يبدو لنا من خلال رصد الروايات التي تدور حول أحداث السقيفة أن هناك الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام التي تدور في الأذهان بمجرد قراءة هذه الروايات . . وسوف نعرض هنا لبعض الملاحظات حول هذه الروايات ونبدأ مناقشتنا لها على أساسها .
* الملاحظة الأولى : أن الأنصار أرادوا الاستئثار بأمر الخلافة وهم طائفة لا يمثلون جميع المسلمين . .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : على أي أساس استند الأنصار في موقفهم هذا . . ؟ إن الأنصار لم يتحصنوا في موقفهم هذا بدليل شرعي محدد . فقط هم حاولوا أن يستثمروا مكانتهم ودورهم في إيواء الرسول ونصرته . . ولكن هل يعد هذا سببا كافيا لمطالبتهم بالخلافة . . ؟
ليس هناك من إجابة على هذا السؤال سوى أن الدافع القبلي قد تسلط على القوم حتى أدى في النهاية إلى انقسامهم وإضعاف شوكتهم بتحالف الأوس مع جناح أبو بكر وعمر مخافة أن تسيطر الخزرج على الأمر ويصبحون تحت إمرتها .
وهذا عمل قبلي في المقام الأول قدمت فيه الحسابات القبلية على الحسابات الشرعية . أو بمعنى أكثر وضوحا قدمت فيه مصلحة القبلية على مصلحة الدعوة . . وعلى الرغم من تبعات هذا الموقف من قبل الأوس وآثاره على وحدة المسلمين واستقرار المجتمع الإسلامي إلا أن الجناح القرشي بزعامة أبي بكر استقبله بالترحاب واستثمره لصالحه . .
* الملاحظة الثانية : أن عمر كان المحرك الفعلي للأحداث وبدا أبو بكر وكأنه تابع له . .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : لماذا تصدى عمر للأمر وتخطى كبار المهاجرين وآل البيت . . ؟
هناك جواب جاهز عند البعض وهو أن عمر فعل ذلك من أجل الحفاظ على الدعوة وتأمين مستقبلها وينتفي عنه أي عرض آخر لعظيم مكانته عند الرسول بحكم النصوص الواردة فيه . . إلا أن الروايات تدحض هذا التصور وتشكك فيه . .
يروي البخاري : أن عمر طاف في المدينة بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وهو يصبح مقسما : والله ما مات رسول الله . والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك . وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم . وجاء أبو بكر فقال : أيها الحالف على رسلك . فلما تكلم أبو بكر جلس عمر . . ( 33 ) .
أن هذه الرواية تشير إلى أن عمر لم يكن يعتقد في وفاة الرسول ( صلى لله عليه وسلم ) وأنه حسب روايات أخرى - ذهب ليكلم ربه ويعود كما حدث لموسى . ونحن لن نناقش هنا مدى صحة هذا الاعتقاد وكيف طرأ على ذهن واحد مثل عمر وهو
من هو . إلا أن ما نريد توضيحه أن هذا الموقف من قبله يكشف لنا أن فكرة تبنيه موضوع الخلافة كانت فكرة طارئة عليه لم تكن تشغله بعد وفاة الرسول وإنما كان يشغله
موت الرسول وبعثه وعودته حتى جاء أبو بكر فبصره بالأمر وتلى عليه قوله تعالى : ( ما كان محمد أبا أحدا من رجالكم أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) ( * ) . فقال عمر كأني أسمع هذه الآية لأول مره . ثم إنه سكن وهدأ وأتاه خبر السقيفة فهرع إلى هناك مصطحبا أبا بكر وأبا عبيدة بن الجراح . .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل كان عمر غير مستوعب لنصوص القرآن التي تتنزل على الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) حتى يدعي أن الرسول سوف يعود بعد وفاته ويتوعد من يقول بوفاته ؟
وإذا كان عمر بهذا المستوى من الفهم أفلا يشير هذا إلى أنه لم يفهم النصوص القرآنية الأخرى الواردة بشأن آل البيت والإمام علي ومستقبل الدعوة . . ؟
وإذا كان عمر قد تصدى لأمر الخلافة من باب المصلحة وكان متحمسا للأمر ويصول ويجول هنا وهناك من أجل أخذ البيعة لأبي بكر . فلماذا لم يكن صاحب المصلحة أبو بكر بنفس المستوى من الحماس ومن المفروض أن يكون حماسه يفوق حماس
عمر . وقد أشارت الروايات إلى أنه كان مشغولا وقت وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بشئ آخر لم توضحه الروايات . . وكان عمر يلح على طلبه بينما هو يتمنع حتى أعلمه بخبر السقيفة فانطلق معه . .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : أي شئ كان يشغل أبو بكر غير تجهيز الرسول . . ؟ . وأي ما تكون الإجابة فإن الأمر المقطوع به أنه كان مشغولا بأمر غير الخلافة حتى جاء عمر فأحيا الفكرة في نفسه . .
ومن هنا يتضح لنا أن فكرة الخلافة كانت طارئة أيضا على أبي بكر كما كانت طارئة على عمر وهي لا تخرج عن كونها رد فعل لموقف الأنصار ومبادرتهم السريعة المفاجئة لقريش . .
|
| |
* هامش *
|
|
|
|
|
( * ) سورة آل عمران . ( * )
|
لكن الأمر يوحي وكأن هناك طرف ثالث هو أحق بهذا الأمر ويتسابق كل من الأنصار والمهاجرين لكي يفوت عليه الفرصة . وليس هناك من تفسير لموقف عمر وتحالفه مع أبي بكر الطاعن في السن . ضد القطاعات الأخرى . سوى أن شخصية أبي
بكر كانت تتيح له ذلك . . تتيح له أن يتسلقها لكي يحقق مآربه . . وتتيح له التحصن بها في مواجهة الآخرين . . وعمر لم يكن يجرؤ على ترشيح نفسه للخلافة بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) لأن الظروف غير ملائمة لكنه ناولها لأبي بكر
ثم تناولها منه . . ولو كان عمر بهذه المكانة التي تضعه فيها الأحاديث لكان من الأولى له أن يتصدى لأمر الخلافة وهو القوي الشديد بدلا من رجل ضعيف كهل كأبي بكر . . ولو كان عمر بهذه المكانة ما ناطحته الأنصار وتطاولت عليه عندما
خطب فيهم . واحتد معه الحباب قائلا : لا تسمعوا مقالة هذا . وعندما قال له عمر : يقتلك الله . رد عليه : بل إياك يقتل . . وما أمسك قيس بن سعد بلحيته وهدده . . إن القوم بين أن يكونوا قد طغت عليهم القبلية فنسوا أخلاق الإسلام وتجاوزوها . أو
يكونوا أصحاب مقادير متساوية ووزن واحد ولا يملك كل منها ما يرجح به كفته على الآخر من نصوص الشرع . والراجح الأمرين معا . . وإذا كان عمر قد احتج على الأنصار بقوله : ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمورها من كانت النبوة فيهم .
فإن هذا القول يوجب عليه التنحي مع صاحبه وإفساح الطريق أمام أهل بيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فإنهم أرقى بيوت قريش ، فلا هو ولا صاحبه يمثلان بيتا راقيا في قريش . وهذا هو ما استفز أبو سفيان ودفعه لتحريض الإمام بقوله : ما بال
هذا الأمر في أذل قبيلة من قريش وأقلها . .
وتأمل تعليق ابن حجر على قول عمر لسعد بن عبادة : اقتلوه . قتله الله . .
يقول ابن حجر : نعم لم يرد الأمر بقتله حقيقة . وأما قوله قتله الله فهو دعاء عليه وعلى الأول هو إخبار عن إهماله والإعراض عنه . وفي حديث مالك فقلت - عمر - وأنا فغضب : قتل الله سعدا فإنه صاحب شر وفتنة . . ( 34 )
إن ابن حجر بتعليقه هذا يسير على نهج التبرير والتأويل الذي يعتمده أهل السنة في مواجهة الحوادث والنصوص التي توقعهم في حرج شرعي . .
ويتمادى ابن حجر في تأويل كلام عمر وتبرير مواقفه هو وصاحبه قائلا : وتركوا لأجل أقامتها ( الخلافة ) أعظم المهمات وهو التشاغل بدفن الرسول حتى فرغوا منها . والمدة المذكورة - أي مدة تركهم الرسول والانشغال بالخلافة - زمن يسير في بعض يوم يغتفر مثله لاجتماع الكلمة . . ( 35 )
ويروي البخاري رواية تبريرية أخرى لمواقف عمر وممارساته في السقيفة . تقول الرواية : لقد خوف عمر الناس وأن فيهم لنفاقا فردهم الله بذلك . . ( 36 )
وقد جاءت هذه الرواية على لسان عائشة ابنة أبي بكر ومعنى هذا الكلام أن أسلوب العنف والإرهاب الذي مارسه عمر على الرافضين بيعة أبي بكر كان عملا حسنا حاز رضا الله ومعونته .
وعائشة بهذا تكون قد حكمت على كل الرافضين لخلافة أبي بكر من بني هاشم والأنصار وغيرهم بالنفاق .
ألا يعني مثل هذا الكلام مساسا بعدالة جميع الصحابة التي يعتقدها أهل السنة ويفسرون على ضوئها الأحداث التي وقعت بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بداية من السقيفة وحتى صفين . ؟ ( 37 )
|
| |
* هامش *
|
| |
|
|
( 34 ) أنظر فتح الباري شرح البخاري ص 7 / 32 . ( 35 ) المرجع السابق . . ( 36 ) البخاري كتاب فضائل الصحابة . باب فضل أبي بكر . . ( 37 ) أنظر كتاب العواصم من العواصم لأبي بكر بن العربي ، وهو كتاب يضفي صفة العدالة على جميع الصحابة ويقوم بتأويل النصوص الواردة في ذمهم وتبرير الأحداث التي ارتبطوا بها بما لا يمسهم وبما يخدم الخط الأموي . أنظر فتاوى ابن تيمية ج35 . وابن كثير البداية والنهاية . وانظر المحطات القادمة من الكتاب . . ( * )
|
* الملاحظة الثالثة : لماذا جاءت قبيلة أسلم إلى المدينة ومن الذي استدعاها . ولماذا أيقن عمر بالنصر فور رؤيتها . . ؟
إن الإجابة على هذه التساؤلات يدفعنا إلى إلقاء الضوء على الجانب الأكثر أهمية في أحداث السقيفة . جانب التحول من الجدال والنقاش إلى فرض الرأي بالقوة المسلحة . . لقد كان دخول قبيلة أسلم إلى المدينة أشبه بالانقلاب العسكري وهو دخول
مرتب له من قبل بلا شك من قبل فريق عمر . . ويبدو أن الصراع بين فريق عمر وفريق الأنصار قد دخل طورا حرجا بحيث اهتزت كفه عمر وفريقه ورجحت كفة الأنصار أو من الممكن أن يكون الأنصار قد مالوا للإمام علي وحسموا الخلاف
بينهم . وعمر وفريقه ليس بذاك الوزن الفاعل في المدينة . فضلا عن كونه من الوافدين عليها مع المهاجرين هو لا يمثل كل المهاجرين ولا جميع قريش .
فهناك قطاع من المهاجرين مع الإمام . وهناك قطاع من قريش ينتظر النتيجة أو هو لا يعلم ما يجري هناك . ولعل هذا الوضع يفسر لنا قول عمر حين رأى قوات قبيلة أسلم تدخل المدينة الآن أيقنت بالنصر . وهذا بشير بصورة غير مباشرة أن عمر وفريقه هو الذي استدعى تلك القوات .
ألا يدل مثل هذا التصرف أن جانب عمر قد فقد ميزانه الشرعي والأخلاقي . كما يشير من جانب آخر إلى أن النصوص التي واجه فريق عمر فريق الأنصار بها هي نصوص من اختراع تلك المرحلة .
ولو كانت هذه النصوص صحيحة ومعترف بها ما نازعهم أحد ولكانت قد حسمت الصراع في مهده . . ويبدو أن اللغط والجدال حول أحقية أبي بكر بالخلافة قد امتد إلى فترات لاحقة مما استدعى الأمر إلى ضرورة اختراع أحاديث على لسان الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) تحدد الخلافة لأبي بكر في صراحة ووضوح وترفع من مكانته . لينتج عنها صنع هالة
مقدسة حول أبي بكر تمنع المساس به أو الخوض في شخصه وتقطع الطريق أما أية محاولات لإعادة قراءة مرحلة السقيفة . . ( 38 ) ونفس هذا الأمر قد تم تطبيقه مع الخليفة الثاني حيث اخترعت له الكثير من المناقب التي رفعته حتى فوق الرسول نفسه أو ساوته به . . ( 39 )
وقاموا بنفس الأمر مع الخليفة الثالث غير أن ممارساته ومواقفه المخالفة للكتاب والسنة والمضرة بمصالح المسلمين قد فضحته وعرته . . ( 40 ) أما الإمام علي فقد فعلوا معه العكس من ذلك وبدلا من أن يضفوا عليه المناقب كما فعلوا
مع السابقين . قاموا بالطعن في المناقب الواردة فيه والعمل على التقليل من شأنه بمساواته بمعاوية واعتبار الخارجين على حكمه بمثابة المجتهدين المأجورين . . ( 41 )
* الملاحظة الرابعة : أين الإمام علي . . ؟ إن المتتبع لأحداث السقيفة يكتشف غياب كثير من الرموز البارزة من الصحابة وعلى رأسهم الإمام علي فأين كان هؤلاء ولماذا انشغلوا عن هذا الحدث الضخم وهو اختيار خليفتهم ؟ . . أين أبو ذر . وأين المقداد . وأين الزبير . وأين جابر بن عبد الله .
|
| |
* هامش *
|
| |
|
|
( 38 ) أنظر البخاري ومسلم باب فضل أبي بكر . ومن هذه الروايات : أتت امرأة إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأمرها أن ترجع إليه . فقالت أرأيت إن جئت ولم أجدك . . قال النبي : إن لم تجديني فأتي أبا بكر . وعلى لسان الإمام علي رواية تقول سئل الإمام من ولده ابن الحنفية أي أناس خير بعد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : أبو بكر . قال ثم من ؟ قال : عمر . وخشيت أن يقول عثمان قلت ثم أنت . قال : ما أنا إلا رجل من المسلمين . .
( 39 ) أنظر البخاري ومسلم . ومن هذه الروايات قول الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) لعمر : . . ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك . وقول الرسول فيه : لم أر عبقريا يفري فريه . وقوله كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر . أنظر لنا كتاب الخدعة . وانظر المحطة القادمة . .
( 40 ) أنظر مناقب عثمان في البخاري ومسلم وشرحيهما لابن حجر والنووي . وأنظر كتاب الخدعة والمحطة الرابعة
( 41 ) أنظر مناقب الإمام في المرجعين السابقين . وانظر الخدعة والمحطة الخامسة . ( * )
|
وأين أبي بن كعب وبلال بن رباح وحذيفة بن اليمان وخزيمة ذي الشهادتين وعمار بن ياسر وأبو أيوب الأنصاري وأبو سعيد الخدري والبراء بن مالك وخباب بن الأرت ورفاعة بن مالك وأبي الطفيل عامر بن وائلة وغيرهم . . لقد كان اختفاء كل هؤلاء من سقيفة بني ساعدة عامل قلق لفريق عمر .
حيث أن هذه الشخصيات الغائبة لها وزنها وفاعليتها ومن الممكن أن تشكل تحديا لهذا الفريق مستقبلا . .
تروى الروايات أن الإمام ومعه عصبة من الصحابة كان مشغولا بتجهيز الرسول للدفن بينما كان القوم يتصارعون على الخلافة في السقيفة . . ( 42 )
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : هل من أخلاق المسلمين أن يتركوا رسولهم في مثل هذا الحال ويتصارعوا على الحكم . . ؟ . أين ما تعلموه من الرسول إذن . . ؟ .
لقد ترك الرسول في حياته في مواقف كثيرة من قبل هؤلاء الناس . ترك في أحد . وترك في مسجده وهو يخطب فيهم ونزل فيهم قوله تعالى ( وتركوك قائما ) وترك وهو يلفظ أنفاسه وطلب منهم إحضار قلم وقرطاس ليكتب لهم كتابا لا يضلوا بعده أبدا . وترك بعد وفاته . . ( 43 ) .
ومثل هذا السلوك إن دل على شئ فإنما يدل على مدى استحكام أمر الدنيا وطغيانها على كثير من هؤلاء . . ولعل هذا هو ما يشير إليه قوله تعالى ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة )
|
| |
* هامش *
|
| |
|
|
( 42 ) أنظر كتب التاريخ . ( 43 ) أنظر في السيرة والتاريخ وتفسير سورة الجمعة وراجع باب وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ( * )
|
* الملاحظة الخامسة : بيعه أبي بكر كانت فلتة . . لماذا . . ؟ الحمد لله إن هذه المقالة جاءت على لسان عمر مدبر أحداث السقيفة وقاطف ثمرتها ولو كانت قد جاءت على لسان سواه لكان للقوم فيها كلام آخر . .
لقد قال عمر ما نصه : ألا إن بيعة أبا بكر كانت فلتة وقى الله الأمة شرها . فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه . فأيما رجل بايع من غير مشورة من المسلمين فإنهما تغرة أن يقتلا . . . ( 44 )
أليس هذا اعتراف صريح من عمر بأن ما حدث في السقيفة كان أمرا بعيدا عن الشورى بل كان بعيدا عن روح الإسلام بحيث يوجب على فاعله القتل تقديرا لخطورته وجسامته وآثاره الوخيمة على الأمة . . إن قول عمر هذا يؤكد أن حروب الردة
ومانعي الزكاة التي خاضتها قوات أبو بكر بقيادة خالد بن الوليد لم تكن في حقيقتها سوى حركة تمرد على حكم أبي بكر : وقد تكون هناك حالة ردة من البعض إلا أن الظاهر أن هذا الصدام العسكري كانت له أسبابه القبلية ولعل قمع خالد وتجاوزته في مواجهة هذه الانتفاضة ما يدعم هذا التصور . . ( 45 )
وكان مناسبة هذا الكلام كما يروي البخاري أن عمر بلغه كلام أناس يقولون لو مات مات عمر لتولاها فلان . فقام عمر خطيبا وقال هذا الكلام . . ( 46 )
فهل كان المقصود من كلام عمر هذا هو ردع اتجاه برز في المدينة ينادي بالشورى ويطعن في أحداث السقيفة وطريقة اختيار الخليفة الأول . . ؟ لا يعنينا هنا بقدر كبير الإجابة على هذا السؤال وإن كانت إجابته واضحة . وإنما
|
| |
* هامش *
|
| |
|
|
( 44 ) أنظر البخاري كتاب المحاربين ومسند أحمد ح 1 وفتح الباري ج12 . ( 45 ) أنظر حوادث الردة في عصر أبي بكر في كتب التاريخ . وقصة خالد مع مالك بن نويره . ( 46 ) أنظر البخاري وفتح الباري ج7 كتاب فضائل الصحابة . ( * )
|
يعنينا هو اعتراف عمر بأنه بيعة أبا بكر كانت فلتة وكان من الممكن أن تكون لها آثارا خطيرة على الأمة لولا لطف الله . فإن كلام عمر هذا لا يعني إلا شيئا واحدا هو أن بيعته هو أيضا كانت فلتة . . . فلماذا قال عمر عن بيعة أبي بكر أنها كانت فلتة ونسي أنه استخلف بوصية منه . . ؟
ويروي البخاري أن عمر قال : كنت أرجو أن يعيش رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حتى يدبرنا . فإن يك قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به بما هدى الله محمدا . وأن أبا بكر صاحب رسول الله ثاني اثنين . فإنه أولى الناس بأموركم فقوموا فبايعوه . وقال عمر لأبي بكر إصعد المنبر . فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة . . ( 47 )
ورواية البخاري المذكورة تعطينا إشارات جديدة حول موقف عمر وكونه المحرك الأول لعملية اختيار أبي بكر . وهي تكشف لنا من وجه آخر أن أبا بكر قد أقحم في الأمر ولم تكن له رغبة فيه وهذا واضح من إلحاح عمر عليه بالصعود إلى المنبر ليبايعه الناس . وهذه إشارة إلى كونه غير منصوص عليه بشئ وأن الأمر لا يخرج عن كونه محاولة استثمار لظرف طارئ .
وهذا أبو بكر يقول : هذا عمر وأبو عبيدة فأيهما شئتم فبايعوا . . فإذا كان أبو بكر قد تنازل عن ترشيح نفسه وقدم عمر وأبو عبيدة ألا يدل هذا على أن الأمر لا يخرج عن كونه مواقف فردية ارتجلت في حينها لمواجهة الأنصار . . ؟ وإذا ما تأملنا قول عمر : وإنا والله ما وجدنا أمرا هو أقوى من مبايعة أبي بكر .
|
| |
* هامش *
|
| |
|
|
( 47 ) المرجع السابق . ( * )
|
إنا خشينا إن فارقنا القوم - الأنصار - ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة . فإما أن نبايعهم على ما نرضى أو نخالفهم فيكون الفشل . . وتأمل قوله وهو في الطريق إلى السقيفة ومعه أبو بكر وأبو عبيدة محدثا نفسه : كنت أزور في نفسي كلاما في الطريق فلما وصلنا السقيفة أردت أن أتكلم . فقال أبو بكر . مه يا عم . . وذكر ما كنت أقدره في نفسي كأنه يخبر عن غيب . . ( 48 )
من هذه الروايات نلخص إلى أن الأمر كان من ترتيب القوم بزعامة عمر ولم يكن له وجهه الشرعي ويتضح هذا الأمر من قول عمر حين وفاته : لو كان سالم مولى حذيفة حيا لوليته وسالم هو عتيق حذيفة . وهو بهذا يخالف نص الإمامة في قريش ويناقض نفسه حين احتج على الأنصار بقوله : ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمورها من كانت النبوة فيهم .