على الرغم مما في القرآن الكريم من معلومات كثيرة وشاملة عن النفس
الإنسانية ، أكثر مما في العلوم الدنيوية الأخرى ، فليس في القرآن الكريم
" نظرية نفسية " مخططة مبوبة ذات فصول وتفصيلات ، ولكن هذه المعلومات
المنبثقة في ثنايا القرآن الكريم يمكن أن تستوحى في استخلاص نظرية شاملة
عن النفس ( حسن محمد على ثاني ، 1993 ، 155 ) ، ( ناهد عبد العال
الخراشي ، 1999 ، 27 – 28 ) .
يشير محمود إبراهيم عبد العزيز فرج ( 1998 ، 32 ) إلى أنه لا توجد فنيات
محددة للإرشاد النفسي الديني ، ولكن المرشد النفسي يستخدم الفنيات التي
يتميز بها الإرشاد النفسي الديني أو الموجودة في الإرشاد الدنيوي Secular
Counseling فهو يستخـدم العلاج التحليلي ، والسلوكي ، والمعرفي ،
والإرشاد النفسي الديني .
الإرشاد النفسي الديني Religious Psychological Counseling إرشاد شامل
لاتجاهات واستراتيجيات إرشادية أخرى كثيرة ، حيث نجد له جانباً تحليلياً
يبرز كيفية تناوله وتحليله لأسباب وأعراض الاضطراب النفسي لدى الشخص ،
ومثل ما يقوم به المرشد النفسي الديني أثناء المقابلة الإرشادية في الكشف
عن مكبوتات اللاشعور ، وتعرفها وإخراجها إلى حيز شعور المسترشد لعلاجها ،
كما يحدد المرشد النمو الديني والقيم المؤثرة على المسترشد ، وكيفية
الإفادة منها في عملية الإرشاد ، بالإضافة إلى امتلاكه جانباً إنسانياً
يبرز في تعامله مع الإنسان كوحدة كلية شاملة ، وفي نظرته لصاحب الإرادة
القوية والعقيدة الصحيحة على أنه مسئول عن اختياراته وأفعاله وأقواله ،
مما يجعله متمتعاً بالتوافق والصحة النفسية ، بالإضافة إلى الجانب
المعرفي المتمثل في تناول العمليات المعرفية العقلية وآليات التفكير
الشامل ، أما الجانب السلوكي في الإرشاد النفسي الديني فيتمثل في
استخدامه مبادئ وقوانين التعلم وعمليات إعادة التعلم وتغيير وتعديل
السلوك لمساعدته على التغلب على اضطراباته النفسية ، بالإضافة إلى أساليب
الترغيب والترهيب من وسائل الثواب والعقاب (إيمان حسني محمد العيوطي ،
2004، 6 )، ويتفق ذلك مع ما أوضحته دراسة محمد درويش ( 1995، 205 ) حيت
أسفرت عن أن الإرشاد النفسي الديني يشتمل على خصائص العلاجات النفسية
الحديثة .
يرى محمد عبد التواب معوض أبو النور ( 1996 ، 130 – 131 ) أنه توجد
العديد من الفنيات الخاصة بالعلاج النفسي الديني التي لها أثر فعال في
علاج النفس الإنسانية من اضطراباتها المختلفة ، وهذه الفنيات تستمد
منهجها وإجراءاتها من الكتاب والسنة ، وهي عديدة ومتنوعة ، وتتناول
العلاج بالتوحيد ، بالأدعية والأذكار ، بالاستغفار، بالصبر ، بالصلاة ،
بالتخيل ، بالاسترخاء ، بالأضداد ، وتلك الفنيات يمكن اعتبارها فنيات
معرفية سلوكية في آن واحد ، وتركز على أفكار المريض واتجاهاته المرضية
المختلة وظيفياً وتمده بالمهارات التي تساعده على ممارسة السلوكيات
المتكيفة.
يشيرWorthington ( 1989, 596 – 597 ) إلى أن اختيار المعالج أو
المرشد النفسي للفنيات الإرشادية في عملية الإرشاد النفسي الديني يتوقف
على شروط مهمة ،
وهي :
1- أن يعرف المرشد أن استخدام أي فنية علاجية إنما تساعد في تحقيق
التعزيز الإيجابي للناحية الدينية للعميل .
2- أن يستخدم المرشد الفنيات الموجودة في الدين الذي يؤمن به ، بالإضافة
إلى الفنيات الأخرى ، مثل : فنيات التحليل النفسي ، أو السلوكية ، أو
المعرفية ، أو الوجودية وغيرها.
3- الاندماج الديني Religious Involvement أي المشاركة الدينية بين
المعالج والعميل التي تؤدي إلى العلاقة القوية وإزالة الفوارق بينهما.
هذا ما يميز الإرشاد النفسي الديني عن الإرشاد النفسي الانتقائي أو
التكاملي ، كأسلوب وصفي متكامل منظم لمزيج من الفنيات المختلفة ، التي
ينتقل خلالها المرشد حسب ظروف المسترشد صاحب المشكلة ، الذي يأتي للعلاج
الانتقائي بمجموعة من الاضطرابات النفسية الناتجة عن مشكلات متعددة ؛
الأمر الذي يحتم على المرشد مواجهتها بعلاجات متعـددة الوسائل ، مع
التركيز على استدامة العلاج ؛ باستخدام الأبعاد السبعة للشخصية BASIC–
ID ، هي : السلوك ، والوجدان ، والإحساس ، والتخيل ، والمعرفة ،
والعلاقات الشخصية ، والعقاقير ( مفتاح محمد عبد الفتاح ، 2001 ، 147 –
150 ) ، (هالة أحمد السيد ، 2005 ، 77 ) ، ولذا تشير Qulsoom Inayat
(2001, 381) إلى أن الإرشاد النفسي التكاملي Integrative Counseling
يعد وسيلة من وسائل الإرشاد النفسي الذي يتعامل مع العميل داخل الإطار
الطبيعي والاجتماعي له ، ولكن الإرشاد النفسي الإسلامي ينتفع من المبادئ
الأساسية للإرشاد التكاملي ، ويضيف إليها بعداً جديداً ، وهو العلاقة بين
العميل وخالقه .
ويرى ابن القيم أن أساليب العلاج الديني هي الأساليب الإيمانية المعروفة
من محاسبة النفس والتوبة والإنابة والرجوع إلى الله والدعاء والذكر
والعبادات ، وقد أورد الكثير من هذه الجوانب في كتبه ، مثل : مدارج
السالكين ، والوابل والصيب من الكلم الطيب ، وإغاثة اللهفان، وطريق
الهجرتين وباب السعادتين ، والجواب الكافي (الداء والدعاء) ، والطب
النبوي000وغيرها (محمد محروس الشناوي ، 2001 ، 76 ) .
ومن خلال المراجعة المسحية للدراسات السابقة حول الإرشاد النفسي الديني
في خفض قلق المستقبل – على حد علم الباحث – عرضت تلك الدراسات العديد من
الفنيات : كالأدعية والأذكار ، والوضوء ، والصلاة ، والتوحيد ، وقراءة
القرآن الكريم ، وأمثلة من حياة
الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأسفرت عن فعاليتها في علاج النفس
الإنسانية من اضطراباتها
المختلفة ؛ لأنها تستمد منهجها وإجراءاتها من القرآن الكريم والسنة
النبوية ، ويمكن استخدام بعض هذه الفنيات في إطار الفنيات النفسية التي
نادت بها نظريات الإرشاد النفسي الحديثة ؛ لتدعيم تلك الفنيات النفسية
بالمحتوى الديني ؛ لتعرف مدى فعاليتها في تخفيف قلق المستقبل المهني .
2- الصلاة Pray :
الصلاة وسيلة يلجأ إليها الفرد طلباً للأمن والطمأنينة ، وهو يسير في خضم
شدائد الحياة ، فقد أشار كل من Martin & Carlson 1988 إلى أن الصلاة تعد
من أقدم الفنيات التي تستخدم في التدخلات العلاجية ، وأضاف أيضاً كل من
Finne & Malony 1985 أن الصلاة كفنية علاجية مناسبة لخفض القلق (في :
محمد عبد التواب معوض ، 1996 ، 135).
فيتعلم الفرد منها الاسترخاء الذي يسهم كفنية للعلاج النفسي الديني في
تخفيف أزمات الحياة ، وتكوين اتجاهات موجبة للتعامل مع ظروف الحياة ،
والاقتناع بأن الأمور كلها بيد الله - - ، بالإضافة إلى أن ما يمكن أن
يتعلمه الفرد من خلال الصلوات الخمس في اليوم ، يصبح عادة عامة في جميع
مناحي سلوكه ، ويحميه من والتوتر والانفعالات الحادة (عبدالرحمن محمد
العيسوي ، 2001 ، 184 – 190 ) .
إن حالة الاسترخاء والهدوء النفسي التي تحدثها الصلاة تساعد على التخلص
أيضاً من القلق الذي يشكو منه المرضى النفسيون ، فعادة ما تستمر تلك
الحالة بعد الانتهاء
من الصلاة ، وقد يواجه الفرد وهو في هذه الحالة – الاسترخاء – بعض الأمور
أو المواقف المثيرة للقلق ، أو قد يتذكرها ، وتكرار تعرض الفرد لهذه
المواقف المثيرة للقلق أو تذكره لها أثناء وجوده في حالة الاسترخاء
والهدوء النفسي عقب الصلوات ، إنما يؤدي إلى ما يسمى بلغة النظرية
السلوكية في عملية الإرشاد النفسي بـ : " الإنطفاء " التدريجي للقلق ،
وإلى ارتباط هذه المواقف المثيرة للقلق بحالة الاسترخاء والهدوء النفسي ،
وبذلك يتخلص الفرد من القلق الذي كانت تثيره هذه المواقف (سيد عبد الحميد
مرسي ، 1985 ، 198).
بالإضافة إلى ذلك ، فإن من أهم ما تعتمد علية نظرية التحليل النفسي -
إحدى نظريات الإرشاد النفسي - أن مجرد إفضاء الفرد بمشكلاته وهمومه
والتعبير عنها إلى شخص أخر يسبب له راحة نفسية ، من خلال تخفيف حدة
قلقه ، وهذا ما يسمى
بـ : " التفريغ الانفعالي " ، فإذا كانت حالة الإنسان النفسية تتحسن إذا
أفضى بمشكلاته لآخرين ، فما بالك بمقدار التحسن الذي يمكن أن يطرأ عليه
إذا أفضى بمشكلاته
لله - سبحانه وتعالى - .
ويسبق الوضوء الصلاة وما له من أثار نفسية وجسمية وروحية واجتماعية
عظيمة ، فهو ليس تطهيراً للجسد مما قد يكون علق به من درن ، ولكنه أيضاً
تطهير للنفس وتحريرها من مشاعر الذنب والإثم والعصيان ، لقول النبي -
- : " أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات, هل يبقى
من درنه شيء ؟ قالوا لا يبقى من درنه شيء. قال : فذلك مثل الصلوات الخمس,
يمحو الله بهن الخطايا " ( رواه البخاري و مسلم )، بالإضافة إلى أن
استخدام الماء في الوضوء - كما أشار رشاد عبد العزيز موسى ،
وعبد المحسن عبد الحميد إبراهيم حمادة (2001 ) - يحدث حالة من تجديد
النشاط ، وإزالة التوتر وإحداث حـالة الراحة والاسترخاء ، وهذا ما أشارت
إليه نظريات الإرشاد النفسي الحديث ، كما أوضح حامد عبد السلام زهران
( 1995 ، 385 ) بـ : " الإرشاد النفسي بالماء " الذي يستعمل في علاج
حالات القلق والهياج الحركي والانطواء ، وله تأثيره الإيجابي على الجهاز
العصبي ، فيؤدي إلى استرخاء العضلات، وتهدئة المريض.
يشير محمد عثمان نجاتي ( 1983، 122 ) إلى أن الماء البارد يهدئ من فورة
الدم الناشئة عن الانفعال ، كما يساعد على تخفيف التوتر العضلي ، وقد
استخدم النبي - - الوضوء في علاج الاضطرابات النفسية ، ومن بينها
الغضب ، حيث قال : " إن الغضب من الشيطان ، وإن الشيطان خلق من نار ،
وإنما تطفأ النار بالماء ، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ " (رواه أبو داود).