
الجزء الثاني
إلا أنه في علم الحديث أَجَلُّ وأَبْرَز، قال عنه الذهبي : الإمام، العلامة، الحافظ، المجود، الأديب البليغ، شيخ الحديث والبلاغة بالأندلس[8]، الحافظ الكبير، بقية أعلام الحديث ببلنسية[9]. ولذا تضافرت كتب طبقات المحدثين على إيراد ترجمته [10].
ومصنفاته تدل على تعلقه برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، فغالبها كان في علم الحديث والسيرة وتاريخ الصحابة، مع شيء في الأدب، ومن المؤسف أنه لم يبق من تراثه الذي نقرأ عناوينه في الكتب التي ترجمت له إلا كتابه في السيرة "الاكتفاء في مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء".
والحقيقة أن منهجه في هذا الكتاب كاشف عن جانب من عقلية هذا الرجل، فهو قد أراد وضع كتاب يحكي فيه قصة النبي وخلفائه للبسطاء والعامة، فاعتمد على سيرة ابن إسحاق، فجردها من الأسانيد وسلاسل الأنساب والأشعار، ثم أكمل ما يقع من نقص في القصة بما أفادت به الكتب الأخرى – كالمغازي لـ موسى بن عقبة، والمبعث للواقدي، والتاريخ الكبير لأبي بكر بن خيثمة- دون أن يشير إلى هذا منعا لقطع استرسال القصة "ليكون المساق أَبْيَن والاتساق أحسن "[11].
فهو إذن، في علو علمه، كان رجلا داعية قريبا إلى شؤون الناس وأمورهم، رصد حاجتهم في كتاب قصة سلسة ممتعة، والعهد بأكابر العلماء –في كثير من الأحيان- انصرافهم عن التبسيط إلى التطويل، وعن العرض إلى التحقيق، وتفريعهم في الأمور وتصديهم للنوادر والفرائد مما يحقق تفوقهم ويؤكد صدارتهم وجلالتهم. والعهد أن يتولى هذا الاختصار والتبسيط لعموم الناس الدعاة وطلاب العلم، إلا أننا أمام نموذج جمع بين الأمرين، وهو أمر لا يتكرر كثيرا.
يؤكد لنا هذا أيضا هذه العبارات الدعوية –إن صح التعبير- التي أوردها في سياق هدفه من وضع الكتاب، وفيها يبدو واضحا تأثير عصره الفادح الكروب والمحتاج إلى الصبر والجهاد، يقول : " لا يخلو الحاضرون لهذا الكتاب من أن يسمعوا ما صنع الله لرسوله في أعداء تنزيله فيستجزلوا ثواب الفرح بنصر الله، أو يستمعوا ما امتحنه الله به من المحن التي لا يطيق احتمالها إلا نفوس أنبياء الله بتأييد الله، فيعتبروا بعظيم ما لقيه من شدائد الخطوب ويصطبروا لعوارض الكروب تأدبا بآدابه وجريا في الصبر على ما يصيبهم والاحتساب لما ينوبهم على طريقه صبره واحتسابه. وتلك غايات لن نبلغ عفوها بجهدنا، ولن نصل أدانيها بنهاية ركضنا وشدنا، وإنما علينا بذل الجهد في قصد الاهتداء ، وعلى الله سبحانه المعونة في الغاية و الابتداء "[12] .
ونفس الداعية هذه
تتبدى بجلاء في ترجمة النباهي له ، إذ يذكر أنه "حسن الهيئة والمركب والملبس
والصورة، كريم النفس، يطعم فقراء الطلبة، وينشطهم، ويتحمل مؤنتهم "[13].
و الكلاعي من علماء التفسير أيضا، نبصر ذلك حين يسوق لنا ابن حيان
الأندلسي صاحب "البحر المحيط"، سلسلة إجازته لرواية تفسير ابن عطية،
فيكون الكلاعي فيها شيخ شيخ ابن حيان [14].
***
إمام في العلم ، و إمام في الجهاد .. عندما حمل راية العلم أخذها بحقها فحَمَّلّتْه راية الجهاد ، ثم ألبسته تاج الشهادة ، نحسبه كذلك و الله حسيبه.
وعند هذا الحد من التنقيب في كتب التراجم والأخبار ينقطع عمل الباحثين في التاريخ، ولربما ندعو واحدا من تلاميذ شيخ العربية محمود شاكر "أبي فهر" أن "يتذوق" شعر الكلاعي وأدبه ، فيرشدنا إلى لمحات في شخصية الرجل وتاريخه، كما فعل العلامة شاكر في تاريخ المتنبي حيث استخلصه من شعره فأخرج تاريخ المتنبي من جديد ، فللكلاعي شعر رائق بديع، سهل منساب مريح، نختم مقالتنا هذه بالتقاط أبيات منها توحي بأنها قيلت في لحظة معاناة بالغة .
أمولى الموالي ليس
غيرك لي مولى ... وما أحد يارب منك بذا أولى
تبارك وجهٌ وُجِّهت نحوه المُنى ... فأوزعها شكرا وأوسعها طوْلا
تبرأت من حَوْلي إليك وقوتي ... فكن قوتي في مطلبي وكن الحوْلا
وهب لي الرضا مالي سوى ذاك مبتغى ... ولو لَقِيَتْ نفسي على نَيْله
الهَوْلا
المراجع :
المصدر: مدونة محمد إلهامي
[1] د. حسين مؤنس: شيوخ العصر في الأندلس، دار الرشاد، القاهرة، الطبعة
الثانية، 1417 هـ = 1997م. ص117.
[2] أوردها محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس 6/439. ينقلها عن: A. P. Ibars : Valencia Arabe, p. 628
[3] د. حسين مؤنس: شيوخ العصر في الأندلس، دار الرشاد، القاهرة، الطبعة
الثانية، 1417 هـ = 1997م. ص120 (بتصرف).
[4] أبو الحسن النباهي: تاريخ قضاة الأندلس، تحقيق : لجنة إحياء التراث
العربي في دار الآفاق الجديدة، دار الآفاق الجديدة – بيروت، الطبعة الخامسة، 1403
هـ - 1983 م. 1/119.
[5] ابن الأبار: التكملة لكتاب الصلة، تحقيق: عبد السلام الهراس، دار
الفكر، بيروت، 1415هـ- 1995م. 4/103.
[6] ابن فرحون: الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، تحقيق: مأمون
بن محيي الدين الجنان، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1417 هـ = 1996م. ص201.
[7] ابن الأبار: التكملة لكتاب الصلة 4/101.
[8] الذهبي: سير أعلام النبلاء، تحقيق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة
الرسالة، بيروت، الطبعة التاسعة، 1413هـ = 1993م. 23/134 وما بعدها.
[9] الذهبي: تاريخ الإسلام، تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب
العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1407هـ - 1987م. 49/190
.
[10] الذهبي: المعين في طبقات المحدثين، تحقيق: د. همام سعيد، دار الفرقان،
عَمَّان، الطبعة الأولى، 1404هـ. ص62 (رقم 2086)، والذهبي: تذكرة الحفاظ، تحقيق:
زكريا عميرات، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى 1419هـ- 1998م. 4/141، والسيوطي:
ذيل طبقات الحفاظ، تحقيق: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية بيروت. ص288.
[11] الكلاعي: الاكتفاء، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، مكتبة الخانجي، القاهرة،
1387 هـ = 1968م. 1/2 وما بعدها.
[12] الكلاعي: السابق 1/6.
[13] النباهي: تاريخ قضاة الأندلس 1/119.
[14] ابن حيان الأندلسي : البحر المحيط، تحقيق : عادل أحمد عبد الموجود
وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ، 1422 هـ - 2001 م.
1/114.
