أيها الناس إنه من فل (40) ذل،و من جاد ساد،و من كثر ماله رأس (41) ،و من كثر حمله نبل (42) ،و من أفكر في ذات الله تزندق،و من أكثر من شيء عرف به،و من كثر مزاحه استخف به،و من كثر ضحكه ذهبت هيبته،فسد حسب من ليس له أدب،إن أفضل الفعال صيانة العرض بالمال،ليس من جالس الجاهل بذي معقول،من جالس الجاهل فليستعد لقيل و قال،لن ينجو من الموت غني بماله و لا فقير لإقلاله.
أيها الناس لو أن الموت يشترى لاشتراه من أهل الدنيا الكريم الأبلج و اللئيم الملهوج (43) .
أيها الناس إن للقلوب شواهد تجري الأنفس عن مدرجة (44) أهل التفريط و فطنة (45) الفهم للمواعظ ما يدعوا النفس إلى الحذر من الخطر،و للقلوب خواطر (46) للهوى،و العقول تزجر و تنهى،و في التجارب علم مستأنف،و الإعتبار يقود إلى الرشاد،و كفاك أدبا لنفسك ما تكرهه لغيرك،و عليك لأخيك المؤمن مثل الذي لك عليه،لقد خاطر (47) من استغنى برأيه،و التدبر قبل العمل فإنه يؤمنك من الندم،و من استقبل وجوه الآراء (48) عرف مواقع الخطأ،و من أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول (49) ،و من حصن شهوته فقد صان قدره،و
من أمسك لسانه أمنه قومه و نال حاجته،و في تقلب الأحوال علم جواهر الرجال،و الأيام توضح لك السرائر الكامنة،و ليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة (50) ،و من عرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار و الهيبة،و أشرف الغنى ترك المنى،و الصبر جنة من الفاقة،و الحرص علامة الفقر،و البخل جلباب المسكنة،و المودة قرابة مستفادة،و وصول معدم (51) خير من جاف مكثر،و الموعظة كهف لمن وعاها،و من أطلق طرفه كثر أسفه (52) ،و قد أوجب الدهر شكره على من نال سؤله،و قل ما ينصفك اللسان في نشر قبيح أو إحسان (53) ،و من ضاق خلقه مله أهله،و من نال
استطال،و قل ما تصدقك الامنية،و التواضع يكسوك المهابة،و في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق،كم من عاكف على ذنبه في آخر أيام عمره (54) ،و من كساه الحياء ثوبه خفي على الناس عيبه،وانح القصد من القول فإن من تحرى القصد خفت عليه المؤمن (55) ،و فيخلاف النفس رشدك،من عرف الأيام لم يغفل عن الإستعداد،ألا و إن مع كل جرعة شرقا و إن في كل أكلة غصصا،لا تنال نعمة إلا بزوال اخرى،و لكل ذي رمق قوت،و لكل حبة آكل،و أنت قوت الموت.
إعلموا أيها الناس أنه من مشي على وجه الأرض فإنه يصير إلى بطنها،و الليل و النهار يتنازعان (56) في هدم الأعمار.
يا أيها الناس كفر النعمة لؤم،و صحبة الجاهل شؤم،إن من الكرم لين الكلام،و من العبادة إظهار اللسان و إفشاء السلام،إياك و الخديعة فإنها من خلق اللئيم،ليس كل طالب يصيب و لا كل غائب يؤوب،لا ترغب فيمن زهد فيك،رب بعيد هو أقرب من قريب،سل عن الرفيق قبل الطريق و عن الجار قبل الدار،ألا و من أسرع في المسير أدركه المقيل (57) ،استر عورة أخيك كما تعلمها فيك،اغتفر زلة صديقك ليوم يركبك عدوك،من غضب على من لا يقدر على ضره طال حزنه و عذب نفسه،من خاف ربه كف ظلمه (58) ،و من لم يزغ (59) في كلامه أظهر فخره،و من لم
يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهيمة،إن من الفساد إضاعة الزاد،ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا،هيهات هيهات و ما تناكرتم إلا لما فيكم من المعاصي و الذنوب فما أقرب الراحة من التعب و البؤس من النعيم،و ما شر بشر بعده الجنة،و ما خير بخير بعده النار،و كل نعيم دون الجنة محقور،و كل بلاء دون النار عافية،و عند تصحيح الضمائر تبدوا الكبائر،تصفية العمل أشد من العمل و تخليص النية من الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد،هيهات لو لا التقى لكنت أدهى العرب (60) .أيها الناس إن الله تعالى وعد نبيه محمدا صلى الله عليه و آله الوسيلة و وعده
الحق و لن يخلف الله وعده،ألا و إن الوسيلة على درج الجنة و ذروة ذوائب الزلفة (61) و نهاية غاية الامنية،لها ألف مرقاة ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس (62) الجواد مائة عام،و هو ما بين مرقاة درة إلى مرقاة جوهرة،إلى مرقاة زبرجدة،إلى مرقاة لؤلؤة،إلى مرقاة ياقوتة،إلى مرقاة زمردة،إلى مرقاة مرجانة،إلى مرقاة كافور،إلى مرقاة عنبر،إلى مرقاة يلنجوج (63) ،إلى مرقاة ذهب،إلى مرقاة غمام،إلى مرقاة هواء،إلى مرقاة نور (64) ،قد أنافت كل جنان،و رسول الله صلى الله عليه و آله يومئذ قاعد عليها،مرتد بريطتين (65) .ريطة من رحمة
الله و ريطة من نور الله،عليه تاج النبوة و إكليل (66) الرسالة قد أشرق بنوره الموقف،و أنا يومئذ على الدرجة الرفيعة و هي دون درجته،و علي ريطتان ريطة من أرجوان النور و ريطة من كافور،و الرسل و الأنبياء قد وقفوا على المراقي،و أعلام الأزمنة و حجج الدهور عن أيماننا و قد تجللهم حلل النور و الكرامة،لا يرانا ملك مقرب و لا نبي مرسل إلا بهت بأنوارنا و عجب من ضيائنا و جلالتنا،و عن يمين الوسيلة عن يمين الرسول صلى الله عليه و آله غمامة بسطة البصر (67) يأتي منها النداء:يا أهل الموقف طوبى لمن أحب الوصي و آمن بالنبي الامي العربي و من كفر
فالنار موعده،و عن يسار الوسيلة عن يسار الرسول صلى الله عليه و آله ظلة يأتي منها النداء :يا أهل الموقف طوبى لمن أحب الوصي و آمن بالنبي الامي و الذيله الملك الأعلى،لا فاز أحد و لا نال الروح و الجنة إلا من لقي خالقه بالإخلاص لهما و الإقتداء بنجومهما،فأيقنوا يا أهل ولاية الله ببياض وجوهكم و شرف مقعدكم و كرم مآبكم و بفوزكم اليوم على سرر متقابلين،و يا أهل الإنحراف و الصدود عن الله عز ذكره و رسوله و صراطه و أعلام الأزمنة أيقنوا بسواد وجوهكم و غضب ربكم جزاءا بما كنتم تعملون.
و ما من رسول سلف و لا نبي مضى إلا و قد كان مخبرا امته بالمرسل الوارد من بعده و مبشرا برسول الله صلى الله عليه و آله و موصيا قومه باتباعه و محليه عند قومه ليعرفوه بصفته و ليتبعوه على شريعته و لئلا يضلوا فيه من بعده فيكون من هلك أو ضل بعد وقوع الإعذار و الإنذار عن بينة و تعيين حجة،فكانت الامم في رجاء من الرسل و ورود من الأنبياء و لئن اصيبت بفقد نبي بعد نبي على عظم مصائبهم و فجائعها بهم فقد كانت على سعة من الأمل،و لا مصيبة عظمت و لا رزية جلت كالمصيبة برسول الله صلى الله عليه و آله لأن الله ختم به الإنذار و
الإعذار و قطع به الإحتجاج و العذر بينه و بين خلقه،و جعله بابه الذي بينه و بين عباده و مهيمنه (68) الذي لا يقبل إلا به و لا قربة إليه إلا بطاعته،و قال في محكم كتابه:/من يطع الرسول فقد أطاع الله و من تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا/ (69) فقرن طاعته بطاعته و معصيته بمعصيته،فكان ذلك دليلا على ما فوض إليه و شاهدا له على من اتبعه و عصاه،و بين ذلك في غير موضع من الكتاب العظيم،فقال تبارك و تعالى في التحريض على اتباعه و الترغيب في تصديقه و القبول لدعوته:/قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم/ (70) فاتباعه صلى
الله عليه و آلهمحبة الله و رضاه غفران الذنوب و كمال الفوز و وجوب الجنة و في التولي عنه و الإعراض محادة الله و غضبه و سخطه،و البعد منه مسكن النار و ذلك قوله :/و من يكفر به من الأحزاب فالنار موعده/ (71) يعني الجحود به و العصيان له.
فإن الله تبارك اسمه إمتحن بي عباده و قتل بيدي أضداده و أفنى بسيفي جحاده و جعلني زلفة للمؤمنين و حياض موت على الجبارين و سيفه على المجرمين و شد بي أزر رسوله و أكرمني بنصره و شرفني بعلمه و حباني بأحكامه و اختصني بوصيته و اصطفاني بخلافته في امته،فقال صلى الله عليه و آله و قد حشده (72) المهاجرون و الأنصار و انغصت (73) بهم المحافل:«أيها الناس إن عليا مني كهارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي».فعقل المؤمنون عن الله نطق الرسول إذ عرفوني أني لست بأخيه لأبيه و امه كما كان هارون أخا موسى لأبيه و امه و لا كنت
نبيا فاقتضي نبوة و لكن كان ذلك منه استخلافا لي كما استخلف موسى هارون حيث يقول:/اخلفني في قومي و أصلح و لا تتبع سبيل المفسدين/ (74) .
و قوله صلى الله عليه و آله حين تكلمت طائفة فقالت:نحن موالي رسول الله صلى الله عليه و آله،فخرج رسول الله صلى الله عليه و آله إلى حجة الوداع ثم صار إلى غدير خم فأمر فأصلح له شبه المنبر ثم علاه و أخذ بعضدي حتى رئي بياض إبطيه رافعا صوته قائلا في محفله:«من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه»،فكانت على ولايتي ولاية الله و على عداوتي عداوة الله،و أنزل الله عز و جل في ذلك اليوم/اليوم أكملت لكم دينكم و أتممتعليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا/ (75) فكانت ولايتي كمال الدين و رضا الرب جل ذكره
و أنزل الله تبارك و تعالى اختصاصا لي و تكرما نحلنيه و إعظاما و تفضيلا من رسول الله صلى الله عليه و آله منحنيه و هو قوله تعالى:/ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم و هو أسرع الحاسبين/ (76) .
في مناقب لو ذكرتها لعظم بها الإرتفاع فطال لها الإستماع و لئن تقمصها دوني الأشقيان و نازعاني فيما ليس لهما بحق و ركباها ضلالة و اعتقداها جهالة فلبئس ما عليه وردا و لبئس ما لأنفسهما مهدا،يتلاعنان في دورهما و يتبرأ كل واحد منهما من صاحبه يقول لقرينة إذا التقيا:/يا ليت بيني و بينك بعد المشرقين فبئس القرين/ (77) فيجيبه الأشقى على رثوثة (78) :يا ليتني لم أتخذك خليلا لقد اضللتني عن الذكر بعد إذ جاءني و كان الشيطان للإنسان خذولا .
فأنا الذكر الذي عنه ضل،و السبيل الذي عنه مال،و الإيمان الذي به كفر،و القرآن الذي إياه هجر،و الدين الذي به كذب،و الصراط الذي عنه نكب،و لئن رتعا في الحطام المنصرم (79) و الغرور المنقطع و كانا منه على شفا حفرة من النار لهما على شر ورود،في أخيب وفود و ألعن مورود،يتصارخان باللعنة و يتناعقان (80) بالحسرة،ما لهما من راحة و لا عن عذابهما من مندوحة.
إن القوم لم يزالوا عباد أصنام و سدنة أوثان،يقيمون لها المناسكو ينصبون لها العتائر (81) ،و يتخذون لها القربان،و يجعلون لها البحيرة و الوصيلة و السائبة و الحام (82) ،و يستقسمون بالأزلام (83) عامهين (84) عن الله عز ذكره،حائرين عن الرشاد،مهطعين إلى العباد،و قد استحوذ عليهم الشيطان،و غمرتهم سوداء الجاهلية و رضعوها جهالة و انفطموها ضلالة،فأخرجنا الله إليهم رحمة و أطلعنا عليهم رأفة و أسفر بنا عن الحجب نورا لمن اقتبسه و فضلا لمن اتبعه و تأييدا لمن صدقه،فتبوؤا العز بعد الذلة و الكثرة بعد
القلة و هابتهم القلوب و الأبصار و أذعنت لهم الجبابرة و طوائفها و صاروا أهل نعمة مذكورة و كرامة ميسورة و أمن بعد خوف و جمع بعد كوف (85) ،و أضاءت بنا مفاخر معد بن عدنان و أولجناهم (86) باب الهدى و أدخلناهم دار السلام و أشملناهم ثوب الإيمان و فلجوا بنا في العالمين،و أبدت لهم أيام الرسول آثار الصالحين من حام مجاهد و مصلى قانت و معتكف زاهد،يظهرون الأمانة و يأتون المثابة،حتى إذا دعا الله عز و جل نبيه صلى الله عليه و آله و رفعه إليه لم يك ذلك بعده إلا كلمحة من خفقة (87) أو و ميض (88) من برقة إلى أن رجعوا على الأعقاب و
انتكصوا (89) على الأدبار و طلبوا بالأوتار و أظهروا الكتائب و ردموا الباب و فلوا (90) الديار و غيروا آثاررسول الله صلى الله عليه و آله و رغبوا عن أحكامه و بعدوا من أنواره و استبدلوا بمستخلفه بديلا اتخذوه و كانوا ظالمين،و زعموا أن من اختاروا من آل أبي قحافة أولى بمقام رسول الله صلى الله عليه و آله ممن اختار رسول الله صلى الله عليه و آله لمقامه،و أن مهاجر آل أبي قحافة خير من المهاجري الأنصاري الرباني ناموس هاشم بن عبد مناف.
ألا و إن أول شهادة زور وقعت في الإسلام شهادتهم أن صاحبهم مستخلف رسول الله صلى الله عليه و آله،فلما كان من أمر سعد بن عبادة ما كان،رجعوا عن ذلك و قالوا:إن رسول الله صلى الله عليه و آله مضى و لم يستخلف،فكان رسول الله صلى الله عليه و آله الطيب المبارك أول مشهود عليه بالزور في الإسلام و عن قليل يجدون غب (91) ما يعملون و سيجدون التالون غب ما أسسه الأولون،و لئن كانوا في مندوحة من المهل (92) و شفاء من الأجل وسعة من المنقلب و استدراج من الغرور و سكون من الحال و إدراك من الأمل فقد أمهل الله عز و جل شداد بن
عاد و ثمود بن عبود و بلعم بن باعور و أسبغ عليهم نعمة ظاهرة و باطنة و أمدهم بالأموال و الأعمار و أتتهم الأرض ببركاتها ليذكروا آلاء الله و ليعرفوا الإهابة له و الإنابة إليه و لينتهوا عن الإستكبار،فلما بلغوا المدة و استتموا الاكلة أخذهم الله عز و جل و اصطلمهم (93) ،فمنهم من حصب،و منهم من أخذته الصيحة،و منهم من أحرقته الظلة،و منهم من أودته الرجفة،و منهم من أردته الخسفة/و ما كان الله ليظلمهم و لكن كانوا أنفسهم يظلمون/ (94) ،ألا و إن لكل أجل كتابا فإذا بلغ الكتاب أجله لو كشف لك عما هوى إليه الظالمون و آل إليه الأخسرون لهربت إلى
الله عزو جل مما هم عليه مقيمون و إليه صائرون.
ألا و إني فيكم أيها الناس كهارون في آل فرعون،و كباب حطة في بني إسرائيل و كسفينة نوح في قوم نوح،إني النبأ العظيم و الصديق الأكبر،و عن قليل ستعلمون ما توعدون،و هل هي إلا كلعقة الآكل و مذقة الشارب و خفقة الوسنان (95) ،ثم تلزمهم المعرات (96) خزيا في الدنيا و يوم القيامة يردون إلى أشد العذاب،و ما الله بغافل عما يعملون،فما جزاء من تنكب محجته؟و أنكر حجته،و خالف هداته،و حاد عن نوره،و اقتحم في ظلمه،و استبدل بالماء السراب و بالنعيم العذاب و بالفوز الشقاء و بالسراء الضراء و بالسعة الضنك،إلا جزاء اقترافه
و سوء خلافه،فليوقنوا بالوعد على حقيقته و ليستيقنوا بما يوعدون،/يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج*إنا نحن نحي و نميت و إلينا المصير*يوم تشقق الأرض عنهم سراعا/ (97) إلى آخر السورة.
*الروضة من الكافي ص 18،التوحيد للصدوق ص 72 الرقم 27،تحف العقول ص 92،بحار الأنوار ج 24 ص 19 الرقم 33،ج 77 ص 382 الرقم .5
ـ180ـ
10ـإتمام الحجة على الخليفة.
إحتجاج أمير المؤمنين عليه السلام على أبي بكر لما كان يعتذر إليه من بيعة الناس له و يظهر الإنبساط له.
عن جعفر بن محمد،عن أبيه،عن جده عليهم السلام قال:لما كان من أمر أبي بكر و بيعة الناس له و فعلهم بعلي عليه السلام،لم يزل أبو بكر يظهر له الإنبساط،و يرى منهالإنقباض،فكبر ذلك على أبي بكر و أحب لقاءه و استخراج ما عنده،و المعذرة إليه مما اجتمع الناس عليه،و تقليدهم إياه أمر الامة و قلة رغبته في ذلك و زهده فيه.
أتاه في وقت غفلة و طلب منه الخلوة فقال:يا أبا الحسن،و الله ما كان هذا الأمر عن مواطاة مني و لا رغبة فيما وقعت فيه و لا حرص عليه،و لا ثقة بنفسي فيما تحتاج إليه الامة،و لا قوة لي بمال و لا كثرة العشيرة،و لا استيثار به دون غيري،فمالك تضمر علي ما لم أستحقه منك،و تظهر لي الكراهة لما صرت فيه،و تنظر إلي بعين الشنائة لي؟
قال:فقال أمير المؤمنين عليه السلام:
«فما حملك عليه إذ لم ترغب فيه،و لا حرصت عليه و لا وثقت بنفسك في القيام به؟»قال:فقال أبو بكر:حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه و آله:«إن الله لا يجمع امتي على ضلال»فلما رأيت إجماعهم اتبعت قول النبي صلى الله عليه و آله،و أحلت أن يكون إجماعهم على خلاف الهدى من الضلال،فأعطيتهم قود الإجابة،و لو علمت أن أحدا يتخلف لامتنعت.فقال علي عليه السلام:
«أما ما ذكرت من حديث النبي صلى الله عليه و آله:إن الله لا يجمع امتي على ضلال،أفكنت من الامة أم لم أكن؟»قال:بلى.قال عليه السلام:
«و كذلك العصابة الممتنعة عنك،من سلمان،و عمار،و أبي ذر،و المقداد،و ابن عبادة،و من معه من الأنصار؟»قال:كل من الامة.قال علي عليه السلام:
«فكيف تحتج بحديث النبي صلى الله عليه و آله و أمثال هؤلاء قد تخلفوا عنك؟و ليس للامة فيهم طعن و لا في صحبة الرسول صلى الله عليه و آله و لصحبته منهم تقصير».قال:ما علمت بتخلفهم إلا من بعد إبرام الأمر،و خفت إن قعدت عن الأمر،ان يرجع الناس مرتدين عن الدين،و كان ممارستهم إلي إن أجبتهم أهون مؤونة على الدين و إبقاء له من ضرب الناس بعضهم ببعض فيرجعون كفارا،و علمت أنك لست بدوني في الإبقاء عليهم و على أديانهم.
فقال علي عليه السلام:
«أجل و لكن أخبرني على الذي يستحق هذا الأمر بما يستحقه؟»فقال أبو بكر:بالنصيحة،و الوفاء،و دفع المداهنة،و المحاباة،و حسن السيرة،و إظهار العدل،و العلم بالكتاب و السنة،و فصل الخطاب،مع الزهد في الدنيا و قلة الرغبة فيها،و انتصاف المظلوم من الظالم للقريب و البعيد،ثم سكت.
فقال علي عليه السلام:
«و السابقة و القرابة...».
فقال أبو بكر:و السابقة و القرابة.
فقال علي عليه السلام:
«أنشدك بالله يا أبا بكر،أفي نفسك تجد هذه الخصال أو في؟».
قال أبو بكر:بل فيك يا أبا الحسن.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنا المجيب لرسول الله صلى الله عليه و آله قبل ذكران المسلمين أم أنت؟» .
قال:بل أنت.قال علي عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنا صاحب الأذان لأهل الموسم و الجمع الأعظم للامة بسورة براءة أم أنت؟»قال :بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله يا أبا بكر،أنا وقيت رسول الله صلى الله عليه و آله يوم الغار (98) أم أنت؟».قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنا المولى لك و لكل مسلم بحديث النبي صلى الله عليه و آله يوم الغدير أم أنت؟».
قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،ألي الولاية من الله مع ولاية رسوله في آية الزكاة بالخاتم (99) ،أم لك؟».
قال:بل لك.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،ألي الوزارة من رسول الله صلى الله عليه و آله و المثل من هارون من موسى أم لك؟».
قال:بل لك.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أبي برز رسول الله صلى الله عليه و اله و بأهلي و ولدي في مباهلة المشركين،أم بك و بأهلك و ولدك؟»قال:بل بكم.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،ألي و لأهلي و ولدي آية التطهير (100) من الرجس أم لك و لأهل بيتك؟».
قال:بل لك و لأهل بيتك.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنا صاحب دعوة رسول الله صلى الله عليه و آله و أهلي و ولدي يوم الكساء :«اللهم هؤلاء أهلي إليك لا إلى النار».أم أنت؟».
قال:بل أنت و أهلك و ولدك.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنا صاحب آية:/يوفون بالنذر و يخافون يوما كان شره مستطيرا/ (101) أم أنت؟».قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنت الذي ردت له الشمس لوقت صلاته،فصلاها ثم توارت أم أنا؟».
قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنت الفتى الذي نودي من السماء:لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي،أم أنا؟»
قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنت الذي حباك رسول الله صلى الله عليه و آله برايته يوم خيبر،ففتح الله له أم أنا؟».
قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنت الذي نفست عن رسول الله صلى الله عليه و آله و عن المسلمين بقتل عمرو بن عبدود أم أنا؟».
قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنت الذي نفست عن رسول الله صلى الله عليه و آله و عن المسلمين بقتل عمر و بن عبد ود أم أنا؟».
قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنت الذي ائتمنك رسول الله صلى الله عليه و آله على رسالته إلى الجن فأجابت،أم أنا؟».
قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنا الذي طهره الله من السفاح من لدن آدم إلى أبيه،بقول رسول الله:«خرجت أنا و أنت من نكاح لا من سفاح،من لدن آدم إلى عبد المطلب»أم أنت؟».
قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنا الذي اختارني رسول الله صلى الله عليه و آله و زوجني ابنته فاطمة عليها السلام و قال:الله زوجك إياها في السماء أم أنت؟»قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنا والد الحسن و الحسين سبطيه و ريحانتيه إذ يقول:«هما سيدا شباب أهل الجنة و أبوهما خير منهما.أم أنت؟»قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أخوك المزين بالجناحين يطير في الجنة مع الملائكة أم أخي؟».
قال:بل أخوك.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنا ضمنت دين رسول الله صلى الله عليه و آله و ناديت في الموسم بإنجاز مواعده أم أنت؟»قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنا الذي دعاه رسول الله صلى الله عليه و آله و الطير عنده يريد أكله يقول :«اللهم إيتني بأحب خلقك إلي و إليك بعدي يأكل معي من هذا الطير»فلم يأته غيري،أم أنت؟» .
قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنا الذي بشرني رسول الله صلى الله عليه و آله بقتال الناكثين،و القاسطين،و المارقين،على تأويل القرآن أم أنت؟».
قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنا الذي دل عليه رسول الله صلى الله عليه و آله بعلم القضاء و فصل الخطاب بقوله:«علي أقضاكم أم أنت؟»قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنا الذي أمر رسول الله صلى الله عليه و آله أصحابه بالسلام عليه بالإمرة في حياته،أم أنت؟»قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنا الذي شهدت آخر كلام رسول الله صلى الله عليه و آله و وليت غسله و دفنه،أم أنت؟»قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنت الذي سبقت له القرابة من رسول الله صلى الله عليه و آله أم أنا؟».
قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنت الذي حباك الله بالدينار عند حاجته إليه و باعك جبرئيل،و أضفت محمدا صلى الله عليه و آله فأطعمت ولده،أم أنا؟».
قال:فبكى أبو بكر و قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنت الذي جعلك رسول الله صلى الله عليه و آله على كتفه في طرح صنم الكعبة و كسره حتى لو شئت أن أنال افق السماء لنلتها (102) ،أم أنا؟»
قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنت الذي قال لك رسول الله صلى الله عليه و آله:«أنت صاحب لواي في الدنيا و الآخرة أم أنا»
قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنت الذي أمرك رسول الله صلى الله عليه و آله بفتح بابه في مسجده عندما أمر بسد أبواب جميع أهل بيته و أصحابه و أحل لك فيه ما أحل الله له أم أنا؟».
قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنت الذي قدمت بين يدي نجوى رسول الله صلى الله عليه و آلهصدقة فناجيته،إذ عاتب الله قوما فقال:/ءاشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات/ (103) الآية،أم أنا؟»
قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله،أنت الذي قال رسول الله صلى الله عليه و آله لفاطمة:زوجتك أول الناس إيمانا،و أرجحهم إسلاما.في كلام له،أم أنا؟».
قال:بل أنت.قال عليه السلام:
«فأنشدك بالله يا أبا بكر،أنت الذي سلمت عليه ملائكة سبع سماوات يوم القليب،أم أنا؟»
قال:بل أنت.
قال:فلم يزل عليه السلام يورد مناقبه التي جعل له و رسوله صلى الله عليه و آله دونه و دون غيره،و يقول له أبو بكر:بل أنت.
قال عليه السلام:
«فبهذا و شبهه يستحق القيام بامور أمة محمد صلى الله عليه و آله فما الذي غرك عن الله تعالى و عن رسوله و دينه،و أنت خلو مما يحتاج إليه أهل دينه».
قال:فبكى أبو بكر و قال:صدقت يا أبا الحسن،أنظرني قيام يومي فأدبر ما أنا فيه و ما سمعت منك.
قال:فقال علي عليه السلام:
«لك ذلك يا أبا بكر».
*الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 304،الخصال للصدوق ابواب الاربعين الرقم 30 ص 548،تاريخ الطبري ج 2 ص 236،بحار الأنوار ج 29 ص .3
ـ181ـ
11ـالحق لنا دونكم.
من كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية«...و لما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله صلى الله عليه و آله فلجوا عليهم (104) ،فإن يكن الفلج به فالحق لنا دونكم،و إن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم...».
*نهج البلاغة(صبحي الصالح)الكتاب 28 ص 387،بحار الانوار ج 29 ص 621 الرقم .30
ـ182ـ
12ـأتكون الخلافة بالصحابة و لا تكون بالصحابة و القرابة؟
من كلام أمير المؤمنين عليه السلام:
«و اعجباه!أتكون الخلافة بالصحابة و لا تكون بالصحابة و القرابة؟»قال الرضي:و روي له شعر في هذا المعنى:
«فإن كنت بالشورى ملكت امورهم*فكيف بهذا و المشيرون غيب؟
و إن كنت بالقربى حججت خصيمهم*فغيرك أولى بالنبي و أقرب»قال ابن أبي الحديد في شرح هذا الكلام:حديثه عليه السلام في النثر و النظم المذكورين مع أبي بكر و عمر،أما النثر فإلى عمر توجيهه لأن أبا بكر لما قال لعمر:امدد يدك،قال له عمر:أنت صاحب رسول الله في المواطن كلها،شدتها و رخائها فامدد انت يدك.فقال علي عليه السلام:إذا احتججت لاستحقاقه الأمر بصحبته إياه في المواطن كلها،فهلا سلمت الأمر إلى من قد شركه في ذلك و زاد عليه«بالقرابة» !و اما النظم فموجه إلى أبي بكر،لأن أبا بكر حاج الأنصار في السقيفة،فقال:نحن عترة رسول
الله،و بيضته التي تفقأت عنه،فلما بويع احتج على الناس بالبيعة،و أنها صدرت عن أهل الحل و العقد،فقال علي عليه السلام:اما احتجاجك على الأنصار بأنك من بيضة رسول الله صلى الله عليه و آله و من قومه،فغيرك أقرب نسبا منك إليه،و اما احتجاجك بالاختيار و رضا الجماعة بك،فقد كان قوم من جملة الصحابة غائبين لم يحضروا العقد فكيف يثبت!
*نهج البلاغة(فيض الاسلام)،الحكمة 181 ص 1173،شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 18 ص 416،خصائص الائمة للرضي ص 111،كتاب التعجب للكراجكي ص 13،الديوان المنسوب الى أمير المؤمنين عليه السلام ص 138 الرقم 82،غرر الحكم ج 2 ص 785 الرقم .64
ـ183ـ
13ـأما الكراهة لأمرهم فلست أعتذر منه إلى الناس.
من كتاب أمير المؤمنين عليه السلام أجاب به معاوية:
«...و ذكرت حسدي الخلفاء،و إبطائي عنهم،و بغيي عليهم.فأما البغي فمعاذ الله أن يكون،و أما الإبطاء عنهم و الكراهة لأمرهم فلست أعتذر منه إلى الناس،لأن الله جل ذكره لما قبض نبيه صلى الله عليه و آله قالت قريش:منا أمير،و قالت الأنصار:منا أمير.
فقالت قريش:منا محمد رسول الله صلى الله عليه و آله،فنحن أحق بذلك الامر،فعرفت ذلك الأنصار،فسلمت لهم الولاية و السلطان،فإذا استحقوها بمحمد صلى الله عليه و آله دون الأنصار،فإن أولى الناس بمحمد صلى الله عليه و آله أحق بها منهم،و إلا فإن الأنصار أعظم العرب فيها نصيبا،فلا أدري أصحابي سلموا من أن يكونوا حقي أخذوا،أو الأنصار ظلموا،بل عرفت أن حقي هو المأخوذ،و قد تركته لهم تجاوز الله عنهم...».
*وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 90،العقد الفريد ج 4 ص 336،مناقب الخوارزمي ص 253،شرح ابن أبي الحديد ج 15 ص 78،بحار الانوار ج 29 ص 632 الرقم .47
الفصل الثالث: افتقاده عليه السلام المناصرين
1ـليس لي مساعد إلا أهل بيتي.
2ـلم يستجب لي من جميع الناس إلا أربعة رهط.
3ـلو كان لي بعد رسول الله صلى الله عليه و آله حمزة و جعفر لم ابايع كرها.
4ـلو وجدت أربعين رجلا لما كففت يدي.
5ـلو كان لي عدة أصحاب لوط أو عدة أهل بدر...
6ـيا علي إن وجدت فئة تقاتل بهم فاطلب حقك.
7ـإن لي بستة من الأنبياء أسوة.
ـ184ـ
1ـليس لي مساعد إلا أهل بيتي.
من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في التظلم و التشكي من قريش:
«اللهم إني أستعديك (105) على قريش و من أعانهم،فإنهم قد قطعوا رحمي و أكفؤوا إنائي (106) ،و أجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري،و قالوا:ألا إن في الحق أن تأخذه،و في الحق أن تمنعه،فاصبر مغموما،أو مت متأسفا.
فنظرت فإذا ليس لي رافد (107) و لا ذاب (108) و لا مساعد،إلا أهل بيتي،فضننت (109) بهم عن المنية،فأغضيت على القذى (110) ،و جرعت ريقي على الشجا (111) ،و صبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم،و آلم للقلب من و خز الشفار (112) ».
*نهج البلاغة(صبحي الصالح)الخطبة 217 ص 336،و الخطبة 26 ص 68،بحار الانوارج 29 ص 607 الرقم .22
ـ185ـ
2ـلم يستجب لي من جميع الناس إلا أربعة رهط.
من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في جواب الأشعث بن قيس حين قال:فما يمنعك يابن أبي طالب حين بويع أخو تيم بن مرة و أخو بني عدي بن كعب و أخو بني امية بعدهما أن تقاتل و تضرب بسيفك؟و أنت لم تخطبنا خطبة منذ كنت قدمت العراق إلا و قد قلت فيها قبل أن تنزل عن منبرك:«و الله إني لأولى الناس بالناس و ما زلت مظلوما منذ قبض الله محمد صلى الله عليه و آله».فما منعك أن تضرب بسيفك دون مظلمتك؟
فقال له علي عليه السلام:
«...فلما قبض رسول الله صلى الله عليه و آله مال الناس إلى أبي بكر فبايعوه و أنا مشغول برسول الله صلى الله عليه و آله بغسله و دفنه.ثم شغلت بالقرآن،فآليت على نفسي أن لا أرتدي إلا للصلاة حتى أجمعه في كتاب،ففعلت ثم حملت فاطمة و أخذت بيد إبني الحسن و الحسين،فلم أدع أحدا من أهل بدر و أهل السابقة من المهاجرين و الأنصار إلا ناشدتهم الله في حقي و دعوتهم إلى نصرتي فلم يستجب لي من جميع الناس إلا أربعة رهط:سلمان و أبو ذر و المقداد و الزبير،و لم يكن معي أحد من أهل بيتي أصول به و لا أقوي به،أما حمزة فقتل يوم أحد،و أما جعفر
فقتل يوم مؤتة،و بقيت بين جلفين جافيين ذليلين حقيرين عاجزين،العباس و عقيل،و كانا قريبي العهد بكفر.
فأكرهوني و قهروني فقلت كما قال هارون لأخيه:/يا بن ام إن القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني/ (113) فلي بهارون اسوة حسنة ولي بعهدرسول الله صلى الله عليه و آله حجة قوية».
*كتاب سليم بن قيس الحديث 12 ص 665،الاحتجاج للطبرسي ج 1 ص 449 الرقم 104،ارشاد القلوب ص 394ـ395،بحار الانوار ج 29 ص 419 الرقم 2،و ص .468
ـ186ـ
3ـلو كان لي بعد رسول الله صلى الله عليه و آله حمزة و جعفر لم أبايع كرها.
من كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى شيعته:
«...و قد كان رسول الله صلى الله عليه و آله عهد إلي عهدا فقال:يا بن أبي طالب لك ولاء امتي،فإن ولوك في عافية و أجمعوا عليك بالرضا فقم بأمرهم،و إن اختلفوا عليك فدعهم و ما هم فيه فإن الله سيجعل لك مخرجا.
فنظرت فإذا ليس لي رافد و لا معي مساعد إلا أهل بيتي،فضننت بهم عن الهلاك،و لو كان لي بعد رسول الله صلى الله عليه و آله عمي حمزة و أخي جعفر لم ابايع كرها،و لكني بليت برجلين حديثي عهد بالإسلام،العباس و عقيل،فضننت بأهل بيتي عن الهلاك،فأغضيت عيني على القذى،و تجرعت ريقي على الشجا و صبرت على أمر من العلقم،و آلم للقلب من حز الشفار».
*كشف المحجة لثمرة المهجة،الفصل 155 ص 248،بحار الانوار ج 30 ص 15 الرقم .1
ـ187ـ
4ـلو وجدت أربعين رجلا لما كففت يدي.
و من كلام أمير المؤمنين عليه السلام:دار بينه و بين الاشعث بن قيس:
«...يا بن قيس،أما و الذي فلق الحبة و برأ النسمة،إني لو وجدت يوم بويع أخو تيمـالذي عيرتني بدخولي في بيعتهـأربعين رجلا كلهم علىمثل بصيرة الأربعة الذين قد وجدت،لما كففت يدي و لناهضت القوم،و لكن لم أجد خامسا فأمسكت».
قال الاشعث:فمن الاربعة،يا أمير المؤمنين؟قال عليه السلام:
«سلمان و أبو ذر و المقداد و الزبير بن صفية قبل نكثه بيعتي،فإنه بايعني مرتين:أما بيعته الاولى التي و فى بها فإنه لما بويع أبو بكر أتاني أربعون رجلا من المهاجرين و الأنصار فبايعوني و فيهم الزبير،فأمرتهم أن يصبحوا عند بابي محلقين رؤوسهم عليهم السلاح،فما و فى لي و لا صدقني منهم أحد غير أربعة:سلمان و أبو ذر و المقداد و الزبير.
و أما بيعته الاخرى إياي،فإنه أتاني هو و صاحبه طلحة بعد ما قتل عثمان فبايعاني طائعين غير مكرهين،ثم رجعا عن دينهما مرتدين ناكثين مكابرين معاندين خاسرين،فقتلهما الله إلى النار.و أما الثلاثةـسلمان و أبو ذر و المقدادـفثبتوا على دين محمد صلى الله عليه و آله و على ملة إبراهيم حتى لحقوا بالله يرحمهم الله.
يا بن قيس،و الذي فلق الحبة و برأ النسمة،لو أن اولئك الأربعين الذين بايعوا وفوا لي و أصبحوا على بابي محلقين رؤوسهم قبل أن تجب لعتيق في عنقي بيعة لناهضته و حاكمته إلى الله عز و جل.و لو وجدت قبل بيعة عثمان أعوانا لناهضتهم و حاكمتهم إلى الله،فإن إبن عوف جعلها لعثمان و اشترط عليه فيما بينه و بينه أن يردها عليه عند موته،و أما بعد بيعتي إياهم فليس إلى مجاهدتهم سبيل».
*كتاب سليم بن قيس الحديث 12 ص 668ـ669،ارشاد القلوب ص 397،بحار الانوار ج 29 ص 470ـ .471
ـ188ـ
5ـلو كان لي عدة أصحاب لوط أو عدة أهل بدر...
من خطبة أمير المؤمنين عليه السلام في معاتبة أصحابه،خطبها بالمدينة.
«...أيها الامة التي خدعت فانخدعت و عرفت خديعة من خدعها فأصرت على ما عرفت و اتبعت أهواءها و ضربت في عشواء غوايتها و قد استبان لها الحق فصدت عنه،و الطريق الواضح فتنكبته،أما و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لو اقتبستم العلم من معدنه و شربتم الماء بعذوبته و ادخرتم الخير من موضعه و أخذتم الطريق من واضحه و سلكتم من الحق نهجه،لنهجت بكم السبل و بدت لكم الأعلام و أضاء لكم الإسلام،فأكلتم رغدا و ما عال فيكم عائل و لا ظلم منكم مسلم و لا معاهد،و لكن سلكتم سبيل الظلام فأظلمت عليكم دنياكم برحبها و سدت عليكم أبواب
العلم،فقلتم بأهوائكم و اختلفتم في دينكم،فأفتيتم في دين الله بغير علم و اتبعتم الغواة فأغوتكم و تركتم الأئمة فتركوكم،فأصبحتم تحكمون بأهوائكم إذا ذكر الامر سألتم أهل الذكر فإذا أفتوكم قلتم هو العلم بعينه،فكيف و قد تركتموه و نبذتموه و خالفتموه (114) ؟رويدا عما قليل تحصدون جميع ما زرعتم و تجدون وخيم ما اجترمتم و ما اجتلبتم (115) .
و الذي فلق الحبة و برأ النسمة،لقد علمتم أني صاحبكم و الذي به أمرتم،و أني عالمكم و الذي بعلمه نجاتكم،و وصي نبيكم و خيرة ربكم و لسان نوركم و العالم بما يصلحكم،فعن قليل رويدا ينزل بكم ما وعدتم و ما نزل بالامم قبلكم و سيسألكم الله عز و جل عن أئمتكم،معهمتحشرون و إلى الله عز و جل غدا تصيرون.
أما و الله لو كان لي عدة أصحاب طالوت أو عدة أهل بدر و هم أعداؤكم لضربتكم بالسيف حتى تؤولوا إلى الحق و تنيبوا للصدق فكان أرتق للفتق و آخذ بالرفق،اللهم فاحكم بيننا بالحق و أنت خير الحاكمين».
*الكافي ج 8 ص 32 الرقم 5،بحار الأنوار ج 28 ص 241 الرقم .27
ـ189ـ
6ـيا علي إن وجدت فئة تقاتل بهم فاطلب حقك.
قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«و أوصاني رسول الله صلى الله عليه و آله فقال:يا علي إن وجدت فئة تقاتل بهم فاطلب حقك،و إلا فالزم بيتك،فإني قد أخذت لك العهد يوم غدير خم بأنك خليفتي و وصيي،و أولى الناس بالناس من بعدي،فمثلك كمثل بيت الله الحرام،يأتونك الناس و لا تأتيهم».
*بحار الانوار ج 93 ص 15،نقله عن تفسير النعماني.
ـ190ـ
7ـإن لي بستة من الأنبياء اسوة.
احتجوا في مسجد الكوفة فقالوا:ما بال أمير المؤمنين عليه السلام لم ينازع الثلاثة كما نازع طلحة و الزبير و عائشة و معاوية؟فبلغ ذلك عليا عليه السلام،فأمر أن ينادي بالصلاة جامعة،فلما اجتمعوا صعد المنبر فحمد الله و اثنى عليه ثم قال:«معاشر الناس،إنه بلغني عنكم كذا و كذا».قالوا:صدق أمير المؤمنين قد قلنا ذلك.قال عليه السلام:
«فإن لي بستة من الأنبياء أسوة فيما فعلت،قال الله عز و جل فيكتابه:/لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة/ (116) ».
قالوا:و من هم يا أمير المؤمنين؟قال عليه السلام:
«أولهم إبراهيم عليه السلام إذ قال لقومه:/و أعتزلكم و ما تدعون من دون الله/ (117) فإن قلتم إن إبراهيم إعتزل قومه لغير مكروه أصابه منهم فقد كفرتم،و إن قلتم إعتزلهم لمكروه رآه منهم فالوصي اعذر.
ولي بابن خالته لوط أسوة إذ قال لقومه:/لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد/ (118) ،فإن قلتم إن لوطا كانت له بهم قوة فقد كفرتم،و إن قلتم لم يكن له قوة فالوصي أعذر.
ولي بيوسف عليه السلام أسوة إذ قال:/رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه/ (119) فإن قلتم فإن قلتم إن يوسف دعا ربه و سأله السجن لسخط ربه فقد كفرتم،و إن قلتم إنه أراد بذلك لئلا يسخط ربه عليه فاختار السجن فالوصي أعذر.
ولي بموسى عليه السلام أسوة إذ قال:/ففررت منكم لما خفتكم/ (120) فإن قلتم إن موسى فر من قومه بلا خوف كان له منهم فقد كفرتم،و إن قلتم إن موسى خاف منهم فالوصي أعذر.
ولي بأخي هارون عليه السلام اسوة إذ قال لأخيه:/يابن ام إن القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني/ (121) فإن قلتم لم يستضعفوه و لم يشرفوا على قتله فقد كفرتم،و إن قلتم استضعفوه و أشرفوا على قتله فلذلك سكت عنهم فالوصي أعذر.ولي بمحمد صلى الله عليه و آله أسوة حين فر من قومه و بالغار من خوفهم و أنامني على فراشه،فإن قلتم فر من قومه لغير خوف منهم فقد كفرتم،و إن قلتم خافهم و أنامني على فراشه و لحق هو بالغار من خوفهم فالوصي أعذر».
*علل الشرايع للصدوق الباب 122 الحديث 7 ص 178،اثبات الوصية للمسعودي ص 146،الاحتجاج للطبرسي ج 1 ص 446،بحار الانوار ج 28 ص 308،و ج 29 ص 417 الرقم 1،و ص 438 الرقم .29
الفصل الرابع: الصبر...من أجل وحدة المسلمين
1ـأمسكت يدي و رأيت أني أحق بمقام محمد صلى الله عليه و آله في الناس.
2ـرأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام.
3ـأطعت مخافة أن يرجع الناس كفارا.
4ـخشيت إن لم أنصر الإسلام و أهله أرى فيه ثلما و هدما.
5ـلو لا مخافة الفرقة بين المسلمين لكنا على غير ما كنا.
6ـرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين.
7ـالصبر عليها أمثل من أن يتفرق المسلمون.
8ـلم أحب أن أشق عصا المسلمون.
9ـفهذا عذري.
10ـصبرت و في العين قذى و في الحلق شجا.
11ـكظمت غيظي و انتظرت أمر ربي.
12ـو الله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين.
ـ191ـ
1ـأمسكت يدي و رأيت أني أحق بمقام محمد صلى الله عليه و آله في الناس.
من خطبة أمير المؤمنين عليه السلام بعد فتح مصر،و قتل محمد بن أبي بكر.
«...فلما مضى لسبيله صلى الله عليه و آله،تنازع المسلمون الأمر بعده،فو الله ما كان يلقى في روعي و لا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذا الأمر بعد محمد صلى الله عليه و آله عن أهل بيته،و لا أنهم منحوه عني من بعده.
فما راعني (122) إلا انثيال (123) الناس على أبي بكر و إجفالهم (124) إليه ليبايعوه،فأمسكت يدي،و رأيت أني أحق بمقام محمد صلى الله عليه و آله في الناس ممن تولى الأمر من بعده...».
*شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 6 ص 95،الامامة و السياسة ج 1 ص 175،الغارات للثقفي ص 202،الغدير ج 7 ص 80ـ .81
ـ192ـ
2ـرأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام.
من كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى أهل مصر،مع مالك الأشتر لما ولاه إمارتها:«أما بعد،فإن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه و آله نذيرا للعالمين،و مهيمنا (125) على المرسلين.فلما مضى عليه السلام تنازع المسلمون الأمر من بعده،فو الله ما كان يلقى في روعي (126) ،و لا يخطر ببالي،أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلى الله عليه و آله عن أهل بيته،و لا أنهم منحوه عني من بعده!فما راعني (127) إلا انثيال الناس (128) على فلان يبايعونه،فأمسكت يدي (129) ،حتى رأيت راجعة الناس (130) قد رجعت عن
الإسلام،يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه و آله فخشيت إن لم أنصر الإسلام و أهله أن أرى فيه ثلما (131) أو هدما،تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل،يزول منها ما كان،كما يزول السراب،أو كما يتقشع السحاب،فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل و زهق،و أطمأن الدين و تنهنه (132) ».
*نهج البلاغة(صبحي الصالح)الكتاب 62 ص .451
ـ193ـ
3ـأطعت مخافة أن يرجع الناس كفارا.
قال عامر بن واثلة:كنت على الباب يوم الشورى،فارتفعت الأصوات بينهم،فسمعت عليا عليه السلام يقول:
«بايع الناس أبا بكر و أنا و الله أولى بالأمر و أحق به،فسمعت و أطعتمخافة أن يرجع الناس كفارا،يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف،ثم بايع أبو بكر لعمر و أنا و الله أولى بالأمر منه،فسمعت و أطعت مخافة أن يرجع الناس كفارا،ثم أنتم تريدون أن تبايعوا عثمان،إذا لا أسمع و لا أطيع.إن عمر جعلني في خمس أنا سادسهم،لأيم الله لا يعرف لي فضل في الصلاح و لا يعرفونه لي كما نحن فيه شرع سواء،و أيم الله لو أشاء أن أتكلم ثم لا يستطيع عربهم و لا عجمهم و لا المعاهد منهم و لا المشرك أن يرد خصلة منها...».
*مناقب الخوارزمي الفصل 19 الرقم 314 ص 313،تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ج 3 ص 118 الرقم 1143،فرائد السمطين ج 1 ص 320 الرقم .251
ـ194ـ
4ـخشيت إن لم أنصر الإسلام و أهله أرى فيه ثلما و هدما.
من كتاب أمير المؤمنين عليه السلام لشيعته:
«...فلما رأيت راجعة من الناس قد رجعت عن الإسلام تدعوا إلى محو دين محمد و ملة إبراهيم عليهما السلام خشيت إن لم أنصر الإسلام و أهله أرى فيه ثلما و هدما تكون المصيبة علي فيه أعظم من فوت ولاية أموركم التي إنما هي متاع أيام قلائل،ثم تزول و تنقشع كما يزول و ينقشع السحاب (133) ،فنهضت مع القوم في تلك الأحداث حتى زهق الباطل،و كانت كلمة الله هي العليا و إن رغم الكافرون...».
*كشف المحجة للسيد بن طاووس،الفصل 155 ص 241،الامامة و السياسة لابن قتيبة ج 1 ص 175،الغارات للثقفي ص 202،المسترشد للطبري ص 77،معادن الحكمة لعلم الهدى ج 1 ص 33،بحار الانوار ج 30 ص .7
ـ195ـ
5ـلولا مخافة الفرقة بين المسلمين لكنا على غير ما كنا.
من خطبة أمير المؤمنين عليه السلام في مسجد النبي صلى الله عليه و آله في أول إمارته :
«أما بعد،فإنه لما قبض الله نبيه صلى الله عليه و آله قلنا:نحن أهله و ورثته و عترته،و أولياؤه دون الناس،لا ينازعنا سلطانه أحد،و لا يطمع في حقنا طامع،إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبينا،فصارت الإمرة لغيرنا،و صرنا سوقة،يطمع فينا الضعيف،و يتعزز علينا الذليل،فبكت الأعين منا لذلك،و خشنت (134) الصدور،و جزعت النفوس.
و أيم الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين،و أن يعود الكفر،و يبور الدين،لكنا على غير ما كنا لهم عليه...».
*شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 1 ص 307،الارشاد للمفيد ج 1 ص 245،الجمل للمفيد ص 233،الامالي للمفيد المجلس 19 الحديث 6،بحار الانوار ج 29 ص 579 الرقم 15،و ص 633 الرقم 49،و ج 32 ص 61 و ص 111 الرقم .86
ـ196ـ
6ـرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين.
لما أراد علي عليه السلام المسير إلى البصرة،قام فخطب الناس،فقال بعد أن حمد الله و صلى على رسوله صلى الله عليه و آله:
«إن الله لما قبض نبيه،استأثرت علينا قريش بالأمر،و دفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة،فرأيت أن الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين،و سفك دمائهم،و الناس حديثوا عهد بالإسلام،و الدين يمخض مخض الوطب،يفسده أدنى وهن،و يعكسه أقل خلف،فولي الأمر قوم لم يألوا في أمرهم إجتهادا،ثم انتقلوا إلى دار الجزاء و الله ولي تمحيص سيئاتهم،و العفو عن هفواتهم...».
*شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 1 ص 308،بحار الانوار ج 29 ص 633 الرقم 48،ج 32 ص 62،الغدير ج 9 ص .381
ـ197ـ
7ـالصبر عليها أمثل من أن يتفرق المسلمون.
لما نزل أمير المؤمنين عليه السلام بذي قار أخذ البيعة على من حضره،ثم تكلم فأكثر من الحمد لله و الثناء عليه و الصلاة على رسول الله صلى الله عليه و آله،ثم قال:
«قد جرت أمور صبرنا فيهاـو في أعيننا القذىـتسليما لأمر الله تعالى فيما امتحننا به رجاء الثواب على ذلك،و كان الصبر عليها أمثل من أن يتفرق المسلمون و تسفك دماؤهم...».
*الارشاد للمفيد ج 1 ص 249،بحار الانوار ج 32 ص 114 الرقم .91
ـ198ـ
8ـلم أحب أن أشق عصا المسلمين.
من كلام أمير المؤمنين عليه السلام قاله لجمع من المنهزمين في يوم الجمل بالبصرة:
«أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه و آله قبض و أنا أولى الناس به و بالناس من بعده؟»قلنا:اللهم نعم.قال عليه السلام:
«فعدلتم عني و بايعتم أبا بكر،فأمسكت و لم أحب أن أشق عصا المسلمين و أفرق بين جماعاتهم،ثم إن أبا بكر جعلها لعمر من بعده فكففت و لم أهج الناس،و قد علمت أني كنت أولى الناس بالله و برسولهو بمقامه،فصبرت حتى قتل و جعلني سادس ستة،فكففت و لم أحب أن افرق بين المسلمين،ثم بايعتم عثمان...».
*كتاب الجمل للمفيد ص 222،الامالي للطوسي المجلس 18 الحديث 16 ص 507،بحار الانوار ج 32 ص 263 الرقم .200
ـ199ـ
9ـفهذا عذري.
قال أمير المؤمنين عليه السلام في جواب الأشعث حين سأله:يا أمير المؤمنين إني سمعتك تقول:ما زلت مظلوما،فما منعك من طلب ظلامتك و الضرب دونها بسيفك؟فقال عليه السلام:
«يا أشعث منعني من ذلك ما منع هارون عليه السلام إذ قال لأخيه موسى عليه السلام:/إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل و لم ترقب قولي/ (135) .
و كان معنى ذلك انه قال له موسى حين مضى لميقات ربه:إن رأيت قومي ضلوا و اتبعوا غيري فنابذهم و جاهدهم،فإن لم تجد أعوانا فاحقن دمك و كف يدك.و كذلك قال لي أخي رسول الله صلى الله عليه و آله،و أنا فلا أخالف أمره و ما ضننت بنفسي عن الموت،فماذا أقول إذا لقيته و قال:ألم آمرك بحقن دمك و كف يدك؟فهذا عذري».
*المسترشد للطبري ص .63
ـ200ـ
10ـصبرت و في العين قذى و في الحلق شجا.
من كلام أمير المؤمنين عليه السلام قاله في الخطبة الشقشقية:«...و طفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء (136) ،أو أصبر على طخية (137) عمياء،يهرم فيها الكبير،و يشيب فيها الصغير،و يكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه.
فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى (138) ،فصبرت و في العين قذى،و في الحلق شجا،أرى تراثي نهبا،حتى مضى الأول لسبيله،فأدلى (139) بها إلى فلان بعده».
*نهج البلاغة(صبحي الصالح)الخطبة 3 ص 48،الارشاد للمفيد ج 1 ص 287،علل الشرائع للصدوق ج 1 الباب 122 الحديث 12 ص 181،الامالي للطوسي المجلس 13 الحديث 54 ص 372،الاحتجاج للطبرسي ج 1 ص 451،تذكرة الخواص لابن الجوزي ص .117
ـ201ـ
11ـكظمت غيظي و انتظرت أمر ربي.
قال زيد بن علي بن الحسين عليه السلام:حدثني أبي عن أبيه قال:سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يخطب الناس،قال في خطبته:
«و الله لقد بايع الناس أبا بكر و أنا أولى الناس بهم مني بقميصي هذا،فكظمت غيظي و انتظرت أمر ربي و ألصقت كلكلي (140) بالأرض،ثم إن أبا بكر هلك و استخلف عمر و قد علم و الله إني أولى الناس بهم مني بقميصي هذا،فكظمت غيضي و انتظرت أمر ربي،ثم إن عمر هلك و قد جعلها شورى فجعلني سادس ستة كسهم الجدة،و قال:اقتلوا الأقل و ما أراد غيري،فكظمت غيظي و انتظرت أمر ربي و ألصقت كلكلي بالأرض،ثم كان من أمر القوم بعد بيعتهم لي ما كان،ثم لم أجدإلا قتالهم أو الكفر بالله» .
*الأمالي للمفيد المجلس 19،الحديث 5،بحار الانوار ج 28 ص 375،و ج 29 ص 578 الرقم .14
ـ202ـ
12ـو الله لاسلمن ما سلمت أمور المسلمين.
من خطبة أمير المؤمنين عليه السلام لما عزموا على بيعة عثمان
«لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري،و و الله لاسلمن ما سملت امور المسلمين،و لم يكن فيها جور إلا علي خاصة،التماسا لأجر ذلك و فضله،و زهدا فيما تنافستموه من زخرفه و زبرجه» .
*نهج البلاغة(صبحي الصالح)الخطبة 74 ص 102،بحار الانوار ج 29 ص 612 الرقم .27 |