تاريخ لأدلجة تأليه الملك
بالنسبة لمؤسسة "الملك المؤله" فإن أسطورة ايتانا والنسر السومرية تجسد حالة تساعد فى استكشاف العامل الأيديولوجي الكامن فى أساس مفهوم الملكية فى الشرق القديم. النص الأقدم لهذه الأسطورة كان قد وصل إلينا من العصر البابلى القديم (2000- 1600 ق.م.) وعثر عليه فى موقع مدينة سوسة العاصمة العيلامية، كما وصلنا نص آخر من العصر الآشوري الوسيط 1600-1000 ق.م.، ونص ثالث من مكتبة آشور بن بعل من نينوى يعود للقرن السابع قبل الميلادي وهو النص الأكثر اكتمالا ووضوحاً من بين تلك النصوص. تدور أحداث القصة فى الأزمان الأولى عندما كان الآلهة يقومون بمهمة خلق الجهات الأربع، ويضعون مخططاً لبناء أول مدينة للبشر هى مدينة كيش. فبعد أن انتهوا من أعمال الخلق والتنظيم أسسوا منصب الملوكية، وراحوا يبحثون عن شخص مناسب ينصبونه ملكاً على المدينة، ليكون حاكماً صالحاً للناس فوقع اختيارهم أخيراً على إيتانا الآلهة الكبار الذين يقدرون المصائر، جلسوا، تشاوروا فى أمور البلاد بينما كانوا يخلقون جهات العالم الأربع ويصوغون شكله لم يكونوا قد أقاموا ملكاً على الناس قاطبة ولم يكن التاج وعصابة الرأس، حينئذ قد أوثقا معاً (11) ولم يكن أحد بعد قد توج بصولجان الملك ولم تكن منصة العرش أيضاً قد رفعت بعد ذلك هبطت الملكية من السماء كانت عشتار فى ذلك الوقت تبحث عن راع كانت تبحث هنا وهناك عن ملك وإنليل يبحث عن منصة عرش لإيتانا الشاب الذى كانت عشتار لا تنى تبحث عنه. هكذا وقع اختيار الآلهة على إيتانا ليكون أول ملك أقيم لحكم الناس. لكن ماذا بشأن ميكانيزم توريث الملكية بعد أن هبطت من السماء؟ متن الأسطورة يتألف من قصتين. بعد صعود إيتانا على عرش كيش، نمت شجرة عملاقة وارفة الظلال.. جاءت اليها حيَّة متخذة من قاعدتها وكراً لها ولصغارها، ثم حط على قمتها نسر فصنع له ولفراخه عشاً. تعاهد الإثنان على العيش بسلام وعلى إقتسام الطعام فيما بينهما.. ووثقا عهدهما هذا بالقسم أمام الإله شمش، إله الحق والعدالة، على إحترام الاتفاق وعدم النكوص بالعهد. إلا أن النسر بعد أن كبر فروخه أضمر فى قلبه شراً وراح يتحين الفرص لأكل صغار الحيَّة. ورغم نصيحة فرخه فقد انتهز النسر غياب الحيَّة وانقضَّ وأكل صغارها وهرب. تضرعت الحيَّة أمام الإله شمش أن يثأر لها من النسر. استجاب شمش فرسم للحيَّة خطة توقع بالنسر.. سيدفع شمش لها ثوراً مقيداً فى الفلاة، وعليها أن تقتلع وتختبئ فى أحشائه.. وعندما يأتى النسر مع بقية الطيور ليأكل من الجيفة فعليها أن تنقض عليه فتنزع مخالبه وتنتف ريش أجنحته، ثم ترميه فى حفرة عميقة ليموت هناك من الجوع والعطش. وبعد أن تم للحيَّة تنفيذ الخطة بنجاح راح النسر فى كل يوم يتضرع الى شمش لينقذه من ورطته فقال له شمش: أنت مخلوق مؤذ وشرير، وقد أحزنت قلبى لقد ارتكبت فعلاً مرذولاً من قبل الآلهة، لا يقبل الصفح ها أنت تموت ولكني لن أقترب منك سأبعث لك رجلاً فأطلب منه عوناً. وتبدأ القصة الثانية التى تعود بنا الى إيتانا الصالح. فايتانا عاقر وقد شارف على الشيخوخة دون أن يرزق بغلام يخلفه على العرش. ويعلم إيتانا عن نبتة مزروعة فى السماء تشفى من العقم، فيدعو الإله شمش أن يجعل النبتة فى متناول يده. يدله شمش على مكان النسر الحبيس فى قاع حفرة، فيحرره إيتانا ويشفيه لقاء أن يطير به الى السماوات العلا لجلب نبتة الإخصاب التى تتعهدها عشتار بالرعاية والسقاية. ويصل إيتانا والنسر الى سماء آنو. هكذا جاءت "بذرة الملكية" من السماء ذلك أننا نعرف من وثيقة "ثبت ملوك سومر" أن الملك إيتانا كان أول ملك على كيش بعد الطوفان، وأنه الذى أسس سلالة كيش الأولى، وأن وريثه على العرش كان ابنه المدعو بالح. ان لدينا من الأسباب ما يرجع تاريخ هذه الأسطورة الى مطلع عصر السلالات فى سومر (حوالي2600 ق.م.). فرغم أن أقدم نص لها، وهو النص البابلي القديم كما أشرنا، يرجع الى مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد، فأن العثور على عدد من الأختام الاسطوانية التى ترجع الى عصر سارجون (حوالى 2300 ق.م.)، والتى نرى عليها مشهداً يمثل صعود إنسان ما الى السماء على ظهر نسر، يؤكد لنا أن أسطورة إيتانا كانت معروفة خلال أواسط الألفية الثالثة قبل الميلاد، وأن جذورها تضرب أبعد من ذلك فى عصر السلالات الأولى، والى زمن قريب من صعود أسرة كيش الأولى. السؤال هو ما معنى هذه الأسطورة؟ وما هى الرسالة التى تحملها لنا؟ رغم إحتواء الأسطورة على قصتين غير متجانستين فإن رسالتها واضحة. فالهاجس الرئيس هو التأسيس لأصل مؤسسة الملكية التى "هبطت من السماء".
فهى بهذا، كما يشير محقاً فراس السواح، "أسطورة أصول، وتنتمى الى تلك الزمرة من أساطير الأصول التى تهدف الى تبرير المؤسسات الاجتماعية القائمة وتجذيرها فى البدايات الميثولوجية الأولى، من أجل إسباغ طابع القداسة عليها". أما معنى قصة الحيَّة والنسر فقد فسرها فراس السواح بصورة أجد جدوى فيها حيث استبعد التفسير الذى يرى فى قصة الحية والنسر مجرد حكاية ذات طابع تشويقى تم إدماجها فى السياق العام للقصة الرئيسة لأغراض أدبية محضة. ففى رأيه أن التلازم الطويل بين القصتين فى جميع النصوص التى وصلتنا من الأسطورة، وعبر أكثر من
ألف عام، يدفعنا الى استبعاد هذا التفسير. ويرى فراس أن التجربة مع الحيَّة
تتضمن حدثين قادا الى حدث ثالث هو مركز القصة بكاملها
. ويرى فى الحدثين الأولين مرحلتين فى طقس عبور وتعدية. فى المرحلة الأولى يأكل النسر صغار الحيَّة، وفى المرحلة الثانية يلقى بالنسر فى قاع حفرة عميقة فى باطن الأرض. فأما أكل صغار الحيَّة فهو إجراء طقسى يؤدى الى إكساب النسر قوى تتعلق بالإخصاب،
لأن الحيَّة هى رمز للخصوبة فى ثقافات الشرق القديم ورمز للشفاء أيضاً.
وأما الهبوط الى قاع الحفرة المظلم فهو إجراء طقسى آخر مشابه من حيث الغاية. فلقد كان على النسر أن يموت رمزياً فى باطن الأرض- الأم لكى يبعث من جديد معافى ومزوداً بقوى تتعلق أيضاً بالإخصاب زودته بها ننخرساج، الأرض. أما الشجرة التى كانت مسرح الصراع بين النسر والحيَّة، فتمثل مبدأ الحياة الذى قوامه قطبان
الموجب والسالب؛ المبدأ الذكرى والمبدأ الأنثوي.
وهنا يتجسد المبدأ الذكرى فى النسر الذى يسكن قمة الشجرة ويطير فى السماء، وتجسد الحيَّة المبدأ الأنثوى الملتصق بالأرض. وما الصراع بين النسر والحيَّة إلا تمثيل للتناقض بين المبدئين. لقد هبط النسر أولاً من القمة الى الأرض حيث جحر الحيَّة، ثم هبط أعمق من ذلك فى غياهب البئر حيث رحم الأرض، لينطلق بعد ذلك فى طلب النبتة التى تتعهدها بالرعاية عشتار إلهة الخصوبة الكونية. هذا المغزى السرانى لعلاقة النسر بالحيَّة يفسر لنا عدم جدية العقاب الذى تعرض له النسر، ومسارعة الإله شمش الى العفو عنه ليوكل اليه المهمة التى صار الآن
صالحاً لها، بعد أن تحول من خلال الطقس الذى مرَّ به، من نسر عادى الى نسر قادر على إتمام مهام لا يقدر عليها غيره |