كلمة الامام المهدي عليه السلام

94 views
Skip to first unread message

beydou...@yahoo.com

unread,
Jan 26, 2014, 10:01:56 AM1/26/14
to
 
كلمة الامام المهدي عليه السلام
 
إهداء
إلى أمي التي أعطتني كل شيء ولم أعطها شيئاً.. أقدم ثواب كتابة هذا الكتاب في ذكرى وفاتها الأولى
ابنك حسن
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة ع
سبب التأليف
ولسبب تأليف هذا الكتاب - أو بالأحرى تقديم تأليفه على سائر مجلدات هذه الموسوعة - قصة طريفة نترك الإمام الشهيد (قدس سره) يتحدث بها هو بنفسه لبعض زملائه، قال (قدس سره) وهو يتكلم عن ذلك:
(عندما كنت في سجون البعثيين في العراق، وتحت التعذيب الوحشي القاسي توسلت ذات مرة بمولاي وسيدي صاحب الزمان الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أن يتولى نجاتي من هذه المظالم، وعاهدت الإمام (عليه السلام) لقاء ذلك أن أقوم بتأليف كتاب يجمع ما روي عنه (عليه السلام) من زيارات، وأدعية، ورسائل، وسائر كلماته الشريفة..
وراحت الأيام والليالي، ومضت الشهور تلو الشهور على إقامتي في السجون المختلفة في بغداد، وبعقوبة حتى خلّصي الله تعالى (بدعاء صاحب الأمر عليه السلام) وفرّج عنى وخرجت من سجون البعثيين ولله الحمد..
وبعد فترة من الزمن جاءنى أحد أقربائي ليقول لي:
رأيت في عالم الرؤيا نورانياً مهيباً قال لي: قل للسيد حسن الشيرازي حان الوقت لأن يفي بعهده لصاحب الأمر (عليه السلام) في تأليف الكتاب وكان الشخص ذاك ? يدري عن عهدي، لأني لم أكن قد حدّثت به بعد.
فعزمت على ذلك وصرت أجمع المصادر المحتاج إليها لمثل تأليف هذا الكتاب.
ثم جاءني بعد مدة شخص آخر وقال لي مثل ما قال الأول - من غير ترابط بينهما ولا صحبة ولا سابقة إطلاقاً.
(رأيت في الحلم - في عالم الرؤيا - أن صاحب الأمر (عليه السلام) يطالبك بعهدك معه عن الكتاب...).
واشتد عزمي وبدأت في تأليف هذا الكتاب (كلمة الإمام المهدي عليه السلام).
قال الإمام الشهيد (قدس سره):
وبعد ما أنجزت القسم المهم من الكتاب رأيت ما يلي في عالم الرؤيا:
رأيت شخصاً مهيباً، طويل القامة، جميل المحيا، له هيبة الأنبياء، وجلال الصديقين، ووقار الخاشعين، لابساً حلة بيضاء قد توجّه إليّ، - فظننته صاحب الأمر الإمام المهدي (عليه السلام) - وقمت إجلالاً له، وتقدمت أنا إليه، فلما اقتربنا أخذت بيده لأقبلها، فبدرني هو وقبّل يدي.
فلما قبل يدي علمت أنه ليس الإمام المهدي (عليه السلام).
فسألته عن نفسه وقلت له: من أنت؟
فقال: أنا من قبل وليّ الله.
وأحسست في عالم الرؤيا أن الرجل رسول من قبل الإمام المهدي (عليه السلام) جاء إلي شاكراً لتأليف هذا الكتاب.
قال الإمام الشهيد (قدس سره): ولأول مرة أرى رؤيا مثل هذه عن واحد من تأليفاتي.. وأسأل الله تعالى أن يقرنه برضاه، ويرضى عني مولاي وسيدي صاحب الأمر الإمام المهدي المنتظر صلوات الله عليه، الذي هو طريقي إلى مرضاة الله تعالى.
قال الراوي للقصة: كان الإمام الشهيد (قدس سره) يحدثنا بهذه القصة ونحن بجوار قبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالمدينة المنورة، في طريقنا إلى الحج في العام الماضي..
ونحن إذ نقوم بإحياء هذا التراث القيم وإنجاز هذه الأمنيّة للإمام الشهيد الشيرازي (قدس الله سره) لطبع (كلمة الإمام المهدي عليه السلام) ونشرها على الأفق الثقافي في العالم.
نأمل ونسأل الله تعالى الأمور التالية:
أولاً: أن يعجل في فرج صاحب هذه الكلمة الإمام المهدي (عليه السلام) ليطهر الأرض من كل ظلم، وينشر في الناس راية العدل الكامل والشامل.
ثانياً: أن ينتقم لهذا الدم الزاكي، ولسائر الدماء الزكية التي أراقتها هذه الزمرة الظالمة الحاكمة في العراق اليوم، وينقذ الإسلام والمسلمين من شرورهم ومفاسدهم ومذابحهم...
ثالثاً: أن يوفقنا الله تعالى لتكميل باقي كتب هذه الموسوعة الضخمة (موسوعة الكلمة) لتخرج إلى النور ويستفيد منها العالم بأسره في كل زمان وكل مكان.
والله هو الولي لذلك كله وهو حسبنا
الناشرون
لى خاتم أنبيائه والسلام على خاتم خلفائه، وعلى عباد الله الصالحين.
الناس - عادة - يؤمنون بالمألوف بلا محاكمة، ? لأنهم استوعبوه، وإنما لمجرد أنهم وجدوه واقعاً إلى جانبهم، أو لمجرد أنهم وجدوا المجتمع يردده من حولهم.
فالجميع يعترفون بالشمس، لأنهم وجدوها منذ فتحوا أعينهم للنور، ولو لم تكن الشمس في مرمى أنظارهم ووصفت لهم بحجمها الضخم وحركتها الدقيقة السريعة ولهيبها القوي العالي دون أن يأكل من جرمها شيئاً مدى مليارات السنين، لما اعترفوا بها.. ولكنهم حيث وجدوها، اعترفوا بها، وحاولوا أن يفلسفوا غوامضها - في كل جيل حسب الأفكار الحاكمة عليه - ليجعلوها مطواعة لمرتكزاتهم.
ومن هذا النوع اعترافهم بالأرض والنجوم والأجواء وسائر الظواهر الكونية.
وعملية تكوّن الإنسان، وتسلسله معترف بها من قبل جميع الناس، لأنهم تكوّنوا بها ويجدون الآخرين يتكوّنون بها، أما لو كان الإنسان بدواً من الأرض، وكان يقال له: أن نوعاً من الحيوان يتكوّن بتلاقح الدورة المنويّة من الذكر بالبويضة من الأنثى، وكانت توصف له عملية الإنجاب حتى الولادة لكان يعتبرها خبطاً في الخيال، كما يصعب عليه الاعتراف بأن عيسى (عليه السلام) خلق من غير أب... ? لشيء إلا لمجرد أنه لم يألف إلا طريقة واحدة في خلقة الإنسان.
ومن هذا النوع اعترافهم بطريقة خلقة المبيضات، وطرائق خلقة الزواحف والهوام والبراغش وسائر الحيوانات والنباتات الترابية والمائية.
فاعترافهم بالظواهر الكونية وطرائق الخلقة في مسلسلات المخلوقات ليس ناتجاً من استيعابها وتصديقها، وإنما هو وليد ضغط الأمر الواقع على الذهنية العامة للتسليم له.
والناس جميعاً - قبل القرن العشرين كانوا يعترفون بمعطيات (هيئة بطليموس) من تراكب السماوات السبع والعرش والكرسي وتراكب الأرضين السبع كطبقات البصل - حسب تعبيراتهم - ومن كون الأرض مركز الكون، ومن حركة جميع السماوات والكواكب والنجوم... إلى آخر معطيات فلسفة أرسطو وطب جالينوس وسائر العلوم التي كانت سائدة في تلك الأجيال. وما كان يتردد أحد في شيء منها إلا ويتهم بالخيانة العظمى - متمثلة في الكفر والزندقة والإلحاد - ثم يعدم قتلاً بالسيف أو جلداً بالسوط أو حرقاً بالنار.
ومن هذا النوع كان اعترافهم بالروحانيات والعلوم الغريبة.
وهم - جميعاً - في هذا القرن يعترفون بجميع معطيات العلوم الحديثة من الفسيولوجيا والبيولوجيا والتكنولوجيا، وانتهاءً بالنسبية العامة والديالكتيك، ولا يتردد أحد في شيء منها إلا ويتهم بالخيانة العظمى - متمثلة في السخافة والجمود والرجعية - ثم يعدم طرداً عن المجالات الحيوية.
ومن هذا النوع إنكارهم للروحانيات والعلوم الغريبة.
? لأن أولئك اعترفوا بمعطيات علومهم عن استيعاب وتصديق، ولا لأن هؤلاء يعترفون بمعطيات علومهم عن استيعاب وتصديق... وإنما لأن كل واحد من أولئك عندما تفتق فيه الوعي وجد المجتمع من حوله يردد أشياءً فرددها معه، كما يكرر عاداته وتقاليده معه، شأن الطفل الذي يدخل مدرسة، فيردد مع زملائه أناشيدهم ويرفع صوته أو يخفضه معهم، ربما دون أن يفهم حرفاً منها.
ولذلك حارب الناس جميع الأنبياء والمصلحين والمجددين وأوائل المكتشفين، ? لشيء إلا لأنهم طرحوا أفكاراً لم يكن يرددها المجتمع، فمن استطاع منهم أن ينجو من الإعدام، ويواصل الكفاح حتى يقنع المجتمع بأفكاره أصبح عظيماً تنحني أمامه رؤوس من بادروا إلى حربه بلا هوادة... ? لأن المجتمع لم يكن يرددها ثم استطاع أن يلقنها للمجتمع.
وبهذه الببغاوية نعاهم القرآن معزياً رسول الله، قائلاً: (ذلك مبلغهم من العلم) وأعذرهم الرسول متجاوباً مع القرآن، قائلاً: (اللهم اهد قومي فإنهم ? يعلمون).
الحضارة والتكتلات:
والناس - في القرن العشرين - تمزقوا بفعل عاملين:
1- عامل الحضارة المادية، التي تصاعدت بقوة لتصنيع أكثر مظاهر الحياة حتى بهر وهجها الألباب، فافتتن بها قطاع كبير من الناس، ظانين أنها القمّة النهائية للحياة، فجرفتهم إلى الإلحاد بكل ما وراء المادة.
2- عامل التكتلات الدينية التي تصاعدت بقوة - في تنظيمات رجال الدين وفي تجمعات سياسية - حتى كادت تغطي ثلثي المجتمع، فتجاوب معها قطاع كبير من البشر، قائلين بأن الحضارة المادية ? تعبر إلا عن وجه واحد من وجهي الحياة.
هكذا تمزق الناس بفعل هذين العاملين، فمن كان قريباً من قواعد الحضارة المادية تمسك بمعطياتها واعتبر الدين مرحلة تجاوزها الإنسان، ومن كان قريباً من قواعد التكتلات الدينية تمسك بمعطياتها، واعتبر المادية وسيلة لتجاوز الحياة. أما الأكثرية الساحقة من الناس، فأخذوا بمعطيات الحضارة المادية، لتنعيم الحياة وتسهيلها، متسترين بغطاء رقيق من الإيمان بمجمل الأديان، من الاعتراف بوجود الله، وصحة كتبه وصدق رسله في التبشير بالحياة الآخرة، وأما التفاصيل والفروع فلا يجدون ما يلزمهم بها، وربما ? يجدون من يقنعهم، وقد ? يجدون وازعاً داخلياً يدفعهم إلى الاهتمام بها، وإهمال مباهج الحياة ومشاكلها، فيفضلون الاكتفاء من الدين بتزويد ما يردده المجتمع، وأكثر المجتمعات ? يردد من الدين إلا معطياته المتجاوبة مع المفاهيم المألوفة في الذهنيّة العامة.
وإذا عرفنا أن الذهنية العامة تؤمن بالمألوف بلا محاكمة، وترفض غير المألوف بلا مناقشة، عرفنا لماذا يكون إيمان الناس - غالباً - غطاءً رقيقاً يتسترون به.
من هنا نعرف السبب تهرب الناس - عادة - من الخوض في الحوار حول القضايا الفكرية من الأديان، وفي اتهامها بأنها قضايا ميتافيزيقيّة، أو بأنها قضايا إيمانيّة مجردة ? جدوى منها، وفي محاولة إنكار مردودها، مهما كان مردودها في حياتهم الفردية والاجتماعية.
ومن هذه القضايا:
1- قضية الروح وتطوراتها.
2- قضية الروحانيات غير المحسوسة كالملائكة والجن والشيطان.
3- قضية المعجزات وكيفية صدورها.
4- قضية حكومة الإنسان في سائر المخلوقات.
5- قضية المصلح المنتظر، التي تعبر عن معادلة الخير والشر.
وهذه قضايا طرحتها الأديان، ولها نتائجها الإيجابية الكبيرة.
قضية المصلح المنتظر(عليه السلام):
ولسنا في هذه المحاولة، إلا أمام القضية الأخيرة، وهي قضية المصلح المنتظر (عليه السلام)، التي تعبر عن إحدى المعادلات الثابتة، لأنها تتعلق بإحدى الغرائز المتأصلة في البر.
فالبشر - بمقتضى تركيبته الخاصة - ? يستقيم على طريقة، بغض النظر عن هوية الطريقة، فلا يبقى على الحق، ولا يدوم على الباطل، ولا يواصل الخير، ولا يستمر على الشر، ويكره الديمومة على شيء، مهما كانت حقيقة ذلك الشيء، وإنما يفضل التأرجح بين الأضداد، فالشجرة تدأب في منهجها ابتداءً من انطلاقها من النواة حتى نهايتها بلا تمزق بين المناهج، والجبل يواصل برنامجه منذ نشوئه حتى انتهاء عمره الطبيعي بلا تبعثر بين البرامج، والنجمة تنفّذ خطّتها من ميلادها حتى وفاتها بدون أدنى انزلاق، والنحلة تؤدي كل واجباتها حتى تسقط ضحية في مسيرة الواجب بلا تردد، ولكنه الإنسان، الذي ? يستطيع توظيب حياته في خط (.. فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين).
ولعل غريزة التأرجح بين الأضداد - أو غريزة التطور - وكّلت بالإنسان لتقليبه في المعادلات المختلفة، حتى تكشف كل مخابئه. وتنمي كل ما في أعماقه من نوايا وركائز، فتحقق بذلك هدفاً من أهداف الحياة. وهو تجربة الإنسان (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً لنفتنهم فيه). [سورة الجن: الآية 15 - 16].
فاستجابة لهذه الغريزة نجد الإنسان دائم الاندفاع بين أقطاب الإغراء الكثيرة المتنوعة، فهو يجب الشيء ويتدفق نحوه بلهفة حتى إذا تشبع منه أعرض عنه واتجه نحو ضده بشدة.
- مثلاً: إنه يجب السفر، فيواصله حتى يجوب الأقطار التي كان يفكر فيها، ثم يخلد إلى مدينة فلا يخرج منها مدى سنوات، ثم يبدأ من جديد رحلات واسعة.
- مثلاً: قد ترى إنساناً محافظاً ? تذكر له هفوات، ثم تجده ينفلت بعشوائية، وبعد حين يعاود سيرته الأولى.
- مثلاً: قد يظهر جيل محارب يتتبع الخلافات البسيطة، فيتمسك بها لإشعال الفتن والحروب، يعقبه جيل مسالم يتنازل عن أغلى ما لديه هروباً من المواجهة المسلحة.
- مثلاً: قد يقبل الناس على الأدب أو المسرح أو الرسم، حتى يقدّمونه على الخبز والماء، ثم يعرضون عنه حتى يفلس تجّاره.
وهكذا الدين، قد يظهر نبيّ أو إمام يحرك فطرة الناس في اتجاه الدين فيتهافتون على جوامعه ومجامعه باندفاع مخيف، ثم تتوتر الفطرة فيهم فيتجاهلون كل شيء منه بحيث يتحير دعاته. ويتساقطون تحت تيار الإلحاد، ولا يأخذ التيار مداه، حتى يبدأ بالانحسار، ويتوب الناس إلى رشدهم في اتجاه الدين من جديد، وكأنّه يطرح عليهم لأول مرة، ولم يطرح عليهم لأول مرة، وإنما هي دورة البشر الذي ? يطيق السير على خط واحد.
ولهذا كلما ظهر نبي أو إمام، واستطاع أن يعلي كلمة الدين - عرف أن ثورته تستهلك بعده، وأن خلفائه يعانون الثورة المعاكسة - فيبشرهم بأن الردة لن تكون القاضية، وأن المطاف الأخير سيكون لدينه. وأن الله سيظهر من يجدده، ويقود الناس إلى الصراط المستقيم.
فما من نبي إلا وبشر بمصلح عالي الصوت، شديد الوطء، يحرك التيار، وأمر الناس بالصبر عبر الخريف، وانتظار ذلك المصلح، والالتفات حوله إذا أدركوه.
لقد بشر نوح بإبراهيم، وبشر إبراهيم بموسى، وبشر موسى بعيسى، وبشر عيسى بمحمد، وبشر محمد بظهور المهدي ونزول المسيح، عليهم الصلاة والسلام.
فما ظهر دين إلا وطرح فكرة المصلح المنتظر، والديانات الحية اليوم كلها تهيئ لمصلح منتظر وإن اختلفت الأسماء، فاليهودية تبشر بالمسيح، والمسيحية تبشر بأحمد، والإسلام يبشر بالمهدي.
معطيات الفكرة:
وإذا أغمضنا النظر عن الأسماء نجد أن فكرة المصلح المنتظر تعني:
1- واقعية الأديان في استيعاب المستقبل، وفي استيعاب دورة البشر في الاتجاه نحو الدين والانحراف عنه، وفي الأخبار عن هذه الدورة.
2- تطمين المبشرين بأن لهم المطاف الأخير، حتى ? ييأسوا مهما ارتفعت درجة معاناتهم، ومهما استبدت الثورة المعاكسة بالأجواء.
3- تيئيس العاملين ضد الدين وضد المبشرين به، من نجاحهم في العمل ضد الدين، فإذا استطاعوا أن يهرجوا يوماً أو أياماً، فلا يعني ذلك أنهم أضحوا سادة الموقف، فالدين هو الخط الصحي العام، والانفلات فوضى لن تدوم.
4- تهيئة المؤمنين بالدين لاستقبال المصلح المنتظر، حتى يظلوا متأهبين له، وتأهبهم له يساوي إبقائهم موفوري القوى، وهذا يخدمهم قبل أن يخدم المصلح المنتظر، لأنهم ? يؤخذون على حين غرة من قبل أعدائهم، ولا يجمدهم الخمول، فهم - دائماً - تحت الإنذار، يراقبون الأجواء بلهفة وحذر.
5- تمهيد الأرضية الصالحة للمصلح المنتظر، حتى إذا انتفض ? يجد نفسه غريباً يبني ابتداءً من الحجر الأساس، وإنما يجد نفسه يرفع البناء على أساس من سبقه. وهكذا كان، فلم يبعث نبي إلا وجد من ينتظره(1)، ويسعى إليه من أقاصي الدنيا بهيام عميق. وهذه الظاهرة مما أوفدت أخوة الأنبياء، فكل واحد منهم كان مبشراً به من قبل السابقين عليه، فيصدق السابقين عليه ويبشر اللاحقين به، ويقوم بدور الحلقة الواحدة في المسلسل البعيد الطرفين. وليس الإمام المهدي المنتظر إلا حلقة في هذا المسلسل من المبشرين بهم والمبشرين بغيرهم.
ظاهرتان: اليأس والتشكيك:
وهنالك ظاهرتان تكتفنان المؤمنين الذين يعيشون في الفترة بين الأنبياء والأئمة:
الأولى: ظاهرة اليأس كلما طالت الفترة، ولم يظهر المصلح الموعود به، وربما كانت الفترة تسع عدة قرون وتستهلك بضعة أجيال، فكان الناس يشككون في الأحاديث المبشّرة به، وخاصة في الفترات السابقة التي لم يكونوا يمتلكون وسيلة لنقل الحديث سوى ذاكرة الرواة.
الثانية: ظاهرة التشكيك في مقدرة المصلح الموعود به على تغيير الأجواء، لأنهم كانوا يرون التقدم المادي للبشر، وكانوا يظنون أن النبي اللاحق سوف يستخدم الوسائل التي اتبعها النبي السابق، فكانوا يجدون تلك الوسائل غير مجدية، فيعتريهم الشك في قدرته على إنقاذ الناس من براثن السلطان الغاشمة المزودة بالأسلحة الجديدة.
دور إبراهيم الخليل (عليه السلام):
فمثلاً: في عهد إبراهيم الخليل (عليه السلام) لم يكن للملوك جيش نظامي، ففي أيام المسلم حتى خدم الملك مزودون بالسلاح ويؤدّون دور الحرس، والشرطة، وفي أيام الحرب يدعى الناس إلى النفير، فينفرون بأسلحتهم، ولذلك جند إبراهيم الخليل (عليه السلام) جيشاً من المؤمنين به، وقاتل في الشام، وانتثر.
دور موسى (عليه السلام):
فلما ظهر الفراعنة في مصر تطور الأمر من ناحيتين: الأولى: أن الفراعنة حاولوا تأسيس إمبراطورية واسعة - في ظل دعوى الربوبية - فأسسوا جيشاً نظامياً، ووجهوا فصائله إلى الأقطار المجاورة، من أجل إخضاعها لحكم الفراعنة. الثانية: ظهر في أيامهم السحر، وتقدم بسرعة مذهلة، فكان الملك الفرعوني يحكم بسلطتين: سلطة جيش نظامي جرّار، وسلطة سحرة أشداء. والمؤمنون الذين كانوا ينتظرون ظهور موسى بن عمران، كانوا يظنون أن موسى بن عمران - حينما يظهر - يستخدم الأساليب والوسائل التي استخدمها إبراهيم الخليل (عليه السلام) فكانوا يشكّون في انتصاره على الفراعنة، وما كانوا يعلمون أن موسى بن عمران (عليه السلام) يظهر بتسع آيات بينات يتضاءل أمامها السحر والسحرة، وبقوة عصاه التي تلقف ما يأفكون، وبقوة البحر الذي يبتلع فرعون وجنوده. ما كانوا يعلمون ذلك، فكان من الطبيعي أن يشكّوا في انتصار موسى بن عمران على الفراعنة. فلما جاء موسى بن عمران بتلك الوسائل عرف الناس أن أنبياء الله قد يأتون بمثلها. وقضى موسى بن عمران على أسطورة السحر الذي ? يقهر، والجيش الذي ? ينهزم، والملك الذي ? تطاله قوة حتى يقول: أنا ربكم الأعلى.
دور عيسى (عليه السلام):
ومثلاً: تطور الأمر بعد موسى بن عمران، فظهر في الناس فراعنة من نوع جديد، ? يقهرون أجسام الناس بالسحر والجنود، وإنما يقهرون عقول الناس بالعلم، وليس بأي علم، وإنما بعلم إنساني يحتاج إليه جميع الناس، ظهروا بعلم الطب، وبالإخبار عن الغيبيات، وتقدموا فيهما، حتى كان أحدهم يحيي الميت إذا عرض عليه قبل أن يبرد جسمه، ويفحص المريض بمجرد إلقاء نظرة على وجهه، ويخبر عما أكله المريض أو فعله. فكان المؤمنون الذين ينتظرون عيسى ابن مريم (عليه السلام) يظنون أنه سيظهر بمثل وسائل إبراهيم الخليل، أو بمثل وسائل موسى بن عمران، فكان من الطبيعي أن يشكّوا في مقدرة عيسى ابن مريم على دحر قادة الإلحاد، المتسلحين بالعلم النافع، وما علموا أن الله سينصر رسله في كل زمان بالوسائل المناسبة، فظهر عيسى ابن مريم (عليه السلام) بالعلم المتفوق، فقال: أنا أبرئ الأكمه والأبرص وسائر المصابين بالأمراض المستعصية، ? بالدواء، وإنما بمجرد مسحة يد، وأحيي، ? الميت الجديد الذي لم يبرد جسمه بعد فقط، وإنما أحيي كل الأموات حتى الميت الرميم وإني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وهنا ما ? يدّعيه طبيب وإني أخبركم ? بما أكله المريض أو فعله فأصيب فحسب، وإنما أخبركم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم. فهزم فراعنة العلم بسلاحهم.
دور رسول الإسلام (صلّى الله عليه وآله)
ومثلاً: تغيّر الأمر بعد عيسى ابن مريم، وخاصة في جزيرة العرب، حيث البشائر تمتد نحوها قاعدة للنبي الذي يظهر بالسيف، فبرزت في الجزيرة ظاهرتان:
الأولى: ظاهرة البلاغة الفائقة، التي تجعل من الكلمات اليومية البخسة، والعواطف الرخيصة، عالماً حياً زاخراً بالحكمة والصور والألوان... إننا اليوم ? نستطيع أن نستوعب عظمة المعلقات السبع، ونحن مبهورون بوهج القرآن وما انبثق عنه من كلام النبي وآله (عليهم السلام)، ولكن تجربة عابرة للمقارنة بين المعلقات السبع وبين أي كلام سبقه تكفي للدلالة على ما كان لها من بريق مخيف.
الثانية: ظاهرة الفوضى المسلحة، التي تجعل أي إنسان مهما تعالى، مهدداً بالتصفية الجسدية من قبل أي إنسان آخر مهما تدانى. وفي كل اللحظات، وفي جميع الحالات... وهذه الظاهرة تجعل كل من يفكر في الحق والعدل والإنصاف وسائر المثل والقيم الرفيعة، يعتبر هروبه من مثل هذه الجزيرة الساخنة أكبر انتصاراته في الحياة ? خوفاً على حياته أن تهدر بلا مبرر فقط، وإنما خوفاً أن يورّط في معركة تافهة تجرده من كل معنوياته وقيمه بلا بدل. فكيف بنبي يكون رمز السماء على الأرض، ويريد أن يقود النصف المتقدم من البشر في مسيرة الفضيلة والكمال إلى الإنسانية العليا؟ والمؤمنون الذين يقتاتون انتظاره، ويعرفون الوسائل التي استخدمها كل من إبراهيم الخليل وموسى بن عمران وعيسى ابن مريم (عليهم السلام)، كانوا يظنون أن النبي الجديد يظهر بما يشابه تلك الوسائل، فكانوا يرون أنها متفرقة أو مجتمعة ? تجدي شيئاً في مجتمع البلاغة والفوضى، فيشكّون في انتصار النبي الجديد.
فأظهر الله نبيه الكريم وبقرآن يعلو ولا يعلى عليه، فلم تنزل سورة (فاتحة الكتاب) حتى عمد أساطين البلاغة إلى نزع المعلقات السبع من جدران الكعبة ليلاً، حتى ? يعابوا بها، وبسيف، لم يشارك في الاعتداء، وإنما قضى على الاعتداء، فلم يضرب به أحداً إلا دخل النار وعابه الناس. فاستأصل أوبئة الفوضى وأبرأ الجزيرة من جنونها، ولم يبلغ عدد ضحاياه سبعمائة شخص، في جميع حروبه وغزواته وسراياه، فاستطاع ذلك السيف ذاته وبتلك الدماء ذاتها، أن يكتب على لوحة الجزيرة لافتة تشخص أبصار كل من حمل السلاح إلى الأبد: (إنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً) [سورة المائدة: الآية 32]، (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزائه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً) [سورة النساء: الآية 93].
فكان قرآنه مطمحاً لكل قرآن، وكان سيفه تجربة لإلغاء السيف، فكان انتصاره الذي فاق كل الاحتمالات والتوقعات وبزّ كل التنبؤات، فإذا بشعب الجزيرة الفوضوي، يمتد برسالته فيكل اتجاه، لينشر الإيمان والحضارة والخير، وليؤسس دولة ذات سيادة عالمية، لم تظهر بمواصفاتها دولة ? من قبلها ولا من بعدها حتى الآن.
وهكذا انتصر داوود بشكل وانتصر سليمان بشكل، وانتصر يوسف بشكل. وهكذا غيرهم.. وغيرهم من سائر رسل الله وأنبيائه الكرام.
هذا فيمن نعرف من رسل الله وأوضاع مجتمعاتهم والوسائل التي انتصروا بها، وهكذا فيمن لم نعرف من رسول الله وأوضاع مجتمعاتهم والوسائل التي انتصروا بها، ولكن مجمل ما نعرفه عنهم أنهم انتصروا جميعاً، وانتصارهم يكفي للدلالة على أنهم كانوا أقوى من مجمعاتهم، وأنهم جميعاً فاجئوا مجتمعاتهم بأساليب ووسائل لم تكن في الحسبان، وسواء أسميناها معجزات أو أسميناها كفاءات(2)، فجوهر القضية واحد، وهو أنهم تفوقوا على كل القدرات الحاكمة في عهودهم. فلتتقدم المجتمعات ولتتطور، ولتحشد ما استطاعت تحشيده من طاقات وأساليب، فإن الله سيزود رسله وأوصيائهم بما هو أقوى وأعلى، وسيجعل (كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا) [سورة التوبة: الآية 9] (كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي إن الله قوي عزيز) [سورة مجادلة: الآية 21](3).
هاتان الظاهرتان موجودتان، بخصوص الإمام المهدي المنتظر:
أ- ظاهرة اليأس:
الأولى: ظاهرة اليأس منه، فقد طالت فترة غيابه، أكثر مما كان يتوقع، فقد تفانت الأجيال تلو الأجيال وهي تترقب ظهوره سنة بعد سنة، وأسبوعاً بعد أسبوع، وربما يوماً بعد يوم، وكم كان الذين وجدوا بعض علائم ظهوره، فوقفوا على أهبة الاستعداد لتلبية ندائه، وما كانوا يرقدون في الليل إلا ويتوسدون أسلحتهم، حتى إذا أهاب بهم المنادي، ? يكون لديهم ما يعوقهم عن الإسراع إليه؟.. وكم كان الذين قرأوا في الأحاديث: أن توقيت ظهوره يصادف يوم الجمعة، فألزموا أنفسهم بالخروج إلى الصحراء صبيحة أيام الجمعة بكامل أسلحتهم، حتى إذا خرج يلتقيهم وكأنهم على موعد؟... وكم كان الذين رأوا في المنام أشياء أو قرأوا أحاديث، فطبقوها على وقت معين، فبادروا إلى تصفية حساباتهم قبل ذلك الوقت، حتى إذا خرج وقتلوا بين يديه ? يكون عليهم شيء من حقوق الناس أو من حقوق الله؟... وكم كان الذين يؤجّلون تصفية حسابات خصومهم إلى حين ظهوره، حتى يكون هو الذي يثأر لهم؟...
ثم يأتي الرجل في هذا اليوم، فيقرأ أو يسمع أن آبائه ماتوا انتظاراً، ومرت مئات السنين ومئات السنين ولم يظهر الإمام المنتظر، فيمتلكه اليأس من ظهوره، أو يحدّث نفسه قائلاً: حتى لون كان الإمام المنتظر باقياً ويظهر في يوم من الأيام، فما الذي يشير إلى أنني سأراه، ولربما ? يظهر إلا بعد مئات السنين أو آلاف السنين، كما لم يظهر حتى اليوم، وقد مر على غيابه أحد عشر قرناً ومئات الملايين من الشيعة في كل جيل ومن كل مكان يعدّون اللحظات في انتظاره.
ثم يستنتج: إذن عليّ أن أجري كل حساباتي على أنه ? يظهر مطلقاً، أو أنه ? يظهر في عهدي على الأقل. وقد عبّر الإمام عن هذا اليأس السافر بقوله: (ستطول غيبته حتى يرجع عنه أكثر القائلين به).
ب - ظاهرة التشكيك:
الثانية: ظاهرة التشكيك في مقدرة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) على السيطرة العالمية، بعد ظهور الأسلحة الحديثة، وانتشار الأسلحة الذرية، والقواعد الجوية، والصواريخ الالكترونية ذات الآماد البعيدة، والقنابل الأتوماتيكية المزوّدة بالعقول الإلكترونية... ولا يعلم إلا الله ما ستنتجه المعامل العسكرية من وسائل التدمير المخيفة إلى وقت ظهوره (عليه السلام) ... فكيف ينتصر على كل هذه الأسلحة المبيدة والملايين المتزايدة من الجنود التي تملأ القواعد العسكرية في أنحاء العالم، وخاصة إذا كان يظهر بالسيف - كما في بعض الأحاديث المبشرة به - مع أنه لم يعد للسيف مكان إلا في المتاحف الأثرية؟. ولعلنا نبحث الموضوع فيما يأتي بإذن الله تعالى.
ج - ظواهر جديدة أُخر:
وبالنسبة إلى الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) تضاف إلى هاتين الظاهرتين اللتين كانتا تطبعان كل المؤمنين في الفترة بين الرسل، تضاف إليهما ظواهر جديدة.
الثالثة: ظاهرة التشكيك في حياته حتى الآن، فقد مرّ على ميلاده الميمون صلوات الله عليه حتى كتابة هذه الأسطر ألف ومائة وإحدى وأربعون سنة هجرية. ونحن في دورة من عمر البشرية ? تأذن بأن يبلغ أي فرد مائتين من السنين مهما كانت ظروفه الصحية والمناخية ملائمة.
الرابعة: ظاهرة التشكيك في فائدة الإمام الغائب. فشأن الإمام شأن الرسول في أن الله يخوله قيادة المجتمع، فإن لم يستطع قيادته عملياً لأسباب يتحمل مسؤوليتها المجتمع ذاته، فلا أقل من قيادته الفكرية للمجتمع، فإن لم يستطع هذه أيضاً، فبماذا يعود على المجتمع؟... وماذا يهدف الله تعالى من إبقائه حياً، طالما ? يأذن له بالاتصال بأحد من خلقه؟...
الخامسة: ظاهرة التشكيك في إيجابية فكرة الإمام المهدي لسببين:
الأول: تكريس اليأس عن جدوى أي عمل إيجابي قبل ظهوره مادام الله سبحانه وتعالى قدّر أن تملأ الأرض ظلماً وجوراً قبل ظهوره.
الثاني: تكريس اليأس عن جدوى أيّ عمل إيجابي بعد ظهوره مادام الله عز وجل قدّر أن يملأ الأرض - به - عدلاً وقسطاً، بغض النظر عن قلة أنصاره وكثرة أعدائه.
وهذان القدران يعلنان تعطيل أدوار الآخرين، وبالتالي يوحيان بتجميد كل الطاقات المؤمنة به. لأن أي عمل إيجابي ? يعني غير تحدي القدر الذي يضحك من كل المتحدين. أو مجاراة القدر الذي ? تنشطه المجاراة.
السادسة: ظاهرة التساؤل عن موعد ظهوره. وهل يظهر في وقت قريب؟ أو أنه يظهر إلا بعد فترة طويلة من الآن؟ ثم ما هي علائم ظهوره؟ وهل العلائم الواردة في الأحاديث المبشرة به صحيحة أم ?؟ وإذا كانت صحيحة فلماذا لم يظهر مع أن تلك العلائم قد ظهرت - حسب رأي العلامة المجلسي (رحمه الله) قبل ثلاثمائة عام؟...
السابعة: ظاهرة التساؤل عن الأدلة التي تثبت أصل فكرة الإمام المهدي المنتظر من الكتاب والسنة؟..
الثامنة: ظاهرة التساؤل عن أن فكرة الأمام المهدي المنتظر (عليه السلام) هل هي من عناصر الفكر الشيعي فقط؟ أو أن المسلمين - جميعاً - يعترفون بها؟...
الثامنة: ظاهرة تسائل تقول: حتى لو ثبتت فكرة الإمام المنتظر شيعياً أو عند كل طوائف المسلمين، فهل يسوقنا التمرد عليها أو إهمالها، إلى منعطفات دينية أو اجتماعية أو فردية؟...
ملاحظة ومناقشة الظواهر:
بخصوص هذه الظواهر نقدم ملاحظتين:
الملاحظة الأولى: نعترف بأن هذه الظاهر موجودة، ولكن وجود هذه الظاهر ? يغيّر شيئاً من واقع الإمام المنتظر، فاليأس والتشكيكات والتساؤلات المتنوعة تلف كثيراً من الأمور حتى تحجب الرؤية وتربك المفكرين، وخاصة في المجالات السياسية والقيادية، التي تمسك بمصير الناس ومقدراتهم، فتكون مناخاً ملائماً للأوهام والتخيلات، وحلبة واسعة ترحب بصراعات الآراء والمصالح، ولكنها ? تغيّر شيئاً من وقائع الأمور. ومتى كانت التشكيكات والتساؤلات تزحزح شيئاً عن واقعه؟
الملاحظة الثانية: نحاول أن نناقش هذه الظواهر على أساس سؤال يقول: هل هذه الظواهر صحية أو غير صحية، فالظواهر إذا كانت صحية تعبر عن شيء. وإذا كانت غير صحية تعكس أمراض مجتمعها فلا تعبر عن شيء.
الأقسام الأربعة لظاهرة اليأس:
الظاهرة الأولى: وهي ظاهرة اليأس من وجود الإمام المنتظر، أو من ظهوره مطلقاً، أو من ظهوره في وقت قريب. ولتحقيق مدى صحية هذا اليأس نقسم اليأس إلى أربعة أقسام:
1- اليأس من المستحيل، كاليأس من أن يصير 2+2 = 3 أو = 5 ومثل اليأس من اجتماع الضدين والنقيضين - بحدودهما المذكورة في علم المنطق - وهذا اليأس معقول.
2- اليأس من الذات. مثل يأس الفرد من أن يحمل جبلاً على ذراعيه أو من أن يطير في الهواء بلا وسائل. وهذا اليأس مقبول.
3- اليأس من الغير، مثل يأس فلاح من أن يزوره الملك في كوخه، وهذا اليأس منطقي في كثير من الحالات، وليس صحيحاً على العموم، فكم من المفاجآت تخترق جدران اليأس؟ وكم بزغت الآمال من ظلام يأس مطبق؟
ولعل اتخاذ الموقف أمام هذا القسم من اليأس - الذي يمكن أن نسميه بـ(اليأس العادي) - من المنعطفات الخطيرة التي تفرز العظماء عن التافهين، فالتافهون عندما يصطدمون بهذا القسم من اليأس يتراجعون، أو ينهزمون إلى الأبد فينتحرون، بينما العظماء يصمدون، أو يواصلون الكفاح، وكثيراً ما ينقشع ضباب اليأس عن عيونهم، وتتضح أمامهم سبل الانتصار.
وهذا القسم من اليأس يعتري كل فرد من البشر مرات عديدة في عمره، ثم ينكشف عنه، كما تنكشف سحب الربيع عن الأفق الحالم.
وهذا ? يعني: أن اليأس غير صحيح على الإطلاق، فلربما تتضافر المعاكسات بشكل كثيف، يتراءى كأنه جدار ? يمكن، فييأس حتى العظماء، وقد يكفهر الجو فييأس حتى رسل الله المتصلون بالسماء، ويستبد بهم اليأس، ولكن الله الذي جعل لكل شيء دورة في الحياة الدنيا يعلم أن ذروة كل شيء منتهاه، وأن قمة اليأس هي مبدأ الفرج، فيقول: (... حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجّي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين) [سورة يوسف: الآية 110].
وإنما يعني هذا الكلام، أن اليأس من الغير أكثره كاذب، وأقله طبيعي، ولكن يمكن نسفه بالمحاولة، على أن تكون المحاولة في حجم المعوقات.
4- اليأس من الله، وهو أن يعتقد فرد بأن الله قد أغلق أبوابه، أو أنه ? يجد لأمره مخرجاً، أو لعقدته حلاً. وذلك أن الإنسان - عادة - يملك انطباعات معينة عن الأشياء المتعايشة معه، وعلى ضوء هذه الانطباعات يرتب لكل شيء - في تصوره - أسباباً ونتائج، فإذا جرب كل الأسباب الواردة في تصوره، ولم تسفر عن النتيجة المتوخاة، ظن أن ? سبب يؤدي إليها على الإطلاق، وأمام هذا الظن يلجأ المؤمن إلى الله، ويحدّث نفسه بأنني جربت كل الأسباب التي كنت أعرفها، ولم يؤد شيء منها إلى النتيجة التي كنت أحاولها، ولكنني كفرد من البشر يكون عملي محدوداً، فلعل هنالك سبباً أو أسباباً يؤدي كل واحد مها إلى تلك النتيجة، وأن الله المحيط بكل شيء يعرفها جيداً، فالأفضل أن أترك الأمر لله يصرفه كما يشاء.
ونتيجة لهذا الإيمان ? يدب إليه اليأس، وإنما يحافظ على الأمل في مشاعره، ولا يتراءى له بصيص من النور إلا ويبدأ التجربة وبما أن تطورات الحياة كثيرة، ربما تترتب الأمور بشكل تقدم إليه تلك النتيجة بلا محاولة. أما غير المؤمن فإذا جرب الأسباب التي يعرفها، ولم تنته إلى النتيجة التي يريدها انكفأ على نفسه في ظلام من اليأس ثقيل.
وهذا اليأس ? يعني الجهل بالله وقدرته غير المتناهية فقط، وإنما يعني الجهل بالحياة وأبعادها البعيدة، وهو الضلال في منطق القرآن: (ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون)؟ [سورة الحجر: الآية 56] (ولا تيأسوا من روح الله إنه ? ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) [سورة يوسف: الآية 87].
هذا فيما لم يسبق إليه وعد من الله، أما إذا وعدنا الله بشيء، ولم نجد في أفقنا القريب المحدود إشارات تمتد إليه، فيأسنا منه لمجرد ذلك يدل على أن مدانا أضيق من حبل المشنقة.
أوَ ليس العلم المادي المحدود يقدم إلى البشر كل يوم أشياء لو حدّثت بها كتب السماء لم يصدقها، لكن البشر يضطر إلى الاعتراف بها حينما يراها بالعين المجردة، أو على الشاشة الصغيرة، فكيف بالله العظيم، الذي خلق كل شيء فقدّره تقديراً؟...
وبالنسبة إلى الإمام المهدي المنتظر، وعد الله بإظهاره وتمكينه في الأرض، ولن يمنعه من تنفيذ وعده مانع في الأرض ولا في السماء. وقد قرر منذ الأزل توقيت غيابه وظهوره - وفق حكمته البالغة - ورتب لغيابه وظهوره وتمكينه أسباباً كافية، كما قرر حركة النجوم، وتوقيت غيابها وظهورها - بالنسبة إلى إنسان الإنسان، ورتب لتفاعلاتها أسباباً كافية. أما كون توقعاتنا تستعجل ظهوره، وكون تصوراتنا تستبطئ فتره غيابه (عليه السلام)، فهذه أمور ناتجة من الجهل بالحكمة العليا، ولا تأثير لها على حركته مطلقاً، كما أن توقعاتنا وتصوراتنا - مهما كانت - ? تؤثر على حركة النجوم أبداً.
وإذا كانت توقعاتك وتصوراتك ? تغير حركة قلبك ومعدتك، ولا تقدم ولا تؤخر ميلاد ابنك ووفاة زوجتك، فهل تريد لهذه التوقعات والتصورات، أن تستطيل حتى تغيّر إرادة الله في إدارة كونه، وتبدل حكمة الله في نشاط أوليائه؟
إن علينا - في مثل هذه الأمور - أن نعلم: أن الله إذا وعد شيئاً نفذه في الوقت الذي يشاء، وبالأسلوب الذي يشاء، ولا تعاكسه الظروف والأحوال لأنه هو الذي يخلق الظروف والأحوال ويصرفها كما يشاء.
وإذا علمنا ذلك ? يمتلكنا اليأس من ظهور الإمام المهدي المنتظر، ولا نرى أنه تأخر أكثر مما ينبغي، بل نعرف أنه سيظهر في الوقت المحدد لظهوره، ونتوقع أن يصادف ظهوره أي يوم من أيامنا. وأية ساعة من ساعاتنا.
مناقشة التشكيك:
الظاهرة الثانية: وهي ظاهرة التشكيك في مقدرة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) على السيطرة العالمية بعد ظهور الأسلحة الحديثة، ويمكن مناقشة هذا التشكيك بما يلي:
1- إن الله وعد بنصرة الإمام المنتظر (عليه السلام) وتمكينه في الأرض، حسب تأويل قوله تعالى: (ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكّن لهم في الأرض...) (سورة القصص: الآية 5 - 6] وحسب تصريح النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بقوله: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد، لطول الله ذلك اليوم حتى يظهر رجلاً من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً). ووعد الله، والله ? يخلف الميعاد، ووعد الله أقوى الضمانات لنجاح الإمام المنتظر في رسالته العالمية، ? بالنسبة إلينا نحن الذين نحاول أن نعرف شيئاً من ذلك التحول الكبير فقط، وإنما حتى بالنسبة إلى الإمام المنتظر نفسه، المكلف بنقل العالم كله من مرحلة الفوضى والمناقضات إلى مرحلة الاستقرار والانسجام.
2- يكفي - في هذا المجال - أن نعلم أن الله ينصر أوليائه الكبار. بالمفاجآت الكبيرة التي ترتبك لها قادة الرأي في العالم، بحيث ? يطيقون التفكير وإذا فكروا ? يستطيعون التدبير، لأن المفاجآت تأتي ساحقة شاملة، لو تكتّل العالم كله في الصف الآخر، لما استطاع المقاومة ولا الصمود.
وتاريخ الأنبياء كلهم أفضل شاهد حيّ، على أنهم ما كانوا يواجهون التحديات التقليدية التي يستطيعها البشر، لتحديات تقليدية مثلها، حتى يتم التوازن، فترجح الكفة مرة لصالح الأنبياء، وترجح مرة أخرى لصالح أعدائهم.
- فكما أن نوح (عليه السلام) فاجأ العالم كله بطوفان اجتاح المعمورة كلها، ولفّ البشرية والحيوانية والنباتية الفاسدة جمعاء، حتى يسمح بالسلالات المفضلة أن تؤسس الحياة البشرية والحيوانية والنباتية من جديد، حتى صاح بأعلى أصواته: (? عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) [سورة هود: الآية 43].
- وكما أن إبراهيم الخليل (عليه السلام) فاجأ الرأي العام بجعل النار برداً وسلاماً في العراق، وانتصاره العسكري الساحق في الشام، وبناء الكعبة في الحجاز.
- وكما أن داوود فاجأ الدنيا عندما قرض دولة الظلم، وقتل رأسها وقادتها، جالوت وأعوانه، بأحجاره التي سددها الله فلم تخطئ واحدة منها، وأعلن العدالة الواقعية التي ? تعتمد على الشهود والبينات.
- وكما أن سليمان بن داوود (عليه السلام) فاجأ البشرية كلها، عندما بسط سلطانه على كل الكائنات، فسخر الجن والإنس، وجعل جيشاً من الوحوش، ومظلة من أجنحة الطيور المحلقة، ووضع عرشه على الريح، حتى لم يعد على الأرض إنسان يفكر إلا في تنفيذ أوامره.
- وكما أن يوسف (عليه السلام) قفز قفزته الرائعة من البئر والسجن والعبودية إلى العرش، حتى قال له أخوته الذين أرادوا به كل سوء: (تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنّا لخاطئين) [سورة يوسف: الآية 91]. وحتى قالت زليخا التي اتهمته وزجّت به في السجن: (الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) [سورة يوسف: الآية 51 - 52].
- وكما أن موسى بن عمران (عليه السلام) طوى تاريخ الفراعنة وجيوشهم في البحر، وأربك العالم الذي استحوذ عليه السحر بتسع آيات بينات، وبعضاه التي تلقف ما يأفكون.
- وكما أن عيسى ابن مريم (عليه السلام) فاجأ الأطباء الأفذاذ ومن ورائهم العقل البشري حتى اليوم، بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الرميم...
- وكما أن الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) فاجأ المنكرين جميعاً بالقرآن، وفاجأ الجزيرة العربية بقيادته العسكرية التي صاح بها العباس أمام أبي سفيان - في فتح مكة - : ويلكم لقد جاءكم بما ? قبل لكم به.
هكذا الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) يفاجئ بما ? قبل للعالم به، أما تفاصيل تلك المفاجئة، فتهمه أكثر مما تهمنا، والذي كلفه بتلك المهمة العالمية الضخمة، وفّر له الوسائل المناسبة لأدائها، كما وفّر لمن سبقه من أوليائه العظام، الوسائل المناسبة، لأداء مهماتهم.
سلاح الإمام المهدي (عليه السلام):
3- يبدو من مواصفاته المنقولة إلينا، أنه يأتي بنوع جديد من السلاح، تكون لديه الأسلحة المتقدمة رمزية ? جدوى منها، وأنه يأتي بنوع جديد من التكتيك تصبح التكتيكات الحديثة أمامه تقليدية ? فحوى لها.
ففي الأحاديث المبشرة به إشارات إلى ذلك. بمقدار ما كانت الكلمات القديمة والعقول القديمة تتحمل المضامين غير المعروفة، التي ? تتحملها الكلمات والعقول المتطورة اليوم، وتبدو الإشارات واضحة رغم رمزية التعابير. إذا تأملنا النصوص التالية:
- ورد في وصف سيفه: (أنه يعرف أعداء الله فيقتلهم، ويعرف أنصار الله فيدعهم) ولعل السلاح الذي يميز بين الأفراد، فيقضي على غير المؤمن. ويترك المؤمن، ليس سيفاً، وإنما هو نوع آخر من السلاح غير الموجود حتى اليوم، ولكن ورد التعبير بالسيف، لأنه كان أبرز سلاح يقاتل به في فترة صدور الأحاديث، ولو كان المعصومون (عليهم السلام) يستخدمون غير الاسماء المعروفة، لكان الرواة يمتنعون من نقلها خشية أن تقابل بالسخرية والاستخفاف.
- وورد في وصف سيوف أنصاره: (ولهم سيوف من حديد، ? كسيوفكم، إذا ضرب به أحدهم جبلاً قطّه) وظاهر أن السلاح الذي إذا ضرب به أحدهم جبلاً قطّه ليس سيفاً. وإنما سلاح آخر.
- وورد في كيفية انتصاره: (أنه إذا ظهر توقفت الأسلحة، فلم تتحرك في وجهه) ولعله إشارة إلى أنه يظهر بسلاح تكون الأسلحة الموجودة في ذلك الوقت رمزية أمامه. ولعله إشارة إلى أنه يستخدم نوعاً من السلاح يعطل كل الأسلحة الموجودة، أو يجمد كل الآليات المتحركة.
- وورد في وسائل انتصاره: (يسير أمامه الرعب مسيرة شهر) وفي نص آخر: (أنه يحكم بالرعب) و(ينصر بالرعب) وهذا النوع من التعبير يشير إلى أن سلاحه أو تكتيكه شيء جديد مخيف ينهار أمامه القادة، فلا يحسنون غير الاستسلام.
- وورد في وسائل الإعلام التي تعلن عن ظهوره: أنه في الليلة التي يظهر في صبيحتها: (يجعل النور عموداً بين الأرض والسماء. فتشرق الأرض بنور ربها كالنهار) ويعلم جميع الناس أن الكون يتمخض عن ظاهرة كبرى... وفي صبيحة تلك الليلة يهتف جبرئيل في الهواء: (ألا قد ظهر المهدي بمكة، فاتبعوه) فيسمع صوته جميع البشر. ويعلمون أن تلك الظاهرة انطلقت وستأخذ طريقها إلى الانتشار.
أما النصوص التي تقول بأنه يظهر بالسيف فقد يمكن تفسيرها بما يلي:
- إن السيف رمز السلاح، أو رمز القوة، فيكون معنى هذه الأحاديث: أنه يظهر بالسلاح، أو أنه يظهر بالقوة.
- ورد في بعض هذه الأحاديث أنه يحمل السيف، ومعنى حمله السيف أنه يختاره شعاراً، واختيار السيف شعاراً يختلف عن استخدام السيف سلاحاً وحيداً في معاركه، فاختيار النسر شعاراً لدولة، أو اختيار المنجل والمطرقة شعاراً لدولة، أو اختيار النخلة أو سنبلة القمح، ? يعني أنها الوسائل الوحيدة التي تعتمد عليها الدولة وإنما ترمز إلى بعض المنطلقات الفكرية أو الحيوية للدولة.
- لعل المقصود من ظهوره بالسيف. إنه إذا أراد إعدام شخص أمر بضرب عنقه، انطلاقاً من التعاليم الإسلامية، التي تأمر بإراحة الضحية وعدم تعذيبه بالوسائل المختلفة للإعدام. فيكون السيف، السلاح الذي يخيف المجرمين داخل دولته، ? أنه سلاحه في معاركه وفتوحاته.
- في بعض تلك الأحاديث تصريح بأن السيف الذي يحمله، هو سيف ذو الفقار، وهو السيف الذي استخدمه جدّه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في معارك الإسلام الحاسمة، وورد أنه نزل من السماء، وأصبح فيما بعد من جملة التراث المقدس الذي توارثه الأئمة الأطهار (عليهم السلام).
فربما يحمله الإمام، ليرمز إلى أنه أتى لتجديد الإسلام، ولم يأت بدين جديد - كما يحلو للبعض أن يتهمه بذلك على أثر شجبه كل الاجتهاد الباطلة.
وربما يحمله ليؤكد انتسابه إلى رسول الله. دحضاً للتهم التي تطاله في نسبه نظراً لقدم عهد أبيه وظهوره في مظهر رجل بسنّ الأربعين، ورداً للتهم التي تقول: بأنه ليس من ذرية رسول الله، نظراً لقتله أعداداً كبيرة من المجرمين زعماً منهم أن ذرية رسول الله يحاولون الابتعاد عن الخوض في الدماء حتى دماء المجرمين.
وربما يحمله تبركاً به، باعتباره السيف الذي فتح الطريق أمام الإسلام.
وربما يحمله كذكرى جده أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي كانت حياته كلها تضحيات مرة في سبيل الحق.
وربما يحمله، في جملة ما يحمله من مواريث الأنبياء، ومنها خاتم سليمان، وعصا موسى بن عمران، وتابوت بني إسرائيل، وأشياء أخرى، وذو الفقار أبرز تلك الأشياء، فيشتهر بأنه ظهر بالسيف.
فرفعه السيف شعاراً، أو حمله رمزاً، ? يعني استخدامه سلاحاً وحيداً في معاركه، وإنما تشير جملة من الدلائل والقرائن على أنه يستخدم أسلحة أخرى، شديدة الفتك والتدمير، إلى درجة رهيبة، تخلع قلوب القادة العسكريين، فيستسلمون لتجاربها الأولية، ويستقبلونها بالرايات البيض.
والأسلحة المتطورة:
4- وربما يستخدم الأسلحة المتطورة الموجودة في حين ظهوره، ويحرك الجيوش المتثائبة في المعسكرات، ويكون تكتيكه سلاحه الفعّال، الذي يستولي به على القواعد العسكرية، ويعتمد في تكتيكه على عنصرين المفاجئة والسرعة - كما يظهر من بعض الأحاديث -.
فلا يشترط في الثائر الذي يخترق المغيب إلى كبد السماء، أن يكون قد حشد في مغيبة قوىً أكثر من القوى المتصارعة على الأرض، وإنما يشترط أن يملك الخطة التي بها يسيطر على قوة ضارية من تلك القوى. وكل الثائرين الذين قفزوا من تحت الأرض إلى دفة الحكم لم تكن وسيلتهم سوى خطة ناجحة.
فإذا ظهر الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) وتوافد إليه حواريوه الثلاثمائة والثلاثة عشر، والتف حوله من أنصاره الأشداء حتى زادوا على ألف رجل انطلق من مكة يبسط سلطانه على الحجاز، فأيّدته المعسكرات، وسار بها إلى الشام يحتاج سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، ثم انعطف نحو العراق فانفتح له، تتجمع لديه قوة عسكرية ضخمة، يستطيع أن يوجه فصائلها نحو الخليج وإيران والهند وأفغانستان شرقاً، وأن يوجه ما تبقى منها إلى أفريقيا غرباً، واستيلائه السريع على الحجاز وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين والعراق خلال أيام وبدون مقاومة تذكر من جهة، وخططه الجديدة المنتصرة من جهة أخرى ومفاجآته الخاطفة من جهة ثالثة، وانتصاراته المتتابعة التي ? تتعثر بهزيمة من جهة رابعة، ترفع أنصاره فوق السحاب معنوياً ومادياً وتخفض بأعدائه تحت الصفر معنوياً ومادياً وتجعل منه قائداً مظفراً رهيباً تنخلع لاسمه قلوب وتطمئن إليه قلوب.
وطاقاته الروحية:
هذا إذا اكتفى باستخدام طاقاته المادية كقائد، أما إذا ضم إليها طاقاته الروحية كإمام، ووجد الناس - بالفعل - عناصر السماء وراءه، فرأوا الملائكة يقاتلون بين يديه ووجدوا الأموات قد نشروا من قبورهم يحملون أسلحتهم إلى شتى الجبهات للدفاع عنه، ووجدوا الإمام يأمر الصحراء أن تنخسف بأعدائه، فتبتلع الصحراء جيشاً كاملاً برمّته، ويأمر السحاب أن يدمدم على قوم فيمطرهم بالصواعق حتى ? ينجو منهم أحد، ويأمر أسلحة أعدائه أن تكر عليهم فتعود إليهم الأسلحة التي في أيديهم حتى تبيدهم عن بكرة أبيهم.
فإذا استخدم الإمام كل صلاحياته المادية والروحية، فهل يجرؤ ملك أو رئيس أن يشهر نفسه - مهما بلغت قواته - لمقارعة قوى الأرض والسماء متكرّسة في شخص؟ وهل يوجد شعب يسمح لرئيسه أن يعرّضه لبطشة ماحقة تدعه بدءاً.
والطاقات البنّاءة:
هذا إذا اكتفى باستخدام صلاحياته الكفاحية فقط، وأما إذا ضمّ إليها طاقاته البنّاءة، ففجّر خيرات البر والبحر، واستمطر خيرات الجو، وجاء بالعلوم الكثيرة التي سيّرها الأنبياء على البشرية المنحرفة، فرفع مستوى العقول، وزكّى المواهب ونوّر الأفكار، وفك عقد الحياة، فمكّن الحضارة السعيدة التي ? تكدرها المشاكل، وأعلن العدالة الشاملة التي ? تلوّثها الجرائم، فمسح المتاعب عن الجباه، وكشف القلق والحيرة عن العيون، فإن شعوب العالم تتهافت عليه لتقديم ولائها إليه، وللانضمام إلى كنفه الوادع السعيد.
توقيت الظهور:
5 - إن توقيت ظهوره توقيت أكثر من دقيق وأكثر من حكيم، ومن نوع ربما لم يتفق في عمر البشرية كلها بهذا الشكل الحاسم، ولهذا يكون توقيت ظهوره وحده نصف خطته، ولهذا التوقيت أهمية فرضت انتظارها مئات السنين.
ذلك أن الناس في تأرجحهم بين الأديان والمذاهب بحثاً عن الأفضل ? يعتمدون على الآخرين بمقدار ما يعتمدون على أنفسهم، ولا يعتمدون حتى على الغيب بمقدار ما يعتمدون على أنفسهم - وخاصة من أقنعتهم الديالكتيك بسقوط كل المعادلات، وأوصلتهم القيادات المصلحية والانتهازية إلى حافة اليأس من إخلاص الغير، وإلى التشكيك حتى في الشعارات المخلصة - فإذا قيل لأي فرد: إن الإسلام هو المسلك الوحيد إلى السعادة الفاضلة في الدنيا والآخرة، قد يعترف به لياقة للمجتمع الذي يتظاهر مثله بالإسلام، أو مجاملةً للقائل: أو تقليداً ورثه مع ما ورثه من آبائه من التقاليد وبنى عليها تشريفاته الاجتماعية.
ولكنه ? يؤمن به، إيمانه بالضوء الأحمر الذي يوقف سيارته على مفترق الطريق، أو إيمانه بختم موظف الجمرك الذي يسمح له بتجاوز الحدود، أو إيمانه بالأوراق النقدية التي يتعامل بها على ما يختار من بضائع وخدمات. فهو يؤمن بالإسلام بمقدار ما دخل في القانون والسياسة والاجتماعيات والكماليات، ولا يؤمن به كقانون يفرض نفسه بقوة البوليس، ولا يؤمن به كسياسة تضمن له مستقبلاً لامعاً.
كنتيجة طبيعية لهذه الازدواجية الناتجة من الاسترخاء الإيماني، تزعجه الحدود الإسلامية التي تمنعه من الاقتحام في بعض المغريات، ولا يجد إيجابيات الإسلام، فلا يشعر بالطمأنينة التي تركّز نزاوته وهواجسه على مطامح مشروعة، ولا يلمس السعادة التي يشيعها الإيمان حول المؤمن، ولا يتضح أمامه الخط الأفضل الذي يهدي إليه الإسلام، لأن البناء الناقص أطلال ومواد تثقل ولا تنتج.
ولهذا فالمسلم الناقص الإسلام - وأكثر المسلمين اليوم ناقصو الإسلام - يقبل الإسلام على تذمر، وهذا التذمر يأخذ أبعاده من خلال تساؤلات مصدرها معاناة، ومن خلال شبهات قواعدها محاولات للبحث عن أعذار تصونه عن لوم المجتمع إذا تحلل من مظهر الإسلام، ومن خلال انتقادات يوجهها إلى أبيه وأمه وسائر المؤمنين الملتزمين الذين يصمهم بالقشريين والمتزمتين والمتطرفين. وقد يعلن هذا التذمر، إذا التقفته كتلة تشجعه أو بديل يعتمد عليه.
ولكنه على العموم، يجب أن يحافظ على الإسلام، كمظهر من المظاهر الاجتماعية، طالما ? يكلفه عناءً، فإذا اصطدم بشيء من مصالحه، أو رفع إلى أزمة عاصفة، بادر إلى التحلل منه بلا تردد، وكأنه ? عهد له به.
ويبدو أن هذه الظاهرة كانت تمسح المجتمع في عهد الحسين (عليه السلام)، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا محّصوا بالبلاء، قلّ الديّانون).
وبما أن البدائل التي طرحت مقابل الإسلام كثيرة من داخل الأمة الإسلامية وخارجها، ابتداءً من عهد الفتوحات الإسلامية التي اعتمدت السيف - ? الإيمان - مدخلاً إلى الإسلام، حيث تقمصت الفلسفة اليونانية أزيائها المناسبة للتغلغل والدس في الأمة، ومروراً بعهودنا التي تسترت فيها الديالكتيك ببراقعها المتنوعة لأداء ذات الدور، وانتهاءً بعهد - ما قبل الظهور - الذي تأخذ فيه الفسفات البشرية أقنعتها وواجهاتها المشكلة للقيام بمهمة تمزيق الأمة من داخلها، وبالفعل أدت إلى انشقاق الأمة طوائف وفرقاً تنبأ الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بأمهاتها يوم قال: (... وستفترق أمتي بعدي ثلاثاً وسبعين فرقة...)... وأما البدائل التي من خارج الأمة في صيغ أديان وفلسفات سابقاً. وفي صيغ أحزاب ومبادئ حالياً، فإحصاؤها يحتاج إلى قاموس يسع مجلدات.
البشر في كل الاتجاهات:
- وبما أن البشر يعتمد على تجربته الشخصية أكثر مما يعتمد على تجربة غيره، وحتى أكثر مما يعتمد على الغيب - إذا كان مؤمناً به -.
- وبما أن لكل جديد وهجاً يغري، وكيل الوعود جزافاً سهل، والغريق يبحث عن أي يد تمد إليه.
- وبما أن البشر - ? زال - يعتقد بأنه قادر على استيعاب الحياة، وعلى وضع أفضل الخطط التي تسعده عبر الحياة وتستنفد أهدافه فيها، وعلى قيادة نفسه بنفسه في معزل عن السماء.
بذلك كله، اندفع في كل اتجاه من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال، يلبي كل نداء، ويتحرك مع أية ريح كما أتقن وصفه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (... وهمج رعاع. أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، ? يلجئون إلى ركن وثيق، ولا يستضيئون بنور العلم..). فكانت حصيلته تناقضات عشوائية، الناجح فيها هو الأقوى في النطاح، والفاشل فيها من له أدنى تروٍّ وأناة، وضياع في خطوط متحركة ودوامات تدوخ وتبتلع، وتضحيات هائلة في الأرواح والأعصاب والأفكار، يتبعها تخلف وقنوط.
وهذه الرحلة: رحلة التجربة التي بدأتها الأمة - بعد فترة وجيزة من تكوّنها - عبر الأديان والفلسفات والأحزاب والمبادئ، بحثاً عن الأفضل، بعد انحرافها عن دينها الحق، على إثرعوامل كثيرة أهمها:
- اتجاهها إلى قيادة مفروضة عليها، ومحسوبة عليها، واضطهادها قادتها السماويين.
- وعدم استيعابها دينها الحق، نتيجة لانجراف عديد من الرواة والمحدثين الذين ائتمنوا على سنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في تيار تلك القيادة المفروضة المحسوسة على الأمة.
على أثر ذلك أصيبت الأمة، وأصيب البشرية. أصيبت الأمة بإصابتين:
- أصيبت الأمة في ذاتها كخير أمة أخرجت للناس، يفترض فيها أن تكون أكثر الأمم مناعة وسعادة، فكانت أكثر الأمم تمزقاً وشقاءً، كما تنبأ الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) حين قال: (تتداعى عليكم الأمم كتداعي الأكلة على قصعتها...)، (... تأتيكم الفتن كقطع الليل المظلم... تدع الحليم حيران...) (... قالوا: أوَ عن قلة فينا يا رسول الله؟ قال: كلا، ولكن غثاء كغثاء السيل).
- وأصيبت الأمة في مركزها، كأمة مرشحة لقيادة البشرية جمعاء، فلم تكن أمة قائدة لبقية الأمم، ولم تكن أمة قائدة لأمة أخرى تقودها إلى الخير أو إلى ما يمكن أن يسمى خيراً، وإنما كبقرة حلوب تحلب ولا تسمن، أو كما في بعض الحديث: (.. غرضاً يرمى...).
وأصيبت البشرية بإصابة واحدة:
أصيبت البشرية في قيادتها الروحية، فخسرت القيادة التي تبشرها بحضارة الروح، وتضمها إلى حضارة المادة، ووجد في ظل تفاعل هاتين الحضارتين مجتمعاً إنسانياً غنياً بمعطيات تلبي كل نداءات الإنسان، وتدفع عجلة التطور إلى الأمام بمحركين. فبقيت البشرية - بما فيها الأمة الإسلامية - تعاني صراعاً داخلياً حاداً بين العقل والضمير الأخلاقي من جهة، وبين الغرائز من جهة. والعقل معصوم ? يتلوث بالشذوذ، فهو رسول من رسولي الله إلى الإنسان كما في الحديث: (إن لله على الناس حجتين: رسول باطن هو العقل، وعقل ظاهر هو الرسول). والضمير الأخلاقي حرّ شجاع ? يصمت ولا يتلعثم، فهو محكمة الله في داخل الإنسان، المعبّر عنه في منطق القرآن (بالنفس اللوّامة) [سورة القيامة: الآية 2]. (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره) [سورة القيامة: الآية 15]. إلا أن العقل والضمير ? يكفيان لقيادة الإنسان فالعقل، وإن كان قوي الحجة، واضح الصوت، إلا أنه يشبه رجل الدين الحصيف الجليل، الذي يعترف به الجميع. ولا ينفذون كلمته. لأنه غير مسلح بالإرهاب والإغراء.
والضمير الأخلاقي، وإن كانت محكمته مستمرة طول العمر، وصوته جهوري يعكره سعادة من يخالفه نهاراً ويؤرقه ليلاً، إلا أنها تشبه المحاكم العائلية، التي تصدر أحكاماً خلقية للتنبيه، أو تصدر أحكاماً قضائية مع وقف التنفيذ. والإنسان ? يخضع إلا للقوة المنفّذة.
بينما الغرائز تشبه عصابة مغامرة من الشباب الأقوياء، التي ? تتورع عن شيء في سبيل مآربها، فيجتاح منطق العقل والضمير الأخلاقي، بغرورها العنيف. وربما تسخر العقل من أجل التخطيط لمآربها بالعنف، كما قد تسخر العصابات الشريرة، الخبرات الخيرة لجرائمها تحت التهديد بالقوة.
إذن فالعقل والضمير الأخلاقي ? يكفيان لتوجيه الإنسان وقيادة غرائزه، ولذلك كان العقل والضمير الأخلاقي يستغيثان السماء دائماً، لإمدادهما بالرسل.
الإنسان في التجارب المرة:
والإنسان طالما آمن بنفسه في ظل فكرة الديموقراطية التي تجعل الشعب صنماً يعبد من دون الله. وكالما اقتنع بأنه يستطيع قيادة نفسه بدون مدد من السماء. وطالما بدأ رحلته التجريبية عبر الأديان والمذاهب والمبادئ والأحزاب وسائر ما قد يطرحه الفكر البشري للتجربة. وكلما استغنى بالقيادات البشرية التي يختارها بخبراته، عن القيادات الإنسانية التي تختارها السماء، فعليه أن يكمل الرحلة حتى نهاية المطاف، وأن يجرب كل ما ينتجه الفكر البشري من طرائق ومناهج، وأن يختبر كل أنواع القيادات الفردية والجماعية، وأن يمتحن قدراته من خلال آلاف التجارب والاختبارات التي يمارسها على مختلف الشعوب في شتى جنبات الأرض.
حتى إذا فشلت تجاربه كافة، وأفلست قياداته جمعاء، فوجد المجاعات تكتسح الجماعات كما تكتسح رياح الخريف أوراق الشجر، ورأى البؤس والشقاء والكآبة في كل الوجوه... عند ذلك يبلغ به اليأس من نفسه مبلغ القنوط، يكفر بكل شيء اسمه فكرة ومبدأ... ويلعن كل شيء اسمه قيادة وقائد... ويحارب كل ما يعبّر عن تأليه الشعب وعصمته... فتنهار الأنظمة والحكومات. وتتخلى الأجهزة الرسمية والهيئات الدولية، وتتفكك الجيوش والتكتلات فيتسابق الأقوياء لنهب الضعفاء ويستأسد الضعفاء للدفاع عن أنفسهم وصيانة حقوقهم، فليجأ كل إلى سلاحه، ولا يطمئن أحد إلى كفاحه، فتعم الفوضى مسلحة بالعلم والآلة بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية. فتعود البشرية كلها أيد ترفع إلى السماء، وتنقلب الأنفاس دعوات تتسابق إلى الله، وتغدو النظرات توقعات ترقب الأفق البعيد، بانتظار تفجير المعجزة، وإظهار المصلح الموعود، فحينئذ يظهر الإمام المنتظر، ليجد الناس يرددون كلمته قبل أن يقولها هو، ويقضون على من يريدون مقاومته قبل أن يقضي عليهم هو، فيمشي على الحرير بلا عثرات.
الاعتراف بالعجز:
6- إن العقل إذا فقد المدد الخارجي، واستفردته الغرائز، يعجز عن مقاومتها، فلا يستطيع الهيمنة على الفرد، وإذا عجز عن بناء شخصية الفرد، ? يستطيع تكوين جبهة تهيئ المناخ المناسب لمن يريد الانضمام إليها، مقابل جبهة الغرائز التي تهيئ المناخ المناسب لمن يريد الانضمام إليها.
ومهمة الأنبياء - في مجال المجتمع - تتلخص في إمداد العقل، لتكوين جبهة، تهيئ المناخ المناسب لمن يريد الانضمام إليها، حتى يجد كل فرد نفسه أمام طريقين، ومردداً بين خيارين كما يقول القرآن الكريم: (وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة) [سورة البلد: الآية 11]. وأما أولئك الذين وهبهم الله عقولاً وإرادات جبّارة، يستطيعون بها أن يمارسوا الإيمان عقيدة وحياةً في المناخ المضاد، فهم ليسوا من مصاف البشر العادي، وإنما هم من مصاف الأنبياء، واعتبرهم النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) إخوانه في الحديث المعروف الذي قال فيه: (آه، شوقاً إلى إخواني...).
فإذا لم يستقبل العقل مدد السماء، وفقد سلطانه لتقنين الغرائز، فإنها ستتمرد عليه تدريجاً، وتستخدمه لأغراضها، والعقل ? يكف عن إطلاق نداءاته، فإنه يستخدم رغم نداءاته وضد أهدافه، فالمجرمون المحترفون - جميعاً - يستخدمون عقولهم في التخطيط لجرائمهم - وسواء أسميناه عقلاً أو فكراً، فالنتيجة واحدة -.
وإذا تنكرت الغرائز للعقل، فإنها تسعى لتقنينه، وتأخذ في النمو بشكل تصاعدي حتى تغطي ظاهرة الحياة الفردية والاجتماعية - كأي نبات تحرر من ضوابطه، وكأي حيوان فقد ضوابطه، وكأي فرد من البشر استطاع التمرد على ضوابطه -.
وعندئذ، تبدأ الغرائز بالخروج من الأطر التي يرسمها لها العقل، وتعمل لتبرير هذا الخروج، وإسباغ الشرعية عليه، بسنّ القوانين التي تصدر لتبريرها أكثر مما تعمل لتحديدها، وما أسهل إسباغ الشرعية على نزوات الغرائز، طالما القوانين تصدر عن مجموعة من نفس البشر الذي أطلق غرائزه، فلا يبقى شيء من المعاصي إلا ويبرره القانون بشكل من الأشكال، وإذا كانت المعاصي كلها شذوذاً، فالمجتمع الذي ينخر فيه الشذوذ ? بد أن ينتهي بالانهيار.
ولنأخذ مثلاً لذلك، غريزة حب السلطة والاستعلاء، هذه غريزة كبحها العقل القرآني بإعلان غلق أبواب السماء في وجهه من يمارسها: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين ? يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين) [سورة القصص: الآية 83]. ومعلوم أن هذه الآية ? تلغي هذه الغريزة في المجتمع، ولكن شتان بين أن تمارس علناً، وبين أن تموه في أهداف مشروعة، حذراً من أن يكتشفها المجتمع، فتأتي النتائج عكسية.
ثم جاءت وبرزت هذه الغريزة في أساليب الاعتراف بحب الاستعلاء الثورية والانتخابية، والحزبية، وغيرها. فانطلق أصحاب هذه الغريزة لممارستها بلا قناع، وإذا كانت هذه الغريزة ? تقف عن حدّ، وإذا كان أصحابها كثيرون، وإذا كانت المجالات التي يمكن التزاحم عليها محدودة، فمن الطبيعي أن ينقلب مفهوم (تعاون البقاء) الإنساني النبيل إلى (تنازع البقاء) الوحشي الرخيص.
وبمقتضى مشروعية (تنازع البقاء) يسعى الأفراد من داخل الأسرة الواحدة، إلى تحشيد ما يمكن تحشيده من أفراد وأشياء، لممارسة (تنازع البقاء) على أي شيء يمكن التنافس عليه.
وبمقتضى مشروعية (تنازع البقاء) يبقى الحق دائماً مع الأقوى، لمجرد أنه أقوى، فالناجح في ممارسة حق (تنازع البقاء) المشروع، عظيم تظفر لمفرقه أكاليل الغار، وليس جانياً يعاب أو يلام.
وهكذا تتكون التكتلات المسلحة بالأسلحة المناسبة لكل مرحلة، ابتداءً من الأشقاء في الأسرة الواحدة، ومروراً بالمدرسة والسوق والشارع، والدوائر الانتخابية، والمجالس الرسمية، والمحافل الدولية، والدول الكبيرة، ثم تشتعل بينها الحروب المشروعة - حسب المبدأ المذكور بأشكالها المختلفة.
وإذا كانت الثروات الطبيعية والعلوم الحديثة، ومبدأ (سباق التسلح) مكنت الدول الكبار من إعداد معدات عسكرية تكفي لإبادة الحياة على وجه الأرض ملايين المرات. وإذا كان تجويع شعوب العالم لأجل التوفير على المعدات العسكرية مشروعاً حسب مبدأ (تنازع البقاء) وطبق القوانين الصادرة من المجالس - ذات الصلاحية - وإذا كان تحريك هذه المعدات لتدمير الحياة على الأرض - أيضاً - مشروعاً اتخذ بشأنه قرار الدول الكبار وفق معادلات معينة وبأسباب معينة، وإذا كانت مطامع الدول الصناعية القوية تدفعها إلى احتلال الدول الغنية بالمنتجات الأولية وفق مبدأ (تنازع البقاء) فمن الطبيعي جداً أن يأتي الوقت الذي يتحرك فيه جنون بعض قادة العالم - على إثر عصرات قوية - فتنطلق فيه جميع المعدات العسكرية للانقضاض على بعضها - اتباعاً لفكرة الضربة القاضية - فتشتعل المدن الكبار، لتتحول خلال دقائق إلى محارق لعشرات الملايين من البشر، وتنتشر في الأجواء سحب ذرية بحثاً عن بقايا البشر، لإصابتها بالعاهدات المخيفة فتنفرط الحكومات وأجهزة الأمن والشرطة، ولا يبقى إنسان قادر على الحركة إلا ويكون مذعوراً قلقاً معطل المشاعر، ? يدري أيبكي أقربائه الذين ماتوا قتلاً أو حرقاً؟ أم يواسي الآخرين الذين جرحوا وتشوهوا؟ أم يحمي نفسه من الغارات والمخاوف المتوقعة؟ أم يبحث عن القوت والسلاح والمال والمكان وسائر الأشياء التي قد تمد في حياته؟؟
هكذا يفقد كل إنسان توازنه، وتتفاعل فيه المخاوف والمطامع، عالماً بأن أجهزة الحكومات قد تعطلت فلا يحميه إلا نفسه، ولا يعاقبه إلا ندّه، فيتحرك عشوائياً يقتل وينهب ويغتصب ويدمّر، طاغياً خائفاً، فيسود القطاعات البشرية المتبقية طوفان عارم من القلق والفوضى، ويصبح كل فرد ظالماً أو مظلوماً، أو ظالماً ومظلوماً في آن واحد.
في مثل هذه الأوضاع الموحشة القلقة التي قضت على ثلثي البشر، وبقي الثلث الآخر بين الأنقاض والأشلاء والرماد يعاني الموت بالتقسيط، ينطلق صوت العدالة والسعادة فتمتصه المشاعر قبل الآذان، وتصفق له القلوب قبل الأكف.
والناس إذا أصيبوا يبحثون عن الملجأ مهما كان، فكيف إذا كانت الإصابة رهيبة كتلك والملجأ وديعاً مثل هذا؟
في حين الظهور:
7- إن الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) عندما يظهر بفتح طريقه بقوة السلاح من الحجاز عبر سوريا والأردن إلى فلسطين، وهناك يذهب إلى بيت المقدس لأداء الصلاة، وحينما يتقدم الصفوف ويهم بتكبيرة الإحرام، ينزل المسيح (عليه السلام) من السماء الرابعة إلى بيت المقدس، فيتراجع الإمام المهدي (عليه السلام) من المحراب ويقول للمسيح: (تقدم فصلِّ بنا يا روح الله) فيأخذ المسيح (عليه السلام) بعضد الإمام المهدي (عليه السلام) ويعيده إلى المحراب، ويقول له: (بك تقام الصلاة) فيتقدم الإمام المهدي ويقتدي به المسيح، وعندما يرى المسيحيون أن المسيح يصلى خلف المهدي يؤمنون به بلا قتال.
والمسيحيون - اليوم - يشكلون الأكثرية الساحقة في الدول الكبار، فإذا استسلمت له الدول الكبار، فإن بقية الدول تعلن ولاءها له رغباً ورهباً.
ونحن نرى - في أيامنا هذه - أنه ? يظهر ثائر، إلا ويشغل كل الدوائر السياسية في العالم، ويضع كل أفراد شعبه أيديهم على قلوبهم خشية بطشه، رغم أن الثائر ليس إلا رجلاً عسكرياً استخدم تكتيكاً معيناً للسيطرة على عاصمة بلاده، ورغم أن الناس تعودوا أن يستفيقوا على الثورات، وعرفوا حدود الثورات، ووجدوا أن الثائر صبيحة ثورته أكثر الناس فزعاً من المعاكسات، فيبادر إلى غلق الحدود مع جيرانه، والمفاوضة مع السفارات المعتمدة في بلاده، والمعسكرات النائية، وربما يتنازل لها عن كثير من كرامته وكرامة بلاده، للاطمئنان على حياته. فكيف إذا ظهر قائد فتح مجموعة من البلاد وأسقط عدة حكومات، واستسلمت له الدول الكبار خلال أيام؟
الولاية التكوينية للإمام (عليه السلام):
8- في الأحاديث المنقولة بهذا الخصوص دلالات واضحة على أنه يستخدم ولايته التكوينية لبسط سلطانه على الأرض، فهو وعد الله الذي ورد في القرآن: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني ? يشركون بشي شيئاً...). فإذا شاء الله أن يمكّنه في الأرض كما مكّن سليمان ويوسف (عليهما السلام)، فإن الأمر لا يحتاج إلى أن نجهد نحن للتعرف على كيفية انتصاره.
نشر العدل العام:
9- بالإضافة إلى أنه يطمئن الناس إلى عدالة قضيته، عن طريق المعجزات التي تحفّ بحركته، وعن طريق إظهاره مواريث الأنبياء، وإذا اطمأن الناس إلى عدالة شخص أسرعوا إلى التجاوب معه. والناس دائماً يلتفون حول من يحسن رفع شعار الحق وإن كان مبطناً بالباطل، فكيف إذا اطمأنوا إلى شخص أنه حق ? يشوبه باطل.
ظاهرة التشكيك في حياته (عليه السلام):
- الظاهرة الثالثة، وهي ظاهرة التشكيك في حياته حتى الآن...
ويمكن مناقشة هذه الظاهرة علمياً ودينياً.
تفنيد التشكيك علميّاً:
1- أما مناقشته علمياً فكما يلي:
الأول: إن التفوّق موجود في جميع الموجودات، ابتداءً بالجمادات والنباتات وانتهاءً بالحيوان والإنسان، وذلك على إثر تغيير بسيط في التركيب الكيمياوي أو الفسيولوجي... ففي الأجرام الفضائية توجد نجوم تفوق جميع النجوم في حجمها وكهربتها وعمرها نتيجة لتوفر مواد فيها غير متوفرة في بقية الأجرام الفضائية. وفي النباتات تظهر نباتات متفوقة في الحجم والفاعلية، وهكذا في الحيوان والإنسان. والعاديات تشكل طبقة مألوفة، ثم ترتفع فوقها طبقة المتفوقات، التي تعلو عليها جميعاً قمة المتفوقات، وتكون خارجة على المألوف وخارقة للعادة بفاصل كبير، وإذا كان لكل فصيل من الكائنات متفوق يظهر في زمان، فماذا يمنع أن يكون الإمام المنتظر قمة العمرين، وظهر في هذا الزمان لفارق في تركيبه الجسماني.
ولا نريد أن نملأ الصفحات بذكر النماذج المتفوقة، فإن دراسة لعلوم الطبيعيات تشهد بوجود التفوق في جميع المخلوقات.
الثاني: إن العلم ? يستطيع أن ينفي شيئاً، لأنه ليس إرادة تفرض على الكائنات، وتحدد مسارها، وإنما هو انطباع حاصل من استقراء بعض الكائنات، وليس حاصلاً عن استقصائها جمعاء، لأن البشر وإن استطاع استقصاء جميع المصاديق المعاصرة من فصيل مطروح للدرس، فإنه ? يستطيع استيعاب الزمان حتى يستقصي جميع المصاديق، فيأخذ عنها انطباعاً مطمئناً إلى اعتماده على الاستقصاء، واستقراء بعض المصاديق يولد انطباعاً يصلح لتوسيع (أرشيف المعلومات) ولا يولد قاعدة ثابتة يمكن الاعتماد عليها للحكم على ما لم يتم استقراؤه من المصاديق. وقد ثبت في (علم المنطق): (أن الجزئي ? يكون كاسباً ولا مكتسباً) ويعني بالجزئي كل استقراء لم يستوعب الكل ولو بانفلات مصداق واحد.
لذلك يبقى العلم التجريبي في نطاق (النظرية) أو (الانطباع) الذي يصلح لإعطاء فكرة عن الفصائل المدروسة، ولا يصلح قاعدة لمعرفة كل مصاديق هذه الفصائل، فلهذا نجد الكائنات تواصل تطورها وتوالدها، ونجد العلماء يسيرون خلفها لالتقاط مزيد من الصور. لتوسيع أرشيف معلوماتهم، وهم يغيّرون معلوماتهم كلما وجدوا نموذجاً يختلف عن النماذج المعروفة.
- مثلاً كانوا يقولون بوحدة أصل الأنواع، وبأن القرد أصل الإنسان، ثم غيّروا معلوماتهم بهذا الخصوص.
- وغيروا معلوماتهم حتى الآن عدة مرات في تحديد تاريخ الإنسان على الأرض.
- وغيروا معلوماتهم في طريقة تكوّن الأرض، وفي المواد التي يتكون منها النفط. وغيروا معلوماتهم بالنسبة إلى أشياء كثيرة فيما يتصل بالأجرام الكونية، والشهب والزلازل، والمعادن، وعدد العناصر الأولية للكون، والطب وغيرها... حتى أصبح تغيير المعلومات شيئاً سهلاً ومألوفاً ? يفاجئ أحداً ولا يعاب عليه أحد، فما من كشف جديد إلا ويساوي تغيير سلسلة من المعلومات:
والعلماء يرون اليوم أن تركيبة جسم البشر المعروف حالياً ? يتحمل البقاء طويلاً، وهم يبحثون عما يساعده على البقاء لفترة أطول. وهذا يعني عدم استحالة البقاء الطويل، كما يعني أنهم يتوقعون العثور على وسيلة للبقاء الطويل، فلا مفاجئة إذا عرفوا شخصاً عثر على تلك الوسيلة وجربها في نفسه.
الثالث: لقد توصل علم الطب إلى أن الجسم البشري صالح للبقاء الطويل إذا لم يتعرض لنكسات صحية، ذلك أن الجسم مركب من خلايا عادية وخلايا نبيلة، فالخلايا العادية، وإن كانت تستهلك بسرعة على أثر الفعاليات العضلية، إلا أن الجسم مزود بأجهزة لتوليد كل أنواع الخلايا العادية التي يحتاجها الجسم. والخلايا النبيلة وإن كان عددها معيّناً منذ الولادة، ولا يوجد في الجسم جهاز لتوليد بدل ما يتحلل منها، إلا أنها قوية وصالحة للقاء الطويل إن لم تتعرض لصدمات.
صحيح أن الإنسان قد يولد وهو يحمل في داخله آفات تفتك به من الداخل باستمرار، وصحيح أن البيئة المعاصرة ملوّثة تحرم جسم الإنسان من الظروف الصحية الملائمة، ولكن هذا ? يعني أنه ? يمكن لأي إنسان أن يتخلص منها، فإذا ولد إنسان سليماً من الآفات الداخلية، وتخلص من البيئة الملوثة، فالمفروض أن يعمر طويلاً.
الرابع: إن تجارب التحنيط أثبتت أن الجسم البشري قابل لمقاومة الزمان مدى السنين، بمسحة بسيطة من مواد كيماوية اسمها (المومياء) وخلايا جسم الميت - رغم عدم تجددها - إذا كانت صالحة للبقاء، فهل تكون خلايا جسم الحيّ - مع تجددها - غير صالحة للبقاء، غير أن البشر استطاع أن يعرف وسيلة لحفظ جسم الميت ولم يستطع أن يعرف وسيلة لحفظ جسم الحيّ، ولكن نجاح التحنيط ألقى الضوء الأخضر على طريق البقاء.
الخامس: إن التشكيك في طول عمر الإمام المنتظر ناتج من (استبعاد) أن يعيش إنسان أكثر من ألف عام في الوقت الذي ? يعيش الناس - غالباً - مائة عام، و(الاستبعاد) ليس دليلاً علمياً، فكل علماء الأمس كانوا يقولون: (استبعاد) أو(استحالة) جميع حصائل العلم الحديث اليوم، وكل علماء اليوم يقولون: (استبعاد) أو(استحالة) أشياء ستحقق في الغد. فـ(الاستبعاد) ليس دليلاً يمكن الاعتماد عليه لنفي شيء.
تفنيد التشكيك دينياً:
2- وأما مناقشته دينياً فكما يلي:
الأول: تقول المصادر الدينية بأن العديدين من البشر عاشوا طويلاً، فالنبي نوح كانت فترة رسالته قبل الطوفان تسعمائة وخمسين سنة كما يقول القرآن الكريم: (فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً فأخذهم الطوفان)(4) وحياة نوح وسعت ثلاث مراحل، المرحلة الأولى، تبدأ بميلاده وتنتهي ببعثته رسولاً إلى قومه. المرحلة الثانية، تبدأ ببعثته رسولاً إلى قومه وتنتهي بالطوفان، المرحلة الثالثة تبدأ بالطوفان وتنتهي بوفاته. وفي بعض الحديث أن مجموع حياته بلغت ألفين وخمسمائة سنة(5).
والحضر وإلياس كانا من قبل موسى بن عمران، ولا زالا حيين يرزقان. وعيسى ابن مريم ولد قبل حوالي ألفي سنة وعاش إلى اليوم، ولن يموت قبل أن ينزل من السماء، ويوجّه المسيحيين إلى الدين الحق، كما يقول القرآن: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً) [سورة النساء: الآية 159](6). والأعور الدجال كان قبل أيام النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ولا زال حياً. وسيبقي حتى يقتل بيد عيسى ابن مريم عند ظهور الإمام المنتظر، وعوج بن عناق - سبط آدم - عاش ثلاثة آلاف سنة حتى قتله موسى بن عمران. حسب النصوص الواردة في شأنه.
وإذا عاش غير الإمام المنتظر طويلاً فماذا يمنع أن يعيش الإمام المنتظر طويلاً، وهو لم يبلغ حتى الآن من العمر ما بلغه أولئك.
سؤال: إذا كان الإنسان القديم يعيش طويلاً، فلأن معدل الأجسام والأعمار لكل الكائنات الأرضية كان أعلى نتيجة لفتوّة الأرض وقوة حرارتها الباطنية، أما في هذه الفترة من عمر الأرض، التي انخفضت فيها حرارة الأرض الباطنية، وبالتبع انخفضت معدل جميع الكائنات الأرضية فلا يمكن لإنسان أن يعيش أطول من المعدل بكثير.
جواب: أولاً: صحيح أن نسبة الحرارة الباطنية للأرض تنعكس على معدلات الكائنات الأرضية، ولكنها ليست السبب الوحيد لتحديد تلك المعدلات، فالتركيبات الكيمياوية هي التي تقرر المعدلات، وحرارة الأرض تساهم في تقرير المعدلات عن طريق انعكاسها على التركيبات الكيمياوية، فإذا أمكن التوفير على تلك التركيبات ارتفعت المعدلات حتى مع انخفاض حرارة الأرض، وإذا حدث التهريب لنسبة معينة من تلك المركبات انخفضت المعدلات حتى مع ارتفاع حرارة الأرض.
ومن هنا تسود الأوساط العلمية فكرة تسميد الكائنات النباتية والحيوانية بالمواد الكيمياوية لتصعيد معدلاتها.
ثانياً: إن أكثر المعمرين الذين ذكرناهم ? يعتبرون من الإنسان القديم، لأنهم لازالوا أحياء حتى اليوم، كالخضر وإلياس والمسيح والدجال.
الثاني: تؤكد النصوص المبشرة بالإمام المنتظر، على أنه هو المهدي بن الحسن العسكري بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأنه هو الذي يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً بعد أن تملأ ظلماً وجوراً، وقد وردت بشأنه تلويحات سماوية في الكتب المقدسة، وتصريحات نبوية عن جميع الطرق الإسلامية، والنصوص التي تصرح باستمرار حياته حتى يظهر ويظهر الله به دينه على الدين كله مستفيضة إن لم تكن متواترة.
والأحاديث التي وصلتنا عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حول المهدي المنتظر. ونسبه ومواصفاته النفسية والجسدية. تتجاوز ألف حديث (نذكر في هذا الكتاب قسماً منها) وردت بجميع الطرق الإسلامية وتتواجد في كافة الصحاح والمجاميع المعتبرة، وبأسانيد فيها مجموعة موثقة لدى جميع المسلمين.
وهل باستطاعة مسلم أن يجد هذا الحشد الكبير من الأحاديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثم ينكر محتواها؟ مع العلم بأن المسلمين يأخذون بالخبر الواحد. وبالسند الواحد إذا كان موثقاً.
الثالث: إن الناس - عادة - إذا وثقوا بشخص أو بمصدره يقبلون كل ما يصلهم منه ويخطئون أنفسهم إذا لم يستطيعوا هضم بعض ما يصلهم منه، فأنت تضع نفسك في كف قائد طائرة تقلها، وأنت ? تعرف شخصه ولا شيئاً من خبره ثقةً بإدارة شركة طيران ? تعرف شيئاً منها، رغم كل ما تسمع وتقرأ عن أخطاء قادة الطائرات، وربما تسلم قلبك أو دماغك لمبضع جراح، ثقة في المعاهد التي تخرّج الأطباء، رغم كل ما يتناهى إليك من زيف الشهادات ومداهنة المعاهد لطلابها، والجندي يخوض معركة ساخنة فيها الموت، ثقة بقيادته التي قد يعرفها بالطيش والمجون... وهكذا الناس يتعاملون مع المصادر التي استقطبت ثقتهم فيما يفهمون وفيما ? يفهمون من توجيهاتها اتكالاً على ثقتهم بها، ويسفهون أنفسهم فيما يستغربون تطميناً لتلك الثقة أن ? تخدش. فالأحرى بمن آمن بالله ورسله ورسالاته، إيمان العقل والقلب والضمير. أن ? يتردد في قبول ما قد يبدو له لديه مستغرباً أو مستبعداً، خاصة وهو يعلم أن قدرة الله مطلقة، وأن الله ? يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وإذا سألت أحد المؤمنين بالله: هل يستطيع أن يخلق من هذه الأرض. ومن مثل هذه البيئات المعاصرة، إنساناً يعيش بكامل نشاطه النفسي والجسدي ملايين السنين دون أن يهدّه الزمان؟ فسيكون الجواب حتماً بالإيجاب. وطالما هو يحمل مثل هذا الإيمان بقدرة الله، فكيف يمكن له أن ينكر أو يشكك في حياة إنسان عاش ألفاً واحداً من السنوات، بعد أن ثبت في الأوساط المعبرة عن الله، أن الله خلق هذا الإنسان، ولا يزال يهيئه لإحداث تطور عالمي كبير.
فالإيمان بالله، والعلم بأن رسول الله قد أخبر بالإمام المنتظر، ? يتوافقان مع إنكاره أو التشكيك فيه مهما كانت المبررات. والذي ينكر الإمام المنتظر أحد شخصين: إما غير مؤمن بالله في قرارة نفسه وإن تظاهر بالإيمان، فيأخذ بمعطيات عقله على حساب مقتضيات إيمانه. وإما شاك في أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد أخبر بالإمام المنتظر.
فعلينا أن نحول الشخص الأول على الأدلة التي تقول بأن وجود إنسان ألف عام أو أكثر ممكن علمانياً، وأن نحول الشخص الثاني على المصادر التي يأخذ منها دينه ليجد فيها وجه الإمام المنتظر.
فائدة الإمام الغائب
الظاهرة الرابعة: وهي ظاهرة التشكيك في فائدة الإمام الغائب، فيمكن مناقشة هذه الظاهرة بما يلي:
الولاية التنفيذية:
1- إن الإمام - بمفهومه اللغوي - مطلق من يُؤتم به، أي يُقتدى به، سواءً كان المقتدي به كثيراً أو قليلاً وسواء أكان الذي يقود عبره حقاً أو باطلاً، فإمام الجماعة إمام لأن من هم خلفه يقتدون به في تنظيم حركات الصلاة، ورئيس الدولة إمام لأن من هم في دولته يتقدون به في تنظيم تصرفاتهم الجسمانية، والنبي إمام لأن من هم في محيط دعوته يقتدون به في تنظيم تصرفاتهم الروحانية فقط، إذا كانت رسالته روحانية بحتة، أو يقتدون به في تنظيم تصرفاتهم الروحانية والجسمانية معاً، إذا كانت رسالته روحانية وجسمانية معاً. وبما أن الإمام - بمفهومه اللغوي - مطلق من يُقتدى به، بغض النظر عن نوعية الخط الذي يقود عبره، عبّر الله تعالى عن الفراعنة، بـ(أئمة) فقال: (... وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) [سورة القصص: الآية 41] كما عبّر عن الأنبياء من أولاد إبراهيم (أئمة) فقال: (... وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) [سورة الأنبياء: الآية 73].
والإمام - بمفهومه الاصطلاحي - كل من يخوله الله قيادة تكوينية، وإذا لم يخوله الله قيادة تكوينية، فليس إماماً، حتى ولو كان نبياً، وحتى ولو كان رسولاً، وهكذا يختلف مفهوم (الإمام) عن مفهوم (النبي) كما يختلفان عن مفهوم (الرسول). وإذا أردنا إيضاح الفارق بين هذه المفاهيم علينا أن نقول:
النبي والنبوة:
أ - (النبي) هو الذي ينبئه الله ويخبره مباشرة بما يشاء، والنبوة رتبة ينالها كل من علم الله تعالى فيه كمالاً روحياً يؤهله للاطلاع على ما وراء المحسوسات بالحواس الخمس، فيمنحه الله سبحانه قدرة على رؤية ما وراء الحجب والمسافات ورؤية الروحانيات كالملائكة والجن والشيطان وقد سجل الله تعالى هذين الأمرين لإبراهيم الخليل (عليه السلام) في القرآن حيث قال: (... وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات) [سورة الأنعام: الآية 75]. كما أن الله يمنحه كرامة عظمى، فلا يتصل به بواسطة رسول من الناس، وإنما يتصل به وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل إليه رسولاً من الملائكة، فيكون متصلاً بالسماء مباشرة، وإن كان قد يأمره الله بالتنسيق مع نبي معاصر له، أو باتباع رسول سبقه، مع بقائه نبيّاً ينبئه الله بصورة مستقلة ومباشرة.
فيشبه - في العرف الدوبلماسي - السفير الذي تأتيه الحقيبة الدوبلماسية مباشرة، ولا يكون كالقنصل الذي يستقبل الأوامر الصادرة إليه من حكومته بواسطة سفير، وقد نصت بعض الأحاديث الشريفة على أن الرسل سفراء الله.
والنبي قد يؤمر برسالة معينة إلى الناس فيكون نبيّاً رسولاً وقد ? يؤمر برسالة إلى الناس، وإنما بمهمات خاصة خارجة عن لطاق الشرائع، فيكون نبياً غير رسول.
الرسالة والرسول:
ب - و(الرسول) هو الذي يؤمر - من قبل الله - بتبليغ رسالة معينة، سواء أكانت تلك الرسالة موجهة إلى أناس معينين أو إلى الناس أجمعين، فبخصوص يونس بن متّى يقول الله تعالى: (... وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون)(7). بينما يقول للنبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله): (... وما أرسلناك إلا كافة للناس)(8) وسواء أكان ذلك الرسول مأموراً من قبل الله مباشرة أو بواسطة رسول من الناس، فمثلاً قال الله تعالى لموسى بن عمران - عنه وعن أخيه هارون -: (... اذهبا إلى فرعون)(9) و(اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري)(10). فيما قال عن ثلاثة من رسول عيسى ابن مريم: (... إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث)(11). وفي بعض الحديث، أن هؤلاء الثلاثة لم يكونوا ممن يستقبلون الرسالة مباشرة من قبل الله، وإنما كانوا من المؤمنين برسالة عيسى ابن مريم.
و(الرسالة) شريعة، قد تكون شاملة تعطي فلسفة الكون والحياة والإنسان وتنظيم نشاطات الإنسان بجانبيها الروحي والمادي، وربما تكون محدودة تعطي فلسفة الكون والحياة والإنسان فقط، أو تنظم النشاطات الروحية فحسب. وربما تكون محصورة بتصحيح بعض الأخطاء الطارئة على مسيرة قوم مؤمنين.
و(الرسالية) صلاحية يخولها الله تعالى لمن تتوفر فيه مواصفات تؤهله لحمل رسالة السماء إلى الناس، وهذه المواصفات يلزم أن تبلغ درجة (العصمة) في مستوى رفيع حتى تؤهل صاحبها لاستقبال الرسالة مباشرة من السماء، ويلزم أن تبلغ درجة (العصمة) في مستوى أقل من ذاك حتى تؤهل صاحبها لاستقبال الرسالة من رسول من الناس.
فالرسول إذا تلقى رسالته مباشرة من السماء أصبح رسولاً ونبياً، كما يقول الله بحق إسماعيل (عليه السلام): (وكان رسولاً نبياً)(12)، وإذا تلقى رسالته من رسول من الناس، أصبح رسولاً غير نبيّ - في بعض المصطلحات.
الإمامة والإمام:
ج: و(الإمام) هو الذي يؤمر من قبل الله بـ(الولاية التنفيذية) سواء أكان الإمام رسولاً، مثل إبراهيم الخليل الذي خاطبه الله تعالى بقوله: (إني جاعلك للناس إماماً)(13). أو كان نبياً غير رسول، مثل الألوف من الأنبياء الذين لم يصلنا حتى أسماؤهم أو لم يكن نبياً ولا رسولاً بل وصياً لنبي مثل آصف بن برخيا وصي سليمان بن داود، ومثل يوشع بن نون وصي موسى بن عمران.
والأنبياء الأئمة كثيرون سجل القرآن بعضهم مثل إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب الذين قال عنهم: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) [سورة الأنبياء: الآية 73]. والإمامة - مثل الرسالية - صلاحية يخوّلها الله كل من تنسج مواصفاته مع (الولاية التنفيذية).
وقد ظهرت للناس آثار (الرسالية) وصلاحية (الإمامة) من الله حينما خلق الكون وضبطه بكل عوالمه وخلائقه الكثيرة المعقدة بإدارة شاملة محكمة ? تنفلت منها نبضة عصب ولا حبة مطر، ولا هبة نسيم، ولا أدنى من ذلك ولا أكبر، وتظهر هذه الإدارة في حركات المجرات المخيفة، وفي شبكات الريّ المنتشرة في كافة أنحاء ورقة الكرم، وفي المهمات الحساسة التي تؤديها الخلية المجهولة في دماغك، وفي التفاعلات الدقيقة التي تنجزها مليارات الأشعة الفاعلة في الكون.
والناس عندما يجدون البروتين الموجب يدور حول البروتين السالب (كذا) دورة في الثانية، يقولون البروتين الموجب يدور حول البروتين السالب، ولكنهم ? يتساءلون: من الذي يدير هذه حول تلك؟ وعندما يرون حبات المطر تتساقط هنا ? هناك، يقولون: السيول تجتاح هذه المنطقة، والمواشي تموت في تلك المنطقة على إثر الجفاف، ولا يتساءلون من الذي أسقط المطر هذه المنطقة وحرم منه تلك. وعندما يسمعون بأن فجوات هوائية تحدث هنا بينما هناك يرتفع ضغط الهواء، أو عندما يعرفون مياهاً جوفية هنا، وأطنان الأورانيوم هناك، وحبات ألماس ترقد هناك، يكتفون بالاطلاع عليها والاستفادة منها فحسب، ولا يحاولون التعرف على الجهاز الإداري الذي يؤدي هذه الأعمال، ولا استيعاب الأسباب التي تنتهي بهذه التركيبات، تماماً كالبدوي السائح الذي يدخل مدينة متحضرة بلا مترجم ولا دليل فيري الشاشة الصغيرة هنا تتابع عرض مشاهدها، وهناك هوائية جبارة جامدة تحت الشمس والمطر، وهنالك آليات متحركة تتراكض في خطوط متشابكة من الفجر إلى الفجر، وإلى جانبها غرفة كبيرة تضج بأصوات آلات حديد تتحرك تلقائياً وتعج بالأسلاك متزاحمة متراكبة وفوق البيوت أجسام كبيرة تسبح في الهواء وتزعق بلا انقطاع، وعلى بعض الجدران آلة صماء معلقة يأتي الناس إليها فيرمون النقود في جيبها ويظلون يتكلمون ويضحكون لها وهي ? ترد عليهم. فيذهب إلى نجمة كبيرة مرمية وسط الشارع ليخطفها إلى كوخه فينفضه تيار الكهرباء، ويحاول أن يمرّ الشارع فيصرخ به الرجال، ويريد أن ينام على الرصيف فيقوده رجال الشرطة إلى موقف، ويدخل المطعم ويختار طعاماً يروق له منظره فلا يستطيع تناوله.
وتماماً كالطفل الذي يجد أسلحة أبيه، فيحاول التعرف عليها والاستفادة منها في أغراضه الطفولية فتنفجر بين يديه، فتدمره وتقضي على حياته.
لابد أنك رأيت في حياتك مثل ذلك البدوي ومثل هذا الطفل.
بهذا الشكل يتعامل كبار علماء الطبيعيات مع الكون، فيرون الأشياء وكأنها مبعثرة، وكأن كل شيء يتحرك ارتجالياً وبدافع ذاتي بلا هدف ولا وسيلة ولا خطة، لذلك يجهدون أكثر مما ينبغي، ويهدرون طاقات بشرية ومادية هائلة، ثم يستفيدون أقل مما ينبغي.
ويأتي أدلاء الكون ومصادر الوحي، فيقولون: إن الكون كله وحدة مترابطة مشدودة بالأسباب والمسببات، ومسيرة بإرادة شاملة محكمة، فما من حبّة مطر إلا ويأتي بها ملك ليضعها في موضعها المناسب، وما من نطفة إلا ويفصل ملامحها ويخطط جغرافية حياتها وأعمالها ملك، ولا تتحرك ريح ولا موج ولا نجم ولا سحاب إلا ويحركه ملك وفق خطة حكيمة، ولا تنبض خاطرة في دماغك إلا بوحي ملك أو شيطان.
صحيح أن الله يصمم جميع الأقدار، وأنه يستطيع أن يدير كل العوالم بلا جهاز إداري، ولكن شاء أن يديرها بجهاز إداري، ففي بعض الحديث: (أبى الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها) كما أن الله قادر أن يرزق جميع الناس من فوق رؤوسهم ومن تحت أقدامهم بلا سعي ولا حاجة أحد إلى أحد. ولكنه شاء أن يرزق الناس بمساعيهم، وأن يرزق بعضهم ببعض. (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخريا) [سورة الزخرف: الآية 32] وكما أن الله قادر أن يلهم كل واحد من الناس شرائع دينه بلا وسائط، كما ألهم الحيوانات وظائفها بلا وسائط فقال: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً) [سورة النحل: الآية 68] ولكنه شاء أن يعلمهم شرائعهم بواسطة الأنبياء والأوصياء والعلماء. وكما أن الله قادر على أن ينزع خصائص الأرض من الناس ليعيشوا كالملائكة، هوايتهم الهدي وشهوتهم العبادة ولكنه شاء أن يتعرضوا للتجربة، حتى يبلغ كلٌّ مداه فقال: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين) [سورة هود: الآية 118].
وكما أن الله قادر أن يوجد جميع الأنواع ارتجالاً من ? شيء، ولكنه شاء - بحكمته البالغة التي لم يؤهلنا لاستيعابها - أن تكون سنة الخلق في مسلسلات متوالدة، هكذا شاء الله أن يوكل الكائنات إلى جهاز إداري هرمي - وأن ? ينفذ شيء إلا بعلمه الدقيق وإرادته المباشرة - إلا أن هذا الجهاز موكل بتنفيذ إرادة الله في خلقه. فوظف مجموعات من ملائكته في هذا الجهاز موكل بتنفيذ إرادة الله في خلقه. فوظف مجموعات من ملائكته في هذا الجهاز أسماهم في القرآن بـ(المدبرات أمراً) [سورة النازعات: الآية 5]. وجعل على كل قسم ملكاً من أعظم ملائكته فوكل (رضوان) بالجنة، ووكل (مالك) بجهنم، ووكل (جبرائيل) بالرسالات والرسل وعقاب المتمردين عليها، ووكل (إسرافيل) بنفخة الصور، ووكل (ميكائيل) بالأرزاق ووكل ملكاً عظيماً اسمه (الروح) بالأقدار، ووكل (عزرائيل) بالأرواح، ووكل ملكاً بالرياح، وملكاً بالبحار، وملكاً بالشمس، وملكاً بالقمر، وملكاً بالأرض، وملكاً بكل سماء من السماوات، وجعل لكل قسم من هذه الأقسام فروعاً، ووظف على كل فروع ملكاً تتناسب مؤهلاته مع مهمته في تسلسل إداري دقيق(14) ثم جعل فوق الملائكة الموكلين بالأقسام الرئيسية، رجلاً من البشر يمثل قمة الهرم.
وإذا أردنا التشبيه فمن الممكن أن تشبّه الرجل القمة برئيس مجلس الوزراء، وأن تشبّه الملائكة الموكلين بالأقسام الرئيسية بالوزراء، وأن تشبه الفروع الممتدة من كل قسم بالمديريات المتفرعة من كل وزارة والرجل القمة في جهاز الإدارة التنفيذية يطلق عليه لقب (الإمام) ويقال له: صاحب الولاية كما يقال له: صاحب العهد. اقتباساً من قوله تعالى: (... ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً) [سورة طه: الآية 115].
وإلى جانب هذا الجهاز الإداري الشامل الدقيق الذي يتولى الجانب التكويني للكائنات، يوجد جهاز إداري شامل دقيق آخر، يتولى الجانب التشريعي للكائنات فيما أتاح لها الإرادة المستقلة لإتمام التجربة وهذا الجهاز أيضاً جهاز واسع له أقسام عديدة، وعلى كل قسم ملك من أعظم ملائكة الله، ولكل قسم فروع عليها ملائكة تتناسب إمكاناتهم مع مهامهم، وتتوالى قواعده الهرمية، ويكفي لمعرفة مدى سعة هذا الجهاز أن نعلم:
أولاً: أن كل إنسان عليه ملكان يراقبانه ويسجلان تصرفاته حتى النفخة والنأمة أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فيوظف به ملكان بالليل من غروب الشمس إلى شروقها، ويوظف به ملكان آخران بالنهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فهؤلاء الأربعة إذا تركوه ? يعودون إليه أبداً، ومعنى هذا أنه يوظف كل يوم أربعة من الملائكة بكل فرد.
ثانياً: أن في قلب كل إنسان (لمّتان) أي جماعتان: جماعة من الملائكة تأمره بالخير، وجماعة من الشياطين تأمره بالشرّ، وهنا نقطة الاحتكاك الساخنة بين الملائكة والشياطين وموقف الإنسان أشبه بموقف الحكيم، فإذا مال نحو الشياطين ضعفت كتلة الملائكة، وإذا مال نحو الملائكة ضعفت كتلة الشياطين. ومن هنا يجد الإنسان في داخله نازعة الخير ونازعة الشرّ.
ثالثاً: أن الله يوكل ملائكة عظاماً بالأنبياء والأوصياء وخيار عباده الصالحين لتسديدهم وتأييدهم، كما يوكل بأنبيائه وأوصيائهم ملائكة يعلمونهم، ويخبرونهم عما يريدون الاطلاع عليه من غيب - في حدود صلاحياتهم - وبهذا يفسر قوله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول) [سورة الجن: الآية 26]. وقوله عز وجل: (... ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) [سورة البقرة: الآية 225].
رابعاً: أن كل نبي أو وصي يستخدم جماعات من البشر لتحمل أعباء التبليغ، وما قد يترتب عليه من احتكاك يؤدي إلى كفاح.
هذا الجهاز الواسع أيضاً ركبه الله تركيباً هرمياً، ووكل بكل قسم من أقسامه ملكاً من أعظم ملائكته، ثم جعل فوق الملائكة الموكلين بالأقسام الرئيسية رجلاً من البشر يمثل قمة الهرم، وهذا الرجل يكون نبياً أو وصي نبي منصوص من قبل الله، وتشترط فيه مواصفات تبلغ درجة العصمة، لأن الملائكة معصومون، ولا يمكن أن يقود المعصومين غير معصوم.
وإذا أردنا التشبيه، فمن الممكن أن نشبه الرجل القمة برئيس المجلس التشريعي الأعلى، وأن نشبه الملائكة الموكلين بالأقسام الرئيسية بأعضاء المجلس التشريعي، وأن نشبه الفروع الممتدة من كل قسم بالمديريات المتفرعة من المجلس التشريعي الأعلى، أو بالمجالس، أو باللجان التشريعية الفرعية.
ولا يطلق على الرجل القمة في جهاز الإدارة التشريعية سوى لقب (الرسول).
وما دمنا شبهنا جهاز الإدارة التنفيذي بمجلس الوزراء، وشبهنا جهاز الإدارة التشريعية بالمجلس التشريعي الأعلى، فلا بد أن نقول: إن أي تشبيه في هذا المجال ليس تشبيهاً حقيقياً، وإنما هو تنظير لمجرد تقريب أصل الفكرة إلى الأذهان، خاصة ونحن - في الأساس - لا نملك المعلومات الكافية في هذا المجال، لأن المستوى الثقافي في فترة نزول القرآن وصدور الحديث ما كان يسمح بإعطاء معلومات كافية في مثل هذا المجال ولا يزال كذلك.
فوارق الأجهزة الإلهية مع الأجهزة البشرية:
كما أنه لابد من بيان فوارق هيكليّة بين الأجهزة الإلهية والأجهزة البشرية:
1- في الأجهزة البشرية يكون رئيس مجلس الوزراء غير رئيس المجلس التشريعي، إلا في حالات استثنائية يعطّل فيها الدستور وتعطل فيها الديموقراطية، وذلك لسببين:
الأول: ألاّ يتعرض رئيس المجلس التشريعي للضغوط، فيشرع بحرية كاملة ما يمليه ضميره حسب رؤيته للمصلحة العامة، ولا يشرع ما تمليه مصلحته أو مصالح الآخرين بخلاف رؤيته للمصلحة العامة.
الثاني: أن يبقى رئيس مجلس الوزراء ووزرائه - دائماً - تحت طائلة الحساب من قبل المجلس التشريعي، فلا تؤثر فيهم الضغوط المختلفة التي يتعرضون لها - باستمرار - من قبل أصحاب المصالح الكبار.
بينما في الأجهزة الإلهية كثيراً ما يكون رجل واحد قمة لجهاز الإدارة التنفيذية وقمة لجهاز الإدارة التشريعية جميعاً، وذلك لسببين:
الأول: المفروض فيه أنه معصوم. فلا تؤثر فيه الضغوط المختلفة التي يتعرض لها. مع العلم بأنه ? يتعرض للضغوط بمقدار ما يتعرض لها رئيس مجلس وزراء. لأن مسلكية رئيس مجلس الوزراء، ? تختلف عن مسلكية مطلق فرد. فيعرف الناس مداخلة ومخارجه، وغالباً ما يكون وصوله إلى مركزه عن طريق التملق واستجداء الثقة، فيكون مطمعاً للآخرين في الوقت الذي تكون فيه مسلكية النبي أو الإمام مترفعة عن كل ما يغري ويرهب. فتنحسر عنه أطماع أصحاب المصالح الخاصة.
الثاني: أنه يرى نفسه - دائماً تحت طائلة الحساب من قبل الله سبحانه وتعالى، فلا يسمح لنفسه بالتفكير في محاورة الضغوط مطلقاً.
2- في الأجهزة البشرية، يكون مجلس الوزراء جهازاً تنفيذياً مستقلاً، فبمجرد انتخاب أعضائه من قبل الشعب، يصبح ذا سلطة مستقلة في التشريع، ويصبح مصدر الشرعية - حسب معطيات الأنظمة الديموقراطية، صحيح أن الملك أو رئيس الجمهورية - في بعض النظم - يكون صاحب القرارات الهامّة، أو رئيس الجمهورية - في بعض النظم - يكون صاحب القرارات الهامّة، أو صاحب الأطروحة التي ? ترد، ولكن هذه ديموقراطية - بمفهومها الكامل - بالإضافة إلى أنه يبقى للمجالس التشريعية حدّ أدنى من الصلاحية وصحيح أن قرارات المجالس ? تصبح سارية المفعول. إلا إذا حملت توقيع الملك أو رئيس الجمهورية، ولكنه نوع من الروتين، فلا تتخذ المجالس التشريعية قراراتها إلا ويوقعها الملك أو رئيس الجمهورية وإذا كانت لديهما نوايا مختلفة فإنهما يبذلان تأثيرهما على المجالس التشريعية حتى ? تتخذ المجالس التشريعية مقررات ? يرغبان فيها، أما إذا فشلا واتخذت مقرراتها، فإنهما ? يترددان - عادة - في التوقيع عليها حفاظاً على الحدّ الأدنى من المبادئ التي يتظاهران بها.
فيما يختلف الأمر بالنسبة إلى الأجهزة الإلهية تماماً، فالجهاز التنفيذي - حتى بعد تعيين أعضائه من بل الله تعالى - ? يصبح ذا سلطة مستقلة في التنفيذ، لأنه برمته ليس قادراً على شيء إلا بإرادة مباشرة من الله سبحانه. كما أن الجهاز التشريعي - حتى بعد تعيين أعضائه من قبل الله عز وجل - ? يصبح ذا سلطة مستقلة في التشريع، لأن الله جلّ جلاله، يبقى هو المصدر الوحيد للشرعية، وهو الذي يشرع ما يشاء بحكمته، وأما الجهاز التشريعي فليس - في الواقع - أكثر من جهاز تبليغي، وليست له أية سلطة أو صلاحية في التشريع وإنما عليه أن يبلغ إلى الناس - حرفياً - كل ما يصل إليه من الشريعة من قبل الله تعالى. أسمعت قول الله سبحانه - وهو يخاطب أعم أنبيائه-: (فإنما عليك البلاغ)(15)، (فذكر إنما أنت مذكر)(16) (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشي)(17)، (ولا تجعل مع الله إلهاً آخر فتلقى في جهنم ملوماً مدحوراً)- (18)، (ولولا أن ثبتّناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً)(19)، (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين)(20).
صحيح أن لبعض الأنبياء الكبار نوعاً محدوداً من الصلاحية، فمثلاً: إبراهيم الخليل رأى أشياء كالختان، وتقليم الأظافر، وإزالة الشعر من الجسد... فمارسها، فأقرها الله في الدين، وعرفت - فيما بعد - بـ(سنن إبراهيم). ومثلاً: كانت فرائض الصلوات، التي أمر الله نبيه بتبليغها ركعتين ركعتين، فرأى النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يضيف ركعة سبحانية إلى صلاة المغرب، وأن يضيف ركعتين سبحانيتين إلى كل من صلاة العشاء، وصلاة الظهر وصلاة العصر، فأقرّ الله ذلك، وعرفت - فيما بعد - بـ(سنة رسول الله).
والواقع أن كل ما ورد من الأحاديث عن سنن المرسلين من أمثال هذين الموردين، لابد أن نوجههما بأحد توجيهين:
الأول: أن هذه الأحاديث ? تعني أن المرسلين كانوا يشرّعون بالمفهوم المتداول للتشريع بمعنى سنّ القانون - وإنما تعني أنهم في بعض الأحيان كانوا يخرجون من إطار المعنى الحرفي للنص إلى روح النص، من باب تنقيح المناط، ثم يطبقون المناط المستخلص على المصاديق التي لم ترد في نص الوحي، وكان اجتهادهم صحيحاً، لأنهم كانوا في المستوى المناسب. بدليل إقرار الله سننهم مع أن الله ? يستحيي من الحق، ومع ملاحظة النصوص السابقة التي تحدد صلاحية الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في التبليغ. وهذا يعني أن سننهم كانت حصيلة اجتهادات صائبة، ? أكثر.
الثاني: أنهم ربما كانوا يتفاعلون مع أشعة الوحي، بمعنى أنهم كانوا يتلقون نوعاً من الوحي الخفيّ - خارجاً عن نطاق المضمون الصريح للوحي - بحيث ربما كان يتراءى أنه شيء منهم، ثم كان الله تعالى يقرّ ذلك، تعبيراً عن تكريم الله إياهم.
وصحيح أيضاً أن في الأحاديث الصحيحة، مجموعة أحاديث تقول: (إن الله أدب نبيّه بتأديبه. ففوض إليه دينه).. وهذه المجموعة من الأحاديث. كانت تاريخياً نقطة الانطلاق لفرقة (المفوّضة) الذين ادعوا بأن الله سبحانه وتعالى اعتزل أمر الشريعة كليّاً. وتركها للنبي يقرر فيها ما يشاء.
ويمكن دراسة هذه المجموعة من الأحاديث من منطلقين:
الأول: منطلق النقض، بأن هذه المجموعة من الأحاديث - حسب تغيير المفوضة لها - تناقض الآيات التي تحدد صلاحية الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في التبليغ، والحديث متى نقض القرآن سقط.
الثاني: منطلق الحلّ، بأن الجزء الأول من هذه الأحاديث يمهد فهم الجزء الثاني منها بشكل آخر، لأن معنى (إن الله أدب نبيّه بتأديبه) أن الله تعالى أعطى لنبيّه مقاييس دينه بشكل تأديبي تركه يتفاعل معها. حتى ? يعبر إلا عنها، ولا يقلع إلا من مواقعها، وعندما بلغ هذا المستوى فوض إليه بيان الحلال والحرام ? سن الحلال والحرام. وهو يعلم أن النبي (صلّى الله عليه وآله) كلما تحرك ? تخرج حركته من نطاق هذه المقاييس. كما أنك قد ترّبي ابنك على عملك حتى ترى أنه تفاعل معه بعمق، وعندئذ تسلم إليه مقاليد عملك مطمئناً إلى أنه - مهما تعامل - لن يخرج - ? في الشكل ولا في المضمون - من المقاييس التي ارتضيتها لعملك.
وربما يوحي الحديث الشريف - في وصف رسول الله -: (.. كان خلقه القرآن) بما يشبه معنى تفاعل النبي (صلّى الله عليه وآله) مع المقاييس الإسلامية في صيغة عملية بنفس القوة التي يعبر بها القرآن عنها في صيغة نظرية، وحتى كأنهما وجهان لعملة واحدة، النبي وجهها العملي والقرآن وجهها النظري.
وربما يؤكد التحليل الذي ذكرناه لأحاديث التفويض، قول الله تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)(21) وهذا يعني أن النبي عطف هواه على الوحي، حتى لم يبق له هاجس ولا كلام سوى الوحي، وتفويض الله دينه إليه - في مثل هذه الحالة - ? يعني إلا تفويضه صلاحية التعبير عن دينه في بيان الحلال والحرام ? صلاحية التشريع.
من كل ذلك نستخلص أنه - في مجال الأجهزة الإلهية - ? توجد سلطة مستقلة، فجهاز الإدارة التنفيذية ? تنفذ شيئاً إلا بإرادة الله، وجهاز الإدارة التشريعية ? تعبر إلا عما شرعه الله، والله تعالى وحده، هو صاحب السلطة المطلقة والمستقلة على الجهازين، وعلى كل ما ينفذانه أو يعبران عنه.
3- في الأجهزة البشرية يكون الاعتماد على الانتخاب فيعتمد في رئيس وأعضاء المجلس التشريعي على الانتخاب العام ليشترك في التشريع كل من له صلاحية إعطاء الرأي، إما بنفسه إذا فاز في الانتخاب - ليكون رئيساً أو عضواً في المجلس التشريعي، وإما بواسطة منتخبه إذا لم يفز هو في الانتخاب، كما يعتمد في رئيس المجلس التنفيذي على الانتخاب العام، عن طريق كسب ثقة أكثرية أعضاء المجلس التنفيذي على الانتخاب ولو عن طريق رئيسه الذي نال الثقة من المجلس التشريعي المنتخب... فيبقى الرأي العام معتمداً - ولو بوسائط - ويبقى الشعب صاحب الحق المطلق في اختيار حكامه واتخاذ قراراته.
وأما بالنسبة للأجهزة الإلهية فالاعتماد كله على التعيين فالله هو صاحب الحق الأول والأخير في اختيار قمة وأعضاء الإدارة التنفيذية والإدارة التشريعية، لأنه الوحيد المطلع على ما في أعماق النفوس، وما وراء النوايا فهو الأولى بهذا الحق من غيره أياً كان. كما أنه هو صاحب القرارات كلها، لأنه أعرف من سواه بما يمكن أن تفسر عنه تلك القرارات في الآحاد القريبة والبعيدة، ولعل القرآن أشار إلى أنه ? يمكن الاعتماد على انتخاب البشر، طالما هو معرض للخطأ ولو كان الناخب نبيّاً من أولي العزم في مستوى موسى ابن عمران (عليه السلام) فقال: (واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا)(22)، (فلما جاء موسى لميقاتنا وكلمّه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخرّ موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين)(23).
ولعل القرآن - كذلك - أشار إلى أنه ? يمكن الاعتماد على القرار البشري طالما هو معرّض للخطأ، فقال: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) [سورة الأحزاب: الآية 36].
4- في الأجهزة البشرية يعتبر الجهاز التشريعي أهم من الجهاز التنفيذي، ولذلك يلزم أن ينتخب مباشرة من قبل الأمة، وأن يكون على اتصال وثيق ودائم بالشعب، في الوقت الذي ينتخب الجهاز التنفيذي من قبل الجهاز التشريعي، أو يكتفي باكتساب رئيسه ثقة الجهاز التشريعي.
وأما بخصوص الأجهزة الإلهية فالجهاز التنفيذي أهم من الجهاز التشريعي، إذ ? مجال للتشريع - بمفهومه المعروف من وضع القانون - في الأجهزة الإلهية، لأن الله تعالى هو المشرّع الوحيد والمطلق. فتنحصر مهمة الجهازين في التنفيذ بفارق بسيط، وهو أن الجهاز التنفيذي ينفذ في مجال الكون والجهاز التشريعي ينفذ في مجال الشريعة، وإذا انحصرت مهمة الجهازين في التنفيذ فالظاهر أن مهمة الجهاز التنفيذي أدق وأشمل، من مهمة الجهاز التشريعي الذي ? يعدو - غالباً - بتبليغ الشريعة وحمايتها من المعتدين عليها بمحاولة الدس فيها أو القضاء على حملتها.
كل هذا فيما قد نفهم، ولعل غير ذلك هو الصحيح في الواقع والله العالم.
والملائكة الذين ما كان يروق لهم خلق خليفة في الأرض وقالوا الله: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) [سورة البقرة: الآية 30] وأجابهم الله تعالى منبّهاً إلى إحاطته بنواياهم بقوله: (واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) [سورة البقرة: الآية 33] لعلهم كانوا يكتمون التحفظ من أن يغدو خليفة الأرض وليّاً عليهم، وقد تتابعت البوادر التي أكدت أن تحفظهم كان يعبّر عن واقع، فقد أمروا بالسجود لآدم فور نفخ الروح في جسمه، ثم استوعب الرموز التي لم يكن بمقدورهم استيعابها.
وحيث أن الله تعالى جعل للإمام - أي إمام معصوم - مهمتين: مهمة الولاية التكوينية، ومهمة الولاية التشريعية - كأهم ما جعل الله تعالى للإمام - فالغيبة عن الظهور في المجتمعات ? تعجزه عن القيام بأية من مهمتيه.
فأما بالنسبة إلى مهمته التكوينية فالإمام الغائب يؤديها في غيبته بتوفر ولعلها مهمته الكبرى، فغيبته ? تؤثّر عليها مطلق لأن أداءها ? يتوقف على الظهور بين الناس.
ولعل ما ورد في الأحاديث الشريفة من تشبيه فائدة الإمام الغائب بفائدة الشمس الغائبة خلف السحاب إشارة إلى أن الإمام في غيبة يؤدي ولايته التكوينية، كما أن الشمس الغائبة خلف السحاب تؤدي خدمتها في تربية الكائنات الدائرة في محيط شعاعها رغم السحاب الذي قد يحجب عنها بعضاً من تلك الكائنات.
وأما بخصوص مهمته التشريعية فالإمام المنتظر باعتباره استمراراً للنبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ? تكون مهمته في التبشير بمفاهيم جديدة لم تكن معروفة من قبل حتى يتوقف أداؤها على معايشة الناس. وإنما تتلخص مهمته الكبرى في صيانة المفاهيم التي نزل بها القرآن وبشر بها الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله). وأداء مهمة صيانة الشريعة ? يتوقف على معايشة الناس، لأنه فور ما يجد أياً من المفاهيم الإسلامية معرضاً للتشويه، يستطيع المبادرة إلى إيضاحه وتأصيله بواسطة بعض من يمكنهم الاتصال به.
2- ولعل هناك سبباً آخر لانتقال الإمام المنتظر إلى هذا العالم قبل موعد ظهوره بفترة طويلة، وهو أعداده لمهمّات خاصة لم تطرح حتى اليوم على الذهنية البشرية، ونحن - في هذه الفترة من عمر البشر - لا نستطيع استجلاء تلك المهمات، ولكن قد نستطيع أن نستشف بعض ملامحها من خلال الأحاديث المبشّرة بالحضارة المنتظرة (كالحديث الذي يقول بأنه يستنفد خيرات الأرض والسماء، وأنه يأتي ببقية العلم مائة حرف ويطيل أعمار الناس ويكمل عقولهم...)
التشكيك في إيجابية فكرة الإمام المهدي (عليه السلام):
الظاهرة الخامسة: ظاهرة التشكيك في إيجابية فكرة الإمام المهدي لسببين:
الأول: تكريس اليأس عن جدوى أي عمل ايجابي قبل ظهره، مادام الله سبحانه وتعالى قدّر أن تملأ الأرض ظلماً وجوراً قبل ظهوره.
الثاني: تكريس اليأس عن جدوى أي عمل إيجابي قبل ظهوره، مادام الله عز وجل قدّر أن تملأ - به - الأرض عدلاً وقسطاً، بغض النظر عن قلة أنصاره وكثرة أعدائه.
وهذان القدران يعلنا تعطيل أدوار الآخرين، وبالتالي يوحيان بتجميد كل الطاقات المؤمنة به، لأن أي عمل إيجابي - قبل ظهوره - ? يعني غير تحدّي القدر الذي يضحك من جميع المتحدين، وأي عمل بعد ظهوره ? يعني سوى مجاراة القدر الذي ? تنشطه المجاراة.
والجواب:
أولاً: إن الله إذا قدّر شيئاً ? يعني أنه يوجده من الفراغ، بل أبت عادة الله أن لا يقدّر شيئاً إلا إذا توفرت أسبابه. فالقدر ? يلغي دور الأسباب، وإنما يعزز دور الأسباب، والاطلاع على وجود قدر معين - عن طريق مصادر الوحي - يدفع إلى محاولة إيجاد أسبابه، لأنه يوحي بأن هذه المجادلة ? تواجه معاكسات، وإنما تتكامل حتى تصل إلى نتيجة إيجابية، ومعرفة نجاح المحاولة تشّجع عليها ولا تثبط عنها أبداً.
ثانياً: إن الاطلاع على أن الأرض ستملأ ظلماً وجوراً قبل ظهور الإمام المنتظر، ? يوحي باليأس عن جدوى أي عمل إيجابي بما يلي:
أ - إننا ? نعلم - بالضبط - متى يظهر الإمام المنتظر، فربما يكون ظهوره بعد هذا التاريخ بعشرات أو مئات السنين - ? سمح الله -.
ب - أقصى ما يمكن أن يقال: أن معرفتنا بأن الأرض ستملأ قبل ظهور الإمام ظلماً وجوراً توحي بأن الأعمال الإصلاحية ? تنتج على المستوى العالمي، بل يبقى الظلم والجور طاغيين على الوضع العام العالمي، وهذا ? ينافي في نجاح المحاولات الإصلاحية على المستويات المحلية.
ج - حتى مع لو علمنا - وبكل تأكيد - أن المحاولات الإصلاحية ? تثمر على الإطلاق، فهذا العلم ? يلغي التكليف، لأن الأعمال الإصلاحية تنعكس على القيمين عليها قبل أن تنعكس أو ? تنعكس على سواهم، فالمفروض عليهم أن يقوموا بها تصعيداً لمستواهم، بالإضافة إلى أن الأعمال الإصلاحية لو لم تنعكس إيجابياً على الناس فإنها تنعكس عليهم سلبياً، فتكون من باب إتمام الحجة، الذي لابد منه لتثبيت المفاهيم، وإفراز العناصر الممّوهة عن بعضها وإعادة كل إلى واقعه، ليحق الحق وليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة.
ثالثاً: إن الاطلاع على أن الله قدّر أن تملأ - به - الأرض عدلاً وقسطاً، ? يعني أنه وحده - وبطريقة معجزة - يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وإنما يعمل ذلك بأنصاره، وإلا لماذا ينتظر أن يتكاملوا (313) رجلاً.
رابعاً: إن الإعلان المسبق عن نجاح أيّ قائد على المستوى العالمي وانتصاره الساحق في معركة التغيير، أقوى ما يرفع معنويات أنصاره فوق المستحيل، ويكرس في نفوسهم أملاً ? يتزعزع، ويسهل عليهم التضحية، لأن انتصاره خير ضمان لخلودهم حتى ولو سقطوا في الدرب قبل انتهاء المسيرة، فلذلك نجد أيّ قائد ينتفض من تحت الأرض يحاول تسكع البراهين المسبّقة لنجاحه وانتصاره حتى يضمن التفاف أنصاره حوله في الأزمات، فكيف يمكن أن يكون الإعلان المسبق عن الانتصار العالمي والنجاح المخيف - بالنسبة إلى الإمام المنتظر - ظاهرة سلبية تكرس اليأس في نفوس أنصاره والمؤمنين بإمامته؟
خامساً: إن تجربة التاريخ تؤكد إيجابية فكرة الإمام المهدي (عليه السلام) بشكل مخيف:
ففي الجانب السلبي نجد السلطات المعاصرة لميلاده، والسلطات التي تلت ميلاده حتى اليوم تعمل بأقصى طاقاتها للقضاء على هذه الفكرة، فقديماً لم تكن التدابير العسكرية التي اتخذتها السلطات قبل ميلاده، وعنده ميلاده وبعد ميلاده للقضاء على شخصه إلا أدلة قاطعة على مدى صدمتهم بهذه الفكرة. وحديثاً ليس الإرهاب الفكري الذي يحاول تطويق هذه الفكرة إلا شاهداً على مدى ما يعانيه أعداء التشيّع من أصل فكرة الإمام المهدي (عليه السلام) بعد أن يئسوا من إمكانية القضاء على شخصه.
وفي الجانب الإيجابي نجد أن جميع أجيال الشيعة كانوا ولا زالوا يشجعون آمالهم ويهدهدون أحلامهم بفكرة الإمام المهدي (عليه السلام)، وأظن أنه لولا فكرة الإمام المهدي (عليه السلام) لما استطاع التشيع أن يخترق ظلمات التاريخ، وإنما كان يختنق بروائح المجازر وغياهب السجون، فليس الزخم الذي يخرج أنقاض التشيع من تحت الكوابيس والمآسي والويلات بفتوة عنفوان أكثر من ذي قبل إلا زخم فكرة الإمام المهدي (عليه السلام).
ولا أدلّ على مدى حيوية هذه الفكرة من أن جميع الحروب والتهريجات التي شنّت وتشنّ عليها ما زادتها إلا نشاطاً وصفاءً في أذهان مئات الملايين.
ولا أدل على مدى حيوية هذه الفكرة من الكثيرين في كل الأجيال الإسلامية وفي أكثر البلاد الإسلامية انتحلوا هذه الفكرة ليحرقوا بها المراحل إلى القمة، وما خاب ظن أحد منهم فلم ينتحلها أحد إلا ونال أكثر مما كان يطمح إليه رغم توفر الأدلة على زيف كل من انتحلها حتى اليوم، وهل توجد أكثر إيجابية من فكرة ينجح بها كل من يدعيها ولو كذباً وزوراً؟
وإذا فحصنا التاريخ وجدنا فكرة النبوة أقوى الأفكار قبل النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) الذي ختم النبوة، فقبله كان الكثيرون من طلاب السلطة والشهرة يحاولون الانتماء إلى النبوة بسبب أو نسب، وعن طريق الادعاء - مجرد الادعاء - كانوا ينالون الذي يريدون. وبعد النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) حيث ختم النبوة أصبح المُتمهديون يقومون بدور المتنبين، وهذا يكشف أن المهدوية ورثت قوة النبوة.
إن فكرة لم ينتم إليها أحد بأي سبب أو نسب إلا وحلق فوق الرؤوس ? تكون فكرة سلبية، ولكن المهرجين ضدها في ضلال مبين.
ظاهرة انتهاء فكرة الإمام المهدي (عليه السلام):
الظاهرة السادسة: ظاهرة انتهاء فكرة الإمام المهدي إلى الاتكالية طالما هو يفجر الثورة الكبرى في اللحظة المناسبة. فكأنها توحي إلى الناس جميعاً بأن ? تعملوا أي شيء، فإنني سأعمل كل شيء.
والجواب: أولاً : إن إعطاء كل شيء حجمه، ووضع الأشياء في أطرها ينتهي بالموضوعية ? بالاتكالية، فإذا قلنا بأن الشمس ستشرق في وقت معين، وتضيء الدنيا، فليس معنى ذلك قتل الشمعة التي أقصى تضحيتها أن تنير دائرة محدودة حولها. فما من رسول من أولي العزم إلا وكانت تسبقه البشائر بظهوره ونجاحه في قيادة عملية التغيير إلى الأفضل، وما كانت هذه البشائر توحي بالاتكالية إلى أحد، وإنما كانت تعيد الآمال إلى حجم الطاقات التي تنطلق منها حتى ? يحاول أكثر مما يستطيع فيزهد فيما يستطيع ويعجز عما ? يستطيع ويضيع بين ما ? يرضى به وبين ما لا يقدر عليه.
إن الإعلان عن وجود رئيس الجمهورية - مثلاً - في مكتبه الأعلى، ? يعني إلا إعادة الموظفين إلى دوائرهم المختلفة حسب صلاحياتهم. ? إقالتهم من وظائفهم.
وإن الإعلان عن وجود المصلح الأكبر على الطريق ? يثبط أحد من إصلاح من يستطيع من أهله ومجتمعه وشعبه.
ثانياً: إن كل فرد يدخل حلبة الصراع الاجتماعي الرهيب يشعر بالعجز عن إنجاز ما يطمح إليه قبل أن يدخل الحلبة: وهذا الشعور بالعجز ينسف كثيراً من الآمال التي تضيع طريقها إلى النور. فتكريس هذه الآمال في المصلح المنتظر تشجع الآمال المنهارة على قارعة الطريق أن تنهض وتواصل السير فمهما تقلبت الأجواء فلها المطاف الأخير. فالمقدمة ? تستسلم إذا علمت أن ورائها جيش ساحق، ولكنها تستسلم فور ما تعلم أنها يتيمة ? تعقبها نجدة.
ثالثاً: إن هنالك من ? يخوضون الممارسات العنيفة لأسباب مختلفة، ولكنهم إذا سئلوا عن السبب أجابوا بأن الإمام المهدي (عليه السلام) سيظهر ويصلح العالم، ? لأنهم يرون أن فكرة الإمام المهدي (عليه السلام) تؤدي بهم إلى الموقف الذي يقفونه، ولكنهم ? يريدون إعلان السبب الواقعي، ويريدون وضع حد لمتابعة السؤال، فيظن البعض أن إيمانهم بالإمام المهدي (عليه السلام) هو السبب الواقعي لاتخاذ ذلك الموقف.
كما أن المؤمنين بالله إذا سئلوا عن ترك قضية ولم يريدوا كشف السبب الواقعي أجابوا بالتوكل على الله، فيظن الملحدون أن الإيمان بالله يؤدي إلى الاتكالية وترك الأمور على عواهنها. بينما الذين يعرفون موارد استخدام هذه التعبيرات يدركون أن هذا النوع من الإجابة قد يكون بمثابة رد دوبلماسي لسؤال ? يريد عنه المسؤول جواباً.
وقد يكون لغير ذلك أيضاً.
وعن فلسفة الغيبة؟
لماذا غاب الإمام المهدي دون أسلافه الأئمة الأطهار (عليهم السلام)؟
والجواب: إضافة إلى الإلماع الذي سبق منا:
إلى ذلك يحتاج إلى بيان مقدمة، وهي:
إن وجود الحجة من قبل الله - نبياً كان أو وصياً - أمر ? بد منه لسببين:
1- لما ثبت في علم الكلام من أنه ? بد من وجود الحجة ولولاه لساخت الأرض بأهلها.
2- لأن الحجة يشكل جبهة الحق، التي لابد أن تقاوم جبهة الباطل حتى يبقى على الأرض طريقان طريق الحق وطريق الباطل، يجد كل إنسان نفسه أمام خيارين ? خيار واحد كما يقول القرآن الكريم: (وهديناه النجدين)(24) ولولا الحجة الذي يؤسس جبهة الحق ويقودها لأمكن أن ينحاز الناس إلى الباطل ووجد كل إنسان نفسه - مهما أوتي من صفاء الضمير - مضطراً إلى السير في طريق الباطل إذ ? يجد بديله.
وبعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ارتبك طريق الحق وصارت الخلافة ملكاً عضوضاً كما أخبر الرسول نفسه، فلو كان الأئمة يغيبون لتقلصت جبهة الحق وسدت طريقه ووجدت الأجيال أنفسها أمام طريق الباطل وحدها فكان على الأئمة أن يظلوا في الناس ظاهرين مهما تعرضوا للتقتيل والتنكيل، حتى يشكلوا جبهة الحق ويستمر الصراع في الحياة بين الجبهتين ولو غابوا لما بقي من الشيعة عين ولا أثر. لأن الشيعة الذين يشكلون جبهة الحق الأصيلة. لم يكونوا قد اكتملوا كياناً راسخاً يصمد للزعازع، لم يكونوا قد اكتملوا كياناً فكرياً ولا كياناً اجتماعياً فبقي الأئمة واستمروا ما واجهتهم من ويلات ونكبات.
أما وبعدما انكسرت سطوات العواصف وانتهى يزيد والمنصور والرشيد والمتوكّل من جهة ومن جهة أخرى تماسكت الشيعة كتلة صخرية منتشرة القواعد في أعماق التخوم الإسلامية وفكراً مركزاً كثير المصادر والرواة، بحيث تستطيع الصمود عبر التاريخ حتى ولو غاب إمامهم، لم تكن عندئذ ضرورة لبقاء الإمام ظاهراً معرضاً لكل الاحتمالات في جميع الأحوال، فغاب الإمام ليظهر في الوقت المناسب يداً تعلو فلا تطال وكلمة تدوي فلا ترد، وبقيت الشيعة فكرة أصيلة وطائفة صلداء.
المعجزة وأبعادها
يلاحظ أن الناس كانوا يطالبون الرسل وسائر الأولياء بالمعجزات وربما طالبوهم بمعجزة معينة، فكانوا يستجيبون لهم ويطلقون المعجزات خاصة إذا عرفوا إخلاص الطلب وبراءة الطالب.
1- فلماذا المعجزة؟
2- وما هي المعجزة؟
والجواب عن السؤال الأول: أن الأنبياء يدّعون أنهم على اتصال بالله عز وجلّ، ويكلمهم الله بشكل من الأشكال التي بينها بقوله:
(ما كان للبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً)(25).
وربما يدّعون أكثر من ذلك كالمعراج:
(ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى)(26).
وكالعلوم الغريبة:
(يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء)(27).
والأوصياء باعتبار أنهم امتداد للأنبياء بشكل أو بآخر، ويدعون الناس إلى اتباعهم على هذا الأساس..
والناس جميعاً يعلمون - بالفطرة - أن الله هو مصدر الكون والحياة..
... عبر هذه كلها كان من الطبيعي أن يطالبهم الناس بإثبات علاقتهم بالله!.
ولا يمكن إثبات علاقة بشر بالله إلا عن طريق المعجزات التي تثبت أن لصاحبها علاقة فوقية.
هذا هو الجواب عن السؤال الأول: لماذا المعجزة؟
وأما الجواب عن السؤال الثاني: ما هي المعجزة؟
إن المعجزة ليست تفجيراً في نظام الكون، ولا استعلاءً على نظام الكون، ولا مفهوماً فوقياً يحجر على العقول.
وإنما هي نوع بسيط من التعامل مع القوى الفوقية، وهي بالنسبة إلى البشر العادي: خرق للمألوف بغير المألوف.
ومن نافلة القول: أن الحياة المعجزية ليست صرعة خرافية تفوح بالشهرة وأرضها من ترابة النجوم، وسمائها تسطع بأقمار المجد الزائف..
وإنما هي حياة واقعية ولكنها أعلى من الحياة العادية بدرجة.
ذلك: أن الكون مؤلف من مجموعات متنوعة من الطاقيات والماديّات.. وهذه مسلطة على بعضها البعض، ويلاحظ أن ما هو ألطف وأضعف ظاهراً مسلط على ما هو أظهر حجماً وأكثف.
ففي الماديات الحديد مسلط على التراب ومشتقاته من نبات وحيوان والنار مسلطة على الحديد، والماء مسلط على النار، والهواء مسلط على الماء والنور مسلط على الهواء...
وعلى العموم الطاقيات مسلطة على الماديات.
فالروح مسلطة على الجسد، والجاذبية مسلطة على الأجسام الكثيفة في مدى معين. والنسبية العامة مسلطة على الأجرام الضخمة في آماد بعيدة.
هذا كله في مجال المحسوس المألوف.
وإذا استطعنا الخروج عن مجال المحسوس المألوف - ولو بأذهاننا - تتراءى أمامنا آفاق من الطاقيات التي تتحكم في جميع الماديات والطاقيات المحسوسة.
وتبدو السلطات متدرجة في شكل هرمي قاعدته الواسعة مؤلفة من الماديات..
وفوقها الطاقيات المحسوسة أو المألوفة.
وفوقها الطاقيات غير المحسوسة وغير المألوفة، التي يعبر عنها بالروحانيات - حسب المصطلح - من الجن، والشيطان، والملائكة، وأرواح الناس.. وهي الطاقيات العاقلة المكلفة.
وفوقها الكلمات...
وفوقها الأسماء...
وفوقها.. وقمتها الله - جل جلاله - الذي هو مصدر جميع الماديات، والطاقيات وهو محيط بكل شيء. ومهيمن على كل شيء.
إذن: فالله - سبحانه وتعالى - هو الخالق الذي منه تبتدئ الأشياء، وإليه تعود.
ثم الأسماء.. وهي القوى العظمى لأن الله خلقها بلا وسائط وهي من قدرته الخاصة به.
ثم الكلمات.. وهي قوى كبرى، قد خلقها الله - تعالى - بواسطة الأسماء..
ثم الروحانيات.. التي خلقها الله بواسطة الكلمات.
ثم الماديات التي خلقها الله سبحانه بواسطة بعض الروحانيات وهي:
(فالمدبرات أمراً)(28)*.
***
والبشر العادي ? يستطيع تفهم ما هو خارج عن وسطه الذي نشأ وترعرع فيه، فإذا تفوّق على جواذب هذا الوسط يؤهل لتفهم بعض تلك الآفاق الطاقية، وربما للتعامل مع بعض مخلوقاتها - بنسبة تفوقه على مستلزمات وسطه - وقد يؤشر إلى هذا التفوق، وذاك السقوط قوله تعالى:
(واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه..)(29).
فمن يرتفع عن الوسط العادي الذي تعيشه عامة الناس، ويتعامل مع أدنى طبقة من الطاقيات غير المألوفة يستطيع تحريك جميع الماديات، والطاقيات المتصلة بالماديات بشكل غير مألوف ? تستطيعه سلطات الأرض وثقافة الأرض.
وهذه هي أدنى درجات التفوق التي يتعاطاها الأولياء العاديون وربما المرتاضون أيضاً - في حدود خاصة بنسبة التفوق الروحي -، وهكذا كل من استعلى على شهواته الجسدية ومطامحه الأرضية مدة ? تقل عن أربعين يوماً - غالباً -..
كطي الأرض.. والمشي على الماء.. ومخاطبة الروحانيات.. والاطلاع على ما وراء الحواجز والمسافات..
وربما: الإشراف على الزمان، والإخبار عما انطوى في ضمير الماضي، أو ? يزال جنيناً في أحشاء المستقبل.
ولهذه الدرجة طريقان: الطريق الرحماني الذي يؤدي إلى (الكرامة) والطريق الشيطاني الذي ينتهي إلى (السحر) أو (التسخير).
ومن انحدر من سلالة عالية لم تتلوث بجواذب الأرض ومستلزمات الوسط العادي على الإطلاق..
(وتقلبك في الساجدين)(30).
(أشهد أنك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة لم تنجسك الجاهلية بأنجاسها، ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها)(31).
فمن كان له مثل هذا التراث المقدس الذي يعصمه عن الانهيار والانزلاق - وهي صفة العصمة - ثم يواصل سيره التصادعي - كما نلاحظ في أربعينات النبي (صلّى الله عليه وآله) في غار حراء، واعتكافات جميع الأولياء.
فإنه يستطيع أن يستوعب طبقات عليا من الطاقيات، وربما يوفق للتعامل معها - حسب مستواه - فيأتي بما يعجز عنه كثير من الناس حتى أصحاب الكرامات كإحياء الرميم، وفلق البحر، ورد الشمس، وشق القمر...
وهذه هي (المعجزة) التي تختص بأصحاب العصمة من الأنبياء والأوصياء والملائكة - على اختلاف درجاتهم - الذين يتعاملون مع الكلمات.
التعامل مع الكلمات:
وقد لوح القرآن الحكيم بشخصيات من الأنبياء والأوصياء كانوا يتعاملون مع الكلمات.
فمثلاً: يحيى النبي (عليه السلام) كان يتعامل مع كلمة واحدة:
(إن الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله)(32).
وآدم (عليه السلام) كان يتعامل مع عدة كلمات:
(فتلقى آدم من ربه كلمات)(33).
بينما كانت مريم الصديقة (عليها السلام) تتعامل مع جميع الكلمات:
(وصدّقت بكلمات ربها)(34).
- مع الاحتفاظ بالفواصل البعيدة بين التصديق بالكلمة، وبين تلقي الكلمة، وبين العلم بالكلمة.
ومن هنا تكون الدرجات التي - لعل - أعلاها العلم بالكلمة.
ولذلك اختلف التعبير القرآني من مورد إلى مورد.
فقال تعالى في شأن الخضر:
(فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً)(35).
والتنوين في (علماً) ليس تنوين التعظيم، فليس بمعنى (علماً جمعاً) بدليل التنكير في (عبداً) و(رحمة).
وقال سبحانه في خصوص آصف بن برخيا:
(قال الذي عنده علم من الكتاب)(36).
بينما قال - عز من قائل - بالنسبة إلى سيد الأوصياء:
(قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب)(37).
ولعل العلم بالكلمة - الذي يساوي إتمام الكلمة - هو الذي يؤدي إلى الولاية الكونية، التي توصّل إليها إبراهيم الخليل بعد أن مرّ بتجارب في نفسه وماله وفي ولده:
(وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً)(38).
مع العلم بالفاصل البعيد بين العلم بالكلمة، وبين الكلمة ذاتها.
(فالكلمة) لها فاعليتها الخاصة وقد ? تكون لها القدرة على التعامل مع بقية الكلمات لأنها من نوعها - حتى لو لم تكن في مستواها.
فيما العالم بالكلمة قد يكون من نوعية أعلى، فيكون في مقدوره التعامل مع مجموعة من الكلمات.
فعيسى ابن مريم (عليهما السلام) لم يكن من سنخ الناس، وإنما كان كلمة من كلمات الله أظهرها الله تعالى في هيكل بشري:
(إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم)(39).
(إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم)(40).
مع ما في الآية الأولى من الحصر بـ(إنما)، وفي الآية الثانية إرجاع ضمير المذكر في (اسمه) إلى (كلمة) باعتبارها طاقة إيجابية، وكذلك تعريف الكلمة لمريم بأن اسمه (المسيح عيسى ابن مريم) كي ? تستغرب أن يكون ابنها كلمة الله.
فكان عيسى ابن مريم (عليهما السلام) كلمة الله، ذات الكلمة، ولذلك كان من أولي العزم، لأن العزم ? يمكن أن ينفصل عن الكلمة.
وكان له نشاط معجزي مذهل منذ أن ألقاه إلى مريم، إلى أن رفعه الله، وكانت له مسلكية شخصية مختلفة عن مسلكية سائر البشر (ومع ذلك) لم يكن نشاطه الرسالي في مستوى نشاط سائر أولي العزم من الأنبياء، من نوح وإبراهيم وموسى ومحمد (عليه وعليهم الصلاة والسلام) حيث كانت رسالاتهم تأسيسية، فيما كانت رسالته تصحيحيّة.
وأما آدم (عليه السلام) فقد كانت مبادئ نفسه عالية جداً،.
يكفي: أنه كان روح الله، أي من القدرة المطلقة مباشرة - على ضيق في التعبير - فكان لديه الاستعداد الكافي للتعامل مع جميع الأسماء: (وعلّم آدم الأسماء كلها)(41).
ولكنه كان مثقلاً بجسده الذي جمع الله فيه كل خواص الأرض من (سهلها، وحزنها، وطيبها، وسبخها، وعذبها وأجاجها) كما في الحديث الشريف: فابتلى بخلط مطامح الروح بمطامح الجسد:
(ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً)(42).
ونتيجة لذلك فقد اختلف مستواه من مستوى التعامل مع (الأسماء كلها) إلى مستوى التعامل مع مجموعة معينة من الكلمات:
(فتلقى آدم من ربه كلمات)(43).
(وأما) كبار الرسل، وكبار الملائكة فإنهم يتعاملون مع الأسماء التي هي أعلى طبقات الطاقيات، فيتصرفون بها في جميع الخلائق مما هي دون الأسماء.
وهذه درجة فوق المعجزة، وتختص بأصحاب (العصمة الكبرى) وهم أصحاب الولاية العامة، الذين يأتون بما يعجز عنه أصحاب الكرامات والمعجزات حتى الملائكة والأنبياء والأوصياء.
وأصحاب (العصمة الكبرى) رغم قلة عددهم يشكلون درجات بل لكل واحد منهم مستوى وصلاحيات خاصة به:
(تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم فوق بعض درجات)(44).
وسيّدهم وأفضلهم ذلك اليتيم الفقير الذي جاء بما فوق المعجزات، وتحدّى من سوى الله عز وجل فعجزوا عن الردّ عليه.
(قل إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين)(45).
(أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين)(46).
(أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين)(47).
موجز تواريخ نواب الإمام المهدي
1- عثمان العمري:
اسمه: عثمان بن سعيد العَمْري - بفتح السين وسكون الميم -.
كنيته: أبو عمرو. إذ رزقه الله ولداً أسماه عمرواً، فقال له الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): (? يجتمع على امرئ بين عثمان وأبي عمرو) فأمر بكسر كنيته فقيل له العمري.
نسبه: أسديّ، وكان يقال له: الأسدي لأنه ينتمي إلى قبيلة بني أسد. قال: أبو نصر؛ هبة الله أحمد بن محمد الكاتب: إنه ابن بنت أبي جعفر العمري، فنسب إلى جدّه فقيل له: العمري. ويقال: أنه ينتسب من قبل أمه إلى عمر الأطرف، فقيل له: العمري.
لقبه:
أ: العسكري. لأنه كان يسكن مع الإمامين العسكريين (عليهما السلام) في المنطقة العسكرية بسامراء التي فرض المتوكل العباسي عليهما الإقامة الجبرية فيها.
ب: السّمّان.
ج: الزيات. لأنه كان يتجّر في السمن والزيت تغطية على عمله مع الأئمة (عليهم السلام)، فإذا حمل الشيعة إليه مالاً أو كتاباً جعله في جراب السمن وأوصله إلى الإمام.
عمله: بدأ حياته بخدمة الإمام علي الهادي (عليه السلام) وله إحدى عشرة سنة، وله إليه عهد معروف. ومن بعد الإمام الهادي بقي وفيّاً فلزم خدمة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وبقي على العهد حتى مضى الإمام العسكري، فعينه الإمام المهدي (عليه السلام) نائباً عنه.
صفته: كان شيخاً جليلاً، ويكفي أنه خدم ثلاثة من الأئمة الطاهرين، وأنهم اختاروه باباً بينهم وبين شيعتهم وأنه أدى الأمانة بدقة وإخلاص وهو ابن إحدى عشرة سنة حتى توفاه الله.
قبره: في الجانب الغربي ببغداد، وله مقام معروف.
2- محمد العمري:
اسمه: محمد بن عثمان العمري.
كنيته: أبو جعفر.
نسبه: أسدي.
لقبه: العسكري، الزيات.
عمله: بدأ عمله منذ صباه في معيشة والده عثمان بن سعيد العمري بخدمة الإمام علي الهادي، ثم الإمام الحسن العسكري، ثم الإمام المهدي. وقد عيّنه الإمام المهدي (عليه السلام) نائباً عنه بعد موت أبيه، وبقي حوالي نصف قرن النائب الوحيد عن الإمام المنتظر في شؤون الشيعة.
وقد نص على نيابته الإمام الهادي والإمام العسكري والإمام المهدي، كما نص عليه أبوه قبل موته.
وقد ظهرت على يديه من قبل الإمام المهدي معاجز كثيرة، كما صدرت بواسطته تواقيع كثيرة.
وكان شيخاً متواضعاً يعيش في بيت صغير، بلا خدم ولا حجاب.
قيل له: هل رأيت صاحب هذا الأمر؟ قال: نعم؛ وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام وهو يقول: (انجز لي ما وعدتني).
وقال: رأيته (صلوات الله عليه) متعلقاً بأستار الكعبة في المستجار وهو يقول: اللهم انتقم بي من أعدائك.
وقال: إن صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم مع الناس كل سنة، يرى الناس فيعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه.
وروي: أنه حفر لنفسه قبراً، وسواه بالساج، ونقش فيه آيات من القرآن، وأسماء الأئمة على حواشيه. فلما سئل عن ذلك قال: للناس أسباب. وكان في كل يوم ينزل في قبره، ويقرأ جزءاً من القرآن، ثم يصعد. ثم سئل بعد ذلك، فقال: أمرت أن أجمع أمري. فمات بعد شهرين من ذلك، في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثمائة بعد الهجرة، وقال عند موته: أمرت أن أوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح، وأوصى إليه.
قبره: في بغداد وله مقام يعرف بـ(الخلاني).
3- الحسين بن روح:
اسمه: الحسين.
كنيته: أبو القاسم بن روح ابن أبي بحر.
لقبه: النوبختي، نسبته إلى نوبخت من عوامل فارس.
عمله: بدأ عمله مع أبي جعفر محمد بن عثمان العمري - النائب الثاني - وكان وكيلاً عن أبي جعفر ينظر في أملاكه ويلقى بأسراره وجهاء الشيعة. وقد نصّ عليه أبو جعفر قبل وفاته وصدرت على يده تواقيع كثيرة من الناحية المقدسة. فقد روى جماعة عن أبي محمد هارون بن موسى، قال: أخبرني أبو علي محمد بن همام: أن أبا جعفر محمد بن عثمان العمري جمعنا قبل موته، وكنّا وجوه الشيعة وشيوخها، فقال لنا: (إن حدث الموت فالأمر إلى أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي، فقد أمرت أن أجعله في موضعي بعدي، فارجعوا إليه وعوّلوا - في أموركم - عليه).
وفي رواية أخرى: لما اشتدّت حال أبي جعفر رحمه الله، اجتمع جماعة من وجوه الشيعة فدخلوا عليه، فقالوا له: إن حدث أمر فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: (هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي، القائم مقامي، والسفير بينكم وبين صاحب الأمر، والوكيل والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أموركم، وعوّلوا عليه في مهماتكم، فبذلك أمرت وقد بلّغت).
وقد كان فاضلاً موثوقاً ? يختلف فيه اثنان من الثقات، حتى كان أبو سهل النوبختي يقول في حقه: (لو كان الحجة تحت ذيله وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل).
وقد روى محمد بن إبراهيم بن إسحاق عنه أنه قال: (يا محمد بن إبراهيم؛ لئن أخرّ من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أحبّ إليّ من أن أقول في دين الله برأيي ومن عند نفسي).
وكانت مدّة نيابته إحدى وعشرين سنة.
توفي سنة 326هـ.
قبره: له مقام في بغداد يعرف باسمه في سوق الشورجة.
4- علي السمري:
اسمه: علي بن محمد السَّمَري - بفتح السين والميم معاً - أو السيمري، أو الصيمري، والمشهور المعروف هو الأول.
كنيته: أبو الحسن.
ميلاده: لم يصلنا تاريخ ميلاده، ولا ذكر المؤرخون فجر حياته، وإنما الذي ورد في كتب الرجال أنه كان من أصحاب الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام)، ثم تولى السفارة المهدوية بعد الشيخ الجليل الحسين ابن روح بإيعاز من الإمام المهدي (عليه السلام).
ولم نجد نصاً خاصاً بسفارته وإنما الأدلة عليها أمور.
الأول: اتفاق كلمة الشيعة على ذلك خلفاً بعد سلف منذ أيام سفارته وحتى اليوم، فرابع النواب الأربعة هو علي بن محمد السمري بلا خلاف ولا منازع.
الثاني: خروج توقيعات على يده من الناحية المقدسة مما يدل على سفارته.
الثالث: توصية الحسين بن روح به، والحسين بن روح أجل وأرفع من أن يفعل مثل هذا الأمر الخطير المهم بلا أمر عن الإمام المهدي (عليه السلام).
الرابع: خروج التوقيع - الذي حمل وفاته - بانتهاء الدور للغيبة الصغرى وبدور الغيبة الكبرى، على يده مما يدل على سفارته، وكونه كالثلاثة السابقين سفيراً خاصاً للإمام المهدي (عليه السلام).
مدة سفارته: تولى السفارة عن الناحية المقدسة من 326 - عام وفاة الحسين بن روح - إلى 329 عام وفاته في النصف من شعبان(48).
وفاته: قبل ستة أيام من موته خرج من الناحية المقدسة توقيع على يده بانقطاع الغيبة الصغرى، وأن ? يوصي إلى أحد وأنه ميت بينه وبين ستة أيام، فلما أن كان اليوم السادس وكان يجود بنفسه قيل له: من وصيك من بعدك فقال: (لله أمر هو بالغه) ومات رضوان الله عليه.
قبره: له مزار معروف في بغداد هناك موضع قبره.
وكلاء آخرون للإمام المهدي
ثبت بالأحاديث الشريفة، والنقل التاريخي وجود وكلاء آخرين - غير السفراء الأربعة - للإمام المهدي (عليه السلام)، منتشرين في مختلف البلاد الإسلامية التي فيها أناس من شيعة الإمام ويحتاجون إلى وجود قنوات بينهم وبين الإمام (عليه السلام).
والفارق بين السفراء الأربعة، وبين الوكلاء الآخرين يمكن تلخيصه في أمرين رئيسيين:
(أحدهما): أن السفير يواجه الإمام شخصياً، ويراه مباشرة، ويسلمه الكتب والحوائج والأموال، وغيرها، ويتسلم منه الأجوبة والتعليمات الخاصة والعامة.. بينما الوكيل ليس كذلك، بل هو على اتصال بالإمام (عليه السلام) بواسطة السفير، فالوكيل همزة وصل بين الشيعة وبين السفير غالباً.
(ثانيهما): أن مسؤولية السفير في الحفاظ على الدين، وعلى الشيعة عامة ? تخص بلداً، أو قطراً معيناً، بينما الوكيل مسؤوليته محدودة بمنطقته، أو بلده.
والمصلحة الأساسية والظاهرة من تعيين وكلاء آخرين يمكن استنباطها في عدة أمور:
(الأول): الإسهام في تسهيل مهمات السفراء وأعمالهم، إذ من الصعب جداً للشخص الواحد أن يتصل بشرق البلاد وغربها، ويكون المركز الوحيد للأحكام، والحوائج والرسائل والأمانات وغيرها، خاصة في ظروف التكتم، وملاحقة السلطات الظالمة القائمة للسفراء.
(الثاني): تسهيل الأمر على الناس، وأصحاب الرسل والحوائج، وتوسيع الأمر عليهم حتى ? يتقيد من في إيران، أو الحجاز، أو غيرهما من الاتصال مباشرة بالسفراء القاطنين في بغداد.
(الثالث): المساهمة في إخفاء السفراء الأربعة، وكتمان أسمائهم وخصوصياتهم لكي ? يعرفوا فيؤخذوا برقابهم، ويزج بهم في السجون، أو يقتلون.
ويظهر من نصوص عديدة أن السفراء كانوا مهددين بذلك من سلطات زمانهم.
ونحن نورد هنا أسماء عدد من الوكلاء - من غير استيعاب - فلعل بعضهم لم يسجل التاريخ اسمه، ولعل بعضهم كان في غاية الكتمان، ولعل بعضهم لم يصلنا تاريخه.
حاجز بن يزيد الملقب بالوشاء(49).
روى الكليني بسنده عن محمد بن الحسن الكاتب المحروزي أنه قال: وجهت إلى حاجز الوشاء مائتي دينار وكتبت إلى الغريم (يعني: الإمام المهدي عليه السلام) بذلك فخرج الوصول.
وذكر: أنه كان قبلي ألف دينار وإني وجهت إليه مائتي دينار.
فخرج التوقيع: إن أردت أن تعامل أحداً فعليك بأبي الحسين الأسدي بالري.
فورد الخبر بوفاة حاجز (رضي الله عنه) بعد يومين أو ثلاثة... الحديث(50).
هذا الحديث يستنبط منه عدة أمور بالنسبة لحاجز.
(الأول) أن حاجزاً من وكلاء الناحية لتوثيقه من قبلها وخروج الوصول بسببه، وعند الناس لبعث الأموال إليه.
(الثاني) تعارف أن يرسل قسم من الناس بعض أموال الناحية المقدسة إلى حاجز.
(الثالث) ثبات حاجز على الوكالة إلى آخر عمره، فلم ينحرف كما انحرف بعض الوكلاء.
البلالي: وهو أبو طاهر محمد بن علي بن بلال.
عدّة السيد ابن طاووس - قدس سره - في ربيع الشيعة من الوكلاء الموجودين في الغيبة الصغرى والأبواب المعروفين الذين ? يختلف الإمامية القائلون بإمامة الحسن بن علي (عليه السلام) فيهم(51).
وذكره الصدوق (قدس سره) في قائمة الوكلاء في كتابه (كمال الدين وتمام النعمة).
وفي رجال الكشي: أن الإمام المهدي (عليه السلام) عبّر عنه في توقيع رفيع بأنه الثقة المأمون العارف بما يجب عليه(52).
(لكن) مع ذلك كله قد ورد فيه الذم عن الناحية المقدسة (قال) الشيخ الحر في وسائل الشيعة (ج 20 - ص 325): وعدّه الشيخ في كتاب الغيبة من المذمومين [وسيأتي في آخر حقل الرسائل نقل تفصيل ذلك] وتوقف العلامة بعد نقل التوثيق والذم (ولا يبعد) أن يكون وجه الذم ما تقدم في زرارة ويكون مأموراً بما صدر عنه، أو يكون تغير في آخر أمره، على أن ما نقل عنه من سبب الذم ? ينافي كونه ثقة في الحديث).
ويقصد بما تقدم في زرارة: ما ذكره في ص 196 قال: (وروى أحاديث في ذمه [يعني: زرارة] ينبغي حملها على التقية بل يتعين وكذا ما ورد في حق أمثاله من أجلاّء الإمامية بعد تحقق المدح، من الأئمة (عليهم السلام).
ابن مهزيار: محمد بن إبراهيم بن مهزيار.
عدّه ابن طاووس من الوكلاء والأبواب المعروفين الذين ? يختلف الإمامية القائلون بإمامة الحسن بن علي فيهم(53).
وذكره الصدوق (قدس سره) في إكمال الدين في قائمة الوكلاء.
كما ورد التوقيع الرفيع في حقه: (قد أقمناك مقام أبيك فاحمد لله)(54) وكان يسكن أهواز.
ابن مهزيار: إبراهيم بن مهزيار، أبو محمد السالف الذكر.
ذكره ابن طاووس (قدس سره) في ربيع الشيعة من الوكلاء للصاحب (عليه السلام)(55).
ويدل عليه التوقيع الرفيع الصادر إلى ابنه: (قد أقمناك مقام أبيك).
فهذا النص يدل على أن الأب أيضاً كان وكيلاً للإمام المهدي (عليه السلام).
أحمد بن إسحاق: بن سعد بن مالك بن الأحوص الأشعري، أبو علي القمي، وكان وافداً لقميين روى عن الجواد (الهادي) وكان من خاصة أصحاب العسكري (عليهم السلام)(56).
قال الشيخ الطوسي (قدس سره): (وكان في زمان السفراء المحمودين أقوام ثقات ترد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل ثم قال: منهم أحمد بن إسحاق...)(57).
وقد بشّره الإمام العسكري (عليه السلام) بولادة الإمام المهدي (عليه السلام) فيما ورد إليه من الكتاب الخاص به(58).
وفي ربيع الشيعة للسيد بن طاووس أنه من الوكلاء(59) وقد ذكره الصدوق (قدس سره) في قائمة الوكلاء أيضاً(60).
محمد بن صالح: بن محمد الهمداني الدهقان، من أصحاب العسكري، وكيل الناحية(61).
ذكره الشيخ الصدوق (قدس سره) في قائمة الوكلاء(62).
وعدّه رجال الكشي: أن توقيع الإمام المهدي (عليه السلام) لإسحاق بن إسماعيل يدل على وكالته حيث ورد فيه: (فإذا وردت بغداد فاقرأه على الدهقان وكيلنا وثقتنا والذي يقبض من موالينا)(63).
(لكنه) على آخر عمره(64) أصبح منحرفاً وإنما كان ممدوحاً موثوقاً قبل انحرافه، ولعله هو المقصود من قول الإمام المهدي (عليه السلام) في بعض توقيعاته الشريفة (وقد علمتم ما كان من أمر الدهقان عليه لعنة الله، وخدمته وطول صحبته فأبدله الله بالإيمان كفراً حين فعل ما فعل فعاجله الله بالنقمة ولم يمهله)(65).
الأسدي: محمد بن جعفر بن محمد بن عون الأسدي، الرازي كان أحد الأبواب(66).
وذكره الصدوق (قدس سره) في الحديث المروي عنه نفسه أيضاً(67).
وله كتاب الرد على أهل الاستطاعة(68).
وقد أسلفنا في ذكر حاجز الوشاء نصب الإمام المهدي (عليه السلام) للأسدي في محل حاجز(69).
وهناك توقيعات متعددة عن الإمام المهدي (عليه السلام) في تعيين الأسدي هذا.
(منها) ما رواه النجاشي في رجاله عن صالح بن أبي صالح قال: سأني بعض الناس في سنة تسعين ومائتين قبض شيء فامتنعت من ذلك، وكتبت - يعني: إلى المهدي (عليه السلام) استطلع الرأي، فأتاني الجواب: (بالري محمد بن جعفر العربي فليدفع إليه فإنه من ثقاتنا)(70).
(ومنها) ما رواه أيضاً في رجاله عن أبي جعفر محمد بن علي بن نوبخت - في ثقة مفصلة وفي آخرها - فورد الجواب - يعني: عن الإمام المهدي (عليه السلام): (الأسدي نعم العدليل فإن تدم فلا تختر عليه)(71).
(ومنها) غير ذلك مما هو مذكور في الكتب المفصلة وسيأتي نقل بعضه منا أيضاً في محله.
القاسم بن العلاء، من أهل أذربايجان.
ذكره الصدوق (قدس سره) في قائمة الوكلاء(72).
وقال ابن طاووس: إنه من وكلاء الناحية، يكنّى بأبي محمد(73).
عمّر مائة وسبع عشرة سنة، منها ثمانون سنة صحيح العينين، ولقي الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام) وكانت توقيعات مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) ? تنقطع عنه على يد أبي جعفر بن عثمان العمري، وبعده على يد أبي القاسم الحسين بن روح قدس الله روحهما(74).
ونقل الشيخ الطوسي (قدس سره) في كتاب الغيبة، والراوندي في الخرائج، حديثاً مطولاً يدل على جلالة قدره من أجل أمور عديدة (منها) أن الإمام المهدي (عليه السلام) أرسل إليه قبل موته سبعة ثياب لتكفينه وأخبره أنه يموت بعد أربعين يوماً من وصول ثياب الكفن إليه، فمات في اليوم المذكور، وإذا لاحظنا أن الإمام المهدي (عليه السلام) كان قد بعث إلى عديد من الوكلاء والمتقين بالكفن عند موتهم، لكنه كان غالباً مقتصراً على ثوب واحد أو ثوبين أو ثلاثة فقط، من هذه الملاحظة يظهر التقدير الكبير للقاسم بن العلاء إذ بعث الإمام (عليه السلام) إليه سبعة ثياب للكفن (ومنها) أنه أوصى عند موته بحرمان أهله مما أوقفه على الناحية المقدسة إذا لم يكن من المتقين، وجواز الأكل من الموقوفة إذا كان من أهل التقوى، وهذا بنفسه يدل على تفاني القاسم بن العلاء في الله (ومنها) صدور التوقيع من الإمام المهدي (عليه السلام) بتعزية ابنه في موته، وقد جاء فيه هذا النص (قد جعلنا أباك إماماً لك وفعاله لك مثالاً) (ومنها) غير ذلك مما يجده الناقب من خلال الحديث المطول.
الحسن بن القاسم بن العلاء: قد يستفاد من النص الآنف كونه من وكلاء الناحية المقدسة، وذلك من أجل كلمة (جعلنا) وأبعادها، وإن كنت لم أر من ذكره من الوكلاء، وهذا ? يكون دليلاً على العدم إذ ? شك أن فقهاءنا الماضين ومحدثينا السابقين لم يكونوا بصدد الاستيعاب في هذا المجال والله هو العالم.
محمد بن شاذان: بن نعيم النعيمي النيسابوري.
ذكره الشيخ الصدوق (قدس سره) في قائمة الوكلاء التي ذكر فيها أسماء اثني عشر شخصاً بما فيهم اثنان من السفراء الأربعة وهما عثمان بن سعيد العمري، وابنه محمد بن عثمان.
وقد عدّه ابن طاووس من وكلاء الناحية وممن وقف على معجزات صاحب الزمان ورآه (عليه السلام) في ربيع الشيعة(75).
العطار: ذكره الشيخ الصدوق (قدس سره) في الوكلاء، ولم نجد من ذكره غيره بهذا اللقب، وحيث أن العطار لقب لجماعة (منهم) محمد بن يحيى العطار، وابنه أحمد بن محمد بن يحيى، ويحيى بن المثنى العطّار، والحسن بن زياد العطّار، وعلى بن محمد بن عمر العطّار، ومحمد بن عبد الحميد العطّار، ومحمد بن أحمد بن جعفر القمي العطار، وداود بن يزيد العطّار، وغيرهم.
? نستطيع الجزم بأن من ذكره الصدوق (قدس سره) أي واحد من هؤلاء، أو من غيرهم؟ إلا أن غاية ما يدل عليه كلام الصدوق (قدس سره) وجود وكيل للناحية المقدسة بلقب (العطار).
العاصمي: ذكره الشيخ الصدوق (قدس سره) في قائمة الوكلاء، ولم نجد أيضاً ذكره بالوكالة من شخص آخر. وهو لقب لشخصين فيما نعلم (أحدهما) أحمد بن محمد بن أحمد بن طلحة بن عاصم أبو عبد الله، وهو ابن أخي علي بن عاصم المحدّث، ويقال له العاصمي ثقة في الحديث، أصله من الكوفة وسكن بغداد وروى عن الشيوخ الكوفيين(76). (وثانيهما) عيسى بن جعفر بن عاصم، وقد دعا له أبو الحسن الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام)(77).
ولكن كليهما لم يوسم بالوكالة والسفارة (نعم) يدل كلام الصدوق (قدس سره) على أن شخصاً ملقباً بالعاصمي وكيل للناحية المقدسة ولكنه من هو؟ هل أحد هذين أم غيرهما فالله أعلم.
أبو عبد الله البزوقري: الحسين بن علي بن سفيان بن خالد بن سفيان.
روى الشيخ في الغيبة: عن بعض العلويين قال: كنت بمدينة (قم) فجرى بين إخواننا كلام في أمر رجل أنكر ولده، فأنفذوا إلى الشيخ(78) صانه الله وكنت حاضراً عنده أيده الله فدفع إليه الكتاب فلم يقرأه وأمره أن يذهب إلى أبي عبد الله البزوقري (أعزه الله) ليجيب عن الكتاب، فصار إليه وأنا حاضر. فقال أبو عبد الله: الولد ولده، وواقعها في يوم كذا وكذا، في موضع كذا وكذا، فقال له: فيجعل اسمه محمداً، فرجع الرسول إلى البلد وعرفهم، ووضح عندهم القول، وولد الولد وسمي محمداً(79).
ولا يخلو هذا الحديث من دلالة عرفية على أن البزوقري استقى هذه المعلومات عن الإمام المهدي (عليه السلام) مباشرة، أو بواسطة بعض السفراء.
ولذا قال العلامة المجلسي (قدس سره) وهو يعلق على هذا الحديث: (يظهر منه أن البزوقري كان من السفراء، ولم ينقل).
وقال النجاشي في رجاله، والعلامة في الخلاصة: (شيخ ثقة جليل القدر من أصحابنا).
إبراهيم بن محمد الهمداني: وكيل الناحية كان حج أربعين حجة(80).
كان عاصر الرضا، والجواد، والهادي، والعسكري (عليهم السلام)، وله وكالة عن الإمام الجواد، والهادي، والعسكري (عليهم السلام)، وله وكالة عن الإمام الجواد وجاء في بعض رسائل الجواد (عليه السلام) إليه: (وكتبت إلى مواليّ بهمدان كتاباً أمرتهم بطاعتك والمصير إلى أمرك وأن ? وكيل لي سواك)(81).
لم يذكر اسمه في قائمة الوكلاء، إلا أنه ذكر ورود توقيع الإمام المهدي (عليه السلام) مبتدءاً من دون سبق سؤال بتوثيقه(82) وهو إذ ذاك من شيوخ الشيعة وكبارهم ومبرزيهم الذين لهم قدم في مدح عدد من الأئمة المعصومين (عليهم السلام) إياهم.
وهذا التوقيع استفاد البعض منه وكالة الرجل وليس ببعيد والله العالم.
وقال النجاشي: إنه وكيل الناحية(83) (لكن) الكلام في ظهور هذه الكلمة في الوكالة عن الإمام المهدي (عليه السلام) بالخصوص، أو الأعم منها ومن الوكالة عن بعض آبائه (عليهم السلام).
أحمد بن اليسع بن عبد الله القمي: قال في الوسائل: والظاهر أنه ابن حمزة بن اليسع(84).
وعليه بنى جامع الرواة، إذ لم يذكر سوى أحمد بن حمزة.
وقد ورد توقيع ربما يدل على وكالته، بل استظهر البعض وكالته منه.
(والتوقيع هو) ما عدّه أبي محمد الرازي قال: كنت أنا وأحمد بن أبي عبد الله بالعسكر (أي: سامراء) فورد علينا رسول من الرجل (وقد يستظهر كونه كناية عن الإمام المهدي (عليه السلام) فقال لنا: الغائب العليل ثقة، وأيوب بن نوح، وإبراهيم بن محمد الهمداني، وأحمد بن حمزة، وأحمد بن إسحاق ثقاة)(85).
ويستظهر ذلك من عبارة الشيخ الطوسي (قدس سره) أيضاً حيث قال في كتاب الغيبة: (قد كان في زمان السفراء المحمودين أقوام ثقات يرد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل، ثم قال: (ومنعم أحمد بن إسحاق وجماعته يخرج التوقيع في حقهم)(86).
ولعل الشيخ الطوسي يشير بذلك إلى هذا التوقيع الشريف الآنف المتضمن لذكر أحمد بن حمزة أيضاً.
أيوب بن نوح، من أصحاب الهادي والعسكري (عليهما السلام)، ومن وكلائهما، عظيم المنزلة، ثقة(87)، وقد شهد له الإمام العسكري بالجنة(88).
إلا أنه لم يذكر في وكلاء الإمام المهدي (عليه السلام). لكنه قد استظهر بعضهم وكالته من التوقيع الرفيع الصادر عن الإمام المهدي (عليه السلام) الذي يرويه أبو محمد الرازي وقد نقلناه آنفاً عند ذكر (أحمد بن اليسع) فراجعه.
الجعفري: أبو هاشم داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب.
ذكره السيد بن طاووس (قدس سره) في ربيع الشيعة وقال: (إنه من السفراء والأبواب المعروفين الذين ? تختلف الشيعة القائلون بإمامة الحسن بن علي فيهم(89).
كما ذكره في قائمة الوكلاء الشيخ علي الحائري أيضاً في إلزام الناصب(90) ولم أجد غيرهما من يذكر وكالته عن الناحية المقدسة.
نعم قال عنه صاحب الوسائل: (من أهل بغداد، ثقة، جليل القدر عظيم المنزلة عند الأئمة (عليهم السلام)، شهد أبا جعفر، أبا الحسن وأبا محمد (عليهم السلام) وكان شريفاً عندهم، وذكر أنه شاهد الرضا (عليه السلام) أيضاً(91).
وفي الفهرست أنه شاهد الرضا، والجواد، والهادي، والعسكري، وصاحب الأمر (عليهم السلام)، وقد روى عنهم كلهم(92).
وقد ترجم له كل كتب الرجال بتفصيل فراجعها(93).
الرازي: أحمد بن إسحاق، يحتمل كونه من الوكلاء. قال الأردبيلي في جامع الرواة (من أصحاب الهادي (عليه السلام) ثقة [صه](94) في (كش) حكى بعض ثقاة نيسابور أنه خرج لإسحاق بن إسماعيل بن أبي محمد(95) (عليه السلام) توقيع: (يا إسحاق بن إسماعيل إلى أن قال: فليؤد حقوقنا إلى إبراهيم وليحمل ذلك إبراهيم من عنده إلى الرازي رضي الله عنه أو إلى من يحمله الرازي قال ذلك عن أمري ورأيي إن شاء الله. ثم قال: وقد يحتمل الاتحاد)(96). فيكون هذا هو أحمد بن إسحاق الذي ذكرناه برقم -5-.
أبو جعفر: محمد بن أحمد.
لم أجد توصيفه بأكثر من ذلك، كما لم أجد ذكره من وكلاء الناحية المقدسة، إلا أن الذي يظهر من الرواية التالية والتوقيع الرفيع كونه من الوكلاء.
أخرج العلامة المجلسي عن القطب الراوندي في الخرايج قال: روي عن أحمد بن أبي روح قال خرجت إلى بغداد في مال لأبي الحسن الخضر بن محمد لأوصله وأمرني أن أدفعه إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (ثاني النواب الأربعة) فأمرني أن ? أدفعه إلى غيره وأمرني أن أسأل الدعاء للعلة التي هو فيها وأسأله عن الوبر يحل لبسه؟
فدخلت بغداد، وصرت إلى العمري فأبى أن يأخذ المال وقال: صر إلى أبي جعفر محمد بن أحمد وادفع إليه فإنه أمره بأن يأخذه، وقد خرج الذي طلبت.
فجئت إلى أبي جعفر فأوصلته إليه فأخرج إلي رقعة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. سألت الدعاء عن العلة التي تجدها... - إلى آخره -(97).
وقد يكون من البيّن الظاهر: أن من يأخذ أموال الناحية المقدسة، ويحوّل النائب العمري إليه، ويعطي رقعة الناحية لابد أن يكون وكيلاً ? متصلاً ولكن كسائر الوكلاء بواسطة النواب الأربعة.
غير أن الحديث هو في أنه من هو بالتعيين؟ هذا ما يحتاج إلى فحص ودقة أكثر، وقد ترجم جامع الرواة لعدة أشخاص يمكن كون الرجل أحدهم بهذا الاسم وهذه الكنية وفي ذاك الزمان(98).
وهناك أسماء أخرى ذكرها بعضهم في قائمة الوكلاء للناحية المقدسة لم نجد مجالاً للتتبع والتحقيق فيهم واحداً واحداً، نذكرهم لعل من يتتبع كثيراً فيجد أدلة وشواهد أخرى على وكالتهم.
وهم كالآتي:
1- إبراهيم بن محمد.
2- والحسن بن محبوب.
3- وعمرو الأهوازي.
4- وأبو محمد الوجناتي.
ذكرهم الشيخ علي الحائري اليزدي في كتاب (إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب عليه السلام) قال: (وقد كان في زمان السفراء (رضوان الله عليهم) أقوام ثقات ترد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة)(99)، وذكر أسماء عديدة منهم هؤلاء الأربعة.
أما إبراهيم بن محمد فهو مشترك بين متعددين ولم نعرف المقصود به أيهم ولعله الهمداني الذي ذكرناه برقم - 14-.
وأما الحسن بن محبوب فهو من أصحاب الكاظم والرضا (عليهما السلام) ومات سنة (224) أي: قبل ولادة صاحب الأمر (عليه السلام) باثنتين وثلاثين سنة، فكيف يمكن عده من وكلائه (عليه السلام)؟
ولعلّه مصحّف محمد بن علي بن محبوب.
وأما عمر الأهوازي، فلم أجد من ذكر له الوكالة من الناحية المقدسة، غير صاحب إلزام الناصب، (نعم) ذكر جامع الرواة أنه ممن أراه أبو محمد العسكري صاحب الأمر (عليهما السلام)(100)، ولعل صاحب الزام الناصب وجد له مدركاً والله أعلم.
وأما أبو محمد الوجناتي فلم أجده في كتب الرجال - في هذه العجالة - بهذه الكنية ولا ذاك اللقب، وأبو محمد في كتب الرجال كثير يعدون بالعشرات، فلم نعلم أنه أيهم. والله أعلم.
منزلة الإمام المهدي في القرآن(101)
(ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون). سورة القصص، آية 5 - 6.
هذه الآية من الآيات التي أولت برجعة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، التي تبدأ بظهور الإمام المنتظر وإن كانت في سياق الآيات الواردة في بني إسرائيل.
ودليل هذا التأويل:
1- أن هذه الآية لم ترد في القرآن بصيغة نقل إرادة سابقة، فلم ترد (وقلنا لبني إسرائيل: نريد أن نمنّ...) وإنما أوردت (الإرادة الفعلية) في القرآن، الذي نزل بعد غياب بني إسرائيل عن المسرح الديني، بنسخ شريعتهم مرتين، فقد نسخت شريعتهم، مرة بشريعة المسيح (عليه السلام) ونسخت مرة أخرى بالإسلام.
فهذه (الإرادة) الإلهية التي ترويها (ونريد) إرادة قائمة لم تكن قد نفذت حين نزول القرآن.
2- أن بني إسرائيل، لم يتمكنوا في الأرض عبر أئمة مطلقاً، وإذا صحّ أن سليمان بن داود حكم الأرض كلها، وافترضناه (إماماً) فذلك إمام واحد، وهذه الإرادة لمجموعة أئمة. لهم حكومة عالمية هم جماعة من الحكام، وليس حاكماً واحداً عبّر الله عنه وعن أعوانه بصيغة الجمع بدليل كلمة (الأئمة) ومن الثابت أن رتبة (الإمامة) وهي الولاية المطلقة، ? تكون إلا لرجل واحد في عهده، فلا تكون لعدّة رجال في وقت واحد، وإنما يتوارثون هذه الرتبة بالتعاقب.
3- ووصف أولئك (الأئمة) بـ(الذين استضعفوا في الأرض) يدل على أنهم قادمون إلى الأرض مرتين، قدموا إليها مرة فاستضعفوا، ويقدمون إليها مرة أخرى فيمكنهم الله في الأرض. إذ ? يمكن أن تكون مجموعة من الناس مستضعفين في الأرض، ثم يمكنهم الله فيها فيحكموها ويكونوا أئمة بالتعاقب مع العلم بأن الإمام ? يستضعف إماماً آخر - لاشتراط العصمة فيهما - حتى نقول بأن كل واحد منهم كان مستضعفاً في حين وحاكماً في حين آخر.
4- أن كل الأفعال التي استخدمت في هذه الآية مستقبلية (نريد... نمنّ .. نجعلهم.. ونجعلهم.. نمكّن .. نري) فهذه الأفعال الستة المستقبلية ? تزال قيد التنفيذ. فتنحصر محتوى هذه الآية لمجموعة (أئمة) يحكمون الأرض، وإذا عرفنا أن النبي (صلّى الله عليه وآله) حصر الأئمة من بعده في اثنى عشر إماماً عددهم عدد نقباء بني إسرائيل كما في أحاديث متواترة، من جملتها قوله (صلّى الله عليه وآله): (الأئمة بعدي اثني عشر كلهم من قريش).
وإذا عرفنا أن أيّاً من الأئمة الاثني عشر لم يتمكن في الأرض سابقاً، نعرف أن تلك (الإرادة) لم تتحقق بعد، وإنما ستحقق لهم أنفسهم في وقت لاحق.
6- أن استخدام كلمة (الوارثين) يشير إلى أن أولئك الذين بشّرهم الله تعالى - في هذه الآية - بحكومة عالمية يأتون في آخر الزمان، فيرثون الأرض من جميع الذين حكموها قبلهم، ولو كانوا حلقة في سلسلة حكام الأرض لما عبّر القرآن عنهم بـ(الوارثين). كما لم يعبّر عن سليمان وصحبه، ولا عن يوسف وأعوانه بالوارثين. فلا ينطبق هذا التعبير إلا على جماعة يكون لهم المطاف الأخير في حكومة الأرض.
7- أن التمكين في الأرض لم يتحقق لأي إنسان منذ نزول هذه الآية فكيف بتحققه لمجموعة أشخاص. وإذا ظهر في المسلمين حاكم واحد أو مجموعة حكام - وافترضناهم أئمة - فإن أيّاً منهم لم يتمكن في الأرض كلها، وإنما تمكن في بعض الأرض، وهذه الآية تدل على أن إرادة الله سبقت لتمكين مجموعة من الأئمة في الأرض كلها.
يضاف إلى ذلك أن من نعرفهم من حكام المسلمين لم يكونوا - جميعاً - مستضعفين في حين وحكاماً في حين آخر، وإذا كان رأس كل سلسلة من الخلفاء مستضعفاً في حين، فإن بقية خلفاء أسرته ولدوا في بيوت الخلافة، فلم يستضعفوا في أي حين.
إذن، فهذه الآية بمجموع بنودها ? يمكن أن تنطبق بدقة إلا على (الأئمة الاثني عشر) إذا عادوا إلى الحياة في آخر الزمان وحكموا الأرض في المطاف الأخير من عمر البشر.
وهنا قد ينبض سؤال يقول: إن قول الله تعالى في بقية الآية: (ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) وفرعون وهامان كانا معاصرين لموسى بن عمران فكيف يمكن صرف دلالة الآية عن موسى وبني إسرائيل.
وتتوارد الأجوبة:
1- إن فرعون تطاول على مقام الربوبية بشكل لم يتطاول عليه أحد، فلم يكتف بالكفر بالله وجحوده، ولم يكتف بادّعاء أنه أحد الآلهة - كما فعل نمرود - وإنما ادّعى أنه الربّ الأعلى وعمل برجاً ليطلع إلى إله موسى فيقتله إذا كان موجوداً - بزعمه - فلما عجز عن أن يرفع البرج إلى السماء حلّق في الجو على سفينة فضائية يرفعها العقبان وأطلق سهماً في اتجاه السماء مدّعياً أنه قتل إله السماء... إلى آخر ما هو موجود في كتب السنّة ... ثم طالت فترة حكومته أكثر من المتوقع ولم يعجّل الله عليه، حتى نشر جنوده في كثير من البلاد يعيثون فيها الفساد، بقي اسمه رمزاً أكبر للطواغيت، وحيث كان هامان وزيره وعقله المفكر بقي اسمه مقروناً باسمه، ولم تذهب من ذاكرة الناس أشباح جنودهما الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد. فإذا ذكر فرعون وهامان وجنودهما، ذكروا كرموز للطغيان، ? كأشخاص، والظاهر أنهم ذكروا في هذه الآية كرموز فقط.
2- ? يصح أن يكون المقصود (الذين استضعفوا في الأرض) موسى بن عمران وقومه، لأن رأسهم وهو موسى بن عمران لم يتمكن في الأرض، حتى بعد غرق فرعون، بل مات في التيه، خاصة وفي بقية الآية، (ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) وكأن الآية توحي بأن فرعون وهامان وجنودهما يكونون موجودين حين يتمكّن الذين استضعفوا في الأرض، ثم يرون منهم ما كانوا يحذرون - على نحو الترتيب -.
وقد يستأذن سؤال آخر يقول: إن المستضعفين في الأرض عنوان ذمّه القرآن في بعض آياته - فمثلاً - قال: (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم...) سورة النحل: آية 28. فكيف أصبح المستضعفون في هذه الآية عنواناً بلغت الإرادة الإلهية لمنحهم رتبة الإمامة وجعلهم حكاماً عالميين؟
ويندفع جواب يقول: يمكن تصنيف المستضعفين الذين أطرهم القرآن ثلاثة أقسام:
1- المستضعفون الضعفاء، كالعجزة والقاصرين الذين ? يجدون في أنفسهم مادة الكفاح ضد المعتدين، ولا يطيقون تأمين أنفسهم ضد الحاجة فوجدهم الطغاة مادة يمكن امتصاص بقية الحياة منها ولو للديكور في الأروقة وعلى الأبواب، وهؤلاء - يمثلون قدسية الحياة ولو في أضعف مظاهرها - أمر الله بالدفاع عنهم إلى جانب الدفاع عن المقدسات، فقال: (... وما لكم ? تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ? يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً) سورة نساء: الآية 98.
2- المستضعفون الأقوياء الذين يملكون طاقات كفاحية عالية، ومواهب قادرة على تصنيفهم عباقرة وعظماء، ولكنهم أهملوا أنفسهم وقنعوا بالتوافه والحقائر، فاستساغهم الأقوياء قاعدة يشيدون عليها مجد الطغيان ولأنهم (كذلك) رضوا بأن يدفعوا ضريبة الذل على أن يخوضوا الحياة بشجاعة المعترفين بواقع الحياة. ويستعرض القرآن مثلاً من هذا الصنف، من وجد نفسه في بلده تحت سلطة عاتية، فرضي بها على أن يهاجر منه إلى بلد تتجاوب فيه نسائم الحرية والعدالة، ثم يصنفهم القرآن ظالمين ولكن لأنفسهم، ويعتبرهم مجرمين بين يدي ملائكة العذاب التي تتولاهم منذ لحظة الوفات، فيقول: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنّا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها)؟ سورة النساء: الآية 97.
3- المستضعفون الأفوياء الذين يملكون طاقات كفاحية مخيفة، ومواهب جبّارة، واستنفدوا كل طاقاتهم ومواهبهم، ولكن التيارات القاهرة تناصرت عليهم، فأصبحوا مقهورين، مثل كل الأنبياء، مثل كل العظماء، والقرآن يقف من هؤلاء موقفاً إيجابياً يظهر في ترصيد جميع العواطف والأفكار الخيّرة حولهم، وفي تبشيرهم بالفوز في المطاف الأخير، لأن القوي الذي ? يوفر شيئاً من امكاناته لابد أن يفوز فور ما تهدأ العاصفة ويتضح الأفق، فيقول: (ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض...) سورة القصص: الآية 5.
أسئلة وأجوبتها
1- إن الإمام المهدي (عليه السلام) عندما يظهر ? يغيّر طبائع الناس ولا يصفّي نوازع الشر في النفوس، وإلا لبطلت تجربة الحياة، كما أن الأنبياء والأوصياء قبله لم يفعلوا ذلك. والدليل على ذلك أن يهودية تقتل الإمام المهدي (عليه السلام) وتظهر عينات الشر بعده بكثرة، ثم يكون إجماع العرب والعجم على قتل الحسين في الرجعة وظاهر تلك اليهودية واستمرار الصراع بين الخير والشر من خلال عينات عديدة تكشف بقاء التركيبة النفسية للبشر كما هي الآن.
س: إذن كيف يطهّر الأرض من الذنوب.
ج: قال بعض: ليس في الأحاديث أن الإمام المهدي (عليه السلام) يطهّر الأرض من الذنوب، كل ما هنالك أنه (يملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً) فهو يقضي على التجاوزات ? على الانحرافات العقيدية والمسلكية، التي تدور بين الفرد وربه. فلا يبقى ظالم ومظلوم. ولكن قد يبقى الكافر والعاصي في نطاق الأفراد أي ? تبقى راية غير راية الإسلام. أما الفرد الكافر أو الفرد العاصي فلا يلغى من الأرض.
س: إذا كان البشر هذا البشر فكيف يقضي على التجاوزات؟
ج: 1- إنه يطهّر النظام وإذا طهّر النظام أصبح الجوّ صالحاً يربي الصالحين ويقضي على المتجاوزين، وخاصة عندما يسود العالم نظام واحد ? يداهن النظام خوفاً من الأنظمة المجاورة، ويشعر الناس بأنه ? ملجأ لهم غيره فتنتهي التجاوزات والانحرافات العقيدية المعلنة، وتبقى الانحرافات الفردية أي يبقى أفراد غير مؤمنين أو غير ملتزمين.
2- إن الإمام المهدي بمقتضى إحاطته الشخصية بالناس كلهم وبمقتضى حكمه بالواقع ? بالظاهر يطارد المتجاوزين - إلى جانب نظام حكمه - ومع تكرر التجارب وتكاثر الواقع يشعر كل فرد بأنه ? يتجاوز إلا ويلاحقه الإمام نفسه، وأن أي فرد مهما أوتي من ذكاء وقدرةٍ على تحرير تجاوزاته على النظام المؤلف من الناس العاديين، فإنه ? يستطيع تحرير أدنى تجاوز على الإمام الذي هو مصدر السلطات، فكيفّ الناس عن التجاوز، وإذا كانت طينة أحدهم ? تساعد إلا على التجاوز، فسرعان ما يستأصل ليكون عبرة لغيره.
س: كيف يهيمن الإمام شخصياً على من في المغرب والمشرق من مقره بالكوفة وهو ? يعدو كونه وصياً، من أوصياء خاتم النبيين ? نبياً ولا ملكاً. وحتى الأنبياء لم يهيمنوا مثله، فكيف به وهو وصي نبي ? أكثر؟
ج: لابد من الاعتراف بحكومة الطاقة على المادة أي المادة اللطيفة مسيطرة على المادة الكثيفة، فالنسبية العامة تسود المجرات وتحفظ الأبعاد المتناسبة بين الأجرام الفضائية. والجاذبية تشد الأرض وتستعيد شواردها، والروح تحكم في الجسد وتحرك أجهزته وخلاياه. والإدارة تهيمن على الوحدة البشرية: (الفرد) فتنام وتستيقظ وتمشي وتأكل وتصارع، وتحرك يدك وتغمز بعينك بفاعلية الإرادة.
وتبقى الوحدة البشرية مملكة لسلطان الإرادة وتتصرف في الأشياء عن طريق استخدام هذه الوحدة ما دامت هذه الإرادة نواة ضعيفة، فإذا تمت تنميتها وتربيتها تكون قادرة على التصرف في الموجودات مباشرة بدون استخدام تلك الوحدة البشرية.
وتتنافس على تربية الإرادة مدرستان مدرسة سماوية هي مدرسة الرسالات ومدرسة أرضية هي مدرسة الشياطين وتسمى المدرسة الأولى بمدرسة التقوى بينما تسمى المدرسة الثانية بمدرسة السحر. والمتخرجون من المدرسة الأولى تسمى تصرفاتهم الخارجية باسم (المعجزات) إذا صدرت الأنبياء وباسم (الكرامات) إذا صدرت عن الأنبياء، والمتخرجون من المدرسة الثانية تسمى تصرفاتهم الخارجية باسم (الأعمال السحرية).
ويمتاز تلامذة المدرسة الأولى بأن لإرادتهم نوعاً من الخالقية فيوجدون أشياء بمجرد الإرادة كما يفعل أهل الجنة حيث يوجدون ما يشاءون، وكما عبّر القرآن عن المسيح (إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) وكما ورد في الحديث القدسي: (عبدي أطعني أجعلك مثلى أو مثلي أقول للشيء كن فيكون. وتقول للشيء كن فيكون).
وإذا كان الإمام المهدي يستخدم مثل هذه الصلاحية يكون من الهيّن بسط سلطانه الشخصي على الأرض، كما فعل سليمان بن داوود حيث سخر المخلوقات وأتى بعرش بلقيس من سبأ بلمح البصر، واختار حرسه من الوحوش والسباع.
حضارة الإمام المهدي
حضارة كل جيل حصيلة معرفة ذلك الجيل بالحياة، فمعرفة الإنسان بالموجودات تنعكس على تعامله معها، ومجمل تعامله مع الموجودات حضارته.
وقد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يعرف إلا ظواهر الموجودات فحدد تعامله معها بحدود ظواهرها.
لقد عرف ظواهر الأشجار كما هي، فاتخذ ثمارها طعاماً وأخشابها وقوداً وبيوتاً وسفناً.
وعرف ظواهر الحيوانات كما هي، فاتخذ لحومها طعاماً وجلودها وأصوافها متاعاً، وظهورها مراكب.
وعرف ظواهر الأرض كما هي فاتخذ من الصخور مساكن ومن السهول مزارع، ومن البحار أسماكها ولآلئها.
ونزل عمق الموجودات فاستخرج الحديد سلاحاً ولامة حرب، والذهب والفضة نقداً وزينة.
هذه المعرفة حددت حضارة الإنسان في العهود البدائية.
ثم أتت العهود الحديثة على الإنسان، فعرف (التحليل والتركيب) من جهة، وعرف، (النسبية العامة) من جهة أخرى. أي عرف تجزئة الشيء الواحد لاستخدام بعض جزئياته، وعرف تركيب الجزئيات المستخلصة من أشياء متعددة، لاستخدامها كشيء، واحد، وإلى جانب ذلك كله عرف قسماً من المعادلات التي تشد الموجودات ببعضها فاكتشف الكهرباء والذرة...
وكانت التكنولوجيا الحديثة. فلم يبق محصوراً في حدود التعامل مع ظواهر الموجودات، وإنما أصبح قادراً على التعامل مع جزئيات الموجودات، كما هو قادر على التعامل مع ظواهرها. فاستطاع أن يستخدم النفط - مثلاً - وقوداً، وأن يستخدم مشتقاته في ألوف الأغراض المختلفة. واستطاع أن يستفيد من الشعاع - مثلاً - للإضاءة، وأن يستفيد من مشتقاته لتحقيق آلاف الأهداف المتفاوتة.
فهذه المعرفة حددت حضارة الإنسان في العهود الحديثة.
ويأتي على الإنسان عهد آخر يعرف فيه جميع الطاقات المتفاعلة في الكون، بما فيها الطاقات الميتافيزيقية كطاقات الجن، والملائكة والشياطين - التي قد ? يؤمن بها الكثيرون في الوقت الحاضر - ويعرف كيفية الاستفادة منها جميعاً، فيستطيع التنقل بين المجرات كما يتنقل اليوم بين أدوار البناية الواحدة ويستطيع اختراق حاجز الزمان والنور كما اخترق اليوم حاجز الصوت، ويستطيع الفرد أن يتعامل مع الموجودات بذات المرونة التي كان يتعامل بها أصحاب المعجزات مع الموجودات. ذلك سيكون عهد المعجزات أو عهد الإمام المهدي (عليه السلام) الذي يفك جميع الرموز، ويعطي للإنسان كل العلم مائة في المائة (مائة حرفاً).
في العهود البدائية كانت تظهر بوادر تكنولوجية فظهر النفط واستخدم عبر أنبوب قائم ? يشتعل أبداً، وظهرت الساعة الآلية وظهرت أشياء أخر لم تكن الذهنية العامة مؤهلة لاستقبالها فرموها بالسحر والجن والشيطان.
ولكن تلك البوادر كانت طلائع عهد هو عهدنا المعاصر.
وفي جميع العهود السابقة ظهرت معجزات لم تكن الذهنية العامة مؤهلة لاستقبالها فرموها بالسحر والجن والشيطان. ولكن تلك البوادر كانت طلائع عهد. هو عهد المعجزات أو عهد الإمام المهدي (عليه السلام)(102).
بيروت
حسن المهدي الشيرازي
___________________
1 - يلاحظ قوله تعالى: (وكانوا يستفتحون على الذين كفروا) - إلى آخره - وغيره ويلاحظ تفاسير القرآن عند الحديث عن ذلك.
2 - إنما ذكرنا لفظ الكفاءات أيضاً تمشياً مع من يفرون من الألفاظ لنستوقفهم كي يتذكروا ويتدبروا وإلا فالمعجزة كفاءة خاصة جعلها الله تعالى في أفراد معينين من البشر.
3 - يبقى في مجال التحليل الروحي البحث، بحث لم أعرف من سبق إليه، ولعلي أول من يطرحه، ولا أطرحه لاتخاذ موقف معين، وإنما ليكون إشارة الضوء على هذا الطريق الذي قد يعود بحصائل ترفد كثيراً من الغوامض، وتساهم في الإجابة على العديد من المعضلات الروحية. وتمهيداً لهذا البحث الذي سوف أطرحه في صيغة سؤال نقول:
يمكن أن نسمى مجتمع إبراهيم الخليل بـ(مجتمع الإيمان والتسليم) فالناس كانوا - بعد الطوفان مؤمنين ومسالمين، ولكنهم أخطئوا في توجيه الإيمان إلى الأصنام ونمرود، ونمرود ذاته وجد أن الإيمان هو الطابع العام فاستغله لمصلحته الشخصية وصنع الجنة والنار، وحمورابي وجد أن التسليم ظاهرة عامة فاستغله لوضع قانونه، وإبراهيم الخليل في حد ذاته كان إيمانياً، والجانب الإيماني أبرز ظاهرة طبعت حياته، فشيد الكعبة، وكرس المجتمع في اتجاه العبادة، وشرع الحج.
ويمكن أن نسمي مجتمع موسى بن عمران بـ(مجتمع السحر والعسكر) فاتجه الناس إلى استلهام القوى المنظرة والخفية، فعبدوا رمز القوة، فرعون، وخنعوا بجنوده، وقدسوا سحرته، فكانوا مع القوة ولكنهم أخطئوا في تحديد القوة التي يصح اتّباعها، وموسى بن عمران (عليه السلام) كان رمز القوة في أعلى درجاتها، فهو رسول الله الذي خلق السماوات والأرض، وقد انتزع فرعون من عرشه وغلوائه، وأطبق البحر عليه وعلى جنوده، وأتى بتسع آيات بينات أذهلت جميع المتعاملين مع القوى الخفية حتى (قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون). [سورة الأعراف: الآية 121 - 122].
ويمكن أن نسمي مجتمع عيسى ابن مريم بـ(مجتمع الطب والمغيبات) فاتجه الناس إلى الأطباء والمخبرين عن المغيبات، حتى منحوهم السيادة والقيادة، واتبعوهم في كل ما يقولون وما يتنبئون. وتكريم الأطباء مقبول، فالطب علم إنساني مستحب، واحترام المخبرين عن المغيبات معقول - إذا كان معتمداً على أسس مشروعة - ولكن المغالاة في حقهم حتى اتّباعهم في الإلحاد، وتقديم كلمتهم على كلمة الأنبياء مرفوض، وعيسى ابن مريم (عليه السلام) تجلت معجزاته في تحديات فسيولوجية، جسدية، يمكن تنظيرها بالطب من صياغة طين بهيئة الوطواط والنفخ فيه لينطلق طيراً في الهواء، وشفاء المصابين بالأمراض المستعصية بمسحة يد، وإحياء الأموات - الذين ابيضت عظامهم في ظلام اللحود - بكلمة، وفي الإخبار عن المغيبات حتى ما يكتنزه الناس في بيوتهم.
ويمكن أن نسمي مجتمع الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بـ(مجتمع البلاغة والسيف) فاتجه الناس إلى عبادة البلاغة والسيف، فلم يكن يستحوذ على مشاعرهم إلا رجل البلاغة، ولم يكن يهيمن على حياتهم إلا رجل السيف، والبلاغة في التعبير فضيلة، والسيف لفتح الطريق أمام الحق لابد منه، والانحراف في ذلك أن يكون رجل البلاغة أو السيف حاكماً غير مسؤول. والرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بلغ في البلاغة درجة التحدي العام المطلق (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) [سورة البقرة: الآية 23 - 24]. وبلغ في مقدرته على حمل السيف، أن أعاد الجزيرة إلى صوابها دون أن يقتل سبعمائة رجل، وكانت قبله دولاب دم، ومفرمة بشرية.
وإذا استعرضنا مجتمعات الأنبياء نجد التجانس بينها وبينهم، بفارق واحد، وهو أنها كانت على باطل، وأنهم كانوا على حق.
إذن فالتجانس بين الأنبياء ومجتمعاتهم موجود وواضح: والسؤال هو:
هل المجتمعات هي الأصل، والأنبياء كانوا امتداداتها؟ أو أن الأنبياء هم الأصل والمجتمعات كانت امتداداتهم؟ مع العلم أن ما يؤيده الاختبار الخارجي والقرآن والكريم والسنة المطهرة هو الثاني دون الأول.
وبتعبير أوضح:
هل المجتمع هو الذي يتقلب في أطواره المختلفة، فتقوده محركاته الذاتية في كل بضعة قرون إلى طور معين، نتيجة لتفاعلاته الداخلية المعقدة، كما يغير النهر مجراه بعوامله الخاصة، وكما تغير الأرض مظاهرها الجغرافية وفق معادلاتها الباطنية، فتجعل من قاعات بحار قمم جبال، وتجعل قمم جبال قاعات بحار. أو أن الأنبياء - وأصحاب الولاية منهم بصورة خاصة - طاقات كونية كبيرة، فهم المحركات الأساسية للمجتمعات، فحينما يتجه أي واحد منهم إلى الوجود البشري، تسبقه موجاته وخصائصه إلى المسرح البشري - وهذه ما تسمى في لغة العصر الحديث بـ(الارهاصات) - فتلقفها المشاعر المرهفة في الناس، وإن كانت محطات الاستقبال الشعورية، تلونها في كل فرد بطابعها الخاص، فتظهر موجاته وخصائصه من خلال كل واحد بشكل، فينال كل فرد زخماً جديداً يرفعه إلى مستوى أعلى من مستواه الذي كان عليه قبل اتجاه نبي زمانه إلى الوجود البشري، ولا ينافي ذلك أن يزداد السعيد سعادة وأن يزداد الشقي شقاوة.
تماماً كالنجوم، فكل نجمة تقترب من الأرض، تسبقها كهربتها الخاصة إلى سطح الأرض، فتكون زخماً جديداً ينشط الكائنات الحية وإن كانت تلك الكهربة - نتيجة للتفاعلات المختلفة - تصطنع في كل كائن حي بطابعه، فتكون حدة في الشوك وسماً في الأفعى، وروعة في الوردة، ووهجاً في المعادن.
أرأيت الشمس، كيف يبادر شعاعها إلى الأفق؟ ثم كيف يعزز ذلك الشعاع في المواشير؟ وكيف يطبع بطابع الزجاجات المختلفة التي يمر عبرها؟ وكيف يمنح العيون صفاءً ويزيد الفحم عتمة، ويعطي الصخر صلابة، ويعقد في السنبلة حبة، ويخلع على الأشجار وشاحاً أخضر؟
هكذا نجد خصال كل نبي في قومه، والسؤال الذي بدأنا به:
هل النبي أخذ خصاله من قومه، وبلورها في صيغة نبوية؟ أو أن النبي منح خصاله لقومه، فطبعها كل واحد منهم بطابعه الخاص به؟.. ولا شك أن الثاني هو الصحيح الذي دلت عليه الآيات والروايات والواقع الخارجي. وإذا أردنا الانتقال من أوضاع الأنبياء وتفاعلاتهم مع مجتمعاتهم إلى وضع الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) وتفاعلاته مع مجتمعه، نجد أن خصائصه بدأت تظهر على المسرح البشري منذ أوائل القرن العشرين، فأبرز خصائصه (العلم والقوة) علم يستثمر كل طاقات الأرض والفضاء، فيعيش كل فرد حتى يرى ابناً من صلبه دون أن يكتسحه بؤس أو عناء، وقوة تلف الأرض براية واحدة، وتدع الذئب يرعى مع الغنم في قطيع، وقد بدأ العلم والقوة يطبعان المجتمع البشري كله وفي كل المجالات، بشكل سريع يوحي بأن نجمة العلم والقوة قد اقتربت من الأفق، وحان ظهورها للأبصار.
4- سورة العنكبوت: الآية 14.
5- وهنا يحاول البعض التخلص من دلالات القرآن والتاريخ على أن الإنسان قد يعيش طويلاً، فيقول: (إن العرب في الجاهلية لم يكونوا يعرفون السنين والحساب، ولم يكونوا يفهمون من الظاهر الكونية سوى القمر، فكانوا يحسبون به الأيام، فكان الشهر عندهم سنة، فإذا قالوا خمسين سنة - مثلاً - عنوا خمسين شهراً).
ويمكن الإجابة على هذا القول:
أولاً: إن العرب في الجاهلية لم يكونوا بهذا المستوى.
ثانياً: إن التعبير بالسنة لم يكن مختصاً بالعرب، فكل الناس كانوا يضبطون أعمارهم وأعمالهم بالسنة كما كانوا يضبطونها بالشهر وبالأسبوع وباليوم وبالساعة.
ثالثاً: إن صح هذا القول فعلينا أن نعدل جميع التواريخ، فكلما وردت كلمة (سنة) نبدلها بكلمة (شهر).
رابعاً: علينا بعد ذلك أن نُخطّئ كل التواريخ، لأنها تقول - مثلاً -: فلان عاش سبعين سنة، وتزوج (كذا) من النساء ورزق (كذا) ولداً، وفتح (كذا) بلداً، مما ? يمكن أن يقوم به طفل كل عمره أقل من ست سنوات.
خامساً: إن النصوص الإسلامية التي تحدد أعمار نوح وخضر وإلياس و... نصوص لم تصدر في الجاهلية، وإنما صدرت في الإسلام.
سادساً: إن القرآن بنفسه يتولى تحديد مفهوم السنة في كل الشرائع، فيركز على أن السنة تهني اثني عشر شهراً في كل الديانات، لأن الله قررها هكذا منذ الأزل، فيقول: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم...) [سورة التوبة: الآية 36]. ولا يمكن أن يعلن القرآن هذا القرار بمثل هذا الزخم، ثم يخرج القرآن ذاته على هذا القرار فيستخدم المفهوم الجاهلي للسنة.
6- قد يناقش في ذكر عيسى ابن مريم مع بقية العمرين، بأنه يعيش في السماء، فهو خارج عن نطاق هذا البحث، الذي يدرس حدود حياة إنسان الأرض، ولا يحاول دراسة حدود حياة إنسان السماء التي قد تكون حياة روحية أشبه بحياة الملائكة.
وقد نجيب على هذه المناقشة بما يلي:
الأول: صحيح أن الحديث مكرس لمعرفة دود حياة إنسان الأرض، ولكن عيسى ابن مريم إنسان الأرض، وقد عاش فترة من عمره على الأرض، وسيعيش فترة أخرى من عمره على الأرض، وبين هاتين الفترتين يمضي فترة من عمره في السماء وهذا ? يخرجه من نطاق إنسان الأرض.
الثاني: إن أرضنا هذه وكل الأجرام السابحة في الفضاء وكل السماوات داخلة في نطاق الدنيا، فعالم الأرض وعالم السماء عالم واحد، ولعل مقاييس الجسم البشري فيهما واحدة.
الثالث: إن عيسى ابن مريم يعيش الآن في السماء مجسمة الترابي، ولا يعيش بروحه عيشة روحية كالملائكة، وحينما يرجع من السماء إلى الأرض يرجع بجسمه الترابي، وتأكيد القرآن على أن لم يقتل ولم يصلب، للدلالة على أن الله رفعه إليه بجسمه الترابي، وإلا لم تكن مزية لعيسى ابن مريم على غيره، فكل الأموات يرفعون بأرواحهم إلى الله.
7 - سورة الصافات: الآية 147.
8- سورة سبأ: الآية 28.
9- سورة طه: الآية 43.
10- سورة طه: الآية 42.
11- سورة يس: الآية 14.
12- سورة مريم: الآية 54.
13- سورة البقرة: الآية 124.
14- لعل القدماء تلقوا معلومات مشابهة لذلك من الأنبياء، وبسبب انحرافهم عن تعاليم الأنبياء، ومع تفاعل غريزة العبادة بالمعلومات الناقصة أو المشوهة اتجهوا إلى تسمية الملائكة الموكلين بالاقسام التكوينية (آلهة) ثم اتجهوا إلى نحت التماثيل لهم لذلك نجد الشبه بين اختصاصات (آلهة) القداس ومهمات الملائكة الموكلين بالأقسام التكوينية.
15 - سورة آل عمران: الآية 20.
16 - سورة الغاشية: الآية 21.
17 - سورة طه: الآيات 2 و3.
18 - سورة الإسراء: الآية 39.
19 - سورة الإسراء: الآيات 74 و75.
20 - سورة الحاقة: الآيات 44 - 47.
21- سورة النجم: الآية 3-4.
22- سورة الأعراف: الآية 155.
23- سورة الأعراف: الآية 143.
24- سورة البلد: الآية 10.
-25 سورة الشورى: الآية 51.
-26 سورة النجم: الآية 9.
-27 سورة النمل: الآية 16.
-28 سورة النازعات: الآية 5.
* يلاحظ أن هذه مصطلحات لا نكاد نعرف مغزاها، فإنها غالباً أعمق من تفكير البشر، وقدرته المعنوية...
-29 سورة الأعراف: الآياات 175 - 176.
-30 سورة الشعراء: الآية 219.
-31 من زيارة وارث التي يزار بها الحسين (عليه السلام).
-32 سورة آل عمران: الآية 39.
-33 سورة البقرة: الآية 37.
-34 سورة التحريم: الآية 12.
-35 سورة الكهف: الآية 65.
-36 سورة النمل: الآية 40.
37 - سورة الرعد: الآية 43.
38 - سورة البقرة: الآية 124.
39 - سورة النساء: الآية 171.
40 - سورة آل عمران: الآية 45.
41 - سورة البقرة: الآية 31.
42 - سورة طه: الآية 115.
43 - سورة البقرة: الآية 37.
44 - البقرة: الآية 253.
45 - سورة يونس: الآية 38.
46 - سورة يونس: الآية 38.
47 - سورة هود: الآية 13.
48 - غيبة الطوسي: ص243.
49 - منتهى المقال: ج1 ص241.
50 - غيبة الطوسي: ص257.
51 - جامع الرواة: ج2 ص153.
(أقول) يتكرر هنا في هذا الفصل ذكر كتاب (ربيع الشيعة) ونسبته إلى السيد ابن طاووس (قدس سره) لكن في النسبة إشكالاً يظهر مما ذكره المحقق النوري (قدس سره) في المستدرك (ج 3 ص469) كما يلي: عد العلامة المجلسي في أول البحار من كتبه ربيع الشيعة وقال بعد ذلك وكتب السادة الأعلام ابنا طاوس كلها معروفة وتركنا منها كتاب ربيع الشيعة لموافقته لكتاب أعلام الورى في جميع الأبواب والترتيب وهذا مما يقضي منه العجب، وقال العالم الجليل المولى عبد النبي الكاظمي في حاشية كتابه (تكملة الرجال) قد وقفت على أعلام الورى للطبرسي وربيع الشيعة لابن طاوس وتتبعتهما من أولهما إلى آخرهما فوجدتهما واحداً من غير زيادة ولا نقصان ولا تقديم ولا تأخير أبداً إلا الخطبة وهو عجيب من ابن طاوس على جلالته وقدرته وعن هذا العمل ولتعجبي واستغرابي صرت احتمل احتمالات فتارة أقول لعل ربيع الشيعة غيره ونحو هذا حتى رأيت المجلسي (رحمه الله) في البحار ذكر الكتابين ونسبها إليهما ثم قال هما واحد وهو عجيب وقال في حاشية أخرى كنت أنقل عن ربيع الشيعة لابن طاوس وأعلام الورى فرأيتهما من أولهما إلى آخرهما متحدان ? ينقصان شيئاً ولا يتغيران ? عنواناً ولا ترتيباً ولا غير ذالك إلا خطبتهما فأخذ في العجب العجاب وحدست أن ? يكونا كتابين واحتملت أن يكون اشتباهاً من الناس تسمية أحدهما ربيع الشيعة فتتبعت كتب الرجال فلم أجد أحداًٍ ذكر اتحادهما حتى وقفت على البحار فوجدت ذكر كتاب ربيع الشيعة أنه هو بعينه أعلام الورى وتعجب هو من اتحادهما انتهى.
قلت هذا الكتاب غير مذكور في فهرست كتبه في كتاب إجازاته ولا في كشف المحجة وما عثرت على محل أشار إليه وأحال عليه كما هو دأبه غالباً في مؤلفاته بالنسبة إليها وهذان الجليلان مع عثورهما على الاتحاد واستغرابهما لم يذكرا له وجهاً وقد ذاكرت في ذلك مع شيخنا الأستاذ طاب ثراه فقال وأصاب في حدسه أن الظاهر أن السيد عثر على نسخة من الأعلام لم يكن لها خطبة فأعجبه فكتبه بخطه ولم يعرفه وبعد موته وجدوه في كتبه بخطه ولم يكن لهم علم بأعلام الورى فحسبوا أنه من مؤلفاته فجعلوا له خطبة على طريقة السيد في مؤلفاته ونسبوه إليه ولقد أجاد فيما أفاد.
52 - رجال الكشي: ص485.
53 - جامع الرواة: ج1 ص44.
54 - غيبة الطوسي: ص171.
55 - جامع الرواة: ج1 ص35 ومستدرك الوسائل: ج3 ص550.
56 - رجال النجاشي: ص71.
57 - الغيبة: ص258.
58 - إكمال الدين: ص189.
59 - جامع الرواة: ج1 ص42 - 131.
60 - إكمال الدين.
61 - جامع الرواة: ج1 ص42 - 131.
62 - إكمال الدين.
63 - عن رجال الكشي: ص485.
64 - جامع الرواة : ج1 ص42 - 131.
65 - جامع الرواة: ج2 ص427 - 83.
66 - جامع الرواة: ج2 ص427 - 83.
67 - إكمال الدين.
68 - فهرست الشيخ (قدس سره): ص179.
69 - نقلاً عن غيبة الطوسي: ص257.
70 - رجال النجاشي: ص257.
71 - رجال النجاشي: ص257.
72 - إكمال الدين.
73 - جامع الرواة : ج2 ص19.
74 - غيبة الشيخ: ص188 وبعدها.
75 - جامع الرواة: ج2 ص130.
76 - جامع الرواة: ج1 ص61.
77 - جامع الرواة: ج1 ص61.
78 - هو السفير الثاني أو الثالث على الظاهر.
79 - كتاب الغيبة للطوسي (قدس سره): ص187.
80 - جامع الرواة: ج1 ص33.
81 - عن رجال الكشي: ص508.
82 - الغيبة: ص258.
83 - ترجم له في (خلاصة الرجال) ص9، والوسائل ج20 ص122 ومستدرك الوسائل: ج3 ص550.
84 - الوسائل: ج20 ص133.
85 - جامع الرواة: ج1 ص41.
86 - جامع الرواة: ج1 ص42، ترجم له رجال النجاشي: ص66 وخلاصة الرجال: ص8، والغيبة: ص258.
87 - الوسائل: ج20 ص145.
88 - الغيبة: ص212، ترجم له أيضاً رجال النجاشي: ص74، والفهرست للطوسي: ص40 وخلاصة الرجال: ص7.
89 - جامع الرواة: ج1 ص307.
90 - إلزام الناصب: ج1 ص427.
91 - وسائل الشيعة: ج20 ص190.
92 - جامع الرواة: ج1 ص307.
93 - رجال النجاشي: ص113 - ومعالم العلماء: ص41 - وخلاصة الرجال: ص34 - ورجال الشيخ الطوسي (قدس سره): ص414.
94 - الجهة المقدسة قد تكون كناية عن ناحية صاحب الأمر (عليه السلام).
95 - فيكون المقصود بـ(أبي محمد) الإمام الرضا (عليه السلام)، وإلا لو كان المراد به الإمام الحسن العسكري فهو غير صحيح إذ لا أخ لصاحب الامر (عليه السلام).
96 - جامع الرواة: ج1 ص41.
97 - بحار الأنوار: ج53 ص197.
98 - جامع الرواة: ج2 ص58 - 63.
99 - إلزام الناصب: ج1 ص427.
100 - جامع الرواة: ج1 ص618.
101 - كان الإمام الشهيد الشيرازي المؤلف (قدس سره) أراد في هذا الفصل أن يسجل العشرات من آيات القرآن المفسرة، والمُأوّلة (بالإمام المهدي) عليه الصلاة والسلام، ويعطي كل واحدة منها شيئاً موجزاً من التحليل والتوضيح.. لكنه - كما يبدو - لم يكن بعد قد سجل سوى مورد واحد من القرآن الحكيم حتى أسرعت إليه الأيدي الظالمة تصرع شهيداً في سبيل الإسلام.. رضوان الله عليه.
102 - هنا انتهى المؤلف الشهيد (قدس سره) من وضع هذه المقدمة ولم ينته بعد ما أراد إثباته فيها، فهذه المقدمة تعاني من عدم إكمال نتيجة رصاصات الغدر من بعث العراق عصر يوم الجمعة 16 جمادى الثانية 1400 هجرية فإنا لله وإنا إليه راجعون. الناشر.
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages