


الجامع الأموي/ في حلب
تمهيد
حلب مدينة قديمة جدا، اشتهرت بآثارها التاريخية الكثيرة، التي أشهرها على الإطلاق قلعة حلب أكبر قلعة باقية حتى الآن...
وقد اختلف المؤرخون في بداية ونشأة حلب، حتى أوصلها بعضهم إلى أيام الخليل إبراهيم أبي الأنبياء عليه السلام، بل عدها آخرون أقدم مدينة في التاريخ !!
وبعد القلعة الشهيرة في حلب يأتي في المقام الثاني شهرة وضخامة وقِدَما الجامع الكبير المعروف بالجامع الأموي أو جامع بني أمية، وهو مَعْلم تاريخي مهم جداً لما يحكيه للمهتمين بتاريخ المساجد وعمارتها وأشكالها وأنماطها من فوائد جمة وذكريات غالية... وهو يقع قريباً من القلعة الشهيرة إلى الغرب منها قليلا.
أثر أموي خالد:
ولقد خاض القدماء من المؤرخين في جامع حلب الكبير، وسطروا لنا كيف كانت الأرض التي بني عليها بستاناً للحاوية ، فلما فتح المسلمون حلب صالحوا أهلها على موضع الجامع، كما صالحوهم على المقبرة الموجودة في الجهة الشمالية منه وذلك قبل أن تبدأ أعمال البناء فيه...
كما خاض المؤرخون في أول من بناه، فقيل: إنه الوليد بن عبد الملك، بناه ضمن سلسلة الأبنية الرائعة التي قام بها في أيام خلافته، كالمسجد الأموي في دمشق وغيره، مما خلــد ذكـره على مر التاريخ، ويستدل هؤلاء على ما يزعمونه بما كان في الجامع الأموي في حلب من زخارف ونقوش وفسيفساء ورخام لا نظير له إلا في مسجد دمشق.
وقال بعض المؤرخين : إن الذي بنى جامع حلب الكبير إنما هو سليمان بن عبد الملك شقيق الوليد لا الوليد نفسه ، وإنما أراد سليمان أن ينافس أخاه في أعماله العمرانية، فأولى هذا الجامع عناية فائقة ، وأنفق عليه أموالاً ضخمة، وجعله تحفة فنية رائعة في جمالها وسعتها و إتقانها .
و تذكر بعض المراجع أن عمر بن عبد العزيز كان المشرف المكلف بمتابعة عماله و عمارته .
و مما قيل في معرض إبراز ما كلفه بناء جامع بني أمية في حلب: انه استعين فيه بأحجار كنيسة كبيرة متهدمة مهجورة، كانت في مدينة كورش التي ازدهرت في العهدين الروماني والبيزنطي ، فلما علم ملك الروم بما يفعله المسلمون طلب أن يتركوا أعمدة الكنيسة الرئيسة الثلاثة ، أو أن يرسلوها إليه ، في مقابل سبعين ألف دينار، فلم يسمح الوليد بن عبد الملك له بذلك.
إهمال و تخريب مؤسف :
و بقي المسجد في أبهى صورته وأجملها حتى آلت الخلافة إلى بني العباس ، الذين في مبدأ أمرهم حرصوا كل الحرص على ملاحقة الأمويين ، ومحو آثارهم بكل الوسائل وفي كل الميادين .
فنال جامع بني أمية من ذلك الضرر البالغ الكبير، إذ نقضت منه الزخارف والزينات والآلات ونقلت ـ كما يقول الشيخ كامل الغزي في نهر الذهب ـ إلى جامع الأنبار في العراق ...
و صار حال الجامع كئيباً مهمل ، لا يلفت نظر سوى أهله و جيرانه الذين لم يزيدوا على شيء من العناية به قليل .
نقفور .. و سيف الدولة الحمداني :
حتى كانت سنة 351هـ ، حينما دخل ملك الروم نقفور مدينة حلب على غفلة من أهلها ، فعاث فساداً فيها فأحرقها ، وعمد إلى الجامع الأموي فيها فأحرقه كذلك ، حتى عاد يبابا ثم رحل عن حلب مخلفاً وراءه الخراب والدمار فيها . إلا أن سيف الدولة الحمداني عاد إليها ـ وكانت عاصمة دولته ـ فقام بترميم بعض المسجد المذكور على عجلة من الأمر...
ثم في عهد ولده سعد الدولة الحمداني اهتم غلامه قرعويه باستكمال ترميم المسجد ، وأضاف إليه قبة الفوارة التي في وسط صحنه ، وهي قبة قائمة على أعمدة ، كل عمود منها سبعة أشبار، وفيها جرن رخام أبيض في غاية الكبر والحسن، وفي حافته مكتوب (هذا ما أمر بعمله قرعويه غلام سيف الدولة ابن حمدان في سنة 354هـ) .
منارة جامع حلب ... من أروع المنارات:
وكان في المسجد منارة قديمة، إلا أنها لم تكن تناسب ضخامته، وآلت مع الزمن إلى التصدع ، فقام القاضي أبو الحسن محمد بن يحيى بن محمد الخشاب ببناء المنارة الحالية، التي تعتبر من
روائع المنارات في العالم الإسلامي، وقد عمد المعمار الذي بناها ـ وهو من قرية سرمين قرب حلب ـ إلى حفر أساسات عميقة، وصل بها إلى الماء، ثم جعل أساساتها من الحجر المترابط بعضه مع بعض بواسطة كلاليب الحديد والرصاص ، ثم ارتفع بها في الهواء قرابة 30 مترا ، وجعل لها مائة وأربعة وسبعين درجة، وهي مربعة الشكل يبلغ طول الضلع الواحد فيها قرابة ثلاثة أمتار، وفي أعلاها موقف للمؤذن ، ثم تعاود الارتفاع حتى تختم بقبة .
وعلى المنارة من كل الجهات الأربع نقوش حجرية بديعة الصنع مقسمة إلى مربعات ، تتخللها زخارف هلالية تقوم على أعمدة .
حرائق ... و أحداث في تاريخ الجامع الأموي :
و يذكر أنه في شوال عام 564هـ قام الفاطميون بإحراق الجامع الكبير في حلب حينما أخذوها من نور الدين زنكي الملقب بالشهيد، فلما استعادها منهم اجتهد في عمارة هذا المسجد ، وقطع الأعمدة الصفر من بعادين، ونقل إليه عمد سورقنسرين، وزاد في مساحة المسجد من جهة الشرق بإضافة سوق إلى جواره موقوفة عليه، حتى صار المسجد مربعاً في شكله حسناً في مرآه وحاله.
وتعرض مسجد بني أمية في حلب للإحراق مرة أخرى عام 679هـ ، حينما أحرقه ملك سيس أحد ملوك الأرمن، فلما تولى نيابة حلب قراسنقر أمر القاضي شمس الدين صقر الحلبي بعمارته وتجميله، ففرغ من ذلك عام 684 هـ.
وفي سنة 834هـ وقعت الواجهة الغربية للجامع وكان سقفها جملوناً من خشب، فقام الأمير يشبك اليوسفي نائب حلب بإحداث قبو تحت تلك الجهة للانتفاع به في مصالح المسجد ، ثم رفع فوق القبو المجنبة الغربية منه، مع اعتناء زائد وإتقان جميل .
فاعل خير مجهول يتبرع بخزان ماء ضخم:
ومما يذكر من مزايا مسجد بن أمية في حلب أنه كان فيه تحت صحنه خزان ماء كبير جداً، يكفي أهل المدينة إذا طرقهم العدو ـ وما أكثر ما يحدث ذلك ـ فقام متولي أوقاف الجامع ابن الأيسر بعمارة ذلك المصنع ، الذي تتجمع فيه المياه العذبة من قناة حلب الشهيرة ، فجاء مصنعاً (خزان ماء) واسعاً متقناً ، يكفي السقائين والناس ولا يفرغ من الماء .
وقد تبرع ببنائه فاعل خير مجهول طرق الباب على ابن الأيسر ليل ، ودفع إليه ـ على مرتين ـ ألفي دينار ذهباً دون أن يعرفه بنفسه ، سوى أنه يريد فعل الخيرعلى يديه دون ضحة ، فالله أعلم به .
بيت الصلاة مهيب واسع :
وطول المسجد قرابة مئة وخمسين مترا ، وعرضه حوالي مئة متر تقريبا ، وله أربعة أبواب تفضي إلى مجموعة كبيرة من أسواق حلب التجارية الأثرية ، وجدرانه سميكة جداً تبلغ أقل من مترين ، وارتفاعها قرابة تسعة أمتار .
وبيت الصلاة قائم على ثمانين عضادة ثخينة ، موزعة على أربعة صفوف موازية لجدار القبلة ، في كل صف عشرون عضادة ، وبين كل عضادتين من كل جهة قرابة أربعة أمتار، مما يجعل بيت الصلاة واسعاً مهيباً يوحي بالجلال والرهبة ...
تظهر في الصورة أعلاها مئذنة الجامع الكبير في حلب السلجوقية، والتي يعتقد عدد من العلماء أنها أجمل مئذنة إسلامية، وتظهر في الصورة جانب من زخارف بوابة الجامع الكبير في حلب. يعود تاريخ التقاط الصورة إلى عام 1990.
منبر نفيس قل نظيره :
ويلفت النظر في بيت الصلاة في الجامع الأموي في حلب أمران اثنان : أولهما : المنبر الذي يصفه الشيخ كامل الغزي بقوله :
وهو من الخشب المصنع الجميل العديم النظير في مساجد حلب، قد اشتمل على رقاع مخمسة مسدسة بديعة الصنعة، قد نزّل فيها قطع رقاق من العاج والصفر الذي يلمع كأنه الذهب ، ومن جملة خشب هذا المبنر الابنوس الشهير ، وارتفاعه عن أرض القبلية إلى كرسيه الذي هو يعد آخر درجة منه أقل من ثلاثة أمتار، ثم تكون قبة .
وقد خط عليه اسم عامله ومتوليه ومن أمر به والسلطان الذي كان عصرهُ .
و كان هذا المنبر صنع مع منبر نظير له حمل إلى بيت المقدس بعد أن فتحت القدس على يد المرحوم السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب .
ويلي المنبر المحراب الكبير وهو من الحجر الأصفر البعاديني الفخم .
قبر سيدنا زكريا عليه السلام :
وثاني الأشياء التي تلفت النظر في بيت الصلاة : حجرة مربعة في جدار القبلة بجوار المحراب، يصعد إليها بدرجة واحدة ، سقفها قبة لها على سطح الجامع ، وجدرانها الثلاثة : الجنوبي والشرقي والغربي ، مبنية بأنواع من أجمل الخزف القاشاني الملون ، وباب هذه الحجرة ــ وهو الجهة الرابعة منها ـ عليه قنطرة عالية ارتفاعها ستة أمتار ، وحجارتها سود وصفر محمولة على عمودين عظيمين ، وعلى هذه القنطرة مع العمودين الحاملين لها نحاس أصفر مشبك على شكل مربعات من رأس العمودين إلى أرض الحجرة ، ذو مصراعين يفتح ويغلق ،
وفي جانب كل من العمودين زخرفة من القاشاني البديع ، وهذه الغرفة تعرف باسم مزار سيدنا زكريا ..
وقد نقل ابن شداد وابن الشحنة وابن الخطيب ــ وكل منهم تكلم في تاريخ حلب ــ نقلوا عن ابن العظيمي أنه في سنة 435هـ ظهر ببعلبك في حجر منقور رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام ، فنقل إلى حمص ثم منها إلى مدينة حلب في هذه السنة ، ودفن في قلعتها في مكان يعرف بالمقام ، ثم لما احترق المقام في القلعة في حادثة التتار سنة 659هـ ، عمد أبو بكر ابن إيليا الناظر... على الذخائر وأبو حامد بن النجيب الدمشقي الأصل الحلبي المولد إلى رأس زكريا عليه السلام فنقلاه من القلعة إلى المسجد الجامع بحلب، ودفناه قرب ما هو المنبر، وعمل له مقصورة وهو يزار...
وعلى أرض تلك الغرفة يرتفع تابوت ضخم ، مغطى بكسوة نفيسة من مخمل مزركش بالفضة فيه بعض سورة مريم ، كان أرسلها السلطان العثماني عبد العزيز خان عام 1291هـ .. وفي الغرفة أيضاً مصحف أثري قديم وبعض الهدايا النفيسة .
وفي بيت الصلاة ـ سوى المنبر والمزار ـ كثير من الآثار :
منها مقصورة قديمة مجددة كان يستخدمها بعض الولاة .
و منها خزائن كتب نفيسة ومنها كتابات تسطر أسماء وعصور من أحدثوا في هذا المسجد أعمالاً ترميمية أو إصلاحية أو إضافية ، وعلى الأخص السدة المواجهة لقبلة الجامع .
صحن المسجد و رواقاته :
و صحن الجامع كبير جداً فرش كله بالرخام الأصفر الذي تتخلله بلاطات سود على صفة جميلة من النقش إذا نظرت إليه أول وهلة حسبت تلك الزخرفة كتابة كوفية ، وليست كذلك .
وحوله من الجوانب الثلاث : الشرقية والشمالية والغربية رواقات ثلاث مفروشة بالبلاط الأصفر فقط ، وقد تبرع بهذا البلاط عام 1042هـ رجل من الأعيان اسمه زين الدين بك .
وفي صحن المسجد محراب صغير يقف فيه الإمام لأداء الصلوات الجهرية أيام الصيف ، وتجاهه مصطبة لوقوف المؤذنين عوضاً عن السدة التي بداخل بيت الصلاة .
و يشتمل صحن الجامع على بسيط لمعرفة وقت الظهر والعصر صنع سنة 1300هـ .
كما يشتمل الصحن على بئر كبيرة معطلة حالياً ، ويشتمل كذلك على حوض مدور عليه قبة محمولة على ستة عواميدن وفي وسط هذا الحوض جرن مرمر مضلع مدور، وهذه القبة هي التي تعرف باسم الفوارة .
وفيه أيضاً عمود من الحجر الأسود ارتفاعه 4 أمتار، و في رأسه شبه قفص من أطواق الحديد ، كانت تعلق بها القناديل ... و يقال : بأن نور الدين زنكي ـ وهو أحد الذين جددوا عمارة مسجد بني أمية في حلب ـ كان يحرق به العود البخور في المواسم الدينية ليتضوع في أرجاء المسجد .
علامة وقت الصلاة ... و الموقنون :
وبما أن صحن المسجد دون ارتفاع ارض الأروقة المحيطة به ، فإنه توجد ثلاثة درجات في مختلف النواحي للصعود إلى الأروقة ، منها ثلاث درجات في الزاوية الشمالية الشرقية ، والثانية من تلك الدرجات الثلاثة محزوزة حزاً مستقيماً من جنوبيها إلى شماليها، فمتى بلغت الشمس هذا الحز أذن المؤذن للظهر، والذي حز تلك الدرجة هو عبد الله بن عبد الرحمن الحنبلي الميقاتي ...
وقد عرفت وظيفة المؤقت في هذا المسجد الكبير الذي تقتدي به مساجد حلب كلها في الأذان ، وكان آخر الموقتين الشيخ الزاهد يس موقت رحمه الله .
وقد أعدت إدارة الأوقاف حالياً فوق المنارة كرة كبيرة مفرغة الداخل ملونة بلون أحمر واضح للعيان فإذا حان وقت أذان الظهر أو العصر رفعها المؤذن وهو في غرفة الأذان أسفل المنارة ، بواسطة آلة خاصة ، فتعرف مساجد حلب حلول الوقت، فتؤذن تبعاً لذلك فورا . أما في الليل فإن في رأس المنارة كشافاً كبيراً مميزاً يضيء عند حلول أوقات الصلاة .
منار علمي قديم :
ولا يفوتنا أن نذكر النشاط العلمي القديم لجامع بني أمية في حلب ، فقد أورد الغزي في نهر الذهب صورة عن ذلك ، ومن ذلك أن عدد مدرسي الجامع اثنى عشر مدرساً ، وعدد المحدثين ستة وعشرون ، وعدد القراء والحفظة سبعة ، عشر وعدد الأئمة أحد عشر ، وعدد الخطباء سبعة ، وعدد المؤذنين أربعة عشر، وعدد خدمة الجامع ثلاثون ، تصرف لكل منهم مقدرات ثابتة تأتي عن طريق الوقف، ويشكلون خلية نشاط دائمة الحركة في المسجد .
أما في رمضان فا للجامع نفقات خاصة زائدة عما في سائرالعام .. و كذلك في أيام المولد النبوي الشريف .
وتلك النفقات تشمل تنوير المسجد وتنظيفه ، وإيقاد الشمع العسلي فيه ، وتشمل أجرة قارىء القرآن والمولد ومنشد القصيدة وأجرة الحلاوي الذي يقوم بتوزيع الأشربة الحلوة على الحضور .
أوقاف واسعة... و مدارس مجاورة :
وللجامع الأموي الكبير هذا من الأوقاف الشيء الكثير الواسع الذي يشمل أراض ودوراً ودكاكين في حلب و حواليها ، بل وقرى بأكملها تبلغ نيفاً و عشرين قرية ...
وعلى سبيل المثال فأن جميع الأسواق المحيطة بالجامع ، وكثيراً من أسواق المدينة القريبة منه وقف عليه ، كسوق الصاغة و سوق الحبالين و سوق الطواقين وغيرها ...
ويذكر أن بعض المدارس الشرعية بنيت بجوار جامع بني أمية في حلب ، ملاصقة أو قريبة ، لتمثل ملحقات به تحتمي في ظلاله منها المدرسة الشرفية التي أنشأها الإمام عبد الرحمن العجمي وزوجته وأقاربه ، وكانت مدة عمارتها أربعين سنة ، ووقف لها أوقافاً عظيمة ، و تخرج بها أئمة كبار مثل شيخ الإسلام ابن حجر و شمس الدين ابن ناصر .

