الرّياء في القرآن الكريم الرّياء في السنَّة

749 views
Skip to first unread message

beydou...@yahoo.com

unread,
Dec 11, 2014, 3:34:27 PM12/11/14
to
انطلقت دعوات الأنبياء من قاعدة واحدة، هي قاعدة التّوحيد لله، وقد لخّص القرآن هذه القاعدة بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}[1]، فأن يكون الله ربّ الجميع، معنى ذلك أنَّ التّوحيد هو قاعدة الأديان كافّة، والاستقامة هي خطّ السير والسلوك، حيث أراد الله للإنسان أن يحرز مرتبة القرب منه، من خلال ما فرض عليه من عبادات تجعله يعيش معنى القرب الرّوحي والوجودي من الله، فالإنسان عندما يصلّي أو يصوم، وعندما يحجّ، وفي كلّ أفعاله العباديَّة، عليه أن يستحضر الله في عقله وقلبه، ليكون هو الهدف والغاية، وأيضاً عندما ينطلق الإنسان ليعيش في أجواء المسجد، وتحلّق روحه في تلك الآفاق الرحمانيّة، فذلك يعني أن لا يسجد إلا لله، ولا يقترب إلا إليه بالدّعاء، لأن {الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً}[2]، إذ ليس مع الله أحد. وعندما يؤمن برسل الله وبأوليائه، فإنّ ذلك من خلال أنهم عباد الله المكرمون، {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}[3]، فالإنسان يرتبط بالرّسل من خلال الله، ويرتبط بالأئمّة والأولياء من خلال الله، فالله هو الأوّل قبل كلّ شيء، والآخر بعد كلّ شيء.
التّوحيد المطلق
وقد أراد الله للإنسان أن يوحِّده بشكل مباشر أو غير مباشر؛ أمّا بالشّكل المباشر، فهو أن يخلص له العبادة، فلا يعبد غيره، كالّذي يعبد الأصنام، كما كان يفعل أهل الجاهليّة، سواء كانت جاهليّة عربيّة أو غير عربيّة، أو كالّتي تتمثل بعبادة الأشخاص، كما إذا كنت تستغرق في الشّخص لتعبده بشكل مباشر، كما كان يفعل مع فرعون وغير فرعون، أو بشكل غير مباشر، كما يفعل بعض النّاس الّذين يستغرقون في الشّخص، حتّى يجدوه كلّ شيء، بحيث يكون أمره الأمر ونهيه النهي.
وهكذا، أراد الله لنا التّوحيد في الطّاعة، أن نطيعه ولا نطيع غيره، لأنَّ طاعة الرسول مرتبطة بطاعة الله، {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ}[4]، لأنه يتحدَّث عن الله، ويأمر عن الله، وينهى عن الله، فلا يأمر من خلال ذاته، ولكن من خلال رسالته، فإطاعة الله تعني توحيده، وأراد الله لنا أن نوحّده في الحبّ، فلا نحبّ أحداً مع الله، وإذا أحببنا النّاس، فإننا نحبّهم من خلال الله، فالله سبحانه يقول: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ}[5]، يعني لا يحبّون أحداً كحبّ الله، وإنما يحبّون الآخرين بقدر ارتباطهم بالله. ولهذا، فنحن نحبّ أنبياء الله وأولياءه، لأنَّ الله يحبّهم، ولأنَّهم يحبّون الله، كما جاء في كلمة النَّبيّ(ص) عندما أراد أن يقدِّم عليّاً في خيبر: "لأعطينّ الرّاية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله"[6]. وتلك هي عظمة عليّ(ع)، أنّه عاش الحبّ لله ولرسوله، بما لم يصل إليه أحد بعد رسول الله(ص)، كما أحبّه الله ورسوله، لأنَّه الإنسان الَّذي كانت كلّ حياته لله ولرسوله.
وهكذا، أراد الله لنا أن نوحِّده في الكلمة، وإن لم نقصد بالكلمة شركاً، لأنّ الكلمة إذا كانت توحي بالشّرك، ولو ظاهراً، فهي مرفوضة. وقد ورد الحديث عن الإمام الصّادق(ع) في تفسير قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ}[7]، حيث فسَّر ذلك بعد سؤال وجواب: أن يقول أحدهم لشخص: (لولا أنت لهلكت)، كما لو قال المريض لطبيبه: لولاك لهلكت، أو لولا فلان لتعرّضت حياتي للدّمار، وهذا يعني أن يجعل الشّخص الآخر هو العلّة والسَّبب حسب الشّكل، ولا يوجد أحد يقصد بقوله (لولا أنت)، بمعنى أن يجعله في قبال الله، لكنَّ الكلمة بلغت من الدّقّة، بحيث إنّه لا بدّ من أن تكون الكلمة خالصة، ولا توحي بالشّرك. قال ـ أي السائل ـ كيف أقول؟ قال: "تقول: لولا أن منَّ الله بفلان عليَّ لهلكت"[8]، بحيث تعتبر أن ما قام به هذا الإنسان، إنما هو منّة من الله عليك، باعتبار أنَّ الله ألهمه، وأنّ الله سخَّره، وأنّ الله حوّل قلبه إليك.
ظاهرة الرّياء
ومن هنا، ندخل في موضوعنا الّذي حاولنا أن نحيط به، وهو موضوع الرّياء، وهو أن يعمل الإنسان كي يراه النّاس، كأن يصلّي من أجل أن يقول عنه النّاس إنه مؤمن، أو يتظاهر بالخشوع في الصَّلاة من أجل لفت النّظر إليه، بينما هو لا يعيش هذا الخشوع في عمق نفسه، وكما لو تظاهر بالزّهد، ولبس لباس الزهّاد، وأكل مأكلهم، وكلّ هذا من أجل أن يرتفع بعمله أمام النّاس، وحتى لو أنفق المال الكثير من أجل أن يقال عنه المحسن الكبير. وهكذا، فالرّياء يعني أن يظهر الإنسان بمظهرٍ لا ينسجم مع باطنه ومع منطلقاته، بحيث يقصد في عبادته ومواقفه وتصرّفاته ما يراه النّاس حسناً وجميلاً. وقد تحدّث القرآن الكريم عن بعض هذه النّماذج، وتحدّثت السّنة في أحاديث النّبي(ص) والأئمّة(ع) عن ذلك. وأحاديثهم(ع) حديثه، لأنهم خلفاؤه وأوصياؤه، وهم الحاملون لكلّ رسالته، والمعصومون في أداء هذه الرّسالة.
فلننطلق مع كتاب الله وسنَّة رسوله، لنجد كيف تحدَّث القرآن الكريم عن الرّياء وعن المرائين، وكيف تحدّثت السنَّة عن ذلك.
الرّياء في القرآن الكريم
نبدأ في القرآن الكريم، حيث يقول الله سبحانه: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ}، أي كانت مسيرتهم وحركتهم ونشاطهم عمليَّة استعراضيَّة يتمثّل فيها البطر فيما يوحي به الخيلاء، وليستعرضوا أنفسهم للنّاس ليكبروا في عيونهم، من دون أن يكون هناك أيّة قاعدة فكريّة أو روحيّة تحكم حركتهم في الحياة، بل إنّهم كانوا يصدّون عن سبيل الله، ويستعملون ما هم فيه من مواقع اجتماعيّة وغير اجتماعيّة، ليقفوا كحاجز بين الناس وبين الانطلاق إلى سبيل الله، {وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}[9]، وسيعاملهم بما يستحقّون.
ثم يحدّثنا الله سبحانه عن نماذج أخرى، هي نماذج الّذين ينفقون أموالهم، لا من خلال إيمانهم بقيمة الإحسان، أو من خلال تفاعلهم مع حاجات النّاس ومع آلامهم، ولكن من أجل أن يمدحهم الناس من خلال ما يقدّمونه وينفقونه، وليصلوا من خلال ذلك إلى أغراضهم، {وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ}، ولذلك، فهم لا يفكّرون بإنفاقهم في رضا الله عنهم، وفي أنَّ الله يحبّ الإنفاق ويحبُّ المنفقين، ولا يفكّرون في اليوم الآخر الّذي يعطي الله سبحانه وتعالى فيه المنفقين والمتصدّقين ثواباً وأجراً عظيماً، {وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً}[10]، يعني أنّ هؤلاء الذين لا ينطلقون من قاعدة إيمانيّة، ولا من قيمة روحيّة أو أخلاقيّة في إنفاقهم، وإنما يحرّكون الإنفاق باعتباره وسيلةً من وسائل الاتّجار، فإنهم سيقترنون بالشّيطان؛ والتجارة على قسمين: فهناك من يبذل مالاً حتى يحصل على مال في مقابله، وهناك من يبذل المال حتى يحصل على الجاه في مقابله، وفي كلتا الحالتين هناك تجارة، لأنّ الجاه قد ينتج مالاً أو ينتج أكثر من ذلك، فالإنسان الّذي لا يعيش القيمة الروحيّة للإنفاق، هو الّذي اتبع الشّيطان، فأصبح الشّيطان قريناً له. ومن الطبيعيّ أنّ من كان الشيطان قريناً له، فإنّه يُرديه ويجرّه إلى عذاب السّعير، {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}[11].
ثم يبيّن الله أنّه ما كان ضرّ هؤلاء لو فتحوا عقولهم على الله، وفتحوا قلوبهم على تقوى الله، وحرّكوا طاقاتهم في سبيل الله، {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ}، لأجل الله، ومن خلال حركة الإيمان التي تقود الإنسان إلى الإحسان، {وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيماً}[12]، لأنَّ الله {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}[13].
ثم يحدّثنا الله سبحانه وتعالى عن الرّياء في مظهر المنافقين، حيث كثُر المنافقون في زمن النبي(ص)، فعطَّلوا الكثير من خطواته، وأربكوا ساحات حربه وسلمه، كما تآمروا مع أعداء الإسلام من اليهود، ومع المشركين ضدّ الإسلام وضدّ رسول الإسلام وأهل الإسلام. هؤلاء الّذين كانوا يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان، كما تحدّث الله عنهم، {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}[14]، يقول تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ}، ولم يقل يخدعون الله، لأنهم يتصرّفون تصرّف المخادع، لأن الله لا يُخدَع، فهو المطَّلع على كلّ ضمائرهم والمهيمن على الأمر كلّه، {وَهُوَ خَادِعُهُمْ}[15]، لأنّ الله يملي لهم من خلال ذلك، ويفسح لهم في المجال، {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً}[16]. وهكذا، فهم يتصوَّرون أنّ الله راضٍ عنهم، وأنهم سينطلقون إلى مواقع رضاه، وأنّ المسلمين يتحركون ثقةً بهم، ولكنّ القضيّة لم تكن كذلك، {وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ}. وهنا محلّ الشّاهد، أي أنهم يصلّون، لا لأنهم يؤمنون بالصّلاة، ولا لأنهم يعبدون الله في الصّلاة، ولكن ليراهم النّاس وهم يصلّون، ويعتقدوا أنهم مسلمون وأنهم مؤمنون، {وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً}[17]، لأنهم لا يؤمنون بالله سبحانه وتعالى، {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء}، لأنّ الإنسان الذي يتحرّك في ظاهره في اتجاه، ويكون باطنه في اتجاه، فهو لا يستقرّ على قاعدة، ولا يتحرّك في خطّ مستقيم، بل يظلّ يعيش الازدواجيّة بين المؤمنين والكافرين، من خلال هذه الازدواجيّة بين ظاهره وباطنه. {وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً}[18]، ونشير هنا إلى أنّ الضلال لا يكون من الله، وإنما يعني أنه ابتعد عن طريق الهدى، فتركه الله لنفسه فضلّ، كالذي ترشده إلى الطريق ولا يطيعك، فإنك تقول له خذ حريتك، ولما كان لا يعرف الطريق، فإنه يبقى تائهاً. وهذا هو المراد من كلّ آية من هذا القبيل، كقوله تعالى: {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ}[19]، و{وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ}، إذ ليس المقصود أنّ الله يفرض عليه الضّلال، بل إن الله يتركه لنفسه بعد أن يبيّن له الهدى، {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}[20]، وقوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}[21]، أي أنّ الله هداه وأعطاه العقل، وأرسل إليه الرّسل، فإذا ترك ما هداه الله إليه ضلّ، فالكلام أنّ الله أضلّنا لأنّه تركنا لأنفسنا، وعندما يترك الله الإنسان لنفسه فإنّه يضيع.
ويقول تعالى في سورة الماعون: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ}، يعني لا يقومون بما تفرضه الصّلاة من روحانيّة، وساهون عن الصّلاة، أي لا يحافظون على أوقاتها. وهو يجمع كلّ حالات سهو الإنسان عن الصّلاة، سواء كان السّهو سهواً عن أوقاتها وعن شرائطها وأجزائها، أو سهواً عن روحانيّتها وعمّا يراد لها من العروج بروح المؤمن إلى الله تعالى، وأن تنهى الإنسان عن الفحشاء والمنكر، {الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ}، يعني يصلّون وينفتحون ويتحرّكون في أمورهم ليراهم النّاس، {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}[22]، بمعنى أنهم لا ينفقون في سبيل الله. وهذا ما تحدَّث به القرآن الكريم عن الرّياء، من خلال النّماذج التي قدّمها لنا، مثل نموذج الاستعراضيّين، ونموذج المنفقين لأموالهم رياءً، ونموذج المنافقين، ونموذج المصلّين الّذين يراؤون في صلاتهم.
الرّياء في السنَّة
وقد ورد الحديث عن الرّياء في السنّة في أوجه متعدّدة؛ فعن رسول الله(ص) أنّه قال: "يا أبا ذرّ، اتّق الله ولا تُرِ النّاس أنّك تخشى الله، فيكرموك وقلبك فاجر"[23]، يعني لا تظهر أمام النّاس بمظهر الذي يخشى الله، ليكرمك الناس على أساس مظهرك الذي قد يوحي بأنك تخشى الله حقيقة، ولكنّ قلبك فاجر لا يخشى الله، بل يتحرّك من أجل أن يحصل من خلال إكرام الناس له على نتائج ماديّة أو ما إلى ذلك.
وفي حديث الإمام عليّ(ع): "ما أقبح بالإنسان!" ـ وما أشدّ هذه الصفة أو الخصلة التي هي من أقبح الخصال  ـ "باطناً عليلاً وظاهراً جميلاً"[24]، يعني أن يكون الباطن فيما يخطّط له العقل، أو فيما ينبض به القلب، أو فيما تتحرّك به المشاعر والأحاسيس، ليكون الواقع هو القبح كلّه، فالباطل في العقل، والحقد في القلب، والعداوة والبغضاء وسوء النيّة في المشاعر، بينما الظاهر ظاهر ينطق بالحقّ، ويتحدَّث عن المحبة، وينفتح على الصّداقة وما إلى ذلك. أيّ قبح بهذا المستوى، وهو أن يعيش هذه الازدواجيّة التي تتمثّل في أن يكون الدّاخل وَحْلاً، وأن يكون الظّاهر ماءً صافياً! فالمسألة هي أنّ قيمة الظّاهر بقدر ما ينسجم مع الدّاخل، لأنّ العمق الإنساني هو عمق الدّاخل، والله لا ينظر إلى وجوهكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم. وفي دعاء الإمام عليّ(ع)، ونحن مراراً بيَّنّا قيمة الأدعية، سواء أدعية القرآن، أو أدعية النبيّ(ص)، أو أدعية الأئمة من أهل البيت(ع)، أنها أدعية تخطط للمنهج الأخلاقي والروحي والعقيدي والحركي، وبذلك، لا بدّ من أن نخرج من الأجواء التقليدية الروتينية في قراءتنا للدّعاء، لأن معظمنا وهو يقرأ الدّعاء، يريد أن ينتهي منه، فيقرأه على سبيل الترداد، لا دعاءً يخرج من العقل والقلب، ليرتفع به إلى الله، بينما تمثّل الأدعية منهجاً من مناهج التربية، وأغلبها أدعية ثقافيّة.
فالإمام(ع) يدعو الله، ولاحظوا الأفكار والقيم الّتي يتحدّث عنها: "اللّهمّ إني أعوذ بك أن تحسن في لامعة العيون علانيتي"، يعني أن يكون مظهري الخارجي، وما أعلنه في كلماتي وفي أفعالي وفي معاملاتي وعلاقاتي، برّاقاً، بحيث لو نظر إليها النّاس التمعت عيونهم بالتقدير والاحترام، "وتقبح فيما أبطن لك سريرتي"، أمّا سريرتي، فتمثّل القبح كلّه، ليس فيما يظهر من أمري شيء في الدّاخل، "محافظاً على رئاء النّاس في نفسي"، فأحافظ على ما يراه النّاس من نفسي، لأقدّم لهم نفسي في صورة جميلة مشرقة توحي بالتّقدير، "بجميع ما أنت مطَّلع عليه منّي، فأبدي للناس حسن ظاهري، وأفضي إليك بسوء عملي، تقرّباً إلى عبادتك، وتباعداً من مرضاتك"[25].
إنَّ هذه الفقرات توحي للإنسان من خلال هذا الدّعاء، أنّ على الذي يؤمن بالله، أن يكون رضا الله أقرب إليه من رضا النّاس، لأنّ الله هو مقلِّب القلوب، وهو الذي يرفع الإنسان، وهو الّذي يضعه، ونحن نقرأ في الدّعاء: "يا إلهي، إن وضعتني فمن ذا الّذي يرفعني، وإن رفعتني فمن ذا الّذي يضعني"[26]، ونقرأ في القرآن الكريم قبل ذلك، في مخاطبة الله للنبيّ(ص) قوله تعالى: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ}[27]، و{وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}[28]. وهكذا، نقرأ في كلام رسول الله(ص) فيما يروى عنه في الرّياء: "يابن مسعود، إيّاك أن تظهر من نفسك الخشوع والتّواضع للآدميّين، وأنت فيما بينك وبين ربّك مصرٌّ على المعاصي والذّنوب، يقول الله تعالى ـ أي أنَّ النَّبيّ(ص) يبيّن الفكرة الّتي تحدّث إليه بها، أنها فكرة يوحي بها القرآن ـ {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}[29]، فإذا كان الله يعلم عمق ما يخفيه صدر الإنسان، ودقّة ما تطرف به عيناه من خيانة، فكيف ينسى ربّه وينفتح على الناس؟!
وفي حديث الإمام عليّ(ع): "المرائي ظاهره جميل وباطنه عليل"[30]. وفي الاتجاه نفسه، يقول الإمام الباقر(ع): "من كان ظاهره أرجح من باطنه"، أي كانت درجة الظّاهر عنده ترتفع على درجة الباطن، "خفَّ ميزانه"[31]، والمقصود ميزان الأعمال يومَ القيامة.
وهناك أيضاً أحاديث تصوّر طبيعة الرّياء، وأحاديث تحذّر من الرّياء، إذ يقول رسول الله(ص) مما روي عنه: "ويلٌ للّذين يجتلبون الدّنيا بالدين"، يعني يريد أن يحصل على الدنيا، بأن يجعل الدين سلعةً يتاجر بها للدنيا، هؤلاء الذين يشترون الحياة، فإنهم يبيعون الآخرة بالدنيا، وهي من أقذر الحالات، تلك التي يصير فيها الإنسان من تجار الدّين، فيحاول أن يحرك دينه باتجاه دنياه، "يلبسون للنّاس جلود الضّأن من لِين ألسنتهم"، والضّأن هي المعزى التي جلودها ليّنة، وتمثّل السلامة واللّين والرقّة، فهم يلبسون لباس الحملان، "كلامهم أحلى من العسل، وقلوبهم قلوب الذّئاب"، من خلال ما يحملون من حقد وسوء نيّة للناس، "يقول الله تعالى"، وذلك ربما في الحديث القدسي أو في ما يستوحى من كلام الله: "أبي يغترّون؟"[32]، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}[33]، بمعنى هل تتوقّع أن الله عندما يعطيك، ويفيض عليك ويرزقك، فإنك تمسك مفتاح الجنة بيدك؟ الأمر ليس كذلك، بل إن الله يملي لك ذلك، وهذه فتنة لك: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}[34].
وفي حديث الإمام عليّ(ع): "ومنهم ـ أي الناس ـ من يطلب الدّنيا بعمل الآخرة"، يتحرك بعمله كما لو كان من أهل الآخرة، ولكنّه يوظِّف ذلك للدّنيا، "ولا يطلب الآخرة بعمل الدّنيا"، كما قال قوم موسى لقارون: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[35].
ويتمّ عليّ(ع) كلامه فيقول: "قد طامن من شخصه"، في حالة تواضع، "وقارب من خطوه، وشمّر من ثوبه، وزخرف من نفسه للأمانة"، ليظهر مظهر الأمين، "واتخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية"[36]، فهو قد اعتبر أنّ الله ستر عليه، فازداد في معصيته مطمئنّاً إلى الناس، وأنهم لن يكتشفوا أمره.
 وفي الحديث عن رسول الله(ص) يقول: "أبغض العباد إلى الله تعالى، من كان ثوبه خيراً من عمله"، يعني مظهره، والثوب باعتبار ما يلبسه، "أن تكون ثيابه ثياب الأنبياء، وعمله عمل الجبّارين"[37]، وعنه(ص) يقول: "أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة، من يرى الناس أنّ فيه خيراً ولا خير فيه"[38]، لأنَّ هذا معناه، كما هو قول الله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}[39].
عمل المرائي
وفي وصف عمل المرائي، يقول رسول الله(ص) كما روي عنه: "إنَّ الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجاً به"، أي مرتاحاً، لأنه من ملائكة الخير، وهم خيِّرون، فتنشأ عندهم صداقة وعلاقة مع الإنسان الذي يكتبون أعماله، فإذا رأوا عملاً صالحاً، فرحوا به، لأنّ الله لا يطلعهم على ما في قلب الإنسان، ولذا ورد في دعاء كميل: "وكنت أنت الرّقيب عليَّ من ورائهم، والشّاهد لما خفي عنهم"، لأنّ الملائكة يطَّلعون فقط على ظاهر العمل، ولا يطَّلعون على النيّة. ونحن نعرف "إنما الأعمال بالنيّات، ولكلّ امرئ ما نوى"[40]، و"إنّ الله يحشر الناس على نيّاتهم يوم القيامة"[41]. "فإذا صعد بحسناته، يقول عزَّ وجلَّ: اجعلوها في سجّين، إنه ليس إيّاي أراد به"[42]، لأنّ هذا العمل قصد به الناس الآخرين. وعنه(ص): "وتصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجاً به، فيطأون الحجب كلّها ـ يصعدون إلى مواقع الحجب ـ حتّى يقوموا بين يدي الله سبحانه وتعالى، فيشهدوا له بعمل صالح ودعاء". يا ربّ، إنّ هذا الإنسان عمل الصّالحات، ونحن نشهد عليه، لأنّ الملائكة هم أحد الشهود يوم القيامة، "فيقول الله تعالى: أنتم حفظة عمل عبدي، وأنا رقيب على ما في نفسه، إنه لم يردني بهذا العمل، عليه لعنتي"[43]، وهذه هي نتائج العمل الذي أريد به وجوه الناس.
وقد ورد في الأحاديث عن رسول الله(ص) في موقف المرائي يوم القيامة: "إنّ المرائي ينادى يوم القيامة يا فاجر"، فأيّ فجور أكثر من أن يظُهر الإنسان أنه يعمل لله وهو يعمل لغير الله، لأنه يكذب على الله، ويحاول أن يخدعه، ويخدع الناس أيضاً من خلال ذلك، "يا غادر"، لأنه لا بدّ من أن يفي لله سبحانه وتعالى بوعده، وهو بعمله هذا يغدر، "يا مرائي، ضلَّ عملك، وبطل أجرك، اذهب فخذ أجرك ممن كنت تعمل له"[44]، لأنه قصد به وجهاً غير الله، فليجازه، هذا هو المقصود. وعن رسول الله(ص): "يقول الله: إنّي أغنى الشركاء عن الشّرك"، بمعنى أنه لا يوجد شريك أفضل مني، "فمن عمل عملاً ثم أشرك فيه غيري، فأنا منه بريء، وهو للّذي أشرك به دوني"[45]، يريد أن يقول إني أعطي شريكي كلّ العمل، ولا حاجة لي فيه كليّةً.
وفي حديث عن الإمام جعفر الصّادق(ع): "إياك والرياء، فإنه من عمل لغير الله، وكله الله إلى من عمل له"[46]، فيقول له: اذهب إلى فلان، فليس لك عندي شيء. وعن الإمام الصادق(ع) أيضاً: "ما على عبد إذا عرفه الله أن لا يعرفه الناس"[47]، فإذا أخلص لله، والله مطَّلع عليه في السرّ، فما ضرّه لو فرضنا أنه لم يعرف أحد من النّاس، لأن الله سبحانه وتعالى إذا عرف الإنسان، فتلك هي المعرفة التي ينال بها السعادة، ولا قيمة لجهل الناس عندئذ، "كلّ رياء شرك، إنّه من عمل للناس كان ثوابه على الناس، ومن عمل لله كان ثوابه على الله"[48]، لأنَّ من عمل للناس فقد عبدهم، وهذا شرك في العبادة، وإن لم يكن شركاً في العقيدة.
وعن رسول الله(ص): "أنّ الله لا يقبل عملاً فيه مثقال ذرّة من رياء"[49]، يعني لا بدَّ من أن يكون العمل خالصاً كلّه لله. وعنه(ص): "يابن مسعود، إذا عملت عملاً من البرّ، وأنت تريد بذلك غير الله، فلا ترجُ بذلك منه ثواباً، فإنه يقول: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً}[50]"، إذ لا قيمة له. وعن الصّادق(ع): "قال الله عزّ وجلّ: أنا خير شريك، فمن أشرك معي غيري في عمل عمله، لم أقبله إلا ما كان لي خالصاً"[51]. وعن الإمام الصّادق(ع): "قال الله عزّ وجلّ: من عمل لي ولغيري، فهو لمن عمل له"[52].


[1]  [فصِّلت: 30].
[2]  [الجنّ: 18].
[3]  [الأنبياء: 27].
[4]  [النساء: 80].
[5]  [البقرة: 165].
[6]  الكافي، الشيخ الكليني، ج 8، ص 351.
[7]  [يوسف: 106].
[8]  وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 11، ص 169.
[9]  [الأنفال: 47].
[10]  [النساء: 38].
[11]  [فاطر: 6].
[12]  [النساء: 39].
[13]  [غافر: 19].
[14]  [البقرة: 14].
[15]  [النساء: 142].
[16]  [آل عمران: 178].
[17]  [النساء: 142].
[18]  [النساء: 143].
[19]  [الروم: 29].
[20]  [الإنسان: 3].
[21]  [البلد: 10].
[22]  [الماعون: 4 ـ 7].
[23]  ميزان الحكمة، محمد الرّيشهري، ج 2، ص 1016.
[24]  المصدر نفسه، ج 2، ص 1016.
[25]  نهج البلاغة، خطب الإمام علي(ع)، ج 4، ص 67.
[26]  بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 86، ص 295.
[27]  [الأنفال: 63].
[28]  [الأنفال: 24].
[29]  [غافر: 19]. بحار الأنوار، ج 74، ص 110.
[30]  ميزان الحكمة، ج 2، ص 1016.
[31]  وسائل الشيعة، ج 1، ص 69.
[32]  بحار الأنوار، ج 74، ص 173.
[33]  [الانفطار: 6].
[34]  [العنكبوت: 3].
[35]  [القصص: 77].
[36]  نهج البلاغة، ج 1، ص 78.
[37]  ميزان الحكمة، ج 2، ص 1017.
[38]  المصدر نفسه، ج 2، ص 1017.
[39]  [الكهف: 103، 104].
[40]  وسائل الشيعة، ج 1، ص 48.
[41]   المصدر نفسه، ج 1، ص 48.
[42]  المصدر نفسه، ج 1، ص 71.
[43]  ميزان الحكمة، ج 2، ص 1017.
[44]  المصدر نفسه، ج 2، ص 1017.
[45]  بحار الأنوار، ج 69، ص 304.
[46]  الكافي، ج 2، ص  293.
[47]  ميزان الحكمة، ج 2، ص 1017.
[48]  الكافي، ج 2، ص 294.
[49]  ميزان الحكمة، ج 2، ص 1018.
[50]  [الكهف: 105]. بحار الأنوار، ج 74، ص 103.
[51]  الكافي، ج 2، ص 295.
[52]  ميزان الحكمة، ج 2، ص 1018.

Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages