اسطورة ايتانا و النسر

648 views
Skip to first unread message

Adnan Beydoun

unread,
Feb 25, 2013, 4:01:11 AM2/25/13
to
 
 

 

ايتانا و النسر

اقدم نص لهذه الاسطورة من العصر البابلي القديم (2000-1600 ق.متدور احداث الاسطورة في الازمان الاولى عندما كان الآلهة يخلقون الجهات الاربعة و يضعون المخططات لبناء اول مدينة للبشر هي مدينة كيش... ثم راحوا يبحثون عن شخص مناسب ينصبونه ملكا" ووقع اختيارهم على ايتانا.
بعد استلامه العرش نمت شجرة عملاقة وارفة الظلال, وجاءت اليها حية فاتخذت من قاعدتها وكرا" لها و لصغارها
ثم حط على قمتها نسر فصنع له و لفراخه عشا".
وتعاهد الاثنان على العيش بسلام ....
حتى كبر فراخ النسر ولم يعودوا بحاجة لرعاية عندئذ أضمر النسر في قلبه شرا" وراح يتحين الفرصة لينقض على صغار الحية .... وكان له هذا في غياب الحية
وعندما عادت الحية الى وكرها بكت وذرفت الدموع امام الاله شمش ضارعة اليه ان يثأر لها من النسر .و استجاب لها الاله شمش ورسم لها خطة مكنتها من الانقضاض على النسر و نتف ريشه و اقتلاع مخالبه .. ثم القته في الحفرة العميقة ....راح النسر يتضرع في كل يوم للاله شمش ان ينقذه من ورطته فقال له شمش
انك مخلوق مؤذ و شرير , و قد أحزنت قلبي.
لقد ارتكبت فعلا" مرذولا" من قبل الآلهه لا يقبل الصفح .
ها انت تموت ولكني لن اقترب منك
بل سأقيض لك رجلا" ,فاطلب منه عونا".
..
هنا تعود بنا السطورة الى الملك ايتانا الذي كان عاقرا" و قد شارف على الشيخوخة وكان يصلي في كل يوم و يقدم القرابين للآله علها ترفع عنه علة العقم .
كان عالما" بوجود نبته مزروعه في السماء تشفي من العقم , فكان يصلي للاله شمش ان يجعلها في متناول يده .
وهكذا يستجيب الاله شمش لدعوات ايتانا و يدله على مكان النسر الحبيس فيحرره و يشفيه لقاء ان يطير به الى السماوات العلا...
و تم ان شفي النسر و ارتقى ايتانا ظهره فانطلق به الى طبقات الجو العليا حتى تبدو الارض وكأنها بستان صغير و يبدو البحر الواسع وكأنه قدر ماء .
ولكن قوى النسر تخور و يعترف بعجزه عن المضي قدما" ابعد من ذلك ثم يهوى عائدا" الى الارض .
في هذه الاثناء يرى ايتانا حلما" غريبا" عن رحلة اخرى الى السماء فقص الحلم على النسر ...فيرى النسر في الحلم بشارة بالنجاح
فيقرر التحليق مرة اخرى .. وتنجح المحاوة و يصل بايتانا الى ماء آنو (اسم اله) فيدخلان و يسجدان.. و يحصلان على ما أرادا......
.....
من هنا نرى انه كان على النسر ان يمر بتجربته مع الافعى قبل ان يكون قادرا" على التحليق في طلب نبتة الاخصاب . فهذه التجربة هي التي أهلته للمهمة و جعلت منه نسرا" مختلفا" عن بقية النسور باستطاعته القيام بمهام لا يقدر ان يؤديها غيره

اول الحضارات الانسانية

ليس ثمة شك بان حضارتنا القائمة ان هي الا إمتداد لحضارات تعاقبت من بزوغ فجر اول الحضارات الانسانية، وان ثمار المعرفة التي يجنيها عالم اليوم ما هي الا حصيلة ذلك الغرس الذي نما وترعرع خلال الوف الاعوام التي قضتها الانسانية في مسيرتها الحضارية، لقد زرعوا فاكلنا ونزرع فيأكلون، وتلك سنن الوجود الانساني

قبل سنوات عديدة اثيرت قضية مهمة شغلت اهتمام الكثير من العلماء والباحثين الاثاريين، وظلت اصداؤها تتردد في انحاء عديدة من العالم، القضية قد تبدو للوهلة الاولي وكأنها ضرب من الخيال، او انها تنطوي علي شي من الافتعال، وما دمنا بصدد الحديث عن الفضاء وطريقة الصعود اليه آثرنا ان نعود لهذه المسألة لكي نستقصي جذورها ونضع امام القاريء الكريم الاسباب التي استند اليها مؤيدو تلك الفكرة، وهي اسباب مقنعة جدا عندما تخضع لاسلوب البحث العلمي القائم علي الاستقراء والمقارنة ومن ثم الاستنتاج لنصل بعد ذلك الي ربط الاسطورة العراقية القديمة (البابلية) بظاهرة الصعود الي السماء.

يستند العلماء الذين اعتنقوا هذه النظرية الي قصة الملك (اينانا) من سلالة (كيش البابلية) الذي حكم في بلاد ما بين النهرين حوالي (اربعة الاف سنة قبل الميلاد) نقلاً عن كتاب بلاد (آشور) لمؤلفه (اندريه بارو) وتتلخص قصة هذا الملك في كونه كان يشكو عقم زوجته وعدم قدرتها علي الحمل والانجاب، الامر الذي كان يهدده بفقدان سلطة سلالته من بعده، وكان هذا الملك تقياً يؤدي الشعائر الالهية باخلاص واجتهاد، ولقد وصف الاطباء والحكماء له دواءً يستخلص من نبات لا ينبت الا في مكان ما من أعالي السماء وفيه العلاج الشافي لزوجته من عقمها، وبما ان الملك (ايتانا) كان عاجزا عن الوصول الي مكان الدواء، لذا نراه يطرق باب الاله البابلي (شمش) ويتضرع اليه في معبده طالبا منه العون والمساعدة.

النسر المنكود

وامام توسلات الملك (ايتانا) وتضرعه يتذكر الاله (شمش) نسراً كان قد عاقبه بنفسه لريشه وكسر جناحيه، لجريرة سيئة كان قد اقترفها النسر، لذا يطلب (شمش) من (ايتانا) الذهاب الي الوادي حيث يعيش النسر المنكود، ومن ثم معالجته والعناية به، حتى اذا شفي ينطلق به الي اعالي السماء حيث يوجد البناء الذي ينشده (ايتانا).

وفعل (ايتانا) بما نصحه به الاله (شمش) فيعني بالنسر حتي ينبت ريشه من جديد، وتقوي جناحيه علي الطيران، عندها امتطي ظهر النسر وانطلق النسر نحو السماء يعلو به شيئا فشيئا وبعدما قطع مسافة معينة، التفت النسر الي (ايتانا) وسأله..؟

كيف تري الارض يا صاحبي

وينظر (ايتانا) الي الارض من ذلك الارتفاع الشاهق ثم يجيب.. انها تبدو مثل جبل والبحر يشبه مستنقعا صغيرا ويعاود النسر الارتفاع ثانية ثم يعود ليسأل (ايتانا)... والآن كيف تري الارض يا صاحبي؟

فيجيب (ايتانا) بعدما يرنو ببصره الي الارض من تحته: الارض تشبه قطعة من عجين والبحر مثل حوض ماء صغير ويعاود النسر الارتفاع مرة اخري.. وهنا ينقطع النص، لان اللوح الطيني كان تالفاً بعض اجزائه، بحيث استعصي علي المختصين باللغات القديمة من الوصول الي بقية الحكاية، ومع هذا فان ثمة ادلة قوية ومقنعة تشير الي ان (ايتانا) قد وصل الي مكان الدواء.. بدليل ان زوجته انجبت له ولياً للعهد هو ابنه )باليخ) الذي حكم بعده اعواما طويلة.

صعود (ايتانا) الي الفضاء

ومع ان اسطورة (ايتانا)، وما يفترض ان تكون اسطورة ليس فيها دليل مادي علي ذلك الصعود، الا ان الدليل الثاني الذي يقدمه لنا الباحثون لتأكيد صعود (ايتانا) الي الفضاء ينحصر في وصف (ايتانا) للارض من تحته عندما تكرر سؤال النسر له.. كيف تري الارض يا صاحبي، فوصف (ايتانا) للارض من علو شاهق متطابق المعطيات العلمية التي صورت الارض من خلال الاقمار الصناعية، ومثل هذا الوصف لا يمكن ان يطلقه الا من تسني له رؤية الارض من ارتفاعات شاهقة جداً، فكيف تم تدوين ذلك في اللوح الطيني.

وباسقاط حكاية النسر الذي لا يمكن له حمل انسان والانطلاق به، وعدم استطاعة النسور التحليق الا لارتفاعات محدودة، وبما ان المصادر الاثارية والتاريخية لم تيسر لنا أي مجال لاثبات حقيقة صنع البابليين المراكب الفضائية التي تحتاج الي تقنية علمية عالية، وحضارة تكنولوجية لم تكن متيسرة لبلاد ما بين النهرين، يبقي الاحتمال الاكثر قبولا هو ان ارضا شهدت زوارا فضائيين من كواكب اخري وأنجدت الملك (ايتانا) في محنته.

ومن الادلة الاخري بين الاف الرقم والالواح المسمارية التي عثرت عليها بعثات التنقيب سنجد انفسنا امام دليل آخر قد يقوي الرأي السابق.. فعلي احد الالواح نقرأ نصاً يقول :

اذا ظهرت الشمس في ساعات منتصف الليل فان ذلك يعني ان هنالك ثورة ترتب ضد الملك
وفي نص ثان ما ترجمته: (اذا ظهرت الشمس في احدي الساعات الليلية القريبة من الصباح، فان ذلك يعني ان تلك المدينة سيكون لها ملك ثان

وبما ان ظهور الشمس ليلاً أمر ضد القوانين الطبيعية، فلا بد ان تلك الشمس المزعومة كانت تستعمل مصابيح مضيئة كبيرة جدا لتنوير طريقها عند الهبوط ارضا، ولا بد ان الاضاءة كانت من الشدة والتوهج بحيث اوحت للناس البعيدين عن مكان هبوط المركبة وكأنها شمس ان هذه الادلة مع كونها كانت وما تزال قائمة علي الاستنباط المنطقي والتحليل العلمي، الا انها زارت الارض طبقا للبراهين السالفة.

مع اقراري بقصر باعي، أعلم حق العلم ان امامي عقبة كؤوداً، وورائي من الصعوبات ما لا يشعر بها الا من سلك هذا الطريق وعرف ما يحصل من عراقيل جراء سلوكه، بيد أني استسهلت تلك العراقيل والعوائق لما ينجم من وراء ركوبها من الفوائد الجمة والمنافع العامة، وقد وسمت مقالي لهذا العنوان عملاً بالفوائد التي لا تقل عن فوائد سائر العلوم التاريخية والعمرانية والتهذيبية وقد اخذتني النخوة الاثارية في ان اشمر عن ساعد الجد والبي الدعوي الي الكتابة في الاساطير العراقية القديمة لتكون سراجا منيرا يهتدي بنوره القراء.

يختلف المحدثون من دراسي الاساطير القديمة اختلافا جذريا في نظراتهم لطبيعة الاساطير وميدانها ومدلولها، فهناك الذين ينظرون اليها كروايات خرافية وهمية ذات منزلة فكرية وروحية ضئيلة
ويناقضهم اولئك العلماء الذين يؤمنون بان الاساطير تمثل واحدة من اعمق منجزات الروح الانسانية وهو الخلق الملهم لعقول شاعرية خيالية موهوبة سليمة لم يفسدها تيار الفحص العلمي ولا العقلية التحليلية، ولذلك كانت مفتوحة وعرضة لتأملات كونية عميقة، احتجبت عن الانسان المفكر الحديث بحكم حدوده المقيدة ومنطقة الجامد الذي لا روح فيه.

 
تاريخ لأدلجة تأليه الملك

بالنسبة لمؤسسة "الملك المؤله" فإن أسطورة ايتانا والنسر السومرية تجسد حالة تساعد فى استكشاف العامل الأيديولوجي الكامن فى أساس مفهوم الملكية فى الشرق القديم. النص الأقدم لهذه الأسطورة كان قد وصل إلينا من العصر البابلى القديم (2000- 1600 ق.م.) وعثر عليه فى موقع مدينة سوسة العاصمة العيلامية، كما وصلنا نص آخر من العصر الآشوري الوسيط 1600-1000 ق.م.، ونص ثالث من مكتبة آشور بن بعل من نينوى يعود للقرن السابع قبل الميلادي وهو النص الأكثر اكتمالا ووضوحاً من بين تلك النصوص.

تدور أحداث القصة فى الأزمان الأولى عندما كان الآلهة يقومون بمهمة خلق الجهات الأربع، ويضعون مخططاً لبناء أول مدينة للبشر هى مدينة كيش. فبعد أن انتهوا من أعمال الخلق والتنظيم أسسوا منصب الملوكية، وراحوا يبحثون عن شخص مناسب ينصبونه ملكاً على المدينة، ليكون حاكماً صالحاً للناس فوقع اختيارهم أخيراً على إيتانا

الآلهة الكبار الذين يقدرون المصائر،

جلسوا، تشاوروا فى أمور البلاد

بينما كانوا يخلقون جهات العالم الأربع ويصوغون شكله

لم يكونوا قد أقاموا ملكاً على الناس قاطبة

ولم يكن التاج وعصابة الرأس، حينئذ قد أوثقا معاً (11)

ولم يكن أحد بعد قد توج بصولجان الملك

ولم تكن منصة العرش أيضاً قد رفعت

بعد ذلك هبطت الملكية من السماء

كانت عشتار فى ذلك الوقت تبحث عن راع

كانت تبحث هنا وهناك عن ملك

وإنليل يبحث عن منصة عرش لإيتانا

الشاب الذى كانت عشتار لا تنى تبحث عنه.

هكذا وقع اختيار الآلهة على إيتانا ليكون أول ملك أقيم لحكم الناس. لكن ماذا بشأن ميكانيزم توريث الملكية بعد أن هبطت من السماء؟

متن الأسطورة يتألف من قصتين. بعد صعود إيتانا على عرش كيش، نمت شجرة عملاقة وارفة الظلال.. جاءت اليها حيَّة متخذة من قاعدتها وكراً لها ولصغارها، ثم حط على قمتها نسر فصنع له ولفراخه عشاً. تعاهد الإثنان على العيش بسلام وعلى إقتسام الطعام فيما بينهما.. ووثقا عهدهما هذا بالقسم أمام الإله شمش، إله الحق والعدالة، على إحترام الاتفاق وعدم النكوص بالعهد. إلا أن النسر بعد أن كبر فروخه أضمر فى قلبه شراً وراح يتحين الفرص لأكل صغار الحيَّة. ورغم نصيحة فرخه فقد انتهز النسر غياب الحيَّة وانقضَّ وأكل صغارها وهرب.

تضرعت الحيَّة أمام الإله شمش أن يثأر لها من النسر. استجاب شمش فرسم للحيَّة خطة توقع بالنسر.. سيدفع شمش لها ثوراً مقيداً فى الفلاة، وعليها أن تقتلع وتختبئ فى أحشائه.. وعندما يأتى النسر مع بقية الطيور ليأكل من الجيفة فعليها أن تنقض عليه فتنزع مخالبه وتنتف ريش أجنحته، ثم ترميه فى حفرة عميقة ليموت هناك من الجوع والعطش. وبعد أن تم للحيَّة تنفيذ الخطة بنجاح راح النسر فى كل يوم يتضرع الى شمش لينقذه من ورطته فقال له شمش:

أنت مخلوق مؤذ وشرير، وقد أحزنت قلبى

لقد ارتكبت فعلاً مرذولاً من قبل الآلهة، لا يقبل الصفح

ها أنت تموت ولكني لن أقترب منك

سأبعث لك رجلاً فأطلب منه عوناً.

وتبدأ القصة الثانية التى تعود بنا الى إيتانا الصالح. فايتانا عاقر وقد شارف على الشيخوخة دون أن يرزق بغلام يخلفه على العرش. ويعلم إيتانا عن نبتة مزروعة فى السماء تشفى من العقم، فيدعو الإله شمش أن يجعل النبتة فى متناول يده. يدله شمش على مكان النسر الحبيس فى قاع حفرة، فيحرره إيتانا ويشفيه لقاء أن يطير به الى السماوات العلا لجلب نبتة الإخصاب التى تتعهدها عشتار بالرعاية والسقاية. ويصل إيتانا والنسر الى سماء آنو. هكذا جاءت "بذرة الملكية" من السماء ذلك أننا نعرف من وثيقة "ثبت ملوك سومر" أن الملك إيتانا كان أول ملك على كيش بعد الطوفان، وأنه الذى أسس سلالة كيش الأولى، وأن وريثه على العرش كان ابنه المدعو بالح.

ان لدينا من الأسباب ما يرجع تاريخ هذه الأسطورة الى مطلع عصر السلالات فى سومر (حوالي2600 ق.م.). فرغم أن أقدم نص لها، وهو النص البابلي القديم كما أشرنا، يرجع الى مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد، فأن العثور على عدد من الأختام الاسطوانية التى ترجع الى عصر سارجون (حوالى 2300 ق.م.)، والتى نرى عليها مشهداً يمثل صعود إنسان ما الى السماء على ظهر نسر، يؤكد لنا أن أسطورة إيتانا كانت معروفة خلال أواسط الألفية الثالثة قبل الميلاد، وأن جذورها تضرب أبعد من ذلك فى عصر السلالات الأولى، والى زمن قريب من صعود أسرة كيش الأولى.

السؤال هو ما معنى هذه الأسطورة؟ وما هى الرسالة التى تحملها لنا؟

رغم إحتواء الأسطورة على قصتين غير متجانستين فإن رسالتها واضحة. فالهاجس الرئيس هو التأسيس لأصل مؤسسة الملكية التى
"هبطت من السماء".
 فهى بهذا، كما يشير محقاً فراس السواح، "أسطورة أصول، وتنتمى الى تلك الزمرة من أساطير الأصول التى تهدف الى تبرير المؤسسات الاجتماعية القائمة وتجذيرها فى البدايات الميثولوجية الأولى، من أجل إسباغ طابع القداسة عليها". أما معنى قصة الحيَّة والنسر فقد فسرها فراس السواح بصورة أجد جدوى فيها حيث استبعد التفسير الذى يرى فى قصة الحية والنسر مجرد حكاية ذات طابع تشويقى تم إدماجها فى السياق العام للقصة الرئيسة لأغراض أدبية محضة. ففى رأيه أن التلازم الطويل بين القصتين فى جميع النصوص التى وصلتنا من الأسطورة، وعبر أكثر من ألف عام، يدفعنا الى استبعاد هذا التفسير. ويرى فراس أن التجربة مع الحيَّة
 
تتضمن حدثين قادا الى حدث ثالث هو مركز القصة بكاملها
 
. ويرى فى الحدثين الأولين مرحلتين فى طقس عبور وتعدية. فى المرحلة الأولى يأكل النسر صغار الحيَّة، وفى المرحلة الثانية يلقى بالنسر فى قاع حفرة عميقة فى باطن الأرض. فأما أكل صغار الحيَّة فهو إجراء طقسى يؤدى الى إكساب النسر قوى تتعلق بالإخصاب،
 لأن الحيَّة هى رمز للخصوبة فى ثقافات الشرق القديم ورمز للشفاء أيضاً.
 وأما الهبوط الى قاع الحفرة المظلم فهو إجراء طقسى آخر مشابه من حيث الغاية. فلقد كان على النسر أن يموت رمزياً فى باطن الأرض- الأم لكى يبعث من جديد معافى ومزوداً بقوى تتعلق أيضاً بالإخصاب زودته بها ننخرساج، الأرض. أما الشجرة التى كانت مسرح الصراع بين النسر والحيَّة، فتمثل مبدأ الحياة الذى قوامه قطبان
 
 الموجب والسالب؛ المبدأ الذكرى والمبدأ الأنثوي.
 
 وهنا يتجسد المبدأ الذكرى فى النسر الذى يسكن قمة الشجرة ويطير فى السماء، وتجسد الحيَّة المبدأ الأنثوى الملتصق بالأرض. وما الصراع بين النسر والحيَّة إلا تمثيل للتناقض بين المبدئين. لقد هبط النسر أولاً من القمة الى الأرض حيث جحر الحيَّة، ثم هبط أعمق من ذلك فى غياهب البئر حيث رحم الأرض، لينطلق بعد ذلك فى طلب النبتة التى تتعهدها بالرعاية عشتار إلهة الخصوبة الكونية. هذا المغزى السرانى لعلاقة النسر بالحيَّة يفسر لنا عدم جدية العقاب الذى تعرض له النسر، ومسارعة الإله شمش الى العفو عنه ليوكل اليه المهمة التى صار الآن صالحاً لها، بعد أن تحول من خلال الطقس الذى مرَّ به، من نسر عادى الى نسر قادر على إتمام مهام لا يقدر عليها غيره









 
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages