يتخيل ساراماغو في هذه الرواية دولة غير محددة الاسم يختفي فيها الموت لأسباب مجهولة. تطرح الرواية العديد من الأسئلة الوجودية حول فكرة الموت.
تدور الأحداث التي يسردها راو مجهول في دولة غير محددة يستبعد أن تكون البرتغال (بما أنها بدون واجهة بحرية ويسود فيها نظام ملكي) يختفي منها الموت فجأة بالتحديد في فاتح يناير. أمام هذه الظاهرة الغريبة والغير مفسرة تتحول الفرحة الأولية تدريجيا إلى قلق بفعل الاضطراب الذي يخلقه اختفاء الموت للعديد من المهن والقطاعات الاقتصادية كشركات التأمين على الحياة وشركات نقل الموتى ودور العجزة والمستشفيات إضافة إلى الحكومة والكنيسة اللتين تصبحان مهددتين بفقدان سلطتيهما بسبب اختفاء الموت من المجتمع.
تنمو لاحقا فكرة بين فئات المجتمع الأكثر معاناة من غياب الموت (المصابون بأمراض مزمنة وأسرهم) بضرورة إيجاد مهرب إلى الدول المجاورة لتخليص أنفسهم وأقاربهم من الخلود في المعاناة. هذا الطلب على الموت يشجع ظهور منظمة سرية باسم مافيا (Maphia في النص الأصلي) تصبح تقريبا دولة داخل الدولة تشتغل أساسا في تسهيل الموت للراغبين في ذلك.[2]
"بالمناسبة لا يمكننا مقاومة تذكُّر أن الموت وحده وبحد ذاته ودون مساعدة خارجية قد قتل على الدوام أقل مما يقتل الإنسان".
حالة مُخيفة من الهستيريا انتابت الكثيرين حول العالم والعديد من المدن بعد أن دخلت في حالة من حظر التجوال بعد أن تفاقم الوضع وصارت مسألة السيطرة على تداعيات انتشار "كوفيد-19" خارج قدرة الجميع متاجر عملاقة صارت فارغة من منتجاتها كافة وشوارع ودُور عبادة فارغة من روّادها وشركات عملاقة تخسر المليارات هل سبق وأن أخبرنا أحدهم عن هذه الحكاية
كورونا ليس الوباء العالمي الأول الذي يهاجم البشرية لكنه قد يكون الوباء الأخطر الذي يهاجم العالم في ذروة حداثته وتطوُّره يهاجمهم وعدسات الكاميرا تُحيط بالجميع والإنترنت لا ينقطع في أي وقت من اليوم حاملا طوال الوقت كلمة "عاجل" والمتاجر العملاقة صارت تواجه أحد كوابيسها المُتخيلة. وعلى عكس كل الأوبئة السابقة جاء كورونا مُحقِّقا نبوءة السينما التي لطالما قدَّمها المخرجون والكُتَّاب وقبل أن يحياها أصحابها الآن لكن جوزيه ساراماغو قرّر معايشتها قبل الجميع بصورة مختلفة قليلا بل وطارحة للكثير من التساؤلات النفسية على عادة ساراماغو.
جرت العادة في الروايات التي تتحدّث عن الأوبئة والكوارث أن تُقدَّم الحكاية من منظور تاريخي حيث تغلب البدائية على المجتمعات ويفتقد الجميع للرعاية الصحية والطعام ويصير التعامل مع الوباء شكلا من أشكال الكوابيس المَروية في الحكايات القديمة لكن "انقطاعات الموت" قدّمت نموذجا مختلفا عن ذلك النمط من الروايات.
تدور أحداث الرواية في عصرنا الحالي داخل دولة بالمفهوم الذي نعرفه لم يُذكَر اسم الدولة ولا موقعها على الخريطة ولا أسماء جيرانها لكن كان من الواضح أنها تنتمي إلى ذلك الطابع الأوروبي الحديث حيث العائلة المالكة تحكم شرفيا ويتولّى البرلمان والحكومة شؤون الدولة بإمكاننا أن نرى ضمن الأحداث وسائل الإعلام بصورتها المعروفة لدينا "التلفاز" لكن مواقع التواصل الاجتماعي ليست ضمن السردية التي نعايشها الآن.
بعدما رسم ساراماغو ملامح المجتمع الذي يتحدث عنه بدأ مباشرة في الدخول إلى قلب الأزمة التي بدت مختلفة وغريبة على الجميع ظهرت الأزمة في "اختفاء الموت" الذي بدا وكأنه حدث مختلف عما اعتادت عليه الدولة وسُكّانها لأول مرة منذ سنوات فالأحداث تُخبرنا أن الوفيات لا تتوقف كل يوم بكل طرقها وصورها المختلفة لكنهم استيقظوا فجأة على مفاجأة أن الهيئات الصحية والسلطات لم تُسجِّل أي حالة وفاة في هذا الصباح ومن هنا بدأت الحكاية.
استمرّت غرابة الأمر لأيام دون تفسير أو فهم فحتى الملكة التي كان الشعب كله يُدرِك قُرب وفاتها عادت قبل اللحظات الأخيرة من لحظات الاحتضار وبدأ أطباء القصر يُعلِنون بوضوح لوسائل الإعلام عن تحسُّن ملحوظ في حالتها الصحية كذلك كان المصابون في المشافي وفي المنازل لا أحد يموت تحوَّل الأمر من مجرد إشاعة قد تنتهي في أول 24 ساعة من ظهورها إلى خبر يتداوله الجميع في اليوم الثاني إلى تقارير رسمية في نهاية الأسبوع الأول على أقصى تقدير وصار الأمر واقعا بين الجميع اختفى الموت لكنه ما زال يُعمِل سيفه في كل الدول المجاورة.
تستمر الأحداث على النمط المثير ذاته لكن مع كمٍّ لا بأس به من المفارقات التي يتخيّل الكثيرون أنها مجرد أحداث روائية لكنها بمرور الوقت ستبدو غاية في الواقعية.
تابع الجميع حول العالم خلال الفترة الماضية ما حدث في بريطانيا شخص ما أعلن أن شبكات الجيل الخامس هي السبب الرئيسي في تفشي فيروس كورونا في المدن البريطانية وأنه إذا أرادت بريطانيا بحق أن تُنقذ نفسها من براثن الفيروس الذي يُحقِّق انتشارا مُخيفا فعليها تدمير أبراج ومحطات تزويد الجيل الخامس كافة المنتشرة في المدن.
فكرة غريبة من أفكار نظرية المؤامرة لكنها وجدت ما يكفي من الحماقة لتكتسب الرواج والانتشار بل وتتحوَّل من مجرد أفكار ومشاعر مطروحة ومكتوبة على الإنترنت إلى فعل حقيقي فخرج مجموعة من البريطانيين في مدينة برمنغهام البريطانية ودمّروا أحد أبراج التغذية الخاصة بالجيل الخامس بدأت مقاطع الفيديو تنتشر عبر يوتيوب بصورة مُخيفة عن الحادث وبدأت الدعوات تنتشر إلى تكرار النموذج إذا أمكن.
الغريب في الأمر أن رواج الفكرة أصبح غير قابل للسيطرة فالتقارير تحدّثت عن تهديدات بدنية ونصية تصل إلى مهندسي شركات الاتصالات تصل إلى التهديد بالقتل لإجبارهم على التوقُّف عن العمل في شبكات الجيل الخامس وفي الوقت نفسه يُعلِن يوتيوب أنه سيُوقِف أي مقاطع فيديو تخص تلك النظرية ويُعلِن فيسبوك أنه أغلق مجموعة ضخمة تجمع المؤمنين بالنظرية وقرارات كهذه من منصات كبيرة لم تكن لِتُتَّخذ إلا إن كان الأمر ضخما بحق ويجدر بأصحاب السلطة السيطرة عليه.
وكما لو أن ساراماغو يتوقّع نماذج كتلك تنتشر في أزمنة الارتباك والخوف تسير الأحداث نحو واحدة من أهم النقاط المفصلية في القصة التي ستُغيِّر الكثير من الأمور في مجرى الرواية وستكون السبب كذلك في تغيُّر ردود الأفعال بل وبعض الصدمات.
تضمَّنت أحداث الرواية بعد إعلان خبر توقُّف الموت رفع إحدى السيدات علم الدولة على شُرفة منزلها لسبب لم يفهمه أحد لكن جيرانها بدؤوا التفكير في تقليدها ورفع العلم على الشرفة وسرعان ما تحوَّل الأمر بشكل غريب إلى فعل ضروري يجب أن يقوم به الجميع بل وتحوَّل الامتناع عنه بصورة مُخيفة إلى سبب من أسباب إنزال العقوبة من المجتمع على ذلك المُمتنِع.
في الوقت الذي تبدأ الأخبار فيه في الانتشار حول اختفاء الموت فجأة يخرج شاب إلى الشارع لشراء بعض الأدوية لجدّه المُسِن الأهم من ذلك أن جدَّ ذلك الشاب كان قد استفاق من نوبة احتضار لتوّه ليكون من حظ الشاب لقاء مراسلة قناة تلفزيونية تسأله مصادفة عن رأيه في اختفاء الموت وما إن كان هناك دليل أو شاهدة لديه على ذلك فيُخبرها أن جدَّه كان على وشك الموت لتوّه لكن بدا لنا جميعا -أي عائلته- أنه أراد العودة من الموت.
03c5feb9e7