رواية مسيح دارفور

0 views
Skip to first unread message
Message has been deleted

Eilal Pichardo

unread,
Jul 16, 2024, 1:55:46 AM7/16/24
to acitadren

كعادة الأديب السوداني بركة ساكن يتحدَّث عن المسكوت عنه في محنة الإنسان السوداني عن الحروب الضروس المتتالية التي تُعلن فظائعها اليومية انتصارَ البارود على رُوح الإنسان فليس هناك طرف منتصِر في تلك المعارك العبثيَّة التي يحشِد فيها السادة خيرة الشباب تحت شعارات مبتَذَلة ينطفئ رَوْنَقُها لحظة إطلاق النار في الميدان ويصبِح وقتها الموت هو الحقيقة الوحيدة وكعادة الحروب فإنها تستدعي أسوأ ما في الإنسان من كراهية وعنصرية حتى بين أبناء نفس البَشَرَة السمراء فبينهم السادة والعبيد المناكيد ووسط كل هذا الضجيج يخرج صوتٌ من دارفور يعلن أنه مسيحٌ جديد يأتي بالمعجزات تسمِّيه الحكومة النبي الكاذب والمسيح الدجال وترسل في طلب صلبه أحد زبانيتها حيث تتوالى أحداث حابسة للأنفاس لا تَغِيب عنها مفردات التراث الشعبي السوداني الفريد.

في تناقض شديد مع رسالة النبي المحبة للسلام هذا النبي المليء بالحب والإنسانية يأتي مأزقه الخاص: قوة عسكرية من 66 جندياً بالإضافة إلى فريق كبير من النجارين "المهرة وشبه المهرة" يُرسَلون للقبض عليه وصلبه هو وأتباعه القلائل. هكذا تبدأ الرواية مكرّسة للضحايا ومجموعات عدائية متنوعة وتأخذنا في رحلة في الماضي القريب للسودان في ملحمة تشتمل على الحرب والدمار ومعاناة عدد هائل من الناس.

رواية مسيح دارفور


تنزيل الملف https://mciun.com/2yZWgp



يَعلَق القارئ في مصير السكان المحاصرين في حرب أهلية وحشية بين القوات الحكومية وبين المتمردين مع خسائر كبيرة في الأرواح وفرص ضئيلة للنجاة. لكن يوجد أشخاص أقوياء ومتميزون خاضوا معركة شجاعة وجذرية مثل عبد الرحمن وهذا الشخص في الواقع فتاة يتّمتها الحرب أطلقت على نفسها اسم صبي.

وخلال مسار الرواية تتحول من ضحية إلى متمردة تتزوج جندياً جُنِّد بشكل قسري وتطلب منه قتل ما لا يقل عن 10 من أفراد الجنجويد الميليشيا السفاحة وعديمة الضمير الذين اغتصبوها بيد أنها بعد ذلك تتولى الأمر بنفسها فتحصل على سلاح وتنتقم بمفردها.

والنبي الذي يبشّرُ بالسلام سيكون إلى جانبها تماماً في هذا الأمر لأنّ شعاره الشخصي وهو أيضاً شعار الرواية: "أهون لجمل أن يَلِجَ من ثُقب إِبْرة من أن يدخل جنجويد ملكوت الله".

والجنجويد الرهيبون المعنيُّون (بالترجمة الحرفية: الجني الذي يركب جواداً) هم مجموعة فعلية من رجال القبائل الذين نشرتهم الحكومة بوصفهم ميليشيات في أوقات النزاع ويُعرفون بوحشيتهم الشديدة.

وتستند أجزاء كبيرة من الرواية إلى أحداث حقيقية بحث حولها المؤلف على سبيل المثال حين يصف التجنيد الإجباري ومذابح السكان. إضافة إلى أنّ حقيقة أنّ الأبطال الرئيسيين يغيرون مواقفهم وينضمون إلى المتمردين بعد الهروب تستند أيضاً إلى أحداث معروفة في النزاع الذي طال أمده في الحرب الأهلية في دارفور.

بعض ما يحدث في القرى همجي يُستعبد الناس تُغتصب النساء عشوائياً ونُفتنُ بالأفعال الشجاعة للمقاومة ضد عصابات السطو السفاحة في اضطرابات الحرب. لكن إلى جانب هذه الأحداث القمعية هناك أيضاً العديد من الفقرات التي تدور حول الثقة والصداقة وحول الأفعال البشرية وسط القسوة والفساد.

وعبد العزيز بركة ساكن هو واحد من أهم المؤلفين المعاصرين في السودان. فهو يمزج بمهارة بين الحقيقة والخيال بحيث تتكشف على مدار 150 صفحة بانوراما واسعة لهذه الدولة الغنية بالسافانا على حافة الصحراء الكبرى دولة ابتُلِيت بحرب أهلية دامت عقوداً توجهها الحكومة ونزاع تسبب بمعاناة لا حد لها على ضحاياها.

في نهاية الكتاب يقدّم الباحث إنريكو إل معلومات حول التاريخ الخاص بهذا البلد والأماكن التي تظهر في الرواية والعقود الماضية التي تشكّلت خلالها أطراف النزاع والجماعات التي لا تزال معادية حتى اليوم: "لا تزال دارفور منطقة يعصف بها التوتر والنزاعات" كما يكتب إل.

كما أنّ شخصية النبي في الرواية لها جذور تاريخية وليست مجرد نتاج خيال المؤلف. ففي عام 1921 أعلن عبد الله السحيني أنه النبي عيسى (في المنطقة ذاتها التي تدور فيها الرواية) وحشد جيشاً كبيراً لشن هجوم على الحكومة لطرد المستعمرين البريطانيين.

وكيف تنتهي قصة الرسول بالرواية إنها نهاية خيالية فالنبي والمؤمنون به بما في ذلك القائد الميداني وجميع الجنود الذين يقررون بشكل مثير للدهشة الانضمام إليه يطيرون نحو السماء حاملين صلبانهم على ظهورهم مثل الأجنحة. قد يبدو هذا هروباً من الواقع لكنها ربما تكون الطريقة الوحيدة للابتعاد عن معاناة الحاضر والعثور على بعض الراحة.

كما يمكن اعتبار ما يفعله الكاتب بمثابة استراتيجية للتحرر الأخلاقي عند التعامل مع مثل هذا الموضوع الخطير والقمعي أي استخدامه بشكل متكرر للسخرية والتهكم وبالتالي تحقيق عنصر المسافة. كتاب مثير للإعجاب ورائع ومثير للذكريات بقلم كاتب واثق من نفسه وبترجمة ألمانية بقلم غونتر أورت الذي قدّم بشكل مثالي النغمة السردية الساخرة للرواية.

عبد العزيز بركة ساكن: أديب وروائي سوداني حائز على جائزة الطيب صالح للرواية في دورتها السابعة وفيما حظيت أعماله باهتمام القراء والنقاد فكثيرًا ما أغضبت الرقيب.

وُلِدَ بمدينة كسلا عام ١٩٦٣م ونشأ وترعرع في خشم القربة بالقرب من مدينة القضارف حيث درس المرحلة الابتدائية بمدرسة ديم النور الابتدائية بنين (الرباط حاليًّا) بالقضارف والتحق في المرحلة المتوسطة بمدرسة خشم القربة ثم مدرسة حلفا الجديدة في المرحلة الثانوية وتابع دراسته الجامعية في مصر فدرس إدارة الأعمال بجامعة أسيوط. ويقيم حاليًّا في النمسا وهو متزوج وله ولدان: المهاتما ومستنير.

عمِل مدرسًا للغة الإنجليزية في الفترة من ١٩٩٣م إلى ٢٠٠٠م وشغل عدة مناصب أبرزها: عمله مستشارًا لحقوق الأطفال لدى اليونيسيف في دارفور من ٢٠٠٧م إلى ٢٠٠٨م ومديرًا لمشروعات التنمية في صندوق تنمية المجتمع التابع للبنك الدولي بالنيل الأزرق إلى أن تفرَّغ للكتابة تلك الوظيفة التي يستودعها شغفه التام والدائم ويعدها وظيفة الساحر فإلى جانب مؤلَّفاته القصصية والروائية كتب في كثير من الدوريات والمجلات والجرائد منها: مجلة العربي ومجلة الناقد اللندنية ومجلة الدوحة وجريدة الدستور اللندنية والجزيرة نت وغيرها. كما أنه عضو نادي القصة السوداني وعضو اتحاد الكتاب السودانيين وله مشاركات عديدة في فعاليات ثقافية عربية وعالمية.

03c5feb9e7
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages