ميسلون و يوسف العظمة في الشعر العربي

2,056 views
Skip to first unread message

beydou...@yahoo.com

unread,
Aug 17, 2018, 11:57:51 AM8/17/18
to
ميسلون و يوسف العظمة في الشعر العربي
خاضت سورية معركة الرفض و تأهّبَتْ لحماية شرف استقلالها الوليد الذي راح يهدِّده إنذار غورو … وشعَّ في الأفق موقف الشهيد يوسف العظمة . هذا الموقف الرافض بإباء و عزّة لشروط غورو و الاستسلام له . فكان أمام يوسف العظمة طريق المواجهة و هذا ما كان في روابي ميسلون قرب دمشق .
وكان له شرف الاستشهاد مع رفاقه الأباة . وما استشهاده إلاّ ثمرةٌ غُرِسَتْ في نفسِ كلِّ أبيٍّ فكانت بذرةَ الجلاءِ فراحَتْ تنمو في النفوس و تُثْمِرُ في المواجهات و تجنى في الجلاء .‏
من هنا بدأت رحلة الجلاء المسطّرة بالدم و الفداء و الرفض فلم يعرف المحتل البغيض طعم النوم و مذاق الهناء في بقعة من الوطن العربي حتى نالت استقلالها في القرن العشرين . هذا الجلاء وراءه رجالٌ و مجاهدون أحرار وحَّدوا النضال الوطني في كلِّ الوطن و الأقاليم بعيداً عن كلِّ حساسيّة ، ولذلك انخرطَتْ الجماهير بعفويتها و إيمانها للذود عن حياض الوطن .‏
وكانت معركة ميسلون و استشهاد المجاهد يوسف العظمة المحرِّك المدوِّي لنفوس الشعراء فألهَبَ قرائحهم وألَّبهم على أعدائهم . فانخرطوا في صفوف النضال واعين رسالتهم .‏
وحفل الشعر في ذكر ميسلون ويوسف العظمة . واستلهم الشعراء الكثيرَ من المعاني النبيلة . فهناك قصائد و أبيات خلّدت ميسلون وشهيدها و فيها الكثير من الصدق والعفوية فالشاعر سليم الزركلي نظّم نشيداً خاصاً لطلاب مكتب عنبر و قد لحَّنَهُ الموسيقي المرحوم فائز الأسطواني وجاء فيه :‏
يا روابي ميسلون يا روابي ميسلون‏
بالضحايا ذكِّرينا غالها الدهرُ الخؤون‏
يا رياحين البلاد يا أزاهير الجنان‏
جرِّدوا سيف الجهاد و تنادوا للطعان‏
جدَّدوا العهد الأمينا لزعيم الشهداء‏
و انصروا الحقَّ المبينا بالتآخي و الولاء ‏
هذه المقاطع من النشيد تقترب من نفوس الفتيان ، فتشحذ هممهم . وفي معركة ميسلون قيل الكثير وبقيت مرسومة بصفاء في نفوس الشعراء الذين عايشوها عن قرب . فالشاعر خير الدين الزركلي يذكر ذاك اليوم البغيض الذي حلَّ على الشعب الغاضب الثائر :‏
الله للحدثان كيف تكيد بردى يغيض و قاسيون يميدُ‏
تفد الخطوبُ على الشعوب مغيرةٌ لا الزجرُ يدفعها و لا التنديدُ‏
بَلَدٌ تبوَّأه الشقاء فكلَّما قدم استقام له به تجديدُ‏
لهفي على وطنٍ يجوسُ خلاله شُذَّاذُ آفاقٍ شراذم سودُ! ‏
و أشاد الشاعر خليل مردم بك ببطولات معركة ميسلون الباسلة و أبدى حزنه لما آل إليه أمرها :‏
إنّي أرى (بردى ) تفيض عيونه بدموعها حزناً على ماضيكِ‏
و أرى هضابك كالقبور ، عذابها من كلِّ غصن نادبٍ يرثيك‏
في ميسلون أسى يطول و حسرةٌ عانيهما ما كان بالمفكوك‏
وللشاعر خليل مردم بك أكثر من قصيدة يحيي فيها ذكرى ميسلون فيقول في إحداها مخاطباً الشهيد يوسف العظمة :‏
عرفْنا يومَ يوسفَ مبتداها فَهَلْ من مخبر عن منتهاها‏
أيوسف والضحايا اليوم كثرٌ ليهنك كنت أوَّل من بداها‏
مصيبة ميسلونٍ إن أَمَضَّتْ أخفُّ وقيعةً ممَّا تلاها‏
فما من بقعة بدمشق إلاّ تمثِّلُ ميسلونَ وما دهاها‏
ومن الطبيعي أن تكون ميسلون مبعث اعتزاز و موقع ثقة لدى الشعراء فالشاعر بدر الدين الحامد يتغنَّى بصمود يوسف و استشهاده ويندِّد بوعود الغرب الكاذبة :‏
نحنُ قومٌ من الممات اتَّخَذْنا عن يقينٍ الى الحياة سبيلا‏
"يوسفٌ " خرَّ في الشآم صريعاً و كفانا به شهيداً نبيلا‏
أخذونا بالانتداب و قالوا: نحن أقوى يداً ، و أسمى عقولا‏
سنريكم دنيا الحضارة تزهو وَعْدَ صدقٍ كالصبحِ معنى وكيلا‏
و توقَّف الشاعر عمر أبو ريشة عند ميسلون و هو في نشوة الفرح بالجلاء و اعتبرها حَجَرَ أساسٍ في نهوض أمَّتنا و ثباتها رغم عاتيات الزمان . و اعتبرها معارك أمّة خاضتها عبر تاريخها ، و ناضَلَتْ بشرف لنيل مبتغاها :‏
كم لنا من ميسلون نفضت عن جناحيها غبار التعبِ‏
كم نبتْ أسيافُنا في ملعبٍ وكبَتْ أجيادُنا في ملعبِ‏
من نضال عاثرٍ مصطخبٍ لنضالٍ عاثرٍ مصطخبِ‏
شرفُ الوثبة أن ترضي العُلى غُلِبَ الواثبُ أم لم يُغْلَبِ‏
فمعركة ميسلون و ما جرى فيها كانَتْ مجالاً رحباً و أفقاً واسعاً للشعراء منها ينهلون ، و يسكبون فيها بنات أفكارهم و آراءهم فالشاعر عبد الله يوركي حلاّق تغنّى من خلالها بالوحدة و التراث و جسّد معاني الانتماء :‏
في ميسلونَ ينامُ كوكبُ يعربٍ يا للغرابة كيف يغفو الكوكبُ‏
ما مات يوسفُ فهوَ في تاريخنا و قلوبنا حيُّ البسالةِ طيِّبُ‏
الخلدُ يعرفُهُ و يعرف أنَّهُ نَغَمٌ على شفةِ الإباءِ و مُطْرِبُ‏
و الباحث في طيِّ الدوريات و الدواوين يجدُ عقداً ثميناً من القصائد و الأبيات التي توقفت عند هذا الحدث الجليل فالشاعر فارس قويدر يهدي قصيدته ( قبس من ميسلون ) الى الشهيد يوسف العظمة و ذلك في مجلة الجندي العربي :‏
غورو هناك ، ومشعلي في انتفاضتِهِ نهرٌ من النارِ ، لم تسمعْ به النارُ‏
فأرجفَ البغيُ مذعوراً لصرختهم : " يفديك يا وطن الأحرارِ" أحرارُ‏
أيعبرونَ و قتلانا جدارُ دمٍ و نحنُ في زحمةِ الأقدارِ .. أقدارُ‏
و لكنَّ اللافتَ و الرائع أن ميسلون و شهيدها لامَسَتْ وجدان الشعراء العرب في الأقطار العربية و المهجر . وهذا معهودٌ لدى شعراء العربية فالإحساسُ القومي نابضٌ و حارٌّ . فالآلام توحِّدُ مشاعرهم و الآمالُ تشدُّ من أزرهم . فمن مصرَ ارتفع صوت أمير الشعراء أحمد شوقي :‏
سأذكر ما حييتُ جدارَ قبرٍ بظاهرِ جلَّقٍ ركبَ الرِّمالا‏
مقيمٌ ما أقامَتْ ميسلونٌ يذكِّرُ مصرعَ الأسدِ الشِّبالا‏
ترى نورَ العقيدةِ في ثراهُ و تنشقُ مِنْ جوانبهِ الخلالا‏
مشى و مَشَتْ فيالق من فرنسا تجرُّ مطارفَ الظفر اختيالا‏
سلوهُ : هل ترجَّلَ في هبوبٍ من النيرانِ أَرْجَلَتِ الجبالا‏
في القصيدة يعلو وجدان الشعر و تبرز الصور الفنيَّة الموحية ، وتغنّى الشاعر المصري على محمود طه بميسلون ففي ديوانه قصيدة " شهيد ميسلون " و الشاعر معروف بروحِهِ الثورية الواثبة و هو صاحب القصيدة الرائعة و مطلعها :‏
أخي جاوز الظالمون المدى فحقُّ الجهادِ و حقَّ الفِدا‏
يقول الشاعر في شهيد ميسلون :‏
في موكب الفادين مجد أميّة بجوانحٍ مشبوبةٍ و جوارحِ‏
لو قستَهم بعدوِّهم وسلاحِهِ أيقنْتَ أنَّهمو فريسةُ جارحِ‏
يا ميسلونُ شهدْتِ أيَّ روايةٍ دمويَّةٍ ، ورأيتِ أيَّ مذابحِ‏
ووقفْتِ مُثْخنةَ الجراحِ بحومةٍ ماجَتْ بباغٍ في دمائكِ سابحِ‏
يا يوسفُ العظماتُ غرسُكَ لم يضعْ وجناهُ أخلَدُ من نتاج قرائحِ ‏
هذه القصائد تبرز عمق الارتباط القومي ومتانته . هذا الارتباط الوثيق الذي عبَّر عنه الشعراء بمشاعرهم الفيَّاضة الصادقة . وهذا ليس بغريب عن أدباء العربية المنتمين الى أرومتهم انتماء صافياً كصفاء نفوسهم . فالرصافي يهزأ من غورو و يخاطبه غاضباً من إنذاره و تصرفاته الرعناء :‏
رويدك غورو أيّهذا الجنرال فقد آلَمَتْنا من خطابك أقوال‏
أسأتْ إلينا بالذي قد ذكرته من الأمرِ فاستاءت عصورٌ و أجيال‏
إليك صلاح الدين نشكو مصيبة أصيبَ بها قلبُ العلا فّهْو مقتال‏
و الشاعر هنا يشير الى مقولة غورو عندما دخل دمشق غازياً فتوجَّه الى ضريح صلاح الدين و قال له " ها نحن عُدْنا يا صلاح الدين " .‏
ومن المهاجر الأمريكية تواصل الأدباء العرب مع هذا الحدث الجلل و هذه المواقف البطولية الرائعة فأبو الفضل الوليد يشيد بصمود يوسف العظمة في ميسلون :‏
تربَّصَ إحدى الحسنيين تبسُّلا فما عابه ألاَّ يكون المظفَّرا‏
و أيقن أن النصرَ في جنبِ خصمِهِ و لكن رأى حظَّ الشهيدين أفخرا‏
على أشرف الميتات وطَّن نَفْسَهُ فشدَّ لكي يلقى الردّى لا لينصرا‏
و ما ذاك إلاَّ من إباءٍ و عزَّةٍ يزيدان نفس المستميت تكبُّرا‏
أيوسفُ يا بن العظمة استعظم الورى شهادتك المثلى ، و مثلك لم يرا‏
فنم في ثراها مطمئناً مكرّماً فذاك الثرى قد صار مسكاً و عنبرا‏
سلام على الأبطالِ إنَّ دماءَهم ستحيي شعوراً لن يموت و يقبرا‏
فالأبيات تنبض بالتقدير و الإعجاب و تتعامل مع الشهادة من خلال صراع يعيشه الإنسان و بقي مع شعراء المهجر الذين ابتعدوا جسداً عن الوطن الأم ، و ارتبطوا روحاً تتألم لأوجاعِ الأمة ، و تفرح لفرحها . فهذا إلياس فرحات يحسِّد معنى الشهادة و الثبات و التنديد لسياسة الاستعمار :‏
قولوا لغورو كلّما لَمَعَتْ أزرارُهُ فاختالَ وابتسما‏
مَيْتُ العلى حيٌّ بمبدئهِ وعدوُّه مَيْتٌ ولو سلما‏
مجد الشآم بميسلونَ بدا غرساً سقوهُ دماءَهمْ فنما‏
يا ميسلون سُقيتِ كلَّ ضحىً دمعَ الغمامِ كما سُقيتِ دما‏
ويعود الشاعر الى ذكرى ميسلون مع ابتهاجه في إعلان نار الثورة السورية الكبرى فلا يجد مانعاً في اختيار عنوان " يا ميسلون " فيتوجه إليها :‏
يا ميسلون تجدَّدَ العمل لعُلاك فليتجدَّدِ الأملْ‏
يا ليْتَ غورو حاضرٌ ليرى ضرباً تميدُ لهولِهِ القِلَلْ‏
أبني الشآم اليومَ يومكمو للمجدِ هذا الحادثُ الجلل‏
مرحى بني معروف إنَّ لكم جيشاً تضيق بخيلهِ السبل‏
يا سائلي عنهم أتجهلهمْ و همُ الذين على العلى جُبلوا‏
و للشاعر إلياس فرحات أكثر من قصيدة يشيد فيها بميسلون و يوسف العظمة و قد قال يوم احتفل المغتربون في البرازيل بوضع تمثال بطل ميسلون :‏
شاعر الأحرار في هذي المهمّه محفِلُ الأحرارِ يبغي أن نؤمّه‏
إن يقلْ ما ميسلونٌ جاهل؟ قلْ : مثارُ الفخر في تاريخ أمّه‏
و للشاعر القروي حصَّة عظيمة في ذكر ميسلون وقد أشاد بها و ذكرها في قصيدته " عيد الأضحى " و قد جاء العيد بعد ميسلون:‏
إنَّ بالعظمةِ أعلى مثلٍ للفدى تنشده النفس الأبية‏
ودَّعَ الغوطة يبغي جنَّةً غيرها تحتَ ظلالِ المشرفيّة‏
يا معيداً مجدنا الضائعَ ، نَمْ مُسْتريحاً في ظلال الأبديّة‏
هذا الاحساس القومي الرائع ينبض في ثنايا كلِّ حرف و بيت ، وهنا تكمن عظمة الكلمة النابعة من الأعماق وهذا ما بدا في قصيدة " جورج صيدح " في ذكر الجلاء :‏
زغردي يا حرائرَ الشامِ ، هذا مهرجانٌ لأختك الحرّيّة‏
خطبوها في ميسلون فأدّى " يوسفُ " المهرَ بالدماء الزكيّة‏
و انطلق صوت الشاعر إيليا أبو ماضي مشيداً بيوسف العظمة و راسماً عظمة رسالته و دوره في قصيدته " تحية الشام "‏
ما كان يوسفُ واحداً بل موكباً للنور غلغل في الشموسِ فغابا‏
هذا الذي اشتاق الكرى تحت الثرى كي لا يرى في جلَّق الأغرابا‏
و إذا نبا العيشُ الكريم بماجدٍ حرٍّ رأى الموتَ الكريم صوابا‏
إنّي لأزهى بالفتى و أحبُّهُ يهوى الحياةَ مشقّةً و صعابا‏
ورد ذكر ميسلون و يوسف العظمة كثيراً و خاصة في قصائد قيلت بمناسبة الجلاء وذكرى ميسلون وهي مطوَّلة تستحقُّ دراسة متأنيّة فيها الكثير من الدقة والتحليل . فكانت ذكرى الجلاء باعثة للذكريات واسترجاحِ قيم النضال ولذلك كان الجلاء من ميسلون . وميسلون أوَّل لبنة من لبنات الجلاء العظيم الذي جاء ثمرة التضحيات فيقول الشاعر زكي قنصل :‏
كلُّ شبرٍ من أرضِها ميسلونٌ يجثم العزُّ حولها والوقارُ‏
وإذا كلُّ ربوةٍ ميسلونٌ وإذا كلُّ ساحةٍ مضمار‏
ونبقى مع الشاعر زكي قنصل الذي أنشد قصيدة رائعة في الذكرى الخمسينية لموقعة ميسلون وعنوانها ((مواكب الشهيد )):‏
هتكوا حماكَ وأنتَ لم تثبِ أولَسْتَ من عدنانَ يا عربي‏
أين الحميَّةُ ، هل هي انطفأت أم أنَّها ذهبت مع السلبِ ؟‏
مثواكَ محرابي أطوف به وأحوم بالنجوى على النصب‏
وهناك الكثير ممَّا قيل في ميسلون وبطلها يوسف العظمة الذي ضَرَبَ مثلاً في الرفضِ والإباء والعزّة . وهذا ما ألهب نار الثورة من بعده .‏
فما الثورات والنضال الوطني الذي أدّى إلى الجلاء إلاَّ من سعير ميسلون وهداها . وتبقى ميسلون مجالاً رحباً للدراسة مع معارك تاريخية أخرى خاضتها أمَّتنا العربية كحطين وعين جالوت والمنصورة ... وهي دعوة فيها الكثيرُ من العمل والفائدة.‏
كانت سوريا خلافا لباقي البلدان العربية
كانت وما زالت الحاضنة لرجالات كبار مثقفين مؤمنين تحمل نفوسهم النبيلة الشجاعة
والاقدام والعزة وكرامة الشهادة

Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages