تعليق
جاء في مستهل سورة القلم قولُه تعالى: "ن والقلم وما يسطرون"، وهو قَسَمَ بالعلم والتعليم والكتابة التي من شأنها الرفعة والخروج إلى النور (ولادة) بعد معاناة الظلمات والتأخر (موت). وبين المفسِّرين الأعلام اختلاف في تفسير ن: فسَّرها بعضهم بالدواة لملاءَمة القلم المقسم به؛ وفسَّرها فريق آخر بالحوت؛ وفسَّرها آخرون تفسيرات شتى يجدر الرجوع إليها، ولهم في ذلك اجتهادات. وتفسيرها بالدواة يرجع إلى شكل الدواة التي هي على هيئة الكوب، والنقطة في وسطها رأس القلم المغموس في المداد الذي هو مادة العلم، وهو أصل الحياة الروحية. وفي تفسير روح المعاني للعلامة الآلوسي أن الظاهر من كلام المفسِّرين أن الدواة ليست عبارة عن الدواة المعروفة، بل هي دواة خُلِقَتْ يوم خلق ذلك القلم المقسم به، وهو قلم اللوح المحفوظ.
هذا وفي ختام السورة الكريمة قوله تعالى مخاطبًا الرسول (ص): "فاصبر لحكم ربِّك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم. لولا أن تداركه ربُّه لنُبِذَ بالعراء وهو مذموم. فاجتباه ربُّه فجعله من الصالحين." وقد وُصِف النبي يونس عليه السلام هنا بأنه صاحب الحوت، وورد وصفه "ذا النون" في سورة الأنبياء (الآية 87). هذا ومن الطريف أن نذكر في هذا الصدد أن الكاف واللام والميم والنون متلاحقة ومتلازمة في غالبية أبجديات العالم. وعندنا أن "كلمن"، أي الكلام واللغة، مطية الفكر ورسول المعرفة.

من أهم رجالات الفكر الروحاني في العصور الحديثة وأعظم العلماء الذين انتهى إليهم الغوص في تاريخ الأديان والتبحُّر في الرموز الدينية المقدسة مؤلِّف المقال السابق، البحاثة الفرنسي رونيه غينون (1886-1951)، الذي اتصل روحيًّا بممثِّلين عن أهم المنقولات الروحية الحية، الطاوية والهندوسية والمسيحية والإسلامية، في بُعدها الباطني، ودرسها على مصادرها الأصلية، ثم اعتنق الإسلام لنيل بركة المُسارَرة الصوفية (البيعة) وتسمَّى بـ"عبد الواحد يحيى". وقد عاش العقدين الأخيرين من حياته في القاهرة، ومات ودُفِن فيها. وقد كتب الكثير من المقالات والكتب المهمة التي تجلو رموزًا كثيرة وأسرارًا مكنونة في المنقولات الروحية جمعاء. وكتاباته كانت المنطلق لتيار روحي نقلي شديد التماسك في الغرب. ومن المؤسف أنه لم يُترجَم منه إلى العربية إلا النزر اليسير. نشُيد هنا بفضل كلٍّ من المرحوم عفيف دمشقية الذي ترجم لفريتجوف شوون (تلميذ غينون) كتابه كيف نفهم الإسلام؟ وصديقنا الأستاذ نهاد خياطة الذي ترجم أيضًا لشوون العديد من المقالات (صدر بعضها في كتاب بعنوان الإيمان والإسلام والإحسان في مقارنة الأديان) ولتلميذ آخر لغينون، لوك بنوا، كتابه المذهب الباطني في ديانات العالم.
ع ك ي والمحرِّر
[1] نشر المؤلِّف هذا المقال في مجلة Études traditionnelles، عدد آب–أيلول 1938؛ ثم أعيد نشره بعد وفاته في كتاب بعنوان رموز العلم القدسي، الفصل 23. (المحرِّر) [2] وفقًا لترتيب "أبجد هوز". (المحرِّر) [3] مَتْسِيا يعني بالسنسكريتية "سمكة"؛ وهو أول "التنزيلات" العشرة Avatāra للإله فشنو Vishnu. وفي "تنزيل" أو تجلِّي السمكة هذا، يخلِّص الإله فشنو العالمَ من الطوفان الكبير. (المترجمة) [4] إخثيس في اللغة اليونانية معناها "سمكة"؛ وحروفها ΙΧΘΥΣ أوائل ألفاظ تتألف منها عبارة يونانية تفيد: "يسوع المسيح ابن الله مخلِّص". من هنا غدت السمكة رمزًا إلى المسيح عند المسيحيين الأوائل. (المحرِّر) [5] مَـنْـفَـنْـتَرا Manvantara كلمة سنسكريتية تعني، في علم الكونيات الهندوسي، العصور الأربعة عشرة التي تشكِّل الدور الكوني Kalpa، وكلُّ واحد من هذه العصور يحكمه Manu، أي ذرية إنسانية. (م) [6] راجع رونيه غينون، ملك العالم، الفصل 11. [7] بتقريب عجيب نلحظ أن معنى الرحم (الـيوني yoni بالسنسكريتية) موجود في كلمة ذلفِس delphus اليونانية، التي هي بنفس الوقت اسم الدلفين. [8] راجع ص 209 في الكتاب، فصل "القلب وبيضة العالم". (المحرِّر) [9] يقال مِيمَ الرجل، على البناء للمجهول، مَوْمًا أصابه الموم أي البرسام، وهو التهاب الصدر؛ والموم أيضًا أشد الجدري؛ والمومياء الجثمان المحنَّط؛ والموماة الفلاة التي لا ماء فيها ولا أنيس. (م) [10] نذكِّر هنا بأن "الضار" من الأسماء الإلهية الحسنى في المنقول الإسلامي. (المحرِّر) [11] الـماكارا الهندوسي هو أيضًا مسخ بحري، رغم أن له قبل كلِّ شيء معنًى ميمونًا يتعلق ببرج الجدي الذي يشغله في فلك البروج، فإن له، في كثير من التصاوير، سماتٍ تذكِّر بالرمزية "الإعصارية" للتمساح. [12] يفسَّر كسوف الشمس، في المعتقد الشعبي الشائع، بابتلاع الحوت إياها ونهاية الكسوف بلفظه لها. (المحرِّر) [13] من الملاحظ أن الرياضيين يكتبون باللغة العربية حرف النون بالمقلوب. (م) [14] يمكننا أن نتذكر هنا رمزية "الشمس الروحية" و"المضغة الذهبية" (هِرَنياغَرْبها) في المنقول الهندوسي؛ فضلاً عن ذلك فإن النون، بمقتضى بعض العلاقات الأخرى، هي الحرف الكوكبي للشمس. [15] راجع: رونيه غينون، ملك العالم، الفصل 11. [16] جاء في بداية المقال أن النون في حساب الجمَّل العربي تساوي 50. ونلاحظ أن هذا العدد بالرقم الهندي يشتمل على النقطة والدائرة التامة اللتين أشار إليهما غينون كرمز إلى الدور الكوني التام. (المحرِّر) [17] "هو امتداد الحضرة الإلهية الذي يندرج به الأزل في الأبد، وكلاهما في الوقت الحاضر، لظهور ما في الأزل على أحايين الأبد، وكون كلٍّ منها مجمع الأزل والأبد، فيتحد به الأزل والأبد والوقت الحاضر. فلذلك يقال له "باطن الزمان" و"أصل الزمان"، لأن الآنات الزمنية نقوش عليه وتغيرات تظهر بها أحكامُه وصورُه، وهو ثابت على حاله دائمًا سرمدًا [...]." (عبد الرزاق الكاشاني، اصطلاحات الصوفية) (المحرِّر) [18] راجع مقال ف. شوون "القربان"، المنشور في مجلة Études traditionnelles، عدد نيسان 1938، ص 137، هامش 2. [المقطع المشار إليه هو: "... بالعودة إلى الهند، لا نجانب الحقَّ إذا قلنا إن انتشار منقول صحيح غريب فيها، ألا وهو الإسلام، يبدو أنه يشير إلى أن الهندوسية نفسها لم تعد تمتلك ملء حيوية أو راهنية منقول ينطبق انطباقًا تامًّا على شروط عصر دوري معيَّن. وتلاقي الإسلام، بما هو الإمكانية النهائية المتفرعة عن المنقول القديم، والهندوسية، بما هي في الغالب فرعها المباشر، له دلالته ويستدعي اعتبارات شديدة التعقيد." (المحرِّر)]