الفواتح القرآنية ورسالة القرآن الحضارية

519 views
Skip to first unread message

وعند جهينة الخبر اليقين

unread,
Apr 10, 2012, 7:15:40 AM4/10/12
to

منح الله عز وجل الإنسان نعمة العقل.. وبالعقل عرف الإنسان ربه.. وبالعقل أيضا يميز الخبيث من الطيب وما على الإنسان إلا تقديم العمل الصالح الخالص لله عز وجل. وأبناء الأمة الإسلامية إن تحركوا بمنهج الإسلام القويم أمكن إصلاح حال المجتمع الإسلامي الذي يواجه تحديات عديدة في كافة مجالات الحياة.

لذا فإن أي مجتمع ينشد رقيه الحضاري لابد له أن يمتلك ركائز بنائه.. فالخلل المعاصر في نسيج الأمة نما من خلل النفوس الإنسانية، وفقدان التعليم المحوري، والثقافة البناءة، والتفقه والتعمق في معاني القرآن الكريم.


الفواتح القرآنية ورسالة القرآن الحضارية


إن رسالة القرآن الكريم الحضارية بناءة تحقق للنفس الإنسانية امتلاك العظة والعبر بتجديد روح الفاعلية والإنتاج داخل المجتمع المثمر.. والقرآن كلام الله المعجز للخلق في بلاغته وأسلوبه ونظمه وفي تأثير هدايته وفي علومه وحكمه، وفي كشف الحجج عن العيوب الماضية والمستقبلية.. وفي كل باب من هذه الأبواب للإعجاز فصول.. وفي كل فصل منها فروع ترجع إلى أصول ولقد حار العلماء والفقهاء في كشف حجب البيان عن وجوه إعجاز القرآن، فمن آيات هذا الإعجاز «الفواتح القرآنية».

إن سور القرآن العظيم عددها مائة وأربع عشرة سورة، وقد افتتح سبحانه وتعالى كتابه العزيز بعشرة أنواع من الكلام، لا يخرج شيء من السور عنها:

النوع الأول: الاستفتاح بالثناء، وهو قسمان:

- الأول: إثبات لصفات المدح، نحو قوله تعالى {الحمد لله} وقد جاء هذا الإثبات في خمس سور هي: الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر، ونحو قوله عز وجل {تبارك} فقد جاء هذا في سورتين هما: الفرقان والملك.

- أمّا الثاني: فهو تنزيه الحق تبارك وتعالى من صفات النقص، نحو قوله تعالى {سبحان الذي أسرى بعبده}، سورة الإسراء، و{سبح لله ما في السموات} في الحديدد والحشر والصف. {ويسبح لله} في سورة الجمعة وسورة التغابن. و{سبح اسم ربك الأعلى} في سورة الأعلى.

وكلا القسمين-أي إثبات صفات المدح، والتنزيه عن صفات النقص، جاء في سبع سور فهذه أربع عشرة سورة استفتحت بالثناء على الله، نصفها لثبوت صفات الكمال، ونصفها لسلب النقائص، وقد قال الكرماني في كتاب «العجائب في تفسير القرآن»: التسبيح.. كلمة استأثر الله بها، فبدأ بالمصدر منها {سبحان} في سورة بني إسرائيل لأنه الأصل ثم الماضي {سبح لله} في الحديد والحشر والصف لأنه أسبق الزمانين، ثم المضارع {يسبح} في الجمعة والتغابن، ثم الأمر {سبح} في سورة الأعلى استيعابا لهذه الكلمة من جميع جهاتها، وهي أربع: المصدر-الماضي-المستقبل- والأمر المخاطب، فهذه أعجوبة وبرهان.

النوع الثاني : النداء.. نحو قوله تعالى {يأيها الذين أمنوا} في المائدة وقوله تعالى {يأيها النبي} في الأحزاب والطلاق والتحريم.

ونحو قوله سبحانه: {يأيها الناس} في النساء والحج، ونحو قوله أيضا عز وجل: {يأيها المدثر} و{يأيها المزمل}، وذلك في عشر سور.

النوع الثالث: الاستفتاح بالجمل الخبرية.. نحو قوله تعالى {يسألونك عن الأنفال} في سورة الأنفال، و{براءة من الله} في التوبة، و{أتى أمر الله} في النحل، و{اقترب للناس حسابهم} في الأنبياء، و{قد أفلح المؤمنون} في المؤمنون، و{سورة أنزلناها} في النور. وقد جاء الاستفتاح بهذه الجمل الخبرية في ثلاث وعشرين سورة.

النوع الرابع: الاستفتاح بالقسم:

نحو قول الحق تبارك وتعالى: {والصافات} و{الذاريات} و{النجم} و{المرسلات} و{النازعات} و{السماء ذات البروج} و{السماء والطارق} و{الفجر} و{الشمس} و{الليل} و{الضحى} و{التين والزيتون} و{العاديات} و{العصر}، فتلك خمس عشرة سورة.

النوع الخامس: الاستفتاح بالشرط:

نحو قوله تعالى {إذا وقعت الواقعة} و{إذا جاءك المنافقون} و{إذا الشمس كورت} و{إذا السماء انفطرت} و{إذا السماء انشقت} و{إذا زلزلت الأرض} و{إذا جاء نصر الله والفتح}، فتلك سبع سور.

النوع السادس: الاستفتاح بالأمر:

نحو قوله تعالى: {قل أوحي} {اقرأ باسم ربك} {قل يأيها الكافرون} {قل هو الله أحد} {قل أعوذ برب الفلق} {قل أعوذ برب الناس} وذلك في ست سور.

النوع السابع: الاستفتاح بالاستفهام:

نحو قوله تعالى {هل أتى} {عم يتساءلون} {هل أتاك} {ألم نشرح} {ألم تر} {أرأيت} فتلك ست سور.

النوع الثامن: الاستفتاح بالدعاء:

نحو قوله تعالى: {ويل للمطففين} {ويل لكل همزة} {تبت يدا أبي لهب} فتلك ثلاث سور.

النوع التاسع: الاستفتاح بالتعليل:

وقد جاء التعليل في موضع واحد، في سورة واحدة وهو قوله جل شأنه {لإيلاف قريش}.

النوع العاشر- والاخير- هو الاستفتاح بحروف التهجي:

وهذا النوع، هو محور بحثنا ومدار دراستنا وفهمنا للإعجاز القرآني الوارد في فواتح السور القرآنية، خاصة المكية منها.

تأملات ووقفات مع صيغ مختلفات

لقد شاء العلي القدير أن يفتتح بعض سور القرآن العظيم بحروف تحمل إعجازا كما تحوي أسرارا حار فيها العلماء ومازالوا متحيرين في معرفة كنهها ومضمونها. حيث إن في القرآن الكريم صيغا مختلفة من هذه الفواتح.. فمنها البسيط، المؤلف من حرف واحد، وذلك في سور ثلاث هي: صاد، وقاف، ونون، إذ تفتتح الأولى بحرف «ص» والثانية بحرف «ق» والثالثة بحرف «ن».

ومن هذه الفواتح عشر مؤلفة من حرفين، سبع منها متماثلة تسمى «الحواميم» لأن أوائل السور المفتتحة بها هي «حم» وذلك ابتداء من السورة الأربعين إلى السادسة والأربعين، وهذه السور هي: غافر، فصلت، الشورى، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف، والسورة الثانية والأربعون منها خاصة مضموم إلى «حم» فيها «ع س ق» وتتمة العشر «طه» في السورة العشرين و«ط س» في السورة السابعة والعشرين، و«يس» في السورة الثامنة والثلاثين.

أما الفواتح المؤلفة من ثلاثة أحرف فنجدها في ثلاث عشرة سورة، ست منها أولها «ال م» وهي البقرة وآل عمران والعنكبوت والروم، ولقمان والسجدة. وخمس منها بلفظ «ال ر»، في مستهل كل من سورة يونس وهود ويوسف وإبراهيم والحجر. واثنتان منها أولهما «ط س م» في سورتي الشعراء والقصص.

بقي أن ثمة سورتين مفتتحتان بأربعة أحرف، إحداهما سورة الأعراف التي أولها «ال م ص» والأخرى سورة الرعد التي في مستهلها «ا ل م ر». وتكون سورة مريم - أخيرا- هي السورة الوحيدة المفتتحة بخمسة حروف «ك هـ ي ع ص».

يتضح من هذا الشرح المفصل، أن مجموعة الفواتح القرآنية تسع وعشرون، وأنها على ثلاثة عشر شكلا، وأن أكثر الحروف ورودا فيها الألف واللام ثم الميم، ثم الحاء ثم الراء، ثم السين ثم الطاء، ثم الصاد، ثم الهاء، والياء، والعين، والقاف. وأخيرا الكاف والنون. وجميع هذه الحروف الواردة في فواتح السور- من غير تكرار- يساوي أربعة عشر، وهي نصف الحروف الهجائية.

لذلك يستأنس المفسرون القائلون: «إن فواتح السور إنما ذكرت في القرآن لتدل على أن هذا الكتاب الكريم مؤلف من حروف التهجي المعروفة، فجاء بعضها مقطعا منفردا، وجاء تمامها مؤلفا مجتمعا، لتتبين العرب أن القرآن نزل بالحروف التي يعرفونها، فيكون ذلك تقريعا لهم ودلالة على عجزهم أن ياتوا بمثله (1).

وقد أسهب في بيان هذا الرأي من المفسرين، الزمخشري، وتابعه البيضاوي، كما انتصر لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ولاحظ أصحاب هذا الرأي- وهم في أوج حماستهم لفكرتهم هذه- أن تحدي القرآن للعرب أن يأتوا بمثله يزداد وضوحا ويكتسب قوة، بظاهرة عجيبة.. حقا نعجب لدراستهم لها والتفاتهم اليها.

إن الإعجاز القرآني لم يقف عند حد اشتماله على فواتح مختلفة يبلغ تعدادها تمام حروف الهجاء ولا بتأليفه تلك الفواتح من نصف الحروف الهجائية، بل حوى فوق ذلك كله من كل جنس من الحروف، فمن حروف الحلق: الحاء، والعين، والهاء.

ومن الحروف المجهورة: الهمزة، الميم، اللام، والعين، الراء، الطاء، القاف، الياء، النون.

ومن الحرفين الشفهيين: الميم.

ومن حروف القلقلة: القاف، الطاء.

وهذا ما تنبه إليه الزمخشري- وإن لم يوضح- فقال: «إذا تأملت الحروف التي افتتح الله بها السور وجدتها نصف أسامي حروف المعجم.. أربعة عشر، ثم تجدها مشتملة على أصناف أجناس الحروف المهموسة، والمجهورة، والشديدة، والمطبقة، والمستعلية، والمنخفضة، وحروف القلقلة، ثم إذا استقرأت الكلام تجد هذه الحروف هي أكثر دورا مما بقي، ودليله أن الألف واللام لما كانت أكثر تداورا جاءت في معظم هذه الفواتح، فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته..

وقال القاضي أبوبكر: «إنما جاءت على نصف أحرف المعجم، كأنه قيل من زعم أن القرآن ليس بآية فليأخذ الشطر الباقي ويركب عليه لفظا معارضا للقرآن». ولنتأمل معا كيف اجتهد العلماء في محاولة الوصول إلى الإعجاز الناجم عن تآلف هذه الحروف.

النشاط المحفوف

حول تآلف الحروف

لقد قال بعض العلماء إن الحروف التي افتتح الله بها هذه السور يجمعها قولهم «نص حكيم قاطع، له سر» وجمعها بعضهم بقوله: «طرق سمعك النصيحة» وجمعها آخرون «صن سرا يقطعك حمله» واتسع نشاطهم الفكري حول مدلول هذه الحروف، فأما ما بدئ بحرف واحد فقد اختلفوا فيه، فمنهم من لم يجعل ذلك حرفا وإنما جعله إسما لشكل خاص، ومنهم من جعله حرفا وقال»: أراد أن يتحقق الحروف مفردها ومنظومها.

وأما ما ابتدئ بثلاثة أحرف، فقالوا إن فيه سرا، وذلك أن الألف إذا بدئ بها أولا كانت همزة، وهي أول المخارج من أقصى الصدر واللام من وسط مخارج الحروف، وهي أشد الحروف اعتمادا على اللسان، وترتبت في التنزيل من البداية إلى الوسط إلى النهاية، فهذه الحروف تعتمد المخارج الثلاثة التي يتفرع منها ثلاثة عشر مخرجا، ليصير منها تسعة وعشرون حرفا، عليها مدار كلام الخلق أجمعين مع تضمنها سرا عجيبا، وهو أن الألف للبداية، واللام للتوسط، والميم للنهاية، فاشتملت هذه الأحرف الثلاثة على البداية والواسطة بينهما، هكذا قال العلماء.

قلت: وليس هذا فحسب، بل إن كل سورة استفتحت بهذه الأحرف «ال م» اشتملت على مبدأ الخلق ونهايته وتوسطه، وعلى خلق العالم وغايته، وعلى التوسط بين البداية من الشرائع والأوامر.

فلنتأمل ذلك في سورة {البقرة}، و{آل عمران}، وتنزيل {السجدة}، و{الروم}، ولنتأمل معا أيضا اقتران الطاء بالسين والهاء في القرآن، فإن الطاء جمعت من صفات الحروف خمس صفات لم يجمعها غيرها وهي الجهر والشدة والاستعلاء والإطباق والإصمات، وحرف السين مهموس رخو مستفل صفير منفتح، فلا يمكن أن يجمع إلى حرف الطاء حرف يقابله كالسين والهاء، فذكر الحرفين اللذين جمعا صفات الحروف.

ولنتأمل كذلك الصورة التي اجتمعت على الحروف المفردة، كيف تجد الصورة مبنية على كلمة ذلك الحرف؟ فمن ذلك: {ق والقرآن المجيد} فإن الصورة مبنية على القافية، من ذكر القرآن، ومن ذكر الخلق وتكرار القول ومراجعته مرارًا والقرب من ابن آدم وتلقي الملكين، وقول العتيد، وذكر الرقيب، وذكر السائق والقرين، والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعد، وذكر المتقين وذكر القتل مرتين، وتشقق الأرض وإلقاء الرواسي فيها، وبسوق النخل والرزق، وذكر القوم وخوف الوعيد وغير ذلك.

وسر آخر عظيم، وهو أن كل معاني السورة مناسب لما في حرف القاف من الشدة والقهر والقلقلة والانفتاح.. وزيادة أيضا في توضيح الأمر، نقول فلنتأمل معا ما اشتملت عليه سورة «ص» من الخصومات المتعددة، فأولها خصومة الكفار مع النبي [، وقولهم {أجعل الآلهة إلها واحدًا} (ص: 4) إلى آخر كلامهم، ثم اختصام الخصمين عند داود، ثم تخاصم أهل النار ثم اختصام الملأ الأعلى في العلم، ثم تخاصم إبليس واعتراضه على ربه وأمره بالسجود، ثم اختصامه ثانية في شأن بنيه، وحلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم.

وكذلك سورة «ن والقلم» فإن فواصلها كلها على هذا الوزن مع ما تضمنت من الألفاظ النونية، لذلك كله كانت هذه الحروف من أسرار الفواتح.. وآية من آيات الرحمن التي أودعها قرآنه المجيد ووقف العلماء مذهولين عاجزين عن الوصول إلى كنهها أو مضمونها، وتشعبت بهم السبل ولكنهم وقفوا عند قولين:

الأول: أن هذا علم مستور، وسر محجوب، استأثر الله به، ولهذا قال الصديق ]: في كل كتاب سر، وسره في القرآن أوائل السور. وقال علي بن أبي طالب ]: إن لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي، وقال الشعبي: إنها من المتشابه، نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله عز وجل.

والثاني: أن المراد منها معلوم وذكروا فيه ما يزيد على عشرين وجها.. فمنها البعيد ومنها القريب: أولها: يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن كل حرف منها مأخوذ من اسم من أسمائه سبحانه، فالألف من الله واللام من «لطيف» والميم من «مجيد» والألف من «آلائه» واللام من «لطفه» والميم من «مجده».

قال ابن فارس: وهذا وجه جيد وله في كلام العرب شواهد. وثانيها: أن الله أقسم بهذه الحروف، بأن هذا الكتاب الذي يقرأه محمد هو الكتاب المنزل لاشك فيه، وذلك يدل على جلالة قدر هذه الحروف إذ كانت مادة البيان وقد أقسم الله تعالى بـ«الفجر» و«الطور» فكذلك شأن هذه الحروف في القسم بها.

الثالث: أنها أسماء للسور فـ«ا ل م» اسم لهذه، و«حم» اسم لتلك، ذلك أن الأسماء وضعت للتمييز، وقد نقله الزمخشري عن الكثيرين: وقال فخر الدين الرازي: هو قول أكثر المتكلمين.

الرابع: أن لكل كتاب سرا، وسر القرآن فواتح السور- قال ابن فارس- أراد أنه السر الذي لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم.

قلت: وقد استخرج بعض أئمة المغرب من قوله تعالى {الم. غلبت الروم} فتوح بيت المقدس، واستنقاذه من العدو في سنة معينة.

ومن الطبيعي أن يكون للمخالفين لأهل السنة والجماعة آراء وشطحات:

فالشيعة يرون أن في مجموعة هذه الفواتح- إذا حذف المكرر منها- ما يفيد مذهبهم، فيقولون إنها تعني «صراط علي حق نمسكه» ومن الطريف أن أهل السنة لا يتركونهم، فيردون عليهم برأي مستنبط من الفواتح نفسها بحروفها ذاتها «صح طريقك مع السنة»(2).

وهذا النوع من الاستخراج يعرف باسم «عد أبي جاد» وقد شدد علماء السلف في إنكاره والزجر عنه، ويعتبره ابن حجر العسقلاني، باطلا لا يجوز الاعتماد عليه، فقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما الزجر عن عد أبي جاد، والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر، وليس ذلك ببعيد، فإنه لا أصل له في الشريعة(3).

ولاريب أن يكون للصوفية في مجال هذه التفسيرات آراء أبعد شطحا وأغرب لفظا وأغمض معنى.. ولا نرى أدل على ذلك من قول محيي الدين بن عربي(4).

«اعلم أن مبادئ السور المجهولة لا يعلم حقيقتها إلا أهل الصور المعقولة، فجعلها تبارك وتعالى «تسعا وعشرين سورة، وهو كمال السورة» {والقمر قدرناه منازل} والتاسع والعشرون القطب الذي به قوام الفلك، وهو علة وجوده، وهو سورة آل عمران {الم. الله} ولولا ذلك لما ثبتت الثمانية والعشرون... إلى أن يقول في موضع آخر: ثم جعل سبحانه وتعالى هذه الحروف على مراتب، منها موصول ومنها مقطوع ومنها منفرد ومثنى، ومجموع، ثم نبه: أن في كل وصل قطعا، وليس كل فصل يدل على وصل، والوصل والفصل في الجمع وغير الجمع، والفصل وحده في عين الفرق، فما أفرده من هذا فإشارة إلى فناء رسم العبد أزلا.. وما أثبته فإشارة إلى وجود اسم العبودية حالا.. إلى آخر هذه الشطحات الصوفية التي تعبر عن رأي أصحابها وتستمد سريتها من مصطلحاتها.

الفواتح سر هذا الإعجاز القرآني

ومهما يكن من شيء- فعندي- أن ثمة قوما أحبوا أن يدخلوا البيوت من أبوابها، وأن يكونوا أصرح رأيا وأوضح تفسيرا في محاولة الوصول إلى سر هذا الإعجاز القرآني.. الذي جعله الله في آوائل السور وقد مرت فكرتهم بأطوار عدة حتى أصبحت رأيًا ناضجًا عميقًا فلاحظوا أن بعض السور القرآنية تفتح بهذه الحروف كما تفتتح القصائد بـ«لا» و«بل» فلم يزيدوا في بادئ الأمر على أن يسموا هذه الحروف «فواتح» وأن يعتبروها في الواقع نفسه مجرد فواتح وضعها الله لقرآنه، وله أن يضع ما يشاء، كما وضعت العرب فواتح لقصائدها، وقال بهذا مجاهد من كبار التابعين (5).

ثم انتقلت هذه الفكرة إلى مجال أوضح وأوسع حين أصبحت هذه الفواتح في نظر بعضهم تنبيهات وأدوات تنبيه لم تستعمل فيها الكلمات المشهورة «ألا» و«أما» الاستفتاحيتين لأنهما من الألفاظ التي يتعارفها الناس في كلامهم، والقرآن الكريم لا يشبه الكلام، فناسب أن يؤتى فيه بألفاظ تنبيه لم تعهد لتكون أبلغ في قرع السمع (6).

وقد جعل بعض العلماء، التنبيه للنبي [ الذي يجوز أن يكون قد علم في بعض الأوقات كونه [ في عالم البشر مشغولا، فأمر جبريل بأن يقول عند نزوله {الم، والر، حم} ليسمع النبي صوت جبريل، فيقبل عليه ويصغي إليه (7).

لكن السيد رشيد رضا - صاحب تفسير المنار - يستبعد جعل التنبيه للنبي لأنه عليه الصلاة والسلام كان يتنبه وتتغلب الروحانية على طبعه الشريف بمجرد نزول الروح الأمين عليه ودنوه منه، كما يعلم ما ورد في نزول الوحي من الأحاديث الصحيحة، ولا يظهر فيه وجه تخصيص بعض السور بالتنبيه (8).

ويرى الشيخ رشيد رضا، أن التنبيه إنما كان أولا بالذات للمشركين في مكة ثم لأهل الكتاب في المدينة، ولم يكن يعلم الشيخ رشيد رضا، أنه مسبوق في هذا التأويل الذي وجدناه في القول الثاني عشر من تفسير الرازي (9).

فقد نقل الرازي عن قطرب: أن الكفار لما قالوا {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} (فصلت: 26)، وتواصوا بالإعراض عنه، أراد الله تعالى لما أحب من صلاحهم ونفعهم أن يورد عليهم ما لا يعرفونه ليكون سببًا لاستماعهم وطريقا إلى انتفاعهم (10).

وهكذا سيبقى الشيخ رشيد رضا في نظرنا خير من حاول توضيح الغرض من افتتاح بعض السور القرآنية بهذه الحروف المقطعة في عصرنا الحديث، لذلك فنحن نقول معه.. مستعيرين عباراته بنصها: «من حسن البيان وبلاغة التعبير، التي غايتها إفهام المراد مع الإقناع والتأثير، أن ينبه المتكلم المخاطب إلى مهمات كلامه والمقاصد الأولى بها، ويحرص على أن يحيط علمه بما يريده هو منها، ويجتهد في إنزالها من نفسها في أفضل منازلها ومن ذلك التنبيه لها قبل البدء بها لكي لا يفوته شيء منها. وخلاصة القول: إن لفواتح السور سرًا عجيبًا.. وهذا السر آية من آيات الرحمن أودعها القرآن، ومازال الناس متحيرين في معرفة مضمونها وعميق كنهها وأراد الحق بها أمرًا لا يعلمه إلا هو، وإذا كان بعض الصحابة قد اجتهدوا، وإذا كان بعض التابعين قد أدلوا برأيهم، وإذا كان من العلماء من فسّر وأول.

إلا أن سر هذه الفواتح مازال وسيبقى عند الله إلى أبد الآبدين (11).

إن الحق تبارك وتعالى افتتح سور قرآنه الحكيم بهذه الحروف إرادة منه عز وجل، للدلالة لكل حرف منها على معان كثيرة يقصدها هو.. ولم يعلمها أحد.. فقد تكون هذه الحروف جامعة لأن تكون افتتاحا وقد يكون كل واحد منها مأخوذا من اسم من الأسماء الحسنى، وقد يكون كل حرف منها في آجال قوم وأرزاق آخرين، وقد يكون ذلك كله وغيره (12).

إلا أننا نرى ما هو أهم وأسمى.. فإن هذه الفواتح آية من آيات الله، التي لا تنفد، ودليل على عظمة القدرة الإلهية التي أودعها الحق تبارك وتعالى كتابه العظيم، فظهرت فيه بوصفها آية جديدة من آيات الإعجاز القرآني.. وصدق الله العظيم، إذ يقول: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} (الإسراء: 88) صدق الله العظيم.

لذا فإن إمعان الفكر مطلوب في الوقت الراهن لتعميق الإيمان بالإسلام وإعجاز القرآن، والمطلوب من كل علمائنا المسلمين ومفكري الإسلام ومبدعيه أن يتخلوا عن ظاهرة الجمود وتخلف الإبداع، لأن في ذلك مخالفة لسنن الله في الكون، وأخطر المهددات للفكر أيًّا كان نوعه، كما أن اجترار الذات والماضي بكليته دون تجديد أو إضافة أو تفاعل مع الحاضر والمستقبل يولد العجز الذي لحق بالعقل المسلم، والذي أدى الى إصابته التي أنهكته.

ومن أضرار هذا الاجترار والجمود تفضيل التقليد على التجديد، وتقديم الجدل العقلي على البحث المنهجي الموضوعي، والملاحظ لمسيرة العالم الإسلامي يجد تخلفًا ملحوظا وعجزًا عن الدخول إلى علم الثورة التقنية، اكتفاء فقط باستهلاك جميع منجزات تلك الثورة العلمية التي تحدث الآن في كل المجالات، وهذا شعور عقيم يجعل الإنسان يشعر بالعجز ويستسلم له ويظل بطيئًا كسولًا خاملًا في عالم سريع لا يقبل الانقطاع عن الحضارة والتقدم والتطور والركون إلى الماضي دون التطلع إلى المستقبل.

إن مسلم اليوم ألغى - بكل أسف - عقله وقدرته على التفكير وهذا ما حرمه من الاستقرار والاستنتاج منهيًا بذلك منحة الله التي أعطاها إياه «وهي العقل».. فقد قال سبحانه وتعالى {وهديناه النجدين}، (البلد 10)، ولهذا وقع في دائرة الجمود والتخلف والتقوقع مستندا إلى الماضي بعقلية الأيدولوجي والمتعصب وهذا ما كان سببا في رفد القصور العلمي والثقافي الذي تعاني منه المجتمعات الإسلامية والعقل المسلم.

إن العقل المسلم يحتاج إلى كثير من الإصلاحات لأن الخلل الذي أصابه جعله يلغي حبه للبحث عن المعرفة ويعيش التخلف بعيدا عن عالم الحضارة ومعطياتها في هذا العصر.. فإن إلغاء المعرفة وعدم تفضيل أعظم النعم التي يتميز بها الإنسان وهي العقل والتفكير سبب كل هذا القصور الحضاري الذي تعاني منه المجتمعات الإسلامية في الثقافة والفكر والإبداع، والسبب فيما مر به العقل المسلم من أزمات وإحباطات وكبوات عائدٌ إلى عدم ترشيد العقل الإسلامي المعاصر والارتقاء به إلى مستوى العصر والواقع الذي يتطلب من هذا العقل مواكبة تطوراته في جميع المجالات.

إن العاطفة التي تجتاح الخطاب الإسلامي المعاصر في مواقفه وأفكاره خطوة غير صحيحة وغير واعية من منفذي هذا الخطاب وهي تسيء إلى الإسلام وصورته من خلال خطاب ساذج لا يستطيع مواجهة الخطابات الأخرى لتطورها وقدرتها على الإقناع والتأثير نظرًا للتطور التقني والعلمي.

إن الأمر الذي نريد أن نطرحه هنا هو أن مخاطبة العاطفة ودغدغتها لا تؤتي ثمارها تمامًا ولا يجني منها الخطاب الإسلامي غير الأحادية والجزئية، بينما لو حاول الخطاب الإسلامي المعاصر الارتقاء إلى مخاطبة العقل والفكر لحقق تأثيرًا كبيرًا لأن مخاطبة العاطفة تزول بزوال المؤثر أمام مخاطبة العقل التي من شأنها أن تفضي إلى الاقتناع والإدراك ما ينقل ذلك إلى السلوك، وبالتالي تهذيب هذا السلوك ليصبح سلوكا حضاريا، ومن هنا نستطيع بناء حضارتنا الإسلامية من جديد.

ولعلنا نلمح من تحليل فواتح السور معنى أشمل وأعظم يتمثل في قيمة وسر وعظمة هذه الحروف الصغيرة المفردة بالنسبة للكل، وهو القرآن، تمامًا مثل الفرد المسلم بالنسبة للكل «الأمة الإسلامية» فهل نعي؟

أكاديمية مغربية

 

الهوامش:

1- لمزيد من المعلومات، انظر: الكشاف - 1/61.

2- راجع تفسير الألوسي 1/104.

3- لمزيد من التفاصيل راجع «الإتقان في علوم القرآن» 2/16.

4- انظر: الفتوحات المكية نقلا عن تفسير الألوسي - 1/101.

5- انظر: المرجع السابق رقم (3).

6- راجع تفسير المنار 8/202.

7- راجع البرهان وتفسيره 1/175.

8- انظر: المرجع السابق رقم (2) - 2/17.

9- راجع ابن جرير 1/69 في تفسيره.

10- انظر: ابن كثير 1/37، وتفسيره.

11- انظر: المرجع السابق رقم (1) - 1/204.

12- راجع المصدر رقم (31) - 2/16.

 

Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages