تعريف المثقف

420 views
Skip to first unread message

abbas...@gmail.com

unread,
Sep 14, 2008, 5:22:51 PM9/14/08
to مثقفون وكتاب حماة حقوق الإنسان العراقي


تعريف المثقف والثقافة
160 تعريف
الفصل الأول

المشارك الناجح في غرف البالتوك هو ذلك الشخص المستمع الذي يفرز ما يتحدث
به المتحدثون، يفرز ما يصلح ويستفاد منه ويترك الطالح وإن يؤثر في بعض
الأحيان على البعض. يتصور البعض أن المشاركين اتخذوا من البالتوك متنفساً
لهمومهم وما يحملوه من مشاعر وأحاسيس، خصوصاً البعيدين عن الوطن.
وكمحاولة منهم للتعبير المباشر عن مجريات الأمور في بلادهم. وهنا أتحدث
عن المشاركين العراقيين بصورة خاصة لأن هي تجربتي الوحيدة، فليس لي مصلحة
في المشاركة في غرف المحادثة لبقية الدول …وبالتحديد غرفة البرلمان
العراقي لأنها الغرفة التي علمتني الكثير منذ ظهورها قبل أكثر من سبعة
أعوام. وليس غريباً أن أكثر مقالاتي وكتاباتي هي نتيجة لسماعي لمجريات
الحديث الساخن والهادئ في غرفة البرلمان العراقي. وهذا الموضوع نوقش قبل
أيام وكل متداخل دلى بدلوه ولم استطع المشاركة بالصوت لضعف الانترنيت
عندي، فقط اكتفيت بالكتابة والسماع والإصغاء وهنا أضع النتيجة. لكن قبل
أن أدخل في موضوع تعريف المثقف والثقافة، لابد لي أن أذكر وأشكر جهود أحد
الرواد في أمسية سابقة تحدث عن دراسة نابعة عن ملاحظات وتجربة بخصوص
البالتوك إيجابيات وسلبيات للأستاذ صباح دارا. وقد أجاد في بحثه التفصيلي
والذي هو الأول من نوعه على أقل تقدير لكل الذين حضروا الأمسية وشاركوا
في تساؤلاتهم ومداخلاتهم. فأعطى صورة جميلة ومفيدة لاستعمالات البالتوك
وأغراضها. والمفروض من شركة البالتوك أن يقدر ويثمن جهود الأستاذ صباح
دارا على وقته وفكره وبحثه وجمعه للمعلومات إن لم يكن تقديراً مادياً
فليكن تقديراً معنوياً. وقد طلبت منه أن يكتب الدراسة وينشرها في موقع
صوت العراق – لأن موقع صوت العراق وغرفة البرلمان العراقي – يديرهما
ويسهر على نقاوتهما شخص مجاهد، مكافح، ووطني وهو الأستاذ أنور عبد
الرحمن. هذه المقدمة البسيطة أردت بها تعريف القارئ العزيز عن جذور
الموضوع والدوافع التي شوقتني للبحث والكتابة، وذلك على أساس (لا تنكروا
الفضل بينكم) و (لا تبخسوا الناس أشيائهم). وهذه أمانة. وعليه الأمسية
التي نوقش فيه موضوع المثقف وربطه بالوضع العراق السياسي كان للدكتور آدم
والأخ جبار.(لا أعرف الأسماء الصريحة لهما).

المثقف:
قبل بدأ تعريف المثقف، لابد إعطاء فكرة عن الأسلوب المستخدم، والأدوات
وكيفية تجزئة الموضوع لكي يغطي أكثر الجوانب، ولا أريد القول جميع جوانب
الموضوع. لكون موضوع تعريف المثقف والثقافة أمرٌ في غاية التعقيد، وله
آراء كثيرة ومختلفة بعدد أنواع المثقفين، وأنواع الثقافات. فلقد اعتمدت
على الانترنيت بصورة كاملة في البحث دون اللجوء لأي كتاب. والأسلوب الذي
اعتمدته سهولة السرد الموضوعي مع التبويب من أجل تقريب الفكرة وتشويق
القارئ للاستمرار في إدامة قراءة الموضوع دون تذمر. فيكون البحث والعرض
على الشكل التالي: قسمت الموضوع لأربعة فصول
الفصل الأول:
التعريف اللغوي – التعريف التاريخي والفلسفي – التعريف العلمي – التعاريف
المتوفرة – آراء الكتاب والنقاد. نظرة بعض الشعوب والقوميات- الدارج من
التعاريف (أو المتعارف). وفي كل موضوع أذكر المصدر والرابط الخاص، لكي
يسهل على المتصفح الرجوع للمصدر بصورة سريعة دون عناء. ولكل هذا قصد واحد
مهم، وإن كانت هناك مقاصد أخرى… لكن المقصد المهم هو محاولة تعريف البعض
السهولة في الحصول على المعلومات وأي تكن.
الفصل الثاني
تعريف المثقف: صورة للمفهوم في الثقافة العربية الحديثة
ماركس: ليس النقد هوى في الرأس بل هو رأس الهوى!
هيغل: الإنسان لا يولد حراً وإنما يأتي للعالم مع إمكان أن يصير حراً.

الفصل الثالث
داريوش شايغان: مثقفونا يبدون محاربين أكثر من هم مفكرين يتأملون بهدوء
وراء طاولات عملهم.
- طاقة المثقف المعرفية ومكانته الاجتماعية
- المبدع والمثقف
- المضمون الفعلي للمثقف
- التصور الإجمالي للمثقف

الفصل الرابع
تعريف المثقف: مداخل وإشكاليات – هل يمكن تطوير مفهوم المثقف
- نظرية المعرفة والمثقفون
1- ماذا علي أن أعرف؟
2- ماذا يمكنني أن أعرف؟
3- ما هي وسائلي للمعرفة؟
- الطائفية والمثقف.

ملاحظة: أنقل المواضيع كما هي دون تصليح … لكنني أضع بين قوسين الكلمة
التي أراها صحيحة. وتنويه عندما تجد لي بين قوسين أي أنه رأي وتعليقي…
وبالتالي فهمي للموضوع…فأتمنى تقويمي وإصلاح السهو والخطأ.


1ـ مفهوم الثقافة بين اللغة والاصطلاح

الثقافة والمثقف كلمتان غائمتا(غائما) المفهوم، غامضتا الدلالة، واسعتا
النطاق، يصعب أن يحويهما تعريف أو يحدهما مصطلح، وذلك لتعذر الموقف على
معناهما الدقيق، ولقد أثارتا كثيراً من التساؤلات، وتعددت الإجابات
وتباينت حول مفهوميهما(مفهومهما). (حتى انه يمكن إحصاء مئات التعريفات
(التعاريف) لمصطلح الثقافة)(1).

سألت صاحبي وأنا أحدثه عن الثقافة،: أهي المعرفة؟ قال: لا. أردفت: أهي
العلم؟ قال: لا. قلت: أهي الحضارة أم هي المدنية أم العقيدة أم التاريخ
أم العادات والتقاليد والأخلاق أم الأفكار والفنون والآداب.. أم، أم..
وكان جوابه دائماً بالنفي. قلت ما هي الثقافة إذن؟ قال: هذه المفردات بعض
مكوناتها.

تعلمون أن كلمة (ثقافة) لم ترد إطلاقاً في القرآن الكريم ولا في السنة
النبوية المطهرة، كما لم ترد في نصوص العرب وأشعارهم لا في جاهلية ولا في
إسلام وقد وصفها المعجم الوسيط بأنها كلمة محدثة في اللغة العربية، مما
يدل دلالة قاطعة على أنه لم يكن لها عند العرب والمسلمين ذلك الوزن الذي
يعطى لها اليوم، ومن هنا فان العرب والمسلمين حتى ما قبل قرن من الزمان
لم يكونوا يولونها أي حظ من الاهتمام، بينما هي اليوم كل شيء في حياة
البشرية بل هي مرآتها.

إن جذر كلمة ثقافة هو: ث ق ف، ولهذا الجذر معنيان رئيسيان متباينان في
اللغة العربية:

الأول: ثَقَفَ: قال الفيروز أبادي: ثَقَفه: أي صادفه أو أخذه أو ظفر به
أو أدركه.

وأُثقِفْتُهُ: قُيِّضَ لي.

وبهذا المعنى جاء قوله تعالى:

] فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم[

والثاني: ثَقِفَ يثقَف، وثَقُفَ يثقُف، ثَقْفاً وثَقَفاً وثقافة: صار
حاذقاً خفيفاً فطناً(2).

ومنه:

ثَقِفَ الكلام: حذقه وفهمه بسرعة

وثَقَّفَ الرمحَ: قوّمه وسوّاه

وثقَّف الولد: هذّبه وعلّمه.

وثاقفه مثاقفةً: غالبه فغلبه في الحذق(3).

ويبين ابن منظور في لسان العرب أن معنى ثَقَفَ: جدّد وسوّى، ويربط بين
التثقيف والحذق وسرعة التعليم. ويعرف المعجم الوسيط الثقافة بأنها
(العلوم والمعارف والفنون التي يطلب فيها الحذق).

هذا في اللغة العربية، أما في اللغة الإنكليزية، فكلمة culture التي
تترجم إلى العربية على أنها الثقافة والتهذيب والحراثة وقد يعطونها
أحياناً معنى الحضارة، هذه الكلمة جذرها cult ومعناها: عبادة ودين، ومن
مشتقاتها cultivation ومعناها: حراثة، تعهد، تهذيب، رعاية، و cultural
ومعناها ثقافي، مستولد (على ما أضن يقصد مستورد)(4).

ونلاحظ أن معناها في الإنكليزية لا يخرج عن معناها في العربية غير أنه
يضيف مصداقاً آخر من مصاديقها (مصادقها) وهو حراثة الأرض، ورعاية الزرع،
والاستنبات والتوليد، لكنه بشكل ما يربط مفهوم الثقافة بالدين والعبادة،
فهما من جذر واحد، فالدين كان المنبع الأول إن لم نقل الوحيد للثقافة
قديماً. وأظن أنه حتى الآن لا يزال المنبع الأساسي والمرتكز الأهم
للثقافة.

كانت الثقافة تعني الدين أو الحكمة أو الفلسفة وكان المثقف هو النبي أو
الحكيم أو الفيلسوف أو الأديب. وكان السلاطين والملوك يختارون لأبنائهم
مؤدبين يعلمونهم مختلف الآداب والفنون والعلوم، وكل ما يحتاجونه ليصبحوا
مؤهلين لادارة دفة الحكم.

2ـ تعريف الثقافة

على ضوء ما تقدم يتبين لنا أن مصطلح (الثقافة) هو مصطلح غربي، ولذلك لابد
أن نتفحص تعاريف الغربيين للثقافة.

تعريف تايلور: (الثقافة هي ذلك المركب الكلي الذي يشتمل على المعرفة
والمعتقد والفن والأدب والأخلاق والقانون والعرف والقدرات والعادات
الأخرى، التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع) (5).

يعلق الدكتور معن زيادة على هذا التعريف بقوله:

(على ضوء الدراسات المستجدة أصبح بمقدورنا أن نأخذ على تعريف تايلور
عموميته وطابعه الوصفي، وإهماله حركية وديناميكية الظاهرة الثقافية،
إضافة إلى إهماله العلاقة بين الثقافة والمجتمع البشري الحامل لتلك
الثقافة من جهة والبيئة أو المحيط الخاص بتلك الثقافة من جهة أخرى) (6).

(لي) – على ضوء ما جاء آنفاً: أن كلمة المثقف والثقافة حديثة العهد، أي
لم تكن متداولة، وهي كلمة غريبة على اللغة العربية، ومعانيها تختلف حسب
مضمونها. والمثقف هو ليس المتخصص، وهو ليس الخبير، ويمكن القول بأن هناك
مثقف شامل ومتكامل لحد ما، ومثقف متعدد المواهب، ومثقف منحصر في بعض
العلوم. ومنهم من يعرف المثقف على أساس العارف بجميع العلوم…أو على الأقل
بشيء من مجمل ما هو متداول ومعروف…أو يراد معرفته. لكنني سوف أدلوا
بتصوري فيما بعد بدقة أكثر. وأحاول إيجاد تفسير لمسألة هل يمكن إطلاق
مصطلح المثقف على كل من حمل نوعاً أو بضع أنواع من العلوم والمعرفة. أم
أن المصطلح وسام لا يرفعه إلا أشخاص قلائل لديهم إمكانيات العبقري
والفيلسوف المجتهد في علوم زمانه، وله معرفة بتاريخ يخص شعبه. وهل هناك
شخص لديه الإمكانية لفهم واستيعاب جميع العلوم ودرك مفاصلها وله نظرته
الخاصة في كل صغيرة وكبيرة…هل نريد تخويف الساعين للثقافة والإدراك أن
يتجنوا الخوض في غمار العلوم لأنهم لم ينالوا وسام المثقف. أم أن الحلم
هو دفع الأكثرية للتطلع وزيادة المعلومات لتعم الفائدة… هذه الأسلة
وأخريات يدور في خلد القارئ لهذه الدراسة حين القراءة … وعليه إيجاد
الأجوبة التي تلائمه…لأننا مهما حاولنا التوصل لأي حقيقة فهي بالتالي
حقيقة تخص الشخص نفسه، وقد لا تكون حقيقة الآخرين، فليس المراد إجبار
الآخرين لقبول هذه الحقيقة، أو تلك. فالقناعة الذاتية أهم من القناعة
الجماعية. فما عليك أن تكون بجانب هذا أو ذاك فتراه الصواب، بل الصواب هو
ما توصلت إليه قناعتك قلباً وعقلاً …وتتحكم بنتائجه لضميرك. نعم
الاستعانة بالآخرين وبالكتب وبالعارفين ممن تثق باستقلاليتهم في الطرح
أمرٌ في غاية الأهمية، لكن الأهم من ذلك هو أن لا تكون أسير أفكارهم
وآرائهم ومقترحاتهم، فتبقى مستهلك للأفكار غير منتج. وإليك تعاريف أخرى.

تعريف كوينسي رايت: الثقافة هي النمو التراكمي للتقنيات والعادات
والمعتقدات لشعب من الشعوب، يعيش في حالة الاتصال المستمر بين أفراده،
وينتقل هذا النمو التراكمي إلى الجيل الناشئ عن طريق الآباء وعبر
العمليات التربوية)(7).

ويعلق الدكتور زيادة على هذا التعريف بقوله: (إن تعريف رايت لم يتمكن من
التخلص كلية من الطابع الوصفي الذي أخذ على تعريف تايلور، كما أنه لا
يتضمن الدور الذي يمكن أن تلعبه الثقافة في توجيه سلوك الإنسان، وبالتالي
لا يتضمن دور الثقافة في صنع حاضر الإنسان ومستقبله)(8).

تعريف مالينوفسكي: (الثقافة هي جهاز فعال ينتقل بالإنسان إلى وضع أفضل،
وضع يواكب المشاكل والطروح الخاصة التي تواجه الإنسان في هذا المجتمع أو
ذاك في بيئته وفي سياق تلبيته لحاجاته الأساسية)(9).

تعريف غوستان فون غرونيوم: وهناك تعريفات أخرى مثل (أن الثقافة هي الجهد
المبذول لتقديم مجموعة متماسكة من الإجابات على المآزق المحيرة التي
تواجه المجتمعات البشرية في مجري حياتها، أي هي المواجهة المتكررة مع تلك
القضايا الجذرية والأساسية التي تتم الإجابة عنها عبر مجموعة من الرموز،
فتشكل بذلك مركباً كلياً متكامل المعنى، متماسك الوجود، قابلاً للحياة)
ومن هذا القبيل تعريف غوستاف فون غرونيوم في مطلع كتابه عن هوية الإسلام
الثقافية الصادر في باريس عام 1973 حيث يقول عن الثقافة انها (نظام مغلق
من الأسئلة والأجوبة، المتعلقة بالكون وبالسلوك الإنساني)(10).

وهذه التعريفات(التعاريف) كلها تبرز بشكل واضح أهمية العقيدة ودور الدين
في صنع الثقافة وتوجيه سلوك الإنسان.

هذا لدى الغربيين فماذا لدى العرب؟

يقول الدكتور عبد الكريم عثمان: (الثقافة في اللغة العربية تعني الحذق
والفهم، والتثقيف بمعنى التشذيب والتهذيب والتقويم والحذق والفطانة
(الفطنة)، وقد عرفت المعاجم الحديثة للغة العربية هذه الكلمة بأنها
العلوم والمعارف والفنون التي يطلب فيها الحذق)(11). وسواء كانت الثقافة
هي العلوم والمعارف والفنون التي يطلب فيها الحذق أو هي الحذق وفهم
العلوم والمعارف والفنون... الخ.

هل يعتبر هذا تعريفاً كافياً للثقافة في عصرنا؟!

مالك بن نبي يعرف الثقافة في كتابه (مشكلة الثقافة) فيقول إنها (مجموعة
الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته، وتصبح
لا شعورياً العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه)
(12).

هل الثقافة هي:

(العلوم والمعارف والفنون و... التي يطلب فيها الحذق)

أم هي (الحذق وفهم العلوم والمعارف والفنون و...)

أم هي (المركب الكلي الذي يشتمل على المعرفة والمعتقد والفن والأخلاق
والقانون والعرف والقدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بوصفه
عضواً في المجتمع)

أم هي (النمو التراكمي للتقنيات والعادات والمعتقدات لشعب من الشعوب يعيش
في حالة الاتصال المستمر بين أفراده، وينتقل هذا النمو التراكمي إلى
الجيل الناشئ عن طريق الآباء وعبر العمليات التربوية)

أم هي (جهاز فعلا ينتقل بالإنسان إلى وضع أفضل)

أم هي (الجهد المبذول لتقديم مجموعة متماسكة من الإجابات على المآزق
المحيرة التي تواجه المجتمعات البشرية)

أم هي (نظام مغلق من الأسئلة والأجوبة المتعلقة بالكون وبالسلوك
الإنساني)

أم هي (المنجزات الفكرية المعنوية التي يبتكرها الإنسان في تنظيم حياته
مع الآخرين).

إذا بسطنا الموضوع قليلاً، وتجنبنا محاولة تعريف الثقافة تعريفاً جامعاً
مانعاً كما يقال، واكتفينا بالحديث عن الثقافة كمفهوم حديث أو كمصطلح
حديث، فلربما(فربما) أمكننا القول أن: (الثقافة هي المخزون الحي في
الذاكرة كمركب كلي ونمو تراكمي مكون من محصلة العلوم والمعارف والأفكار
والمعتقدات والفنون والآداب والأخلاق والقوانين والأعراف والتقاليد
والمدركات الذهنية والحسية والموروثات (المورثات)التاريخية واللغوية
والبيئية التي تصوغ فكر الإنسان وتمنحه الصفات الخلفية والقيم الاجتماعية
التي تصوغ سلوكه العملي في الحياة).

هذا المخزون الحي قد يتمثل لدى الشعوب على شكل عقيدة حية فعالة محركة لما
يصدر عن أفراد الشعب من قول أو عمل، وما ينجزه على الصعيدين الفكري
والعملي الفردي والاجتماعي على السواء من مهام ووظائف.

ترى هل تجاوزنا بهذا المفهوم الذي قدمناه للثقافة كل التعريفات
(التعاريف) التي تتراوح ـ كما يقول الدكتور معن زيادة ـ (بين القول أن
الثقافة هي مجرد اكتساب درجة من العلم والمعرفة أو انها تعني الإبداع
والابتكار الفني والجمالي وبين القول أنها السلوك أو نمط التعبير الخاص
بمجتمع من المجتمعات أو انها تقتصر على الضروب الرفيعة من التفكير النظري
والتجريد، مروراً بالعشرات من وجهات النظر والآراء التي تفهم الثقافة من
زوايا خاصة ووفق أغراض محددة)؟ (13).

وينبغي أن لا يغيب عن البال أن مفهوم الثقافة يختلف باختلاف الزمان
والمكان، ولعله لا يطول بنا الزمان لنرى الثقافة قد خرجت من أسر القومية
والطائفية والإقليمية والعرقية لتدخل أفق العالمية وتنشر ظلالها الصحية
على البشرية في جميع أرجاء المعمورة.

(لي) الملاحظ مما سبق أنه ليس هناك إجماع أو توافق للتعريف، بل يمكن
القول هناك تعريف شمولي يحاول إعطاء وصف متكامل ونموذجي واسع، وهناك
تعريف موضوعي يختصر للسهولة والتقريب. وقد يكون لكل معرف غاية، أو لكون
الحالة التي عاشها المعرف تتطلب منه ذلك النوع من التعريف… كيف لك أن
تعرف أنت، بعدما أطلعت على كل تلك أوجه الخلاف واللقاء. وقد يكون التعريف
الأكثر قبولاً هو أن الثقافة والمثقف متلازمان … فبدون المثقف لا ثقافة
تظهر…وبدون الثقافة لا وجود للمثقف. وما هي بالتالي إلا تعبير عن مجمل
الحوادث والأفكار المدونة ودراستها لاستخلاص الملائم والمناسب للحالة
السائدة، أو من أجل إعطاء فكرة لحل آني…وتوقع مستقبلي. فهي في النتيجة
القصوى إنتاج فكر جديد لحل أزمة حالية أو مستقبلية متوقعة.

3ـ كيف تتكون الثقافة

أ. الثقافة الفردية

يخلق الطفل مزوداً بحوافز ودوافع وقدرات وإمكانيات يتميز ببعضها عن جميع
المخلوقات الأخرى غير البشرية، تدفعه لأنماط من السلوك الفطري الغريزي،
وتتيح له ابتداء تلمس حاجاته الجسدية، في ظل الشعور بالأمن في حضن الأم
التي تحوطه بالمحبة وتغمره بالحنان وتشمله بالرعاية، فلا يلبث أن يحاول
تركيب ومطابقة ما يرى وما يسمع، وأن يحاول التعبير عن كل ذلك بالمحاكاة
والتقليد.

إن المدركات الذهنية والحسية في السنوات الخمس الأولى النابعة من الحوافز
والدوافع والقدرات المخلوقة مع الطفل يصح لنا أن نسميها (ثقافة فطرية)
وللطفل ثقافة مكتسبة وهي ما يتراكم حول الثقافة الفطرية وفوقها بعد
سنواته الخمس الأولى، وتتكون هذه الثقافة المكتسبة لدى الفرد عن طريقين.

- التعلم الذاتي واكتساب القدرات والمهارات بالتقليد والمحاكاة وبمعايشة
اللعب وبالحوادث والاستقراءات (الاستقراء) المتلاحقة عن قصد وعن غير
قصد.
- وبالتعليم من الغير، وفق أو على غير خطة مرسومة ومنهج مدروس.

وبين هاتين الثقافتين ـ الفطرية والمكتسبة ـ جسر موصل أو حاجز غير واضح
تماماً، فالجزء البسيط من المدركات والمكتسبات دون سن التمييز أقرب إلى
الثقافة الفطرية أو لنقل هو انبثاق عنها وختام لها. والجزء المركب
والمعقد من هذه المدركات والمكتسبات أقرب إلى الثقافة المكتسبة أو لنقل
هو ابتداء فيضها أو هو منبعها وأساسها.

ونظراً لدور الغير في هذه الفترة من حياة الإنسان، والأثر المهم الذي
يخلفه، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم [كل مولود يولد على
الفطرة وأبواه يمجسانه أو يهودانه أو ينصرانه] رواه أبو يعلى والطبراني
والبيهقي.

ب. الثقافة الاجتماعية

هناك (الثقافة البدائية التلقائية وتوجد حيث يوجد المجتمع، وهي تسود كافة
المجتمعات الإنسانية ولا يخلو منها مجتمع، وتتجلى في عموم الحالة السائدة
في المجتمع) (14).

وهناك (ثقافة موجهة قد تم التخطيط لها على أسس متينة وقواعد ثابتة) (15).

4ـ العلاقة بين الثقافة والحضارة

صحيح أن الثقافة ليست هي الحضارة، ولكنها العنصر الهام في عملية البناء
الحضاري، فبمقدار شمولية الثقافة وتوازنها واستقرارها وصحة متبنياتها
يرتفع عمود الحضارة، وتترسخ أركانها في المجتمع.

وليس لقوة مهما بلغت أن تهزم أو تهدم حضارة قائمة على ثقافة صحيحة سليمة
جامعة.

وكما أن الثقافة هي الركن الأساسي لبناء الحضارة فان البنيان الحضاري بعد
أن يقوم يلقي بظلاله على الثقافة بحيث يمكن اعتبار الحضارة القائمة
رافداً جديداً من روافد الثقافة المستقبلية، وتقوم علاقة نمو متبادل
مضطرد (أتصور يريد أن يقصد – طردي) بين الثقافة والحضارة.

وما يقال عن الحضارة والعلاقة المتبادلة بينها وبين الثقافة يقال عن
المدنية التي هي وليدة الحضارة ومظهرها الواقعي العملي.

من المهم أن نشير هنا إلى أن هنالك من يسوي بين الثقافة والحضارة
ويجعلهما مفهوماً واحداً، ومن اشهر هؤلاء تايلور في القرن الماضي.

وهنالك من يفرق بينهما إما على أساس أن الثقافة تشير إلى ما هو عقلي في
حين تشير الحضارة إلى ما هو مادي أو بالعكس على أساس أن الثقافة تعني
المظاهر المادية للحضارة كالتقنية والصناعة وأن الحضارة تعني المظاهر
الأدبية والفلسفية والعقلية.

وعلى سبيل المثال فان المفكرين الأوروبيين في عصر النهضة ـ ولا سيما
الألمان منهم ـ يقصرون الحضارة على الإنجازات التقنية والمعرفة العلمية
الموضوعية التي يمكن أن تقاس قياساً كمياً، في حين يرون أن الثقافة تشير
إلى المعرفة الذاتية غير الوصفية ذات الأحكام التقويمية كالديانات
والاعتقادات والأخلاق والفلسفة والآداب والفنون(16). والحقيقة أن الثقافة
والحضارة متداخلتان إلى ما دون التساوي ومتمايزتان دون تباعد.

(لي) هذا الجدل بين العلاقة بين الحضارة والثقافة له دوافع، فالذي يريد
أن يبقى في عالم الخيال دون الإنتاج يدافع عن جانب، والمتطور والمحب له
والمنتج يدافع عن النتائج ويعطيها القيمة الفعلية، وليس الفكري النظري،
بل الفكر المنتج والعملي. فواقع الحضارة ما هو مبان وظاهر ومفيد مادياً،
وله مردود إيجابي في نواحي عديدة وإن كان فيه من السلبيات، لكون حتى
الدواء المخصص له مردودات سلبية، لكنها ضئيلة وقد تكون في عداد النفي
نسبياً، وهذا الأمر مطابق لقول الله تعالى: مضاره أكثر من منافعه…وقد
ينقلب لأمر آخر مفيد ظاهراً وفعلاً وقولاً واصطلاحاً بأن منافعه أكثر من
مضاره. وهذا الأمر نسبةً للمقصود…فالثقافة والحضارة فيهما منافع ومضار
والمظاهر الحضارية المعروفة منافعها أكثر من مضارها، وإن أراد بعض
المتقوقعين بيان السلبيات على أنها أكثر من الإيجابيات..ويمكنني تسميته
الخوف من الجديد. وقد عبر عن هذا الأمر بصراع الحضارات. وكل غريب خطير…
والتخوف من سيطرة الثقافة القادمة على الثقافة الأصيلة. هذا الصراع لا
يؤدي إلا للتجديد والحداثة حسب المفهوم المتداول.

5ـ غزو ثقافي أم تفاعل ثقافات

لا يمكن وضع سقف للتقدم الثقافي في عالم سريع التطور، دائم التغير
والتبدل بل والتحول.

إن وضع سقف لثقافة أمة يعني وقف نمو الأمة، والإخلال بشروط بقائها
ونمائها، وبالتالي بداية شوط السقوط والموت.

ولكي تبقى الثقافة في حالة نمو، لابد من انفتاح الثقافات المتنوعة
المتباينة على بعضها، الانفتاح الذي يسمح بالفعل والانفعال من أجل
الإطلال على آفاق جديدة من عوامل الثقافة ومكوناتها. لكن ذلك مشروط
بالانفتاح الحر الذي يتيح التفاعل الطبيعي الحر دون قسر أو ضغط أو إلجاء
ليتم في بوتقة التفاعل، فعل الثقافة الأصح والأكمل والأشمل بالثقافات
الأقل صحة وكمالاً وشمولاً. أو لنقل لتجتذب كل ثقافة ما تحتاج لكمالها
وشمولها من الثقافات المنفتحة عليها بشكل حر يشبه انتقال السوائل في
الأواني المستطرقة، ولا أقول يشبه التفاعل بين السخونة والبرودة، بحيث
يبرد الساخن ويسخن البارد حتى تتساوى درجة الحرارة في السائلين
المتجاورين.

إن هذا التفاعل الحر ـ الذي ينطوي على الفعل والانفعال ـ قد يؤدي إلى
الوصول إلى ثقافة عالمية باتت ملامحها شبه واضحة، يتوحد عليها البشر في
يوم من الأيام مهما طال انتظاره.

من هنا دعونا نطل على ما يسمى بالغزو الثقافي الذي يقابله الانهزام
الثقافي.

إن كل الثقافات الإقليمية والقومية والعرقية قابلة لأن تمارس الغزو
الثقافي أو أن تقع فريسة له بسبب الانهزام الثقافي.

والانهزام الثقافي في هذه الحال إما داخلي ذاتي أو لغزو ثقافي خارجي.

أما عندما تكون الثقافة إنسانية عالمية فلا ينطبق على تحولاتها عنوان
الانهزام الثقافي، كما لا يمكن أن يوصم أثرها في الثقافات القومية بالغزو
الثقافي، بل إنه التفاعل الثقافي فعلاً وانفعالاً.

لا ينكر هنا أن القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية والإعلامية قد
تساند ثقافة ما فتصمد لوقت أطول أو ربما تفرض على الشعوب بالقوة والقهر،
لكن ذلك لن يدوم طويلاً، فكم من أمة مهزومة عسكرياً استطاعت أن تهزم
مستعمريها ثقافياً، وما زالت ماثلة في الأذهان حالة التتار والمغول الذين
اكتسحوا العالم الإسلامي عسكرياً ليجدوا أن الإسلام قد اكتسحهم ثقافياً،
ولم يترك أمامهم أي مجال سوى تبني ثقافته واعتناق عقيدته وتمثل قيمه
الإنسانية العليا، فاستسلموا لذلك دون مقاومة.

إن الشعوب التي يخفت في أعماقها ووجدانها صوت ثقافتها، وتنبهر أبصارها
بوهج بريق ثقافة الغير، لابد أن تنهزم أمام الغير وأمام ثقافته، وانهزام
الشعوب ليس بالضرورة انهزاما للثقافة التي كانت تحملها، فالثقافة القائمة
على أسس سليمة وأركان صحيحة لا تنهزم لا في السلم ولا في الحرب، وإن كمنت
إلى حين تحت ضغط عوامل خارجية طارئة ومؤقتة.

أما الثقافات الأخرى التي لا تملك مثل هذه الشروط والمقومات، فإنها سرعان
ما تنهزم وتؤول إلى الزوال، مهما لمع بريقها في حين من الأحيان، ومهما
روجت لها الأنظمة القوية المسيطرة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، فالحق
لابد أن يسود والباطل لابد أن يمحى من الوجود.

6ـ دور المثقف

بعد أن وضحنا مفهوم الثقافة بما لا يدع أي مجال للبس والغموض، بات واضحاً
كذلك معنى المثقف، فالمثقف هو مظهر الثقافة ومصداقها والمعبر عنها
وحاملها وموصلها لسواه.

صحيح أن المثقف ليس هو الذي يوجد الثقافة فهي موجودة بدونه، لكن المثقف
هو الذي ينقلها من السكون الى الحركة، ومن الخمول إلى النشاط. ولكن ليس
هو الموجد لها.

وإذا كانت الثقافة الصحيحة السليمة تحتفظ في داخلها بشروط بقائها فماذا
يبقى للمثقف من دور؟!

وجواب هذا السؤال أن المثقف هو أحد بل أهم شروط ظهور الثقافة، فلا ظهور
للثقافة دون مثقف.

إن القيم والمفاهيم والمعلومات والعقائد والفلسفات والأخلاق وكل مكونات
الثقافة ومقوماتها تبقى صوراً تجريدية ذهنية ما لم تظهر على أرض الواقع
وتتجسد في مصاديق مادية عملية.

إن الصراع بين الحق والباطل لا يكون الا إذا كان لكل منهما مصاديق، ولابد
لكل منهما أن يجد من يحمله ويبشر به ويجعل من نفسه المصداق... المصداق
العملي له على أرض الواقع، هذا هو دور المثقف:

ـ أن يتمثل ثقافته جيداً فكراً وسلوكاً.
ـ أن يعمل جاداً للتبشير بثقافته.
ـ أن يدفع عنها عوامل الانهزام الداخلي وعوادي الغزو الخارجي.

وانما يدفع المثقف عن ثقافته عوامل الانهزام الداخلي بما سبق أن المحنا
إليه من التفاعل الحر مع الثقافات الأخرى، وعدم الانغلاق على محيطه
وبيئته، وعدم الخلط بين الثابت من الحقائق والمتغير من التراث والعادات
والتقاليد، والتمييز الواضح بين ما هو من الأسس والأركان وما هو من
المتممات والمكملات (أي ما هو من هيكل البناء وما هو من الإضافات
والديكورات)، والحرص على عدم تخلف الثقافة عن العصر، وعن الفعل فيه فعلاً
إيجابيا، والتحرك داخل العصر وعينه على المستقبل الآتي بما يحمل من آمال
وتطلعات وبما يحقق من أغراض وأهداف.

ويدفع عنها الغزو الخارجي بالتخطيط الدقيق والتكافل والتضامن والتعاون مع
أبناء ثقافته أياً كان عرقهم ولونهم ولغتهم.

(إن أهمية المثقف إنما تنبثق من أهمية الثقافة نفسها وحاجة المجتمع إليها)
(17).

ويميز البعض بين مثقف ساكن ومثقف متحرك، الأول لا دور له في مجتمعه
والثاني ينهض بدوره في المجتمع، وبين مثقف منغلق ينتج ثقافة الجمود ومثقف
منفتح ينتج ثقافة التجديد، الأول يعيش خارج الزمن فمسيرته إلى التوقف
والثاني يواكب الزمن ويعيش فيه فمسيرته إلى النمو، ويميز بين مثقف النخبة
الذي يعيش بعيداً عن الناس ويتحدث بخطاب القلة أو النخبة فقط ومثقف
الجمهور الذي يعايش الناس ويتحدث بخطابهم خطاب الجمهور والكثرة، ويميز
بين مثقف مستبد يتحول قلمه إلى رفض الآخر، ولا يتحدث الا بلغة الرفض
والنفي والإقصاء ويمارس القمع والإرهاب، ومثقف شوروي (أو ديمقراطي) يتحدث
قلمه بلغة التعددية والتعايش والتسامح ويمارس الحرية والعدالة، ويميز بين
مثقف السلطة الذي يكرس الاستبداد ويمارس الظلم ويعشق المال ومثقف الأمة
الذي يعشق العلم وينشر العدل ويزرع الحرية(18).

ونحن ـ مع من ـ يريد ظهور المثقف المتحرك مع آمال الأمة وتطلعاتها وقيمها
ومفاهيمها، المنفتح على كل الثقافات القديمة والمعاصرة، الذي يتبنى
الحرية والعدل والشورى ويخاطب جماهير الناس ونخبتهم (نخبهم)، كلّا بما
يناسبه، ولا يقصر خطابه للنخبة فقط.

نريد المثقف الذي يستشعر المسؤولية الخطيرة والجسيمة، فيتمثل دور النبي
لا دور الفيلسوف، نريد المثقف الذي ينطلق من جوهر مفهوم الثقافة الذي
يفترض فيه التحرك لنشر رسالته الثقافية داخل المجتمع وعلى الصعيد
الإنساني العالمي، وتوضيح آفاقها ومنطلقاتها وأهدافها، وترسيخ مفاهيمها
الرسالية باللغة التي يفهمونها والتي تحركهم لأنها تتحدث عن قضاياهم
ومشاكلهم التي يعانون منها والظروف التي يعيشون تحت أسرها، والآمال التي
تراودهم، والأهداف التي تعيش في قلوبهم وأفئدتهم؛ لغة من قد وطد العزم
على كسر القيود وفك الأغلال عن الإنسان، ورفع الظلم والحيف والاستبداد،
ونشر الأمن والحرية والعدالة في المجتمع الذي يعيش فيه أولاً، وبين الناس
كلهم في شتى أرجاء الأرض ثانياً.

(لي) قبل إنهاء هذه الفقرة أو ذكر شيء بسيط، وهو أن عقل الإنســـان متكون
من جهازين استقبال وبث للمعلومات بإضافة أجهزة أخرى، كالجزء التحليلي
للحوادث، وجهاز خزن المعلومات الدائمة، وجهاز خزن المعلومات المؤقت. فعند
تأمل المثقف لقضية معينة يراد إيجاد تحليل صائب له، هذا التأمل في نظري
هو تحريك جهاز البحث والاستقبال لتقبل المعلومات الموافقة مع فكرة التأمل
لغاية معينة إيجابية أم سلبية. وأن جميع المعلومات المعروفة وغير
المعروفة المبهمة والواضحة الضارة والنافعة…كلها موجودة في الكون على
هيئة ذرات تتطاير في مكان بعيد أو قريب. مقدار قوة جهاز البحث والاستقبال
هو الذي يحدد كم المعلومات ونوعيتها وسرعة جلبها. وبعدها ترسل كل تلك
المعلومات لجهاز التحليل لتنتج فكرة صائبة ملائمة. فأي عقل تحمل وعلى أي
نوع من العلوم روضته وربيته…سينتج لك مثله، أو مقارب وفي أحسن الأحوال
الأفضل وهو المراد. أنا أرى للمثقف دور هام وخطير في الوقت ذاته، وهذا
يعتمد على نوع الثقافة التي يحملها ويتعامل بها ويحاول إيصالها للمجتمع.
فالمثقف هو المغير وجهاز الحراك الاجتماعي. يمكن للمثقف أن يبني كما
يمكنه أن يهدم، وباستطاعة المثقف أن يهيأ أجواء سليمة وسلمية، كما يمكن
له أن يخلق النزاعات والأمراض الاجتماعية. فكل ذلك يعتمد على التراكمات
الثقافية، وغاياته. وكذلك يعتمد على نوعية المجتمع والبيئة الخصبة لزرع
الأفكار، أو المجتمع الجامد والرافض للمتغيرات.

الهوامش

1 ـ معالم على طريق تحديث الفكر العربي ص29 د، معن زيادة.
2 ـ القاموس المحيط مادة ثقف، 3/121.
3 ـ القاموس المحيط ـ المعجم الوسيط ـ المنجد.
4 ـ المورد القريب تأليف منير بعلبكي.
5 ـ معالم على طريق تحديث الفكر العربي ص30 للدكتور معن زيادة ينقله عن
كتاب إدوارد ب تايلور (الثقافة البدائية) الصادر عام 1881م و الجدير ذكره
أن تايلور لا يفرق بين الحضارة والثقافة فهذا التعريف لديه ينطبق على كل
من الحضارة والثقافة على السواء.

6 ـ معالم على طريق تحديث الفكر العربي ص30.
7 ـ المصدر السابق ص31.
8 ـ المصدر السابق.
9 ـ المصدر السابق.
10 ـ المصدر السابق.
11 ـ الثقافة الإسلامية للدكتور عبد الكريم عثمان ص9.
12 ـ الثقافة.. الغزو الثقافي للسيد فوزي الجودة، دراسة منشورة في دورته/
المناضل/العدد 280 ص44.
13 ـ معالم على طريق تحديث الفكر العربي ص29.
14 ـ رسالة المثقف في عصر النهضة ـ مجلة البصائر عدد /19/ ص54.
15 ـ نفس المصدر.
16 ـ معالم على تجديد الفكر العربي ص44ـ45.
17 ـ مجلة البصائر عدد /19/ ص55.
18 ـ المثقف والمجتمع لعدد من الباحثين ص8-9.
المصدر: www.annabaa.org شبكة النبأ المعلوماتية

(لي)بعد أن أطلعنا على تعريف المثقف والثقافة من وجه نظر عراقي يرى أن
التمسك بالدين الإسلامي وأخلاقه أساساً للثقافة السليمة والذي بدوره ينتج
المثقف الفعال والمنفتح. وليس الفكر الإسلامي المتقوقع والغارق في متاهات
العادات القديمة المتخلفة.. نلقي نظرة على رأي آخر، ووجهة نظر تلاقي في
أركان وتخالف في أخرى. لكي تتكون لدينا أنواع من التعاريف المرتبطة
بثقافة المعرف وخلفياته وغايته في التعريف.
نهاية الفصل الأول
في الفصل الثاني سوف أضع بين يدي القارئ العزيز بعض تعاريف علماء ومفكرين
وفلاسفة، وقد يكون لي تعليق، أو أترك الموضوع لإدراك القارئ لكي يستنتج
ما يحلو له دون أي تأثير من جانبي. وما أود قوله من اتفاق أو اعتراض
أدونه لما بعد …لكي أضعه في دراسة أكثر تفصيلاً. لكوني أرى أن الموضع
بحاجة لبحث أعمق، ولعل بحثي يوصلني لمعومات أخرى، وقد يسعفني بعض
الأساتذة والأخوة الذي سوف يعلقون على الموضوع. بذلك وفرت على نفسي جهداً
كبيراً وهذا ليس نابع عن كسل، بل الأمر مقصود لكي يشارك في البحث أكثر من
شخص، ولكي تتكون تصورات متنوعة وغير مبنية على أساس أيدلوجي معين. ولا
على أساسي ديني واحد بل متعدد الأديان، ولا على أساس طائفي بحث بل متجاوز
التطرف، وحتى بعيد عن الدافع القومي دون الاعتراف بباقي القوميات واحترام
دورهم في تعريف الثقافة والمثقف.






















الفصل الثاني

تعريف المثقف: صورة للمفهوم في الثقافة العربية الحديثة

ماركس: ليس النقد هوي في الرأس بل هو رأس الهوي!


الشرائح الاجتماعية التي تمتلك قوة السلطة، او قوة المال، او قوة الأفكار
تسمي النخبة. وهي بهذه القوى تؤثر في حياة الناس علي كل المستويات. و
المثقفون هم الشريحة التي تستمد مكانتها من قوة الأفكار.
ما هو المثقف ؟ كيف تشكل دوره؟ ما هي وظيفته؟
هذه ليست أسئلة أكاديمية مفصولة عن الناس، أو بعيدة عن مجريات حياتهم، بل
هي ترتبط أوثق الارتباط بحياة البشر، مخاوفهم، همومهم، تطلعاتهم ـ
ومصيرهم بالجملة.
و القدس العربي ، اذ تنشر هذه الدراسة المستلّة من كتاب (الإنسان
والفكرة) للزميل احمد المهنا، فانها تجدد التأكيد علي راهنيه المسألة
الثقافية، وأهمية دور المثقف، كما تذكّر بأن أحد الأسباب الرئيسية لـ
انسداد الأفق في العالم العربي، يرتبط بـ قوة الأفكار التي هي ميدان عمل
المثقف . وبعد نشر هذه الدراسة، نتلوها بنشر مثال تطبيقي ، لكاتب آخر، عن
سيرة حياة أحد أعلام الثقافة في الأزمنة الحديثة. فتنتقل بذلك مقاربة
الثقافة من النظرية إلى التطبيق، أو من التجريد إلى التجسيد، أو من
الغابة إلى أحد أشجارها المتعينة، المحسوسة، الباسقة، كثيرة الثمار و...
الأشواك.

احمد المهناہ
4 أنماط من المثقفين
لثلاثة فضاءات اجتماعية

في دراسته المعمقة للتناقضات البنيوية الملازمة للمجتمع الصناعي، توصل
عالم الاجتماع الأمريكي دانيل بل إلى التفريق بين ثلاثة فضاءات متمايزة
أو ثلاث بني اجتماعية : فضاء تقني / اقتصادي، فضاء حكومي، وفضاء ثقافي .
انها غير متطابقة مع بعضها البعض، وهي ذات وتائر وايقاعات تبدلية
متباينة. انها خاضعة لمعاييرمختلفة، تسوغ مسالك مختلفة وحتي متعاكسة. ان
الاختلافات بين هذه الفضاءات هي المسؤولة عن شتي تناقضات المجتمع (50).
هذه الفضاءات تملي توزيعا معينا لشغيلة الثقافة العالمة علي العموم.
فالبني الاجتماعية الثلاث تستقطب أنماطا مختلفة من المثقفين . ويمكن
تقسيم هذه الأنماط الي أربعة:
العالم. وهو المختص بالعلوم الطبيعية والدقيقة أو التطبيقية. وموقعه هو
الفضاء التقني /الاقتصادي الذي يضم القطاع الأكثر أهمية في نظام المعارف
المعاصرة. ان هذا الفضاء هو المقوم الرئيسي في صياغة التشكيلة الاقتصادية
- الاجتماعية لعالمنا الحالي.ولذلك يوجد العالم في قلب المركب الصناعي -
التجاري -العسكري الذي هو في حقيقة الأمر البيئة المحددة لفضاء السلطة
بمعانيها الأوسع.
الخبير. وهو يختلف عن العالم في كونه أكثر اقترابا من دائرة الحكم، وأشد
التصاقا بالرهانات الاجتماعية والانسانية. فهو المستشار السند للحاكم،
يرسم له الرؤية الاستراتيجية المؤسسية، ويسهم في تجسيدها وتنفيذها عمليا.
وموقعه بالطبع هو الفضاء الحكومي.
الصحافي. وهو الوجه الأكثر مشاركة في النشاط الثقافي، وهو القنطرة
الواصلة بين ذوي القرار وعامة الشعب، وفي الآن نفسه الرقيب علي السلطة.
ويمتاز بدوره الأساسي في صياغة الرأي العام وتوجيهه، خصوصا اذا أخذنا
بنظر الاعتبار ما تتسم به وسائل الاعلام المعاصرة من نفوذ كثيف، ومن قدرة
علي اختراق الفضاء التواصلي البشري برمته.
وليس للصحافي موقع بعينه في هذه البنية الاجتماعية او تلك. فهو تمثيل
نسبي للبني الثلاث حسب نفوذ أوقوة كل منها. انه جزء من البنية التقنية /
الاقتصادية منظورا اليه من زاوية ارتباطه بالقطاع الخاص أو اقتصاد السوق.
وتبعا لكون البنية الحكومية تحكم بالرأي وليس بالقوة فقط يمكن اعتبار
الصحافي ذراعا فكرية للبنية الحكومية كما انه في نفس الوقت رقيب نقدي علي
مقدار تمسكها أو تفريطها بالمعايير الأخلاقية والسياسية المعتمدة. وأخيرا
فان الفضاء الثقافي يعكس ذاته بشكل محدود، كما سنري بعد قليل ،علي
الصحافي.ان تعددية انتماء الصحافي لمختلف الفضاءات راجعة لكون وسائل
الاعلام مرايا عاكسة للمجتمع ككل.
النمط الاخير هو نموذج المثقف أو المفكر الموروث عن عصر الأنوار والأنساق
الايديولوجية المندثرة. ولعل أبرز سماته هي النزعة العقلانية النقدية،
والميل الي الاستقلالية الفكرية، وانتهاج الخط الشعبي الذي غالبا ما
يتكرس في هيئات المجتمع المدني، من حيث هي التعبير عن فاعلية الحراك
الاجتماعي وديناميته. وموقعه هو الفضاء الثقافي (51).
وفي الواقع فان مفهوم المثقف غالبا ما يعني في التداول هذا النوع الأخير،
في حين غالبا ما يمكن ادراج بقية الأنماط في اطار مفهوم المثقف العضوي
كما حددناه آنفا. كما ان المثقف النقدي أو المفكر هو، بالطبع، مركز
اهتمام موضوعنا هذا.
ان المعايير المختلفة للفضاءات الاجتماعية الثلاثة تؤدي، كما سلف القول،
الي مسالك مختلفة. فمعيار بنية الفضاء الحكومي هو التمثل والمشاركة، وهذا
الفضاء محكوم بفكرة المساواة في مجتمع ديمقراطي : مساواة أمام القانون،
مساواة في الحقوق المدنية، مساواة في الفرص. في الفضاء التقني /
الاقتصادي الجدوي والانتاجية هما معيار الفعالية. أما معيار الفضاء
الثقافي فهو التشديد علي تفتح الأنا، أو ازدهار الشخصية الفردية. ان
التبدل خطي في المستوي التقني / الاقتصادي : علي الدوام ثمة وقائع تقنية
واقتصادية جديدة تكيف الحياة الاجتماعية وتمدها بأسباب التقدم المادي.
أما في مجال الثقافة فان هناك نكوصا، رجوعا الي مسائل الانسان الأساسية،
الجوهرية والفلسفية.
استنادا الي تشديده علي تفتح الأنا يندد الفضاء الثقافي بالتخصص
واللاشخصانية السائدين في الفضاءين الحكومي والتقني / الاقتصادي. ان
اهداف التنظيمات السياسية، وضغوط العبودية الاقتصادية، والارهاق الناتج
عن العمل المفرط، والاعلام الذي يلبي حاجات التسلية الخارجية علي حساب
الحاجات الروحية، هذه كلها اسباب تغذي الوضع البشري بالاغتراب وتحول دون
تفتح شخصيات الأفراد.
ان جوهر التفكير، وبالتالي السلوك، في الفضاء الحكومي أو السياسي لا
يساعد علي تكوين النفوس الحرة المستقلة. فالتنظيمات السياسية تعمل علي أن
تقتاد الفرد لا الي اقتناعاته بواسطة تفكيره هو، بل الي جعله يتخذ لنفسه
الاقتناعات التي أعدتها من أجله . وكل انسان يفكر تفكيرا مستقلا ويكون
في الوقت نفسه حرا من الناحية الروحية، هو في نظرها غير ملائم بل ومثير
للارتياب، اذ ليس فيه الضمان الكافي للاندماج في المنظمة علي النحو الذي
يريدونه. وكل الهيئات المنظمة تري أن قوتها ليست في قيمتها الروحية
والأفكار التي تمثلها وقيمة الناس الذين ينتسبون اليها، بل في بلوغ أعلي
درجة من الوحدة فيما بين أفرادها والاستبعاد للاخرين. ففي هذا تتوقع قيام
مقدرتها علي الهجوم والدفاع (52).
والصورة تبدو أمر من ذلك في الفضاء التقني / الاقتصادي، فهو يقوم علي
العقلانية الوظيفية المكونة من البيروقراطية والهيكلية التراتبية
(الهرمية). ان بنية هذا الفضاء لاشخصية لأن دور البيروقراطية يكمن في
تمثيل وظيفة غير مرتبطة بأي انشغال شخصي. هنا يحصر البشر في الأدوار
والوظائف، وتجرد شخصيتهم، بحيث لا تعود السلطة الي الفرد، بل الي الموقع
الذي يشغله الانجاز العقلي للمهام (53).
والنتيجة المترتبة علي ذلك هي اغتراب الفرد عن العمل الذي يقوم به، او
انعدام الصلة الروحية بينهما . لقد أصبحت القاعدة اليوم في كل دائرة من
دوائر المجتمع هي القيام بقدر مفرط من العمل. والنتيجة لهذا هي ان العنصر
الروحي في العامل لا يمكن أن يترعرع. ان عبودية العامل لساعات العمل
المرهقة تشعره بالحاجة الي مرفهات خارجية، والبحث عن تسليات من النوع
الذي لا يتطلب من قواه الروحية الا أقل مجهود. فارهاق العمل لا يترك له
وقتا كافيا لتثقيف نفسه أو تبادل الآراء الجدية مع اخوانه او لصحبة كتاب
(54).
ان عقلية التسلية التي تنبثق من الارهاق تنعكس علي المنشآت التي يفترض
فيها خدمة الثقافة. فالمسرح في مركز ثانوي بالنسبة الي ملاعب اللهو ،
والكتاب المفيد في مركز ثانوي بالنسبة الي الكتاب المسلي. ووسائل الاعلام
تكيف نفسها لمطالب التسلية المتنامية . فاذا ما دخلت السطحية في المنشآت
التي كان ينبغي لها أن تنهض بعبء الحياة الروحية، فان هذه المنشآت بدورها
تؤثر في المجتمع.. وتفرض علي الجميع تلك الحال من الفراغ العقلي (55).
ولعل هذه الانتقادات الاخيرة تمثل ذروة الهجوم علي وسائل الاعلام
الجماهيرية. وقد أصبح من المعتاد اتهام هذه الوسائل بأنها مضرة بالنمو
الثقافي، اما من خلال تحويل الجمهور عن قراءة الكتب واما بخلق ثقافة
كاذبة أو ثقافة جماهيرية .
لكن هناك من يري الي علاقة وسائل الاعلام الجماهيرية بالثقافة من زاوية
نظر اخري. يقول عالم الاجتماع الاميركي فرنسيس بال ان الاعلام الجماهيري
يضفي علي الثقافة، بل وعلي الحضارة بصورة عامة، اتجاها مختلفا جدا عن ذلك
الذي كان يناسب المملكة الوحيدة، مملكة النشر بالكتاب. ومع ذلك فليس هناك
شيء يتيح التنبؤ بأن المجتمع الحديث سيكف عن القراءة. بل علي العكس يبدو
ان تلاؤما يحدث بين الاتجاهين.
ويضيف بال : فاذا كان التلفزيون يدخل تعديلا علي الثقافة، فان ذلك لا يتم
باستبعاد الثقافة المرتبطة بالقراءة، وانما باضفاء بعد جديد عليها،
وبدمجها في مجموع أوسع.ان الدراسات السوسيولوجية الأحدث عهدا لا تؤكد علي
الاطلاق فرضية ان الثقافة الجماهيرية تطرد الثقافة الكلاسيكية أو ثقافة
النخبة. والحقيقة، ولا ريب، ان وضع المعارف العلمية والادبية والفنية في
متناول الجمهور خلال سياق من التسلية، حيث يجري عرضها باسلوب مفكك أو
مشتت، ليس من طبيعة تدفع الي الأمام تكوين الجمهور الكبير تكوينا فكريا
في أحسن الشروط. ولكن هذا النوع من المعلومات، علي الأغلب، يندرج في زمن
حر لن يكون بدون ذلك مخصصا لفاعليات أكثر اغناء.
ويشير بال الي عدة استقصاءات بينت ان نسبة تستحق الذكر من مستمعي البث
الاذاعي ومشاهدي الارسال التلفزيوني، الذين لهم خلفية ثقافية، كانت ميالة
الي اكمال المعرفة الأولية التي تم تلقيها علي هذا المنوال بالرجوع الي
كتب تعالج الموضوعات ذاتها.وربما كان جمهور وسائل الاعلام الجماهيرية
يقضي من الوقت في القراءة أقل مما يستطيع ان يقضيه علي نحو آخر، ولكن
قراءاته ذات فائدة كبري وسطيا.
الخطر، حسب بال، هو ان البحث عن المشهدي والمثير، اللذين تشجعهما الاذاعة
والمجلات والصحف والتلفزيون بصورة طبيعية، يضفي أهمية علي قطاعات من
الحياة الثقافية لا تستحقها. وهذه الظاهرة، من جهة اخري، مرتبطة بظاهرة
اضفاء الشهرة التي تعزو الي الممثلين والمقدمين شهرة أكبر من شهرة
المؤلفين والمخرجين، وبوسعها آخر الأمر أن تقلب مقاييس الانتاج الأدبي
والفني علي نحو خطير(56).
التخصص، كما سبق القول، يتصدر نقد الفضاء الثقافي، لأنه يحد من صلات
الناس ببعضهم البعض وبالطبيعة معا. لقد أدت الزيادة الهائلة في المعرفة
والقوة الي نتيجة محتمة هي اقتصار ألوان النشاط الفردي علي فروع محددة
محصورة. فالعمل الانساني نظم بحيث يعين التخصص الأفراد علي تقديم أعلي ما
يستطيعون تقديمه وأبلغه أثرا. والنتائج التي تحققت مدهشة، لكن المعني
الروحي للعمل بالنسبة الي العامل ضئيل . وفي هذا توضيح لذلك القانون
المفجع الذي يقول ان كل مكسب تصحبه، علي نحو أو آخر، خسارة مقابلة (57).
http://hewar.khayma.com/showthread.php?p=516907 المصدر

(لي)من الواضح أن الأستاذ أحمد المهنا يبين الضغوط المفروضة على المثقف
المتحزب والمثقف البيروقراطي (الحكومي) والتجزئة لفضاءات هو تعبير للدقة
في تفصيل بعض أنواع المثقف المعاصر. وليس هناك من ريبة في أن التحامل
الذي نلاحظه ناتج عن تضارب الأفكار والتباعد بين مفهوم المثقف للشرقي
والغربي. مع أنه في بداية الأمر يستند على كلام مفكر أمريكي في التقسيمات
بعطائها المفيد للمجتمع، لكن لا نرى تعريفاً نابع من خلال التجربة
العملية للواقع أكثر مما هو تجربة الآخرين وبيان صورة النقد العام
المتداول، وليس النقد التعريفي الخاص. فليس هناك وجهت نظر معينة غير
النقل المتداول. مع الإقرار بالكثير من صحة الأقوال. فهذا واقع
مجتمعاتنا، لكن أين الحلول. غير النتيجة النهائية أن مع الإيجابيات
ترافقه سلبيات لكن ليس لديه مقياس يحدد النسبة والتناسب. ولنرى تعاريف
أخرى قريبة أو بعيد بعض الشيء ومدى خطورة أو فائدة المثقف.

الإثنين,تشرين الأول 29, 2007

تعريف المثقف: صورة للمفهوم في الثقافة العربية الحديثة (3 ـ 5)

هيغل: الانسان لا يولد حرا وانما يأتي العالم مع امكان ان يصير حرا

الشرائح الاجتماعية التي تمتلك قوة السلطة، او قوة المال، او قوة الافكار
تسمي النخبة. وهي بهذه القوي تؤثر في حياة الناس علي كل المستويات. و
المثقفون هم الشريحة التي تستمد مكانتها من قوة الافكار.
ما هو المثقف ؟ كيف تشكل دوره؟ ما هي وظيفته؟
هذه ليست اسئلة اكاديمية مفصولة عن الناس، او بعيدة عن مجريات حياتهم، بل
هي ترتبط اوثق الارتباط بحياة البشر، مخاوفهم، همومهم، تطلعاتهم ـ
ومصيرهم بالجملة.
و القدس العربي ، اذ تنشر هذه الدراسة المستلّة من كتاب (الانسان
والفكرة) للزميل احمد المهنا، فانها تجدد التأكيد علي راهنية المسألة
الثقافية، واهمية دور المثقف، كما تذكّر بأن احد الاسباب الرئيسية لـ
انسداد الافق في العالم العربي، يرتبط بـ قوة الافكار التي هي ميدان عمل
المثقف .
وبعد نشر هذه الدراسة، نتلوها بنشر مثال تطبيقي ، لكاتب آخر، عن سيرة
حياة احد اعلام الثقافة في الازمنة الحديثة. فتنتقل بذلك مقاربة الثقافة
من النظرية الي التطبيق، او من التجريد الي التجسيد، او من الغابة الي
احد اشجارها المتعينة، المحسوسة، الباسقة، كثيرة الثمار و... الأشواك.


المثقف والجمهور

يعرف ييتس الفن بأنه الفعل الاجتماعي لانسان منعزل . ويصح هذا التعريف
علي كل عمل ثقافي، من زاوية العلاقة بين المثقف والناس. ان عزلة المثقف
تتلاشي ما ان يقرب أداته من العمل. ففي هذه اللحظة يكون فعله الاجتماعي
قد بدأ. لقد قاد كانط وهيغل ملايين من الناس لم يقرأوا لهما سطرا واحدا،
ولم يعلموا انهم انما ينفذون توجيهاتهما (37). وقبل أكثر من قرن ونصف قال
الشاعر الألماني هاينه ان الأفكار الفلسفية التي يطرحها استاذ من مكتبه
الهاديء قادرة علي ابادة حضارة بكاملها. وقد وصف أعمال روسو بأنها السلاح
الملطخ بالدم الذي حطم بيد روبسبير العهد البائد. كما تنبأ بأن الايمان
الرومانسي لفيخته وشيلنغ سينقلب يوما وبتأثير ماحق من قبل اتباعهما من
المتطرفين الألمان ضد الثقافة الليبرالية الغربية. ولم تكذب الحقائق هذه
النبوءة كليا. هذه الأمثلة، المشفوعة بتأييد متواصل من شواهد التاريخ،
توجب الحذر من مغبة الاستخفاف بسيادة الأفكار وسلطتها (38).
العزلة شرط من شروط تحقق الانتاج، والانتاج نفسه هو لحمة المثقف بالمجتمع
او بفئات منه. وفي هذه الجدلية يبدو المثقف مقاتلا ضد الجمهور ومحاربا من
أجله في آن. انه نشاط عقل يوازن بين المع والضد، يغدو في آن متهما
ومحاميا، ويرتفع بحكم هذه الوظيفة المزدوجة فوق الأطراف. آخر ما يفكر فيه
هو ارضاء الجمهور، ومع ذلك فان نشاطه يستبطن تطلبا ما لدي الجمهور. ان
مبرر وجوده تمثيل كل تلك الفئات من الناس والقضايا التي تنسي، ويغفل
أمرها علي نحو روتيني.. وهو مؤهل للتوحد مع الضعفاء ومن لا ممثل لهم
(39).
المنفي - بالمعني المجازي لا الحرفي - هو وصفة ادوارد سعيد لطريقة حياة
المثقف: ان الامعيين ينتمون كليا الي المجتمع كما هو، ويزدهرون فيه دون
أي شعور غامر بالتنافر أو الانشقاق. المثقفون، علي عكس ذلك، في نزاع مع
مجتمعهم، ولذا فهم غير منتمين ومنفيون (داخل بلدانهم). المنفي للمثقف،
بهذا المعني الميتافيزيقي، هو التململ، والتحرك، وكونه علي الدوام قلقا،
ومقلقا للآخرين. فالمثقف الذي تتقمصه حالة المنفي لا يستجيب لمنطق التمسك
بالأعراف، بل لجرأة المغامرة، ولتمثيل التغيير، وللمضي قدما، لا للركود
والجمود (40).
المنفي - بالمعني الميتافيزيقي أيضا - يبدو واقعة روحية جبرية، وليست
اختيارية، في رؤية الفيلسوف الايراني داريوش شايغان للمثقف في العصر
الحديث: لقد فجرت الحداثة كل ثقوب الأمان التي كانت تحفظ كنوز النفس.
أفرغت السماء من السكان وعاودت ملء اللاوعي واشباعه بالمكبوتات، وبهذا
أطلقت رصاصة الرحمة علي الانتماء المشترك الي الاسطورة والعقل. ان هذا
الفصل، الحتمي بلا ريب، كانت له نتائج مثمرة وهدامة، فهو اذ سمح ببروز
علوم الطبيعة، فقد زرع ايضا الاضطراب في توازن الانسان النفسي، وجعله
كائنا عصابيا. ومنذ ذلك الحين، أي منذ الأزمنة الحديثة، صار يوضع
الانتماء المشترك الي هذين النظامين الواقعيين (الاسطورة والعقل)، في
مقابل جدلية تناقضهما .
وكان هذا التناقض أداة ذات حدين. فقد باتت الاسطورة عقلا، ولكن العقل
يمكن انقلابه الي اسطورة: ففي عالم خال من الصور الرمزية ومحروم من
الجدلية، يوجد ميل طبيعي الي قلب العقل اسطورة. ان صيغة هذا الانقلاب هي
ردة فعل روتينية لكل تفكير ايديولوجي (لا نقدي)، لأن الايديولوجي هو باحث
عن كلية في عالم توقفت فيه الكلية عند الطرف الحاد لمعارك الأديرة .
ولا سبيل الي الخروج من مأزق الجدلية المأساوية للعقل والاسطورة الا
بالبقاء، من خلال النقد وبفضله، فوق الحد القاطع للموسي، واجتناب صخرة كل
هوية ايديولوجية. لقد وصفت جدلية العقل والاسطورة بأنها الوعي الصارم
لانعدام الهوية . وهذا الوصف، حسب داريوش شايغان، يمكن تفسيره كأنه
بالذات تعريف المثقف. لأن المثقف، خلافا للحكيم / المتصوف الذي يستكشف،
فيما يتعدي التناقضات، الانتماء الاصلي المشترك (للاسطورة والعقل)، او
خلافا للايديولوجي الذي يعاود انمساخات العقل وتحولاته المهجنة، انما يظل
بكل بطولة علي شفير جرح اللاهوية المفتوح، رافضا كل اندماج في أي نظام،
وكل استلحاق بكيان جماعي ..، وبالتالي ينقذ من خلال ذلك بالذات، فرادة
الفرد الوحيدة، التي لا تقبل الحصر والخفض (41).
وفي انقاذ فردية الفرد، تتبدي أسمي واجبات المثقف تجاه الناس. فبعد
الحفاظ علي الحياة، ليس هناك ما هو أهم من تنمية الشخصية الفردية، وتطوير
عقول مميزة، وازدهار ذوات انسانية تتمتع بمسؤوليــــة الراشدين تجاه
اخوتها من البشر.

الفردية

ان لظاهرة الفردية، ككل وجوه الحداثة، جوانب مظلمة ومشرقة. ولعل أبرز
جوانبها المظلمة يتجلي في الفردوية : أي الفردية المعممة أو المطلقة
الرافضة لكل القيم والمعايير المتعالية أو السامية. في الضفة الأخري عنت
الفردية أوسع تنمية دماغية عرفها التاريخ .بسبب هذه التنمية ظهر لأول مرة
في الأفق البعيد (الي حد قد لا يوجد) أن العقليات الجماعية يمكن ان تنتهي
وتحل محلها عقول فردية. أظهر هذه الامكانية تعاظم الحراك الاجتماعي
والثورات العلمية والثقافية. وعلي هذا النحو فان مستقبل البشرية قد يغدو
قابلا لأن يقرأ علي أنه تاريخ عقول، مع ان ما فيها يبقي يتطلب أن يقرأ
علي انه في المقام الأول تاريخ عقليات (42).
ان عمر الوعي الانساني الذي يعبر عنه التاريخ المدون (الاسطوري، العقلي)
قصير. وأقصر منه عمر الوعي الذاتي أي الوعي الذي يرتد الي العقل وحده.
يقول فرويد ان همس الأحقاب المنسية من عمر الانسان ما زال فعالا. فالفرد،
كيفما كان، قريب جدا من أصله، أي المجتمع الحيواني الأول وهو القطيع.
ولذلك فانه لا ينفرد الا بقسم ضئيل جدا من نفسانيته. أما القسم الأكبر
فهو نفسانية جموعية مشتركة: يشارك كل فرد الآخرين في جموعات متعددة:
الجنس، الطبقة، الدين، الشغل ... وبعد كل هذا فقط يكتسب، ان هو اكتسب،
ميزة يستقل بها. اننا نستطيع ان نحدد متي انفصلت النفسانية الفردية عن
النفسانية الجموعية، متي استقل الفرد نسبيا عن الحشد . ان الأنا وليد
التاريخ القريب، غير متجذر ولا مستقر، لذلك نراه قلقا باستمرار، عرضة
للانفصام ولعوارض نفسانية متشابهة. يتحكم في الأنا - الأنا الأعلي الذي
يمثل فينا التاريخ البعيد، تاريخ الحياة القطيعية (43).
وتعبر حداثة عهد علوم الانسان والمجتمع عن قصر عمر الوعي الذاتي. فهذه
العلوم التي تعيد كل شيء في التاريخ بما في ذلك أشد الأفكار والمؤسسات
قداسة الي الانسان والمجتمع، انما بدأت في الظهور اعتبارا من القرن
الثامن عشر. وكانت ولادتها في ابرز وجوهها تعبيرا عن انبثاق
الفردية .والفردية ولدت في اطار المجتمع الرأسمالي: كان مجموع الحرف في
القرون الوسطي ما بين 10 ـ 20 وتزايد الي آلاف مع مطلع القرن العشرين. ان
تزايد الحرف وظهور الطباعة والغرف الخصوصية والحمام والمكتب والتخصص ولد
مئات الآلاف من الطرق المختلفة في العمل والحياة والراحة والتفكير، فتسني
للمرء لأول مرة في التاريخ أن يحيا حياة مختلفة عن جيرانه ويكتسب شخصية
مختلفة عن اقرانه. ورجال العصر الحديث ونساؤه هم أول من أخذ بثقافة تضع
التعبير الفردي والفرص الفردية في مكانة أعلي من المسايرة واتباع السلطة
(44). وصاغت الليبرالية كل هذه التطورات في اعتبار حرية الانسان الفرد
أهم قيمة سياسية.
يقول ماركس ان الهيئات الاجتماعية القديمة أبسط وأكثر شفافية للغاية من
المجتمع البرجوازي، ولكن قاعدتها هي عدم نضج الانسان الفرد، الذي لم يقطع
بعد تاريخه: الحبل السري الذي يلحقه بالجماعة الطبيعية لقبيلة بدائية .
في المقابل فان المثل الأعلي للفردية لدي ماركس يبدو مثاليا . يقول ان
الدولة يجب أن تربي اعضاءها جاعلة منهم أعضاء حقيقيين في الدولة، بتحويل
الأهداف الفردية الي أهداف عمومية، الغريزة البدائية الي حنو أخلاقي،
الاستقلال الطبيعي الي حرية فكرية، جاعلة الفرد يتفتح ويزدهر في حياة
المجموع والمجموع يحيا في فكر الفرد (45).
يمكن تعريف الفردية، استنادا الي هيغل، بأنها حرية الفرد الذاتية. وهذه
الأخيرة تعني فهم الفرد لنفسه وتحقيقه لذاته من خلال ذلك الفهم: ان الفرد
هو الارادة التي تعين نفسها بنفسها. وفعل التعيين الذاتي هو ممارسة
الارادة للحرية. ويتمثل هذا الفعل بنوعين أساسيين من النشاط هما تعيين
الارادة لغرض او نوع من الهدف، وترجمة هذا الغرض الي فعل. وقوام هذين
النشاطين يتشكل من وجوب الاختيار، وفهم الاختيار، وعقلانيته.
ان الانسان ليس معطي للعالم علي انه حر، لكنه اعطي للعالم مع امكان ان
يكون حرا. فقد اعطيت للأنا القدرة علي ان تريد بحرية. والارادة لا تكون
ارادة فعلية علي الاطلاق الا بمقدار ما تعزم وتصمم أو تختار. والاختيار
يتضمن التقييد، لأن الشخص الذي يقرر السير في فعل معين يتنكر لجميع
الرغبات الأخري الممكنة التي تتواجد مع الرغبة المختارة. لكن الانسان لا
يستطيع أن يوجد كشخصية بدون هذا التقييد، فمثل هذا الانسان لن يستطيع
انجاز شيء ذي قيمة في هذا العالم. يقول غوته: ان من يريد أن ينجز شيئا
عظيما لا بد أن تكون لديه القدرة علي تحديد نفسه .
وليس في استطاعة الارادة القيام باختيار عاقل، أو بتحديد نفسها، ما لم
تكن واعية بنفسها وبغرضها وبما تحتاج ان تكونه. وهذا الوعي مستحيل بدون
فهم ذاتي. فالارادة تتكشف عن طريق هذا الفهم لحدود امكاناتها
وقدراتها .تستطيع الارادة أن تضع أمامها الغرض الحق او الاختيار العاقل
فقط عندما تعرف رغباتها الحقيقية واهتماماتها وقواها وضعفها وقيمها
بوصفها امورا تتعلق بطبيعتها الخاصة.
وتتوقف أخلاقية الفعل الناتج عن الاختيار علي ثلاثة شروط: المسؤولية،
الغائية، المصلحة العامة. فالفعل لا يكون أخلاقيا ما لم يصدر عن ارادة
مسؤولة، والمسؤولية تعني الاستعداد للمحاسبة: أي استعداد المرء أن يتقبل
نتيجة عمله ثوابا أو عقابا.
الشرط الثاني لكي يكون الفعل أخلاقيا هو انعكاسه ايجابيا علي رفاهية
الفرد.فافعال الارادة الواعية تتحدد بهذه الغاية. ذلك ان تحقيق الغايات
الشخصية هو أساس الرفاهية أو السعادة، وبالتالي هو أساس الحرية الذاتية.
ان الغايات الشخصية المرتبطة بحاجات المرء ونزواته هي مضمون حياته ،ومن
ثم فهي جوهرية للتحديد الذاتي. ومن اشباعها تتشكل الحرية الذاتية التي هي
الحق الذي لا بد منه ليكون المرء ذاته.
والشرط الاخير هو ان يكون الفعل خيرا. وتتوقف خيرية الفعل علي مطابقته
للحق، وارتباطه بالكفاح من اجل الرفاهية الخاصة للمرء والرفاهية بمعناها
الكلي :أي خير الاخرين او المصلحة العامة. يقول هيغل: الرفاهية بدون الحق
ليست خيرا ،وقل مثل ذلك في الحق بدون الرفاهية ،فهو أيضا ليس خيرا.
فقولنا (يحيا العدل) ينبغي ألا يعقبه (وليسقط العالم). ان الخير ليس شيئا
حقا علي نحو مجرد، وانما هو شيء عيني يشمل مضمونه كلا من الحق والسعادة
(46).
وهنا لا بد من طرح سؤال: هل يساهم المثقف فعلا في تنمية مثل هذه الفردية
وتوسيعها؟

المثقف العضوي

كما مر بنا فان تنامي مجتمعات الوفرة الرأسمالية خلق فرصا للفردية لم
يعرف التاريخ مثلها. غير ان امكانات التفرد هي غير التفرد بالفعل. ففي
الغرب وجدت التوتاليتارية وهي أعلي مراحل طمس الشخصية الفردية. كما ان
السيطرة علي الفكر سابقة تاريخية للرأسمالية: فبموجب المبدأ العام
المعروف باسم هندسة الاذعان والموافقة تجري صياغة القرار الفردي للمستهلك
والناخب، وتسطيح الفردية، في اطار من التظاهر بتوسيع الفردية.
في مذكراته يروي خبير في الدعاية والإعلان اسمه ادوارد .ل. بيرنيز مثالا
يوضح القدرة الهائلة لفنون هندسة الاذعان والموافقة ، في مجال واحد كان
يعمل فيه، وهو العلاقات العامة والاعلان . وموضوع المثال هو كيفية
مساعدته لشركة دخان امريكية علي حث النساء علي المجاهرة بالتدخين. يقول
بيرنيز انه، بناء علي مشورة محلل نفسي كان يري ان النساء يتصورن السجائر
بمثابة مشاعل للحرية ، قام بالاعداد لموكب تسير فيه المدخنات في عيد
الفصح في نيويورك عام 1929. وجعل سكرتيرته ترسل تلغرافات لثلاثين فتاة من
علية القوم في المدينة، كتب فيها:

من أجل المساواة بين الجنسين، ومن أجل مناهضة تحريم آخر مفروض علي بنات
جنسنا، قررت مع غيري من الشابات أن نوقد مشعلا آخر للحرية، بتدخين
السجائر أثناء مسيرتنا بالشارع الخامس يوم عيد الفصح .
وقد أثار الحدث ضجة قومية، فنشرت صور النساء بالصحف في أرجاء البلاد.
واستجابت النساء من نيويورك الي سان فرنسيسكو ودخن جهارا. ولم يكن هذا
غير البداية لشركة الدخان الأمريكية التي يملكها جورج واشنطن هل. فالنساء
لم يدخن سيجارة الشركة (اللكي سترايك) لأن غلاف العلبة الأخضر يتنافر مع
الوان ملابسهن. فاقترح بيرنيز تغيير لون الموضة الي الاخضر، وتم رصد مبلغ
كبير من المال لذلك . وكان هذا بالنسبة لي هو بداية ستة أشهر من النشاط
الرائع والمثير، أعني أن أجعل الأخضر لون المودة . ويا لها من نشاطات !
اعدت دراسات سيكولوجية عن تداعيات اللون الأخضر. ونظم أهم حفل راقص أخضر
للمجتمع الراقي. وتم تشجيع أحد منتجي الحرير علي الرهان علي اللون
الأخضر ، فأقام مأدبة لمحرري الموضة، كانت قائمة الطعام فيها خضراء، وكل
الطعام أخضر. وقام أحد علماء النفس فحدثهم عن اللون الأخضر، ثم حاضرهم
رئيس قسم الفن بكلية هنتر عن اللون الأخضر في اعمال أعلام الفنانين .
وبناء علي تبشير الصحف بـ خريف أخضر و شتاء أخضر انشئ مكتب لموضة اللون
قام بتنبيه العاملين في حقل الموضة الي ان اللون الأخضر هو سيد الألوان
في الملابس وفي القطع الكمالية (الاكسسوارات) وحتي ديكورات المنازل من
الداخل. وانضم الي الاتجاه الأخضر مصممو الديكور وتجار الأثاث وصناعة
الموضة الفرنسية، كما تعاونت الحكومة الفرنسية اعترافا منها بالقوة
الشرائية للمرأة الامريكية. وتكونت لجنة ضيافة لفريق الموضة الخضراء ضمت
بعضا من ألمع الأسماء النسائية في المجتمع الأمريكي آنذاك. وأقامت اللجنة
سلسلة من حفلات العشاء دعت اليها ممثلي صناعات القطع الكمالية لتشجيعهم
علي توفير القطع الكمالية الخضراء لتتمشي مع الأزياء الخضراء الواردة من
باريس.
وعندما اشتدت الحملة ركب سائر المنتجين الموضة: طلاء أظافر أخضر زمردي،
جواريب خضراء، أغلفة المجلات اخضرت ايضا. ورضخت المعارضة البريئة للعاصفة
فعرضت سجائر كامل فتاة ترتدي نفس ألوان علبة سجائر لكي سترايك، أي الاخضر
المقلم بالأحمر. وشكل هذا التصرف الأخير اعترافا من المنافسين ذاتهم بأن
لكي سترايك هي قمة الموجة.
هذه الثورة الخضراء بلغت ذروتها عام 1934، أي في عز أزمة الكساد
الاقتصادي الأمريكي. وهي تثير، كما يقول المؤرخ الأمريكي كافين رايلي،
أسئلة طريفة وأخري أشد ازعاجا: كيف يبدد كل هؤلاء الناس - علي ذكائهم
ونفوذهم - وقتهم وطاقتهم في هذا النشاط السخيف، بل الضار للصحة في نهاية
الأمر، مع وجود قضايا اقتصادية أساسية تحتاج الي علاج ؟ وأي نوع من
الفردية كان يبديه اولئك المثقفون والصحفيون وأعضاء المجتمع الراقي الذين
شاركوا في الحملة ؟ وعندما ألقي الفنانون وعلماء النفس محاضراتهم في ذلك
الخريف عن أهمية اللون الأخضر أكانوا يقولون ما يريدون قوله ؟ أكانوا
يعربون عن اختياراتهم الخاصة أو عن شخصيتهم الفردية ؟ واذا كان قد جري
التلاعب بهم حتي ظنوا ان قضية الأخضر قضية مهمة، فما بال كل النساء
اللواتي اعتقدن انهن اخترن شراء الفساتين الخضراء ؟
لقد خصص كثير من حقول المعرفة الجديدة في القرن العشرين للتحكم في
الجمهور والمستهلك. وتخصص الشركات الكبري عادة قدرا أكبر من الأموال
للدراسات والبحوث والتدريب في مجالات تستهدف الاقناع لا الاستكشاف. وهناك
اقسام علمية أكاديمية ومعاهد كاملة ومراكز بحوث ومؤسسات للنشر والاعلام
(تدعمها الشركات الكبري عادة) للعمل من أجل اكتشاف طرق دائمة التجدد
لصياغة الرأي العام أو رأي المستهلكين (47).
لا شك في ان هذه الجهود تؤول الي تقليص فرص الاستقلال الذاتي للفرد،
وتسطيح شخصيته، وصب الفردية في أطر تافهة أو مظاهر زائفة. والأهم من ذلك
- في اطار موضوعنا - ان المثقف يساهم أو يقوم بمعظم هذه الجهود: فكيف
يمكن تمييز هذا النوع من المثقف عن المثقف الفرد كصوت مستقل؟
وكما تغيب الاستراتيجية النقدية عن المثقف الذي يساهم في فنون هندسة
الاذعان والموافقة وأشباهها فانها تغيب اليوم أيضا عن الاتجاهات السائدة
في أوساط المتخصصين في العلوم الانسانية والاجتماعية. يقول محمد أركون ان
العلوم الاجتماعية التي يفترض بأنها ستساعدنا علي تحليل واقعنا واضاءة
حاضرنا المعقد تكتفي بالوصف الحيادي او تقديم تقارير المعاينة المحدودة
او التعليق علي الأحداث بعد حصولها، او تمارس استراتيجية المنفعة
التجارية، أي بمعني أقدم لك معلومات وتقدم لي أموالا. وأما الفلسفة فقد
أخذت تنحسر أكثر عن الساحة الثقافية بحجة انها تجريدية عقيمة لا طائل
تحتها واخذ دورها يتضاءل تاركة المجال لمختلف الاختصاصيين في العلوم
الاجتماعية. ويكتفي هؤلاء بالاستكشافات الموضعية المحدودة لمجالات معينة
ويمتنعون عن تقديم أية تنظيرات عامة أو تقييمات شمولية للوضع. انهم
يتقاسمون أرضية البحث العلمي عن طريق تخصصاتهم الضيقة كما كانت العشائر
او القبائل القديمة تتقاسم الأراضي. فكل منطقة أصبحت محصورة بفئة معينة
ولها زعيم معين، وهي واقعة في حالة تخاصم وعداء مع المناطق الاخري. وهكذا
أصبحت العلوم الانسانية في الغرب متقاسمة من قبل التحزبات الضيقة، وكل
حزب له زعيم فكري معين. ولم يعد هناك من أحد يستطيع أن ينص علي المباديء
الأخلاقية العامة او القيم الروحية التي ينبغي أن تسود (48).
تري هل تمكن استعارة مفهوم غرامشي لـ المثقف العضوي مع تحويره، ليناسب
دور المثقف التابع ؟ المثقف الذي يبيع جهوده أو يسمح باستثمار جهوده في
أعمال تحرف الفردية الي اتجاهات زائفة أو تافهة ؟أي المثقف اللانقدي علي
العموم ؟
يذهب غرامشي في تحليله الاجتماعي للمثقف الي أن كل الناس مثقفون لكن ليس
لهم كلهم أن يؤدوا وظيفة المثقف في المجتمع . ويصنف المثقفين، حسب
وظيفتهم الفكرية في المجتمع، الي نوعين: تقليدي وعضوي. الأول يضم الذين
يواصلون أداء العمل نفسه من جيل الي جيل مثل رجال الدين، المعلمين،
والاداريين.
النوع الثاني، العضوي، يضم المستخدمين من قبل فئات أو مؤسسات تجارية
وسياسية لتنظيم المصالح، واكتساب المزيد من القوة، وزيادة السيطرة. ويقول
غرامشي عن المثقف العضوي: ان منظم الأعمال الرأسمالي يخلق الي جانبه
التقني الصناعي، والاختصاصي في الاقتصاد السياسي، ومسؤولين لانشاء ثقافة
جديدة او نظام قانوني جديد، الي ما هناك. فخبير الاعلان او العلاقات
السياسية مثقف عضوي. انه انسان يحاول، في مجتمع ديمقراطي، كسب موافقة
الزبائن المحتملين، ونيل الاستحسان، وتوجيه رأي المستهلك او الناخب. ان
كل من يعمل في أي حقل مرتبط بانتاج المعرفة أو بنشرها هو مثقف، حسب مفهوم
غرامشي. والنسبة بين ما يسمي بصناعات المعرفة وصناعات الانتاج المادي
الفعلي ترجح علي نحو حاد اليوم في معظم المجتمعات الغربية الصناعية،
لمصلحة صناعات المعرفة. ان رؤية غرامشي تبدو أقرب بكثير الي الواقع، خاصة
في أواخر القرن العشرين، ومع بروز هذا العدد الكبير من المهن الجديدة
أمثال المذيعين، محترفي العمل الأكاديمي، المستشارين الاداريين، خبراء
السياسة، مستشاري الحكومة، مؤلفي التقارير التجارية المتخصصة، العاملين
في مجال الصحافة الجماهيرية العصرية بكامله (49).
والحال فان هيمنة المثقف العضوي تطرح تساؤلات عن دور المثقف النقدي وحجمه
في المجتمعات الحديثة.

الهوامش

37. نفسه ص 68.
38. اشعيا برلين. حدود الحرية. ترجمة جمانا طالب. دار الساقي ، الطبعة
الاولي 1992. ص6.
39. ادوارد سعيد. مصدر سابق. ص 28و37.
40. نفسه. ص 62 و72.
41. شايغان ، مصدر سابق. ص 173 ـ 174.
42. طرابيشي. مصدر سابق. ص 291.
43. عبد الله العروي. مصدر سابق. ص 41 ـ 42.
44. كافين رايلي. مصدر سابق. ص 268 ـ 273.
45. كارل ماركس ، فريدريك انغلس. حول الدين. ترجمة ياسين الحافظ، دار
الطليعة - بيروت، الطبعة الثانية ص 104وص 23 بالتتابع.
46. هيغل. المكتبة الهيغلية. الدراسات. المجلد الثاني (ويضم كتابين).
ترجمة أ. د. امام عبد الفتاح امام. مكتبة مدبولي. وتعريف مفهوم الفردية
اوجزناه من كتاب (هيغل والديمقراطية)، تأليف ميشيل ميتاس. انظر الصفحات:
796 ـ 815.
47. كافين رايلي. مصدر سابق. انظر الصفحات 287 ـ 292.
48. الاسلام ، اوروبا، الغرب .محمد اركون. ترجمة واسهام هاشم صالح. دار
الساقي ، الطبعة الاولي 1995. ص 143.
49. ادوارد سعيد. مصدر سابق. الصفحات 21 ـ 22 و25 ـ 26.
7


كتبها abdelkarim LENEGUER في 11:21 صباحاً ::
المصدر:

http://lene.maktoobblog.com/581400/%CA%DA%D1%ED%DD_%C7%E1%E3%CB%DE%DD:_%D5%E6%D1%C9_%E1%E1%E3%DD%E5%E6%E3_%DD%ED_%C7%E1%CB%DE%C7%DD%C9_%C7%E1%DA%D1%C8%ED%C9_%C7%E1%CD%CF%ED%CB%C9_(3_%DC_5)
تعريف المثقف3
الفصل الثالث

تجول في خاطري أفكار من دون أي إيعاز ذاتي، ولا حتى ذات علاقة بالمكان
الذي أنا فيه، ولم يكن هناك دافع خارجي، ولا أعرف تفسيراً لها. نعم أنني
مصاب بأزمة سيكولوجية ناتجة عن ما عايشته في العراق منذ سقوط الصنم 2003
ولغاية أواخر 2006. ولم تكن هذه الخواطر خاصة فقط، بل كثير منها صور
ومشاهد لمعاناة العراقي. لمعاناة المتحزب والمستقل، ومعاناة أعضاء
المؤسسات المدنية. أتصور حمل المثقف، والمسؤول السياسي، والنشط المدني(أي
الداعية للديمقراطية) هو أكثر وأصعب وأثقل من معاناة صاحب المعاناة. لأن
الجائع، والعريان يتحسس ويتألم لحاجته، لكن أصحاب المسؤولية خجلهم من عدم
مقدرتهم تلبية حاجة الجائع وكسوة العريان تقتلهم من داخلهم، أو تزيدهم
طغياناً لطغيانهم. المثقف بكل تنوعه، وطبقاته، وتخصصاته، وانتماءاته،
وحبه وكرهه وحسده وبغضه وحقده. أما أن يكون مع الحق أو يكون من دعاة
الباطل. وليس هناك لون رمادي بين وبين. أي تارةً ناصر ونصير وتارة متنصل
وتتغلب عليه (حقارته ودناءته). فكل العوامل سلبية وإيجابية كامنة فينا
نحن البشر. تثقفنا وأصبنا، أو تحولنا من بشر إلى أشباه بشر بل أكلي لحوم
البشر. في علم الأخلاق الذي يجب أن يدرسه ويتصف به المثقف قبل غيره، هذا
العلم يضع أسساً تربوية ليرتقي بالإنســان لكي يتغلب على حيوانيته (أي
الغرائز الحيوانية)…فيصبح حراً بدل أن يكون أسير شهواته ورغباته الدنيئة…
وهي ملازمة الجميع. فليس فينا نحن البشر وفي عالمنا المعاصر أناس لا
يخطئون. لكن الأخلاق يضع ضوابط للخطأ، ويبين كيفية إصلاحه.
سؤالي: هل المثقف ملزم بسطح أخلاقي معين، وما هو المقدار، والمقياس؟
هل من واجب المثقف أن يبرر المأساة، أم من واجبه البحث عن حلول للحد من
تكراره، بل إزالة آثاره؟




الاثنين,تشرين الأول 29, 2007
تعريف المثقف: صورة للمفهوم في الثقافة العربية الحديثة (5 ـ 5)

داريوش شايغان: مثقفونا يبدون محاربين اكثر منهم مفكرين يتأملون بهدوء
وراء طاولات عملهم

الشرائح الاجتماعية التي تمتلك قوة السلطة، او قوة المال، او قوة الافكار
تسمي النخبة. وهي بهذه القوي تؤثر في حياة الناس علي كل المستويات. و
المثقفون هم الشريحة التي تستمد مكانتها من قوة الافكار.
ما هو المثقف ؟ كيف تشكل دوره؟ ما هي وظيفته؟
هذه ليست اسئلة اكاديمية مفصولة عن الناس، او بعيدة عن مجريات حياتهم، بل
هي ترتبط اوثق الارتباط بحياة البشر، مخاوفهم، همومهم، تطلعاتهم ـ
ومصيرهم بالجملة.
و القدس العربي ، اذ تنشر هذه الدراسة المستلّة من كتاب (الانسان
والفكرة) للزميل احمد المهنا، فانها تجدد التأكيد علي راهنية المسألة
الثقافية، واهمية دور المثقف، كما تذكّر بأن احد الاسباب الرئيسية لـ
انسداد الافق في العالم العربي، يرتبط بـ قوة الافكار التي هي ميدان عمل
المثقف . وبعد نشر هذه الدراسة، نتلوها بنشر مثال تطبيقي ، لكاتب آخر، عن
سيرة حياة احد اعلام الثقافة في الازمنة الحديثة. فتنتقل بذلك مقاربة
الثقافة من النظرية الي التطبيق، او من التجريد الي التجسيد، او من
الغابة الي احد اشجارها المتعينة، المحسوسة، الباسقة، كثيرة الثمار و...
الأشواك.


2 ـ طاقة المثقف المعرفية
ومكانته الاجتماعية

ان تحليل شايغان، بهذا الخصوص، يتوقف عند نموذج المثقف الايراني ذي
المرجعية الغربية في مرحلة الثورة. وكلامه، كما يقول، ينصب خصوصا علي
جماعة المثقفين الرديئين الأكثر عددا بلا شك. ومع ذلك فان تحليله ينطوي،
في اعتقادنا، علي اضاءة باهرة لحدود طاقة المثقف (العربي والمسلم عموما)
المعرفية ولواقع مكانته في المجتمع.
يقول: ان الانتلجنسيا الايرانية موزعة أو متأرجحة بين قطبين جاذبين هما
قطب التكنوقراطيين وقطب علماء الدين. وهذه الانتلجنسيا لا تملك معرفة
التكنوقراطيين الدقيقة / المفيدة، ولا معرفة رجال الدين العضوية
المتماسكة، المدرسية. كما أنها لم تتمكن من صنع مركزها المستقل، الخاص
بها من خلال اشهارها سلاح النقد المخيف. هي لا تدهش التكنوقراطيين الذين
يحتقرونها ويعتبرونها انتلجنسيا متخلفة، ولا تدهش أصحاب الدين الذين، علي
الرغم من اقامتهم تحالفات تكتيكية معها، انما يطردونها وكأنها ليست من
طينتهم. وبالتالي يكون دورها علي صورة العالم الخلاسي الذي تجسده : دور
نقل نوعين من الأفكار المتجسدة في خطابين متنافرين (الحداثة / الأصالة)،
ولكنهما يستطيعان الاتحاد - وهذا قد حدث فعلا - في ايديولوجيات المناضلين
العدوانية (72).

3 ـ المبدع والمثقف

في هذه النقطة تقتصر معالجة شايغان أيضا علي ايران. غير أن ما قلناه
بخصوص النقطة السابقة يسري علي هذه النقطة، من حيث تجاوز اضاءتها ما هو
أبعد من حدود ايران. ولعل اهم ما فيها هو اشارته الي تقدم الانجاز
الابداعي (الأدبي والفني) في ايران علي الانجاز الفكري، وهذا ما ينطبق
علي بلادنا العربية. والأهم من ذلك انه يتقدم بحل لمسألة العلاقة بين
الابداع والفكر، من خلال الاجابة علي هذا السؤال : هل الأديب او الفنان
المبدع هو بالتبعية مثقف؟
بعد أن يشير الي وجود كتاب كبار وباحثين أصيلين في ايران، يقول ان
الشعراء هم بلا شك أغني المبدعين الخلاقين في العالم الايراني. ثم يستدرك
قائلا انه حتي كبار الفنانين والشعراء لا يظلون في منأي عن نقص الفكر
النقدي الذي يميز الحضارات غير الغربية. فهم عندما يتناولون المسائل
الاجتماعية / الفلسفية مثلا، يستفيضون في مواضيع تافهة جدا، أو يضيعون في
مهاترات مؤذية ولا متناهية.
ان كون المرء كاتبا موهوبا، وشاعرا عبقريا، وروائيا لامعا، لا يجعله
يتقدم قيد أنملة عندما يتعلق الأمر بأسئلة تستلزم أدوات معرفية اخري.
لتحليل الوقائع والطفرات الاجتماعية، لتفكيك عالم الأفكار المشوش،
ولاقتفاء الآثار الثقافية، لا بد أن يكون المرء مثقفا بالمعني الانساني
للكلمة. والمؤسف ان هذا ينقصنا كثيرا وبقوة (73).

4 ـ المضمون الفعلي للمثقف

المثقف المسلم لدي شايغان، كما لدي اركون، كائن سياسي وايديولوجي. يقول :
المثقفون يبدون عندنا كأنهم صليبيون ذاهبون الي محاربة طواحين الهواء،
أكثر مما يظهرون كمفكرين حكماء يتأملون بهدوء وراء طاولة عملهم. ان يكون
المرء مثقفا في عالمنا معناه أولا معارضة السلطة. وهذا أمر ممكن فهمه لأن
الأنظمة القائمة هي اما قمعية او شمولية صراحة. ولكن مما يؤسف له أن هذه
المعارضة تظل بدائية وحشوية. فهي لا تترافق مع تحليل نقدي ولا مع نظرة
الي المستقبل، ولا مع موقف ابتعادي عن السلطة.
ان المعارض ينتفض علي السلطة مثلما يتمرد المرء علي أبيه أو امه. فهو لا
يأخذ ابدا في الاعتبار السياق الثقافي للسلطة، ولا كيف حدث ان هذه
النماذج نفسها تتكرر بعناد وبوتيرة متصلبة ؟وكيف باءت بالفشل المجهودات
الأكثر كدحا وثناء ؟ ومن أين جاء هذا الفشل الذي يتكرر ويجعل الحياة
قاسية جدا ؟ لا يكفي تحليل العوامل الاجتماعية الاقتصادية الرائج جدا منذ
أن زودتنا الماركسية السوقية بأدوات هذا التحليل. والمؤسف ان اطاحة
النظام القديم بالثورة لا تعادل اقامة نظام أعدل. ان الأمر غير ذلك تماما
(74).

5 ـ التصور الاجمالي للمثقف

وفي الختام فان المثقف من وجهة نظر عامة ابناء العالم الاسلامي هو ذلك
الذي يحسن القراءة والكتابة، ذلك الذي يمارس نشاطا ذهنيا، سواء كان
طبيبا، كاتبا، مترجما، مهندسا، استاذا أم كادرا. ومن الناحية الواقعية
فان المثقف، بوصفه وعيا شقيا للمجتمع، يشكل فئة مستقلة، يقوم مركزه علي
النقد، لم ير النور في بلادنا. لذلك لا يتمتع بمكانة خاصة. والأكثر بروزا
هم اولئك الذين يعارضون السلطة، ويكون عملهم سياسيا قبل كل شيء. ويشكل
هؤلاء النواة الصلبة للمثقفين الملتزمين، وهم بذلك ايديولوجيون ومنظرون
اكثر مما هم مثقفون (75).
ان فعالية رجل الدين في انتاج الوعي في العالم الاسلامي، كما انعكست في
رؤية شايغان، وكما نلمسها جميعا في الواقع، تملي مقاربة لمفهوم المثقف
العربي والمسلم تأخذ بالاعتبار دور الوعي الديني في العالم الاسلامي.
وهذا ما يبدو أن المفكر المصري نصر حامد أبو زيد يفعله في تعريفه التالي:
المثقف هو الانسان المنخرط - بطريقة او بأخري - في عملية انتاج الوعي.
ويمكن تقسيم الوعي الي :
1- الوعي العاطفي الشعوري (أو لنطلق عليه الوعي الجمالي) وهو محور
الانتاج لدي المثقف الفنان بشكل عام (الشاعر، القاص، الرسام، الموسيقي).
2- الوعي الفكري وهو محور الانتاج لدي المفكرين والفلاسفة.
3- الوعي الديني وهو محور الانتاج لدي رجل الدين (الكاهن، القسيس،
الشيخ).
هذه التقسيمات بالطبع ليست تقسيمات حادة صارمة، فقد يتداخل الوعي الجمالي
بالوعي الديني كما يتداخل الوعي الديني بالوعي الفكري في مراحل تاريخية
محددة، والتداخل بين الوعي الجمالي والوعي الفكري قائم دائما في محاولات
(تنظير) الفن فلسفيا (76).
لقد خلصت رؤية كل من اركون وشايغان الي ان المثقف العربي والمسلم عموما
هو كائن سياسي وايديولوجي - مع وجود استثناءات لا تلغي القاعدة. فماذا
يعني هذا التحديد ؟
من المفهوم ان المقصود بالسياسة هنا هو الانخراط في العمل السياسي : سلطة
او معارضة. كما ان المقصود بالايديولوجيا أي فكر سياسي ينطوي علي مجموعة
اهداف وقيم وأخلاق ينوي حزب أو جماعة ما تطبيقها علي المجتمع، والوسيلة
المثلي لضمان التطبيق هي السلطة. أي ان السلطة هي محور العمل السياسي كما
هي محور الايديولوجيا. وبالتالي فان المثقف السياسي أو الايديولوجي هو
ذلك الذي يضع السلطة في مركز اهتمامه. وبعبارة مختصرة : انه المثقف
السلطوي. والفرق بين المثقف السلطوي والمثقف الحقيقي أو النقدي يتجلي في
نقطتين :
1- اسباغ نوع معين من المشروعية علي السلطة الحاكمة.
2- التعامل مع الحقيقة (77).
النقطة الاولي خاصة بالمثقف المتعاون مع السلطة الحاكمة والخادم لها. ان
السلطة العربية السائدة، وربما الاسلامية الي حد ما، تحتاج الي توظيف جهد
المثقف لاكتساب المشروعية وتكريس الهيبة. ونوع المشروعية التي تتطلبها
يتجاوز الظروف والمرحلة لينغرس في الأبدية و الديمومة . فالسلطة التي
تتبني أهدافا مقدسة أو رسالة خالدة تضع نصب عينها تأسيس مشروعية متعالية
علي التاريخ. والمنجزات، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ،مهما كانت
كبيرة، لا يمكن أن تؤمن مشروعية سيادية عليا، لأن المنجزات ظرفية، آنية،
وهي قبل هذا وذاك من واجبات السلطة. الفكر بكل أنماطه هو أداتها لتحقيق
ذلك الانغراس والتعالي.
وهذه الحاجة هي التي تقف وراء دوام الحبل السري الذي يربط السلطة بالمثقف
في بلداننا العربية علي وجه الخصوص. وهو الحبل السري الذي انقطع في
المجتمعات التي تأسست فيها حرية الفكر والابداع والأحزاب، حيث تم استبدال
مسألة المشروعية السياسية العليا بالدستور، وذلك نتيجة لاستقرار مبدأ
التداول السلمي للسلطة.
أما النقطة الثانية (التعامل مع الحقيقة) فتشمل مثقف السلطة ومثقف
المعارضة معا : أي عالم السياسة بالاجمال. فكلاهما يتعامل مع الحقيقة
بمفهوم براغماتي نفعي. فالحقيقة في عالم السياسة تكون حقيقة لأنها نافعة
ومؤثرة وقادرة علي تحقيق أهداف الاستقرار والثبات أو كسب الاتباع وهزيمة
الخصوم وما الي ذلك. ومن هذا الاستخدام للحقيقة ينشأ تعارض جوهري بين
الوعي وبين السياسة.
ذلك ان الوعي يتحرك صوب محاولة اكتشاف الحقيقة في تجلياتها ومظاهرها
المتعددة، وهو نشاط وفعالية متحركة لا تؤمن بالثبات والاستقرار، لأنه
محكوم بتجاوز ما تم اكتشافه والتحرك الي قارة المجهول في الفكر والابداع.
الحقيقة عند المثقف نافعة لأنها حقيقة، وليس لأية غايات نفعية مباشرة
ترجي من ورائها، انها نافعة لأنها تخلق وعيا وتتجاوز اللحظية السياسية
وتتخطي حدود الاستخدام البراغماتي.
ويلخص نصر حامد أبو زيد الفرق بين خطاب المثقف الحقيقي، أي المنتج للوعي،
وبين خطاب مثقف السلطة المنتج لخطاب السلطة بالقول :
ان خطاب المثقف الحقيقي خطاب مفتوح، أي غير دوغماتي. بمعني انه لا يري
انه يمثل سلطة. انه خطاب مفتوح لأنه نقدي في بنيته وقادر علي تجاوز
نتائجه، وذلك علي عكس خطاب المثقف الآخر، مثقف السلطة، فهو خطاب مغلق
دوغماتي اطلاقي، يتضمن مفهوم امتلاك الحقيقة المطلقة في كليتها
وشموليتها. هذا التمييز يتباعد بنا تماما عن التمييز السائد بين مثقف
السلطة و مثقف المعارضة بالمعني السياسي الدارج. وهو يتيح لنا أن نضع
التعارض الفكري بين نمطين من الخطاب، أو نمطين من الوعي. الخطاب المفتوح،
وهو خطاب المعارضة بامتياز، والخطاب المغلق وهو خطاب السلطة بامتياز. ان
الخطاب - أي خطاب - حين يتحول الي سلطة، ولو كان في موقع المعارضة
السياسية المباشرة، ينتهي الي تكريس مفهوم (السلطة) في مجال الفكر والوعي
والابداع، وهو مفهوم أخطر بكثير من مفهوم السلطة السياسية (78).
غني عن البيان أن التفريق بين مثقف حقيقي وآخر سلطوي لا ينطوي بأي شكل من
الأشكال علي موقف انتصار للثقافة ونبذ للسياسة. ان الهدف من ذلك التفريق
بالأحري هو وضع حدود مفهومية تفصل، بصورة نسبية، بين وظيفة المثقف وبين
وظيفة السياسي. ولعل أقل ما يمكن أن يوصف به موقف مثل نبذ السياسة هو انه
موقف عدمي، لأن السلطة هي موضوع السياسة.ولا وجود لشيء اسمه المجتمع
الانساني بدون سلطة، فهي الناظم والضابط لكيان المجتمع. أضف الي ذلك ان
الديمقراطية - وهي أرقي صيغة للسلطة السياسية في تاريخ البشرية - غير
ممكنة أصلا بدون أحزاب،أي بدون مشاركة واسعة للناس في العمل السياسي.
والسياسة، انطلاقا من تعريفها بوصفها صناعة الخير العام ، هي من أنبل
الوظائف التي يمكن أن يضطلع بها الانسان. غير أن السلطة، مهما تقدمت
شروطها الانسانية، فانها لن تكون علي حد تعبير هيغل عملا مثاليا من أعمال
الفن، وانما هي توجد علي الأرض،أعني تقع في مجال النزوة والصدفة والهوي
والخطأ، ويمكن للسلوك السيء أن يسيء تصويرها من وجوه عدة . وهذه الحقيقة
توجب،من حيث المبدأ، احتفاظ المثقف بمسافة ابتعادية عن السلطة (79).
ومن جهة ثانية فان التفريق بين الحقيقة في السياسة وبينها في الثقافة لا
يعني الفصل التام بينهما. انما يقع الفصل بين (الفكر) كفعالية تسعي نحو
ابراز (الحقائق)، وبين السياسة كفعالية لتحقيق الممكن، في مبدأ الغاية
تبرر الوسيلة، وهو مبدأ لا يصلح اطلاقا في انتاج الوعي. لكن بعيدا عن هذا
التعارض يمكن القول أن كل فكر يتضمن نمطا من الممارسة السياسية بالمعني
العام، لأن الفكر لا يتم انجازه خارج نسق العلاقات في التشكيلة
الاجتماعية التي تؤطرها ثقافة بعينها. لكن الفكر يتجاوز اطار (التبرير)
و(النفعية) ليسعي الي التفسير (80).

يقول ألبرت اشفيتزر: أخطأ افلاطون حين طالب بضرورة أن يكون الفلاسفة في
الدولة هم حكامها، لأن سمو الفلاسفة يمتاز عن مجرد صوغ القوانين
والقرارات وتنظيم السلطة الرسمية. ومثلهم كمثل ضباط أركان الحرب الذين
يجلسون في الخلف يفكرون ويدبرون تفاصيل المعركة التي يراد خوضها، تفكيرا
وتدبيرا يتعاونان في الوضوح، بينما الذين يلعبون أدوارهم في عيون
الجماهير هم الضباط الذين من رتب أدني والذين يحولون التوجيهات الصادرة
من الأركان الي أوامر يومية للتنفيذ (81).
والمثقف العربي والمسلم تابع الخطأ الافرطوني بتحوله الي سياسي
وايديولوجي. وقد ترجم الخطأ الافلاطوني الي الواقع العربي ترجمة مكلفة
واحيانا باهظة الثمن الي أقصي الحدود. ويمكن التمثيل علي ذلك بشاهدين،
ربما كانا الأهم في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، هما : تأسيس الدول
العربية والصراع العربي الاسرائيلي.
فيما يتعلق بالشاهد الأول فان الاستعمار كان وراء تأسيس معظم الدول
العربية عقب انهيار الامبراطورية العثمانية نتيجة الحرب العالمية الاولي.
وشكل ذلك التأسيس نقطة انطلاق العرب الي الحداثة، وبداية انضمامهم الي
أسرة العالم الحديث. وتكلفت ببناء الدول العربية الجديدة أنظمة ديمقراطية
ضعيفة، سرعان ما وجدت بينها وبين شعوبها هوة عميقة، بسبب انعدام ظروف
اجتماعية واقتصادية وثقافية ملائمة لبناء الدولة الحديثة.
لقد ارتبط نشوء الدولة القومية أو الدولة - الأمة بظهور طبقة جديدة علي
مسرح التاريخ هي الطبقة الوسطي. فهذه الطبقة تشكل القاعدة الاجتماعية -
الاقتصادية - الثقافية للدولة الحديثة.وقد افتقدت النظم السياسية العربية
الجديدة مثل هذه القاعدة والحليف، أو انها كانت ما تزال بعد جديدة، نامية
وضعيفة في أحسن الأحوال.
غير ان البديل عن الطبقة الوسطي المعدومة او الضعيفة كان يمكن أن يتحقق
في فئة جديدة دينامية ومؤثرة هي فئة المثقفين . وهي الفئة التي شرعت
بالصدور عن مرجعية غربية حديثة، فكسرت احتكار رجال الدين لانتاج الوعي،
واكتسبت بمرور الوقت فعالية غطت علي دور رجال الدين، وتصدرت قائمة
الفاعلين الاجتماعيين في السياسة والثقافة.
أما الذي حدث في الواقع فهو علي العكس من ذلك تماما : فقد قاد المثقفون
تيارات المعارضة للنظم السياسية الجديدة. وهي معارضة طعنت في أسس شرعية
الانظمة، بل والدول نفسها، مستهدفة الاطاحة بها. فالقومية اعتبرت الدول
العربية الجديدة تجزئة استعمارية هدفها الحيلولة دون اقامة دولة الوحدة
العربية. والشيوعية رأت في النظم السياسية أذنابا استعمارية. والقومية
والشيوعية هما التياران الرئيسيان المتنافسان بعد الاربعينات، وهما
مساهمة المثقفين بامتياز في الأفكار والأعمال السياسة العربية الحديثة.
وقد لاقي هذان التياران استجابة جماهيرية واسعة النطاق، لأنهما، في
اعتقادنا، عبرا، في العمق، عن أهواء تقليدية راسخة، تلتقي جميعها في
كراهية السلطة. وكان معني السلطة لدي العرب قد تلخص خلال العهود
العثمانية بالجندية والضريبة : أي استنزاف الأرواح والثروات. والأهواء
المجتمعة في كراهية السلطة تمثل روح عصبيات تقليدية اتخذت من الأحزاب
والأفكار السياسية الحديثة أقنعة لها.
والي تلك الأهواء، اكثر مما الي الحكومات العربية الاولي، تعزي أسباب
الفشل المتواتر للمجتمعات العربية. وكما يقول غوبينو فانه علي الرغم من
كون فساد الادارات الآسيوية وعجزها كبيرين، فان الأعباء الناجمة عن الدين
والعادات والتقاليد هي أكثر اثارة للشلل، وذلك بالتحديد لأن هذه المعوقات
والعقبات هي التي توقف في كل لحظة حتي عمل السلطة المشروع. وحتي ان وجد
بين القادة اناس يملكون في آن القدرة والارادة الحسنة - وما يحدث في
الغالب هو عدم تصديقهم - فانهم سيفشلون حتما. ذلك لأن ما يميل الرأي
العام الي انتقادهم عليه بكل مرارة، انما يكمن في محاولاتهم الاصلاحية،
فهو لا يتحمل هذه التجارب والمحاولات بصبر مماثل لتحمله التصرفات
البالية، الكاسرة وغير الحكيمة غالبا، الملازمة للنظام العتيق (82).
وبعبارة اخري فان نموذج الدولة العربية الجديدة كان اكثر تقدما وعقلانية
مما اعتاد العرب عليه في ظل الامبراطورية العثمانية. وهكذا، مثلا، يلاحظ
علي الوردي ان أهم أسباب الثورة العراقية عام 1920 علي حكومة الاحتلال
البريطاني يكمن في المفارقة بين الحكم الجديد والقديم. يقول: من أهم
عوامل التذمر في رأيي هو ان العراقيين شهدوا في عهد الاحتلال نظاما للحكم
لم يكونوا قد تعودوا عليه من قبل فضجروا منه وصار ضجرهم يزداد بمرور
الأيام . فبين نظام الحكم التركي ونظام حكم الاحتلال فرق كبير. الحكومة
التركية في العراق اعتمدت اسلوب الحكم السائب أي اطلاق حرية الناس الا
فيما يخص جباية الضرائب . ولهذا خربت البلاد واندثرث ترع الري وتكررت
الأوبئة وشاعت الغزوات والمعارك القبلية كما شاع قطع الطرق وفرض
الاتاوات، مما أدي الي انتشار قيم البداوة بين الناس وذبول الحضارة لديهم
(83).
وخلافا لذلك فقد وجد العراقيون في عهد الاحتلال نظاما للحكم غير مستساغ :
صرامة شديدة في تطبيق القوانين والأنظمة، وبدل قيم الرشوة والوساطة حلت
الخشونة وقلة المبالاة بمشاعر الناس ومكانتهم الاجتماعية ((84. يقول هيغل
ما معناه ان دستور شعب ما هو من نفس الجوهر، ومن نفس الروح، الذي منه فنه
وفلسفته أو علي الأقل : خياله، وأفكاره، وثقافته العامة، دع عنك المؤثرات
الخارجية الاضافية لمناخه، وجيرانه، وموقعه الجغرافي. وهذا هو السبب في
انه عندما منح نابليون اسبانيا دستورا، لم يصلح، لأنه كان أكثر عقلانية
مما كان لديهم من دساتير من قبل (84).
و بروفة ثورة العشرين العراقية ستتكرر مع الحكومات العربية الاولي التي
نشأت في ظل الانتداب ،الي أن تشربت المؤسسة العسكرية - التي أصبحت أكثر
المؤسسات الاجتماعية قوة وتنظيما - شيئا فشيئا بالأفكار الثورية، القومية
والشيوعية، فقامت بانقلاباتها وبدأت في تولي الحكم بنفسها مع مطلع
الخمسينات، لتنتهي باجهاض جنين المجتمع المدني.
وفي هذه العملية التاريخية لم يكن الجيش سوي الذراع الضاربة للوعي الذي
أنتجه المثقفون . كان جيش المثقفين.
ولم يكن دور المثقف العربي، علي ما يبدو لي، أقل سلبية في الصراع العربي
الاسرائيلي. فقد تجسدت مساهمته الفكرية هنا في رؤية للصراع تقوم علي
اعتباره صراع وجود لا صراع حدود . وهي رؤية لا ابتكار فيها، وانما مجرد
صياغة فكرية لوجدان عربي جريح لا يستطيع التكيف مع المأساة المروعة
لاحتلال أرض واستيطانها واذلال شعبها أو تشريده.
ان ردة فعل الوجدان العربي علي مأساة فلسطين طبيعية، مفهومة، وتستحق
التعاطف الانساني بلا أدني ريب. ولكن دور المثقف لا يكمن في الصدور، جملة
وتفصيلا، عن الوجدان الشعبي. اذ تقع عليه مسؤولية أهم تتحدد في فهم
خلفيات المسألة،واستيعاب خريطة القوي المحلية والدولية وعموم الملابسات
الناشئة جراء اقامة دولة اسرائيل، وصولا الي بناء موقف انساني وحكيم.
ان السعي لابادة اسرائيل، تطبيقا لنظرية صراع وجود لا صراع حدود يضع
العالم العربي في نزاع لا أمل فيه مع القوي العالمية العظمي من دون
استثناء. ومن جهة ثانية فان محاربة الظلم لن تكون عادلة او انسانية
بايقاع ظلم مماثل بعد أن تحولت اسرائيل الي حقيقة واقعة.
وعلي الرغم من كافة التحولات التي شهدها الصراع العربي الاسرائيلي، فما
زالت أغلبية المثقفين العرب تضمر حينا وتظهر حينا آخر الرؤية ذاتها.
يتجلي ذلك، بوجه خاص، في شعار مقاومة التطبيع الذي أصبح حصة المثقفين من
النضال ضد الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية.
والحق انه شعار لا موضوع له - في اطار عمل المثقف - عدا ما يمكن أن يترجم
منه الي الواقع بحظر الاتصالات بين المثقفين العرب والاسرائيلين، وهي
الاتصالات التي يمكن أن تعود بالفائدة علي الجانبين. اذ ستكون بمثابة
اختراق للرأي العام الاسرائيلي، ومحاولة لتهدئته، وكسبه الي جانب انهاء
الاحتلال وحق شعب فلسطين في دولته المستقلة، وهو الحق الذي تدعمه قرارات
الشرعية الدولية.
وما عدا ذلك فان التطبيع - أي جعل العلاقات العربية الاسرائيلية طبيعية
شأنها بين الدول غير المتصارعة - هو نتيجة سياسية تترتب علي تسوية عادلة
ومقبولة للصراع بين الجانبين.
ومع ذلك فان نصف التطبيع قد حدث، في الواقع، عام 1967. وكان ذلك عندما
تبنت النظم السياسية العربية سياسة ازالة آثار العدوان في اعقاب نكسة
حزيران (يونيو). فقد انسجمت هذه السياسة مع قراري مجلس الأمن 242 و338
اللذين يقضيان بانسحاب اسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حرب 1967.
مثلت هذه السياسة الجديدة تحويلا للصراع العربي الاسرائيلي من قضية مطلقة
الي قضية نسبية، من قضية متعالية الي قضية متعينة، من اشكالية دينية الي
مشكلة سياسية، وباختصار من صراع وجود الي صراع حدود.
ولم يكن للفكر العربي، أو للمثقف العربي، أي دور في هذا التحول. لقد فرض
فرضا نتيجة حرب.ظهر ان ازالة اسرائيل مستحيلة. غير ان ما ظهر للعيان
اقتصرت رؤيته علي النخب السياسية الحاكمة دون المثقفين، وبالتالي الرأي
العام العربي. وكانت نفس هذه الرؤية والعمي مقسمة بين الحكام والمثقفين،
في العهود البائدة ، قبل ان تندفع الدبابات الي الحكم حاملة علم فلسطين،
لتدشن عهد الثورة. تغير جيش المثقفين بينما حافظ المثقفون علي شبابهم .

خاتمة

ان الأفكار أعمال في كل مكان وزمان : في نموذج النظام الديمقراطي الذي
يحكم الناس أساسا بالأفكار، أو في نماذج النظم اللاديمقراطية التي تحكم
الناس أساسا بالقوة، القوة الرشيدة أو القوة العارية من الرشاد. فالحكم
بالقوة أيضا أنواع وليس نوعا واحدا، بعضه يمكن تبريره في سياق مستوي
التطور التاريخي، وبعضه الآخر خارج علي منطق التاريخ كليا، وبينهما
تدرجات ترجح الكفة نحو هذا البعض أو ذاك. لكن في كل نماذج الحكم بالقوة
تكون الأفكار أشد خطرا، لأن تطبيقها أو قمعها يقترن بالقوة، فيخلف ضحايا
ومحنا ومصائب. والمثقفون، أيا كان تعريفهم، هم أكبر مصانع الأفكار، وهم
في كل الأحوال الشركة الوحيدة للاعلان عنها وترويجها. ولهذا فان المثقف
يمكن ان يشكل رافدا للحياة كما يمكن أن يكون مقصلة. ومن هنا تأتي أهمية
سؤال ما هو المثقف ؟ . فالسؤال ليس مهما في حد ذاته فقط، والا أصبح
الموضوع كله شكليا. الموضوع يتناول، في العمق، مسألة اتجــاه تطور
التاريخ أو مصائر شعوب بأكملها.
لقد فرض النموذج الحضاري الغربي المعاصر نفسه علي مستوي العالم كله بوصفه
مجموعة مقومات في المجتمع والسياسة والعلم والثقافة. وهذه الحقيقة مجسدة
عمليا في عالمنا العربي بدرجات واشكال مختلفة علي الصعد كافة : أجهزة
الدولة، مؤسسات المجتمع، العلم، الصناعة، الاقتصاد، التعليم، التمدين،
الثقافة، الادارة حتي الديكور والأزياء.
وتتفاوت درجات هضم النموذج الحضاري الحديث (أو الحداثة) في هذه الصعد.
غير أن ما لم يهضم واقعة كونية الحداثة، بدرجة مهولة، هو صعيد الحياة
الروحية : أي مجال عمل المثقف بالتحديد. ان ما يسلم به الواقع ترفضه
الروح. وهذه الممانعة الميتافيزيقية شكلت أكبر عملية عرقلة للعمل
التاريخي الذي بدأ مع تأسيس الدول العربية الحديثة. فبسببها غالبا ما كان
عمل اليوم يهدم كد الأمس. وتلك هي المسألة.

(لي) الأفكار المستحدثة في المجتمع العراقي بعد سقوط الصنم، هل هي نتاج
حالة إجبارية، أم هي نتاج واقع مفروض. المثقف العراقي أزداد كماً
وتراجعاً نوعاً. في حين مساحة الحرية توسعت من ذي قبل، أم الازدياد شمل
الكم والنوع. وهنا اقصد المثقف العراقي داخل الوطن وخارجه. لكون داخل
العراق كان المثقف مكبل بأوامر السلطة، حيث الكاتب يؤلف لانتصارات
الطاغية على الشعب العراقي، والشاعر يمجد بقائد الضرورة، والعالم الجاهل
يضع كل إمكانياته العلمية لرغبة المتسلط. بينما كان المثقف المتحرر من
قيود القوة والسطوة، منتجاً من نوع آخر. هدفه إزاحة النظام، ولو بالطرق
التي تقول الغاية تبرر الوسيلة، حتى شملت الذين يؤمنون بأن الغاية لا
تبرر الوسيلة. فأي كم ونوع نتج بعد التغيير، وهل التغيير كان قسري وترقى
لمستوى آمال المثقفين العراقيين. أم أن هذا التغيير أنتج كما هائلاً من
المثقفين وتبدل ثوبهم من عبادة شخص واحد لعبادة شخوص، ومن مطبلين لحزبٍ
واحد إلى مستميتين بأفكارهم لعدد من الأحزاب المعينة، ويرجمون أحزاب
أخرى. هل تبدل الطابع الوطني عند المثقف العراقي ليتخذ طباع متنوعة حسب
البيئة والقوم والدين والمذهب. هل يمكن أن تسمى مجموعة نتاج المثقفين
العراقيين الثقافة العراقية الجديدة؟
الهوامش

72. نفسه ص 154 ـ 155.
73. نفسه ص 157 ـ 158.
74. نفسه ص 156.
75. نفسه ص 145.
76. نصر حامد ابو زيد.مقالة (المثقف العربي والسلطة). صحيفة الحياة ،
العدد 11204 في 17 تشرين الأول (اكتوبر) 1993.
77. نفسه.
78. نفسه.
79. هيغل. مصدر سابق. ص 715.
80. نصر حامد ابو زيد. مصدر سابق.
81. البرت اشفيتزر. مصدر سابق. ص 68 -69.
82. استشهاد وارد في النفس المبتورة لداريوش شايغان. مصدر سابق. ص 161.
83. علي الوردي. لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث. الجـــــزء
الخامس. القسم الأول. دار كوفان للنشر -لندن. الطبعة الثانية 1992. ص 17
ـ 18.
84. نفسه. ص 19.
85. هيغل. مصدر سابق. ص 720.


كتبها abdelkarim LENEGUER في 11:56 صباحاً ::
الفصل الرابع

قال الإمام علي (ع): من عرف نفسه عرف ربه!
(لي) المعرفة وسيلة حتمية للنجاة من مجمل المخاطر، وأقصى درجات المعرفة
أن الإنسان يعرف نفسه وبذلك يصل لمعرفة ربه. حسب المفهوم الظاهري لقول
الإمام علي (ع). ومعرفة الرب يعاد من المعارف المستحيلة لعامة الناس.
والجدل حول وجود رب أم عدم وجوده قائم ويستمر. فهناك من يريد التوصل لقمة
المعارف من خلال الحس التجريبي دون الاكتراث للمعارف النظرية أو
الخيالية، أي علم ما وراء الطبيعة لا يأخذ به كثيراً. وإن كان معرفة الرب
من المجهولات فهذا الأمر يصعب عملية التعرف على النفس، ومن جانب آخر قد
يكون المقصود أن البحث عن معرفة النفس لقيمته ومكانته وأهميته قرن بمعرفة
الرب. الكتب السماوية، التوراة والإنجيل والزبور والقرآن المجيد المصادر
المهمة أو أنها مصدر المصادر، ويلجئ إليها العامة والخاصة. والقرآن
الكريم يعتمد عليه في مناطق كثيرة من العالم ويزداد يوماً بعد يوم عدد
المسلمين…الذي أريد قوله هنا، أن كثير من المثقفين يعتمدون على الكتب
السماوية كمصدر لثقافتهم، وإن تغيروا بعد حين، لكن أساس الثقافات هي تلك
الكتب. وأكثر المثقفين عند البحث عن سيرهم تراهم كانوا قد اعتمدوا بشكل
وآخر في دراسة الكتب الدينية، حتى وإن كانوا نقاد لمحتويات تلك الكتب،
فبالتالي استمدت ثقافتهم بعض معارف دينية. وإذا أردنا البحث عن مصادر
الثقافة، وإن رجعنا لفترات أفلاطون وغيره من كان قبله وبعده، نلاحظ
الأفكار الدينية والعقائدية موجودة، وحتى الذين يشيرون إلى أنه قد يكون
الدين أستمد من أولئك الفلاسفة فلا ضير في الأمر، لن كناك من يعتقد بأن
أفلاطون من الأنبياء. أو من كان قبله بزمن بعيد نبي وإن لم يكن له كتاب
منزل…فالعلوم كانت تناقليه. والرابط المهم هنا – في آيات القران المجيد
دروس وعبر في مجال الثقافة وتربية الذات – فبخصوص معرفة بعض تأويل الآيات
يقول عز من قائل: (لا يعرف تأويلها إلا الله والراسخون في العلم). فإذا
كان تأويل آيات شبه مستحيل فكيف يكون معرفة الرب.

إذن يكون من أهم مساعي المثقف لتطوير ذاته الثقافية هو السعي لمعرفة
نفسه، وهذا الذي أردت التوصل إليه في مقدمتي أعلاه.
كيفية الخوض في غمار معرفة النفس؟ وهل ممكن على ضوء ما جاء آنفا بمستحيلة
العملية أو شبهها؟ وللنظر قليلاً للغاية من هذه المعرفة، ثم وضع
الإشكاليات العملية، ومحاولة إيجاد الحلول. هل ضروري أن المثقف يتعرف على
نفسه، وماذا تفيده هذه المعرفة؟ نعم، الفائدة من معرفة الذات يجعل المثقف
ملء الفراغ الثقافي إن وجد، ويعطيه نظرة نقدية للذات حول ماذا أعرف وماذا
يجب أن أعرف ولماذا؟ فالعملية بحد ذاتها نقد ذاتي وتطوري في آن واحد. لأن
أي شخص حين يوظف بعضاً من وقته في المراجعة الذاتية، سيحصل على أمرين،
أولهما إصلاح الخطأ المحدث ومحاولة تجنبه مستقبلاً، وثانيهما ملء الفراغ
المعرفي _ أي التعرف على حاجته الضرورية من المعرفة في المجال الذي يحبه
ومتعلق فيه.
فبغض النظر عن المهن والحرف العملية والعلمية، فلو أعطينا تقسيم المثقف
النظري لناقدين مختصين في مجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الاجتماع،
الدين، التربية، الفلسفة، وكل العلوم التي هي تمس حاضر وواقع الإنسان
يومياً. وهذا الملاحظ والأكثر شيوعاً النقد السياسي والديني والاجتماعي
والاقتصادي. وقد يتلخص على ثلاث مواضيع متداخلة ومهمة فيما يخص مثقفي
العراق في هذه الظروف الراهنة السياسة والاقتصاد والاجتماع. مع العلم أن
جميع العلوم والمعارف ذات أهمية في حياة العراقي، لكنني قلت المشاع
والمتداول والذي هو يشغل المثقف العراقي بصورة عامة وواسعة.
في حوار هذه المواضيع الثلاثة، هناك كتاب ونقاد منهم من يعارض دائماً
وعلى كل صغيرة وكبيرة ، وهو في مواجهة دائمة مع الحكومة وأي حكومة كانت…
فهو خلق معارض، ويبقى معارض. وهناك من يدافع عن الحكومة، وهناك من يدافع
عن الحكومة التي فيها أحزاب أو أطراف قريبين لقلب المثقف أو لفكره. فتراه
يغير الأسود لأبيض، ويرتش معالم القبح بكل جميل. ومن بين المثقفين طائفي
بحت، ومنهم قومي لحد النخاع، وآخرين إنساني المبدأ بالفعل والقول. هذه
التشكيلات لم تكن موجودة بهذا الكم الهائل قبل سقوط الصنم، وحتى هذه
المقولة لها أنواع كثيرة…فمنهم من يقول قبل الاحتلال، وآخر يقول قبل
التحرير، وثالث يقول قبل التغيير ورابع يقول قبل سقوط بغداد …هلم جر!
السؤال الذي أحاول إثارته، هو حول المواضيع الثلاثة (اختيار ثلاثة
للسهولة) هو حول خصوصية المثقف وإدراكه للموضوع الذي يتناوله ضمن هذه
التقسيمات، ومدى استيعابه للموضوع وكيفية تطوير معرفته بذلك. هل هناك
ملاحظة… ومن ثم أتسائل مع نفسي وذاتي، هل أريد أن أجبر الآخرين على حقيقة
أنا توصلت لها عن علم إدراك ولدرجة اليقين الذي لا يجوبه أدنى شك، أم أنه
لو ظهر حقيقة أكثر وأصلح وأنقى لدى غيري سوف أتحول من حقيقتي لتلك؟ هل
أنني مدرك لمدى معرفتي بالموضوع بأنه يجب علي التفحص والبحث والدراسة لكي
أتطور ولا أبقى مراوحاً في قالب معرفتي الضيقة. هل حقيقةً أنا منتي أو لا
منتمى؟ وإن كنت لا منتمى، تربطني باللامنتمين رابط وما هو؟ هل نلتقي في
نقاط ونختلف في أخرى؟ هذه التساؤلات إن وضعها المثقف العراقي خصوصاً
أمامه بصورة دائمة، أتصور أننا نجد عوامل مشتركة كثيرة للتقارب وحل
المعضلات، ونكون قاب وقسين أو أدنى من الطفرة المعرفية من أجل بناء مجتمع
مثقف نوعاً ما. ((أنتهى))

تعريف المثقف : مداخل وإشكاليات *

إن أحد المسائل المهمة التي يحتاجها المثقف والمجتمع في المرحلة الراهنة
هي إعادة النظر في تعريف المثقف ، باعتبار أن المثقف كائن تعرضه التغيرات
والتحولات مفهوماً ووجوداً ، فهو ليس بمنأى عن ذلك ، ولأنه كثيراً ما
اشتغل – أي المثقف - على الأفكار والقضايا والآخرين ، أو على المجتمع
والسياسة والدين ، ولم يشتغل كثيراًَ على نفسه ، حيث مؤخراً في هذه
المجتمعات ، وتحديداً منذ العقد المنصرم ظهرت الدعوات المطالبة بمعاملة
المثقف نقدياً كغيره من شرائح المجتمع باعتباره موضوعاً للنقد بعد أن كان
الناقد .
إجمالاً ، هناك مسائل عدة " تجبر " المثقف على إعادة النظر في ذاته ، بما
في ذلك التعريف والدور والمكانة التي يحظاها ، وتفصيلاً منها :
1- من المعلوم ، أن هناك الكثير من الأفراد يوضعون تحت مقولة المثقف ،
ومع هذا لا يمكن النظر إليهم على أنهم كتلة واحدة متجانسة ، حيث
الاختلافات الكثيرة الموجودة بينهم الجوهري والعرضي الذي يُصعّب تعريفهم
بتعريف موحد ودقيق ، فأحد الاختلافات الموجودة بين المثقفين هو اختلافهم
على تحديد من هو المثقف ؟ فبين المثقفين يكثر النقاش حول من هو المثقف ؟
وإن كان هذا الاختلاف لدواعٍ كثيرة منها المعرفي والأيديولوجي ، وإن طفا
على السطح أن هناك اتفاقاً بين المثقفون حول من هو المثقف ؟ فهو اتفاق
عام وغير دقيق ، وهذا يعني ، أنه في أحيان كثيرة ، إن من يُطلق على ذاته
أو يُطلق عليه الآخرون أنه مثقف فليس بالضرورة أن يعي ذاته المثقفة ،
ويدركها بصورة واضحة ودقيقة ، الذي يظهر ضبابية حول مفهوم المثقف .
2- أثر الواقع على المثقف فكراً وممارسةً ، فباعتبار أن الواقع مؤثر
ومكون ذو أهمية كبيرة على المثقف ، وجدنا أن المثقف تأثر فعلاً
بالمتغيرات المحلية والعالمية ، كما هو واضح في المجتمعات العربية ، وفي
الحقيقة ، لا يمكن اعتبار التأثر بمختلف التغيرات خطأ يقع فيه المثقف ،
بل تأكيد على أهمية التصاق المثقف بالواقع المعاش ، فمثلاً المتغيرات
المحلية تنتج من عدم قدرة الأفراد والمؤسسات في مجتمع على ممارسة وإحداث
تغييرات جوهرية وسريعة تمس حياة هذا المجتمع في حاضره ومستقبله ، أو
العكس أن هناك قدرة لهؤلاء الأفراد والمؤسسات على إحداث تغييرات وطفرات
في مجتمعاتهم ، ولكن الذي حدث في الواقع العربي هو حالة عجز الأفراد
والمؤسسات في إحداث التغيير أو الإصلاح في المجتمعات العربية ، ونتيجة
النظر للواقع ، بدأ الشك يهجم بقوة على الفاعلين الاجتماعيين وعلى أهمية
دورهم الذي يؤدونه ، ومن ضمن هؤلاء الفاعلين يأتي بالطبع المثقف .
وأما المتغيرات العالمية – التي لا يمكن فصل أثرها على المتغيرات المحلية
- التي انعكست آثارها على هذا المجتمع كما على غيره من المجتمعات ، بسبب
عوامل عديدة منها الثورة التقنية والعولمة . فمثلاً العولمة التي تجلت
أولاً في الجوانب الاقتصادية ثم السياسية وأخيراً الثقافية ، والتي لها
جوانبها الإيجابية والسلبية ، نجد أن في جانبها السلبي أن هناك محاولة من
أطراف مؤثرة في العولمة تتمثل في قهر وهيمنة واستبداد وتنميط يطال
الأشياء والمفاهيم ، فكل ما يحدث في مراكز تصدير العولمة يلزم أن يكون
على أساسه في المجتمعات الأخرى المستقبلة للعولمة ، ومنها أن يكون هناك ،
ضغوط تمارس بصيغ مختلفة قد تكون " لطيفة " أحياناً لفرض تغيير قسري على
المفاهيم والواقع ، ومن ذلك مفهوم المثقف ، ولعل مقولات نهاية المثقف أو
موته أو عدم قدرة هذا المثقف على أن يكون ذا وجود ، كغيره من الفاعلين
الاجتماعيين التقليديين أو الجدد – التي موضوع هذه الدراسة – فضلاً عن
وجود ذات المثقف مسائل واضحة للمتتبع لواقع المثقف ومساره ، فواقع أي
مجتمعات يفرض على المثقف التعامل مع هذا الواقع وفق فهم متجدد للمثقف قد
يطال مفهوم المثقف أيضاً .
فواقع أي مجتمعات يفرض على المثقف التعامل مع هذا الواقع وفق فهم متجدد
للمثقف قد يطال مفهوم المثقف أيضاً .


3 - تفجر الاختصاصات ، فمع توسع اختصاصات العلوم السياسية والاجتماعية ،
على سبيل المثال ، لم تعد للمثقف تلك القيمة التي كان يحظى بها في السابق
نتيجة إلمامه بعلوم وأفكار سياسية أو اجتماعية ، فبرز من يمتلك المعرفة
المتخصصة بل الدقيقة أكثر من المثقف ، كما هو شأن الخبير في الشؤون
السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الشئون المحلية ، حيث بدأ هذا
الخبير في تكوين مرجعية معرفية على حساب مرجعية المثقف " المعرفية
والواقعية " ، كذلك مع تقدم المعارف والعلوم التقنية أصبح لخبراء تقنية
المعلومات دور مهم في حياة المجتمعات مما سحب جزء من البساط لصالحه ،
فأصبح لهذا الخبير أهمية بين الناس ليس فقط على حساب المثقف ، بل وعلى
حساب غير المثقف ، وينطبق هذا أيضاً على اختصاصيين جدد كإعلاميي القنوات
الفضائية ، فأصبح هذا المثقف أمام تفجر الاختصاصات والمعرفة على جميع
الصعد يواجه صعوبات لتحقيق حضور فاعل متميز في المجتمعات ، فلم يعد يكفي
" غرور " المثقف بأن له دوراً على صعيد المجتمعات فلا بد من أن يتحول هذا
" الغرور " النظري إلى واقع عملي ، أي يتحول إلى دور عملي إن صح
التعبير . فتوسع الاختصاصات والمعارف يحتم على المثقفين تمييز أصحاب
الاختصاصات ، كما يحتم تمييز أنفسهم ، حتى يتم تمييز كل مجال عن الآخر لا
أن توضع المجالات المتشابهة أو القريبة الأهداف والمواضيع في مجال واحد
من دون تمييز ، وهذا يعني أنه من الممكن أن يتطور مفهوم المثقف أو يتغير
مما لا يبقيه على حاله .
4 – تمجيد المثقف لخطاباته وأفعاله في مقابل التقليل من أهمية خطابات
الآخرين وأفعالهم ، حيث وعد المثقف بتقديم إنجازات لهذه المجتمعات بنقلها
للحداثة والتنوير والتقدم ، أو تصويره بأن خطابه لا يحتاج للخطابات
الأخرى ، وأنه وحده قادر على التقدم بالمجتمعات العربية ، ولأن المثقف لم
يستطع الوفاء بوعوده ، تغيرت النظرة إليه سواء كانت من فئة المثقفين
نفسها أم من الآخرين ، فسادت أفكار عديدة عن المثقف أهمها أن دوره لم يعد
تغيير العالم ، بل تفسيره ، وأنه يلزم أن يختفي عن الأنظار .
5 - استناد المثقف على عدد من المقولات ، منها النضال من أجل تحقيق أهداف
منشودة ولا سيما المرتبطة بالمشاريع والأهداف السياسية ، وحيث لم يعد
النضال قادراً على الصمود في مواجهة الأوضاع الحالية كما يرى الكثير ،
لأسباب كثيرة ، منها اشتداد تسلط أنظمة حاكمة على مجتمعاتها ، والتي في
الوقت ذاته تخاف قطباً أوحداً لا يسمح بأي تفكير يزعزع محاولاته المستمرة
للسيطرة والهيمنة على العالم ، أجبر كثيرين على التخلي عن الحديث عن
النضال ، الذي يعني أن أحد المكونات السابقة لمفهوم المثقف قد بدأ في
الاضمحلال .
6 - ممارسة فئة من المثقفين العمل السياسي على حساب العمل الثقافي ، حيث
كان من المفترض ألاّ يتجاوز فعل المثقف السياسي فعله الثقافي ، إلاّ أن
كثيراً من المثقفين حمل لعقود صفتي المثقف والسياسي معاً ، أو أن بعض
المثقفين لم يمارس السياسة ، ولكنه حمل خطابها ، فهو لا يرى أن هناك
فصلاً حقيقياً بين الثقافة والسياسة فكلاهما مكمل لآخر ، مما أدى لوجود
حالات طغى فيها الدور السياسي على الدور الثقافي ، فمارس المثقف خطابين
مختلفين وأحياناً يكونان متناقضين في وقت واحد ، عندما رأى أن السياسة
أهم من الثقافة ، ولإرث تاريخي تضمن قيام السياسي بمحاولات نجح في بعضها
بهدف استلحاق غيره له ، بما فيهم من تمثل دوراً مشابهاً لدور المثقف .
7 – عدم وضوح مفهوم المثقف في أوساط شرائح كثيرة في المجتمع ، فمن خلال
التجربة التاريخية في المجتمعات العربية نجد أن للفقيه والسياسي وضوحاً
لعموم المجتمع ، ولكن لا نجد نفس هذا الوضوح موجوداً لمفهوم المثقف ، حيث
لا زالت صورته غير واضحة ضبابية عند " عامة الناس " ، فعند البعض المثقف
هو من يمتلك مقداراً كبيراً من المعلومات ، حتى لو كانت هذه المعلومات
عامة لا ترتبط بحقيقة الثقافة ، وعند البعض هو من يعارض من أجل تسجيل
حضور أو لمخالفة السائد المقبول والمرضي عنه ، الذي جعل شرائح مختلفة من
المجتمع تعترض على المثقف في صراعه مع السياسي أو عالم الدين أو الآخر
الخارجي من دون فهم مواقفه ورؤاه ، مما أفقد المثقف الدعم الذي قد يلقاه
من قبلهم ، والإشكالية الحقيقية أنه حتى بعض من أطلق عليهم مثقفين أو
أطلقوا على أنفسهم مثقفين ، لم يتضح لديهم من هو المثقف !! وبالطبع ،
هناك عدد من الأسباب الاجتماعية والسياسية أدت لذلك .
أخذ مفهوم المثقف لدى غرامشي وسارتر العضوي عند الأول والملتزم عند
الثاني مكانة مهمة عند الكثير من المثقفين العرب خاصة عند الماركسين
والوجوديين منهم


8- تطور مفهوم المثقف ، أخذ مفهوم المثقف لدى غرامشي وسارتر العضوي عند
الأول والملتزم عند الثاني مكانة مهمة عند الكثير من المثقفين العرب خاصة
عند الماركسين والوجوديين منهم ، إلا أنه يمكن القول أنه مع انحسار فكر
الوجودية في المجتمعات العربية الذي راج في الخمسينات والستينات من القرن
الأخير ، وتراجع الفكر الماركسي ولا سيما عند بعض أتباعه في المجتمعات
العربية ، بدأ مفهوم غرامشي وسارتر للمثقف بالاضمحلال في هذه المجتمعات ،
فلا يمكن النظر لمفهوم المثقف على أنه مفهوم غير قابل للتطور أو أن
تجليات المفهوم لا يطرأ عليها الانحسار والتغير ، فهو يخضع لقانون
الصيرورة " رغم مرور عقود على تعريفات غرامشي تلك للمثقف ، إلاّ أنها ما
تزال تسود جزءاً كبيراً من الأدبيات التي عنيت بدور المثقف في المجتمع .
لكن غرامشي كان قد ركز على ذلك الدور في إطار الصراعات الداخلية بين
الطبقات ، أي داخل نطاق المجتمع المعني .
اليوم تمدد تعريف ودور المثقف ، وأخذ شكلاً أكثر تركيباً من الميكانيكية
الغرامشية ، على مستوى المجتمع ، وأوسع أبعاداً على مستوى علاقة المجتمع
برمته مع العالم الخارجي وضغوطاته . فقد أصبحت لدينا تعريفات إضافية مثل
المثقف الناقد ،والمثقف التبريري ، والمثقف الداعية .
المثقف الناقد معوّله العقل النقدي البناء الذي يعمله في النظر إلى
الأشياء والقضايا ، والذي يمارسه سواء إزاء السلطة أم إزاء المجتمع أو
المجموعة التي ينتمي إليها . وهذا النقد هو وسيلته للمساهمة في تحسين
الشرط الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي تعيش فيه جماعته .
المثقف التبريري منطقه ووسيلته التبرير للفضاء الذي ينتمي إليه ، أو
للشريحة التي يفترض أن يدافع عنها ويسوغ أخطاءها . قد يكون مثقف سلطة
يدافع عنها دفاعاً عن مصالحه ، أو مثقف أيديولوجيا أو حزب أو ثقافة يدافع
عنها دفاع المستميت مهما كان الانحراف أو الخلل بادياً .
المثقف الداعية هو صاحب المشروع أو الأيديولوجيا ، يتسنم وظيفة التبشير
بفكرة معينة يراها الصواب الأصوب الذي يجب أن يسيطر على جماعته ويقودها
" ( 1 ) .
هناك حاجة معرفية وعملية لتعريف المثقف ، ومن ثم تمييزه عن غيره في مرحلة
تتسم بالتداخل والتغير والتعقيد الشديد ، كي تجنب الدارس الوقوع في عدد
من المزالق المنهجية عند دراسة المثقف وقضاياه


إذن ، هناك حاجة معرفية وعملية لتعريف المثقف ، ومن ثم تمييزه عن غيره في
مرحلة تتسم بالتداخل والتغير والتعقيد الشديد ، كي تجنب الدارس الوقوع في
عدد من المزالق المنهجية عند دراسة المثقف وقضاياه ، حيت تتحدد بوضوح
دائرة المثقف التي يشتغل عليها ، فلا يتجاوز دوائر غيره وتحديد مجاله
الذي يشتغل عليه بكفاءة وتخصص ، " قد يثار سؤال معرفي حول دوافع وأسباب
الفصل والتفكيك في المصطلح بين المثقف من جانب ، والفقيه والمفكر من جانب
آخر ، في تناول لمجمل الإشكاليات وعنونتها ؛ على اعتبار أن المدلول
المعرفي العام لمصطلح المثقف يشتمل على الفقيه والمفكر أيضاً .
وعلى حد تعبير بعض علماء الاجتماع من أن مصطلح المثقف يستوعب جميع منتجي
الأفكار وناشريها وحملتها ومستهلكيها ، بمن فيهم علماء الدين والأدباء
والكتاب والإعلاميين والفنانين ، بل وجميع خريجي الجامعات والمتعلمين
تعلماً مرموقاً .
ولكن ، لجوءنا إلى الفصل له اكثر من سبب ودافع موضوعي ، يرتبط مباشرة
بواقعنا الإسلامي ؛ إذ إن المدلول العام لمصطلح المثقف – إذا ما طبقناه
على الفقيه والمفكر – يواجه إشكاليات تخصصية واجتماعية ، وربما دينية ،
في واقعنا الإسلامي . ودراسة الإشكاليات ومعالجتها – مهما كانت – يجب أن
تنطلق من البيئة والواقع اللذين يحكمان الإشكالية ، دون اللجوء إلى
استعاره معادلات أو مفاهيم ومصطلحات من بيئات اُخرى ، وإن أطلق عليها
أصحابها صفه العلم
والمعرفة .
ومن هنا كان ضرورياً اعتماد المداليل الخاصة ، المنبثقة من الواقع ،
والتي تضع فروقات واضحة على مستوى المفهوم والاصطلاح والمعنى بين كل من
الفقيه والمفكر والمثقف ، وتقسِّمهم إلى ثلاث فئات " ( 2 ) .

ويبقى التأكيد ، على أن البدء ، في محاولة التعريف خير من عدمها ، وقد
يكون ، من خلال محاولة حصر المنضوين تحت الثقافة بصورة أوضح ، كي يسهل
ويتضح التعامل مع المثقفين .
وتهتم هذه الدراسة بإلقاء الضوء على مداخل تعريف المثقف التي من خلالها
يتم تعريف المثقف ، بصورة أكثر من هدف الخروج بتعريف دقيق للمثقف .
لا ينحصر تعريف المثقف في مدخل واحد فقط ، فهناك عدد من المداخل يتم من
خلالها تعريف المثقف ، فاختلاف تعاريف المثقفين نابعة من اختلاف هذه
المداخل ، إلاّ أن الجدير بالذكر ، أن هذه الدراسة حاولت الوصول لحصر
مداخل تعريف المثقف في ثلاثة ، وهذا لا يعني أنها مداخل نهائية ، فيمكن
من خلال دراسات أعمق أو وجهات نظر اُخرى يتم الوصول لمداخل أخرى أكثر
تفصيلاً ، فليس الحصر هنا عقلياً على حد تعبير المناطقة ، وتحديد هذه
المداخل يُمكّن من محاصرة مفهوم المثقف بصورة أكثر ، مما يتيح القبض على
مفهوم للمثقف .
ينحصر تعريف المثقف في مدخل واحد فقط ، فهناك عدد من المداخل يتم من
خلالها تعريف المثقف ، فاختلاف تعاريف المثقفين نابعة من اختلاف هذه
المداخل

ولكن قبل الدخول في الحديث عن هذه المداخل هناك حاجة لإلقاء الضوء على
عدد من تعاريف المثقف .

تعريف المثقف تمييز المثقف عن غيره
عرّف د. محمد عابد الجابري المثقف في كتابه " المثقفون في الحضارة
العربية " استناداً إلى قضية الفريد دريفوس التي جعلت هذا المثقف ناقداً
اجتماعياً ، فهو يُعرّف المثقف على أساس هذه القضية بأنه " وبعبارة أخرى
إن ( المثقفين ) ، وفقاً لهذه التحديدات ، هم أولئك الذين يعرفون
ويتكلمون ، يتكلمون ليقولوا ما يعرفون ، وبالخصوص ليقوموا بالقيادة
والتوجيه في عصر صار فيه الحكم فناً في القول ، قبل أن يكون شيئاً آخر
" ( 3 ) . علماً أن د. الجابري يرى
" مع أن مفهوم ( المثقف ) اتسع ليشمل جميع الذين يشتغلون بالثقافة ،
إبداعاً وتوزيعاً وتنشيطاً ، الثقافة بوصفها عالماً من الرموز يشمل الفن
والعلم والدين " " ( 4 ) .
بينما يُعرّف د. برهان غليون المثقف في بحث له بعنوان تهميش المثقفين
ومسألة بناء النخبة القيادية من خلال اعتباره فاعل اجتماعي " إن المقصود
إذاً من المثقفين هنا هو فاعل اجتماعي جمعي وليس مجموعة أفراد يشتركون في
نشاط مهني أو علمي أو ذهني واحد يقرب في ما بينهم . وعندما نتحدث عن فاعل
اجتماعي فنحن نشير إلى قوة محركة ودينامية اجتماعية لا إلى مبدع فكري
" ( 5 ).. والتعريفان السابقان كانا ضمن سياق بحثين معينين .
وهناك مصطلح الانتلجنسيا ، الذي يستخدم للإشارة إلى النخبة المثقفة ، وهو
مصطلح استخدم أول مرة في روسيا في العام 1860م ؛ ليدل على النخبة المثقفة
والمتميزة بميول نقدية نحو الحالة الراهنة ( 6 ) ، ويخلص د. محمد الدقس
لتعريف الانتلجنسيا " خلاصة القول : يمكن تعريف الانتلجنسيا بأنها النخبة
المثقفة التي تمتهن الثقافة ( المادية والفكرية ) ولها تأثير قوي على
المجتمع من خلال الوعي الاجتماعي " ( 7 ) . وبالرغم من أنه في
الانتلجنسيا تمييز النخبة المثقفة عن عموم المثقفين ، إلاّ أنه قليل
الاستخدام في الكتابات العربية التي تدور حول المثقفين .
يتناول المثقف المعاصر مسائل عديدة منها : الحرية ، والحداثة ،
والتجديد ، والإصلاح والتنوير ، والنهضة والتسامح ، والدين والعلمانية ،
والعلاقات الثقافية وتحديات العصر ، والنظام العالمي الجديد والعولمة ،
والتدخل الخارجي ، والتخلف والتبعية ، والتغريب والعلاقات بين الحضارات ،
والديمقراطية وحقوق الإنسان ، والعدالة والمساواة وغيرها من المسائل سواء
كانت لديه صورة إيجابية وصحيحة وواقعية أو صورة سلبية وغير صحيحة وغير
واقعية عن هذه المسائل ، ويمارس المثقفون اشتغالات عملية على هذه
المسائل ، وتتفاوت أهمية هذه المسائل من مثقف لآخر .
يتضح أن للمثقف اشتغالات متعددة ، منها تحصيل المعرفة ونشرها في
المجتمع ، ومنها الوصول لوعي ناتج من امتلاك هذه المعرفة ويمارس بناء على
هذا الوعي تأثيراً في المجتمع ، وممارسة الفعل الاجتماعي


إذن ، يتضح أن للمثقف اشتغالات متعددة ، منها تحصيل المعرفة ونشرها في
المجتمع ، ومنها الوصول لوعي ناتج من امتلاك هذه المعرفة ويمارس بناء على
هذا الوعي تأثيراً في المجتمع ، وممارسة الفعل الاجتماعي الذي قد يكون
فيه المثقف حسب تصور سابق لمفهوم المثقف أنه قائد وموجه ، ولكنه حسب تصور
آخر حاضر لمفهوم المثقف أنه مشارك في الشأن العام والهموم الاجتماعية من
أجل تطوير هذا المجتمع ، ولكون الإنسان في أصل تكوينه مخلوق بكيفية تمكنه
من حمل حيثيات كثيرة مختلفة ، ولكون المثقف أيضا إنسان ، فمن الطبيعي أن
يحمل المثقف في داخله حيثيات كثيرة مختلفة .
وعلى هذا ، قد تتقاطع عدد من حيثيات المثقف مع غيره من الفاعلين
الاجتماعيين أو الشرائح الأخرى في المجتمع ، فمثلاً ، في النظر المعرفي
يتقاطع المثقف مع المفكرين والأكاديميين ورجال الدين ، وفي الفعل
الاجتماعي كذلك يتقاطع المثقف مع السياسيين أو علماء الدين والوجهاء
وأصحاب الاستثمار ، فهناك للمثقف حيثيات اتفاق واختلاف ، اتفاق مع غيره
حيث يشترك مع غيره بحيثيات معينة ، واختلاف عن غيره حيث يختلف عن غيره
باختلاف هذه الحيثيات ، فمثلاً ، الاتفاق في حمل حيثيات ثقافية يجعل من
السياسي مثقفاًً ، وعدم امتلاك مثل هذه الحيثيات الثقافية تبعد السياسي
من أن يكون مثقفاً ، فلابد من تحديد تلك الحيثيات الموجودة في المثقف
والتي من دون شك تؤثر في مفهوم المثقف والدور الذي قد يمارسه من جهة ،
وبسببها يختلف عن غيره من جهة ثانية ، وهذا لا يعني أنه عند اجتماع
حيثيات مختلفة لا تحدث هناك تناقضات أو إشكاليات لدى حاملها .
في معرض نقاشه لمفهوم المثقف في ندوة مركز دراسات الوحدة العربية
المعنونة " المثقف العربي ومهامه الراهنة " التي اُقيمت في النصف الأول
من عقد الثمانينات من القرن الماضي ، يرى د. غسان سلامة أن تعبير المثقف
العربي ، حتى تلك اللحظة لم يكن واضحاً ، وذلك لأنه يحمل إشكالتين :
إشكالية على مستوى كلمة المثقف ؛ وإشكالية على مستوى كلمة العربي ، يقول
بخصوص الإشكالية على مستوى كلمة المثقف : " أرى الإشكالية الأولى على
الشكل التالي : حملت المجتمعات العربية التقليدية أنواعاً من المثقفين
التقليدين يمكن اعتبارهم مثقفين عضويين . بشكل أساسي أرى منهم ثلاثة :
أولاً : رجل الدين .
ثانياً : رجل التعليم .
وثالثاً : في معظم الأحيان رجل الإدارة الذي تميّز في الطبقات العليا من
الإدارة . مثلاً في السلطنة العثمانية أو في الولايات العثمانية في
المنطقة العربية ، تميز إجمالاً بقدر لا بأس به من الثقافة خارج إطار
العسكر .
هذه الأنواع الثلاثة من المثقفين بعد تدهور السلطة العثمانية وقيام
الدولة العربية الحديثة ، تضاءل دورهم وبرز المثقف العربي الجديد إذا صح
التعبير ، هذا المثقف تميز أساساًَ بتدريبه العلمي العالي بالإجمال ،
وعلاقة ما بالغرب إمَّا من خلال المدرسة وإمَّا من خلال الإطِّلاع
الشخصي ، أو من خلال السفر إلى الغرب ، ولدينا صفحات رائعة عن رفاعة
الطهطاوي ولقائه بالغرب . اعتقد أننا ما زلنا في مرحلة انتقالية بالنسبة
إلى تحديد المثقف العربي في المجتمع الراهن ، وهي مرحلة للأسف طويلة أكثر
مما كنا نعتقد ، أو على الأقل مما كنت أنا أتأمل ، بحيث إننا نرى في
الفترة الأخيرة فئات من المثقفين التقليدين يعودون إلى الواجهة وكأنهم
المثقفون العضويون دون غيرهم " ( 8 ) .
يمكن إرجاع أحد الاختلافات الحقيقية بين المثقف وغيره من الفاعلين
الاجتماعيين للخطاب الذي يحمله كل منهم ، أي الاختلاف بين الخطاب الثقافي
وغيره من الخطابات سواء كان سياسياً أو دينياً أو اجتماعياً أو
إعلامياً ، فالخطاب يمنح جوهر المثقف تمايزه عن غيره . فكلمة الخطاب
قديمة ، ولها استخدام في اللغة العربية منذ قرون اقترنت بالنطق .
وأيضاً ، للخطاب استخدام / مستوى آخر غير الاستخدام / المستوى اللغوي
الذي كان سائداً ، وهو في معناه الأساسي " كل كلام تجاوز الجملة الواحدة
سواء كان مكتوباً أو ملفوظاً " ( 9 ) ،وهذا ما نجده في كتابات بعض
المفكرين المعاصرين ، ميشيل فوكو اُنموذجاً ، فالخطاب عنده هو شبكة معقدة
من العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تبرز فيها الكيفية التي
ينتج فيها الكلام كخطاب ينطوي على الهيمنة والمخاطر في الوقت نفسه
( 10 ) .
" إن الخطاب ليس مجرد وحدة لغوية مفارقة ، وإنما وحدة من وحدات الفعل
الإنساني والتفاعل والاتصال والمعرفة ، وإنه ليس كياناً ثابتاً ،
جامداً ، من الكلمات والدوال ، وإنما حقل فعّال من المشاغل والاهتمامات
والتوترات والصراعات والتناقضات التي تكشف عن تنظيم المجتمع ومؤسساته
وأبنية القوى وأدوارها المضمنة " ( 11 ) .
وفي مستوى آخر عما ذكر ، فلكل خطاب بينة محددة تختلف عن بنية الخطابات
الأخرى ، وهذه البنية قد تتميز بعناصر تنفرد بها عن الخطابات الأخرى
وبعناصر تشترك فيها مع خطابات أخرى ، ومن الصعوبة أن تكون هناك نظرة
موضوعية تستطيع المفاضلة بين الخطابات بناء على الأفضلية ؛ لأن لكل خطاب
حقلاً أو مجالاً يشتغل عليه وله هدف مختلف ، ولكن الإشكالية قد تبرز
عندما يتبنى المثقف أكثر من خطاب في وقت واحد ؛ لأنه يقوم بأداء أكثر من
دور في وقت واحد لاشتغاله على أكثر من مجال وهدف ، الذي قد ينتج عن ذلك
تناقضات إذا لم يستطع أن يضعها كلها في سياق وانسجام يَنظمها ، وغالباً
ما لا يستطيع المثقف على ذلك لصعوبته ، فدائماً تكون هذه الخطابات
مختلفة ، وقد تكون متعارضة في كثير من المسائل ، فمثلاً قد يجمع المثقف
بين الثقافة والفقه – لا الدين – أو بين الثقافة والسياسة ، ولكن ليس
القصد أن الحل يكون بالجمع بين الاثنين ، ولكن القصد ما هي الآثار التي
تترتب على جمع المثقف خطابين مختلفين وقد يتعارضان ؟ هل تستطيع إيصاله
لأهدافه ؟ أو أنه يمارس المثقف خطاباً لا يعي أنه يمارسه كما لو مارس
السياسة ظناً منه أنه يمارس الثقافة ، فهناك في بنية هذه الخطابات
اختلافات قد يكون من الصعوبة لها الالتقاء .
ولكن الإشكالية قد تبرز عندما يتبنى المثقف أكثر من خطاب في وقت واحد ؛
لأنه يقوم بأداء أكثر من دور في وقت واحد لاشتغاله على أكثر من مجال وهدف

فالخطاب الفقهي يختلف عن الخطاب الثقافي ، فالأول يشتغل بالنظر للنصوص
الدينية من أجل استنباط الحكم الشرعي ، ويفترض فيه الاجتهاد في فهم
الواقع أيضاً وهو يمارس النقد على مستوى الآراء الفقهية الأُخرى ، بينما
الخطاب الثقافي يشتغل على الفكرة والوعي والنقد اللذين لا ينحصران فقط في
مسائل دون اُخرى ، فهي أوسع من المسائل الفقهية ، حيث تشمل التاريخية
والسياسية والاجتماعية ، ومن ثم فهناك مجالات يختلف فيها الخطاب الفقهي
عن الخطاب الثقافي .
ولتقريب هذه الفكرة بصورة أكثر ، يميز د. حسن حنفي بين عدد من الخطابات
الموجودة على الساحة الواقعية ، ورغم أن د. حسن حنفي لم يفرد للخطاب
الثقافي قسماً خاصاً في دراسة له بعنوان " تحليل الخطاب " ، إلا أنه يمكن
وضعه قريباً من الخطاب الفلسفي . حيث يرى د. حنفي أن الخطاب الديني هو
خطاب عمومي ؛ لأنه سلطوي أمري تسليمي إذعاني . يطالب بالإيمان بالغيب
وبالعقائد ، يقدسه الناس . يعتمد على سلطة النص أكثر من اعتماده على سلطة
العقل . يعتبر نفسه حكماً ومقياساً لأنواع الخطابات الأخرى .
والخطاب الفلسفي ينزع إلى خطاب عقلي برهاني . يقبل الحوار والرأي والرأي
الآخر . قادر على التعميم والتجريد والصياغات النظرية للقوانين . إنساني
النزعة متفتح على الحضارات الأُخرى ، أحياناً لا يفهمه إلاّ الخاصة .
والخطاب الاجتماعي - السياسي الهدف منه الترابط الاجتماعي والصراع أحد
مظاهره ، يبدأ بالمجتمع ويصدر عنه . التأثير في الناس وتوجيههم ، يكشف عن
صراع الأهواء والمصالح والإرادات والقوى الاجتماعية والتنظيمات السياسية
في حراك اجتماعي ( 12 ) .
ويمكن القول أن الخطاب الثقافي يقوم على القبول بالتعددية والتسامح
واحترام الآخر والانفتاح على الإنسانية من دون قيود أو شروط
، فهو متجاوز للبيئة التي يعيشها فيها ، مشتغل على الفكرة ، لا يقبل
التحالف مع من يختلف معه في وجهة النظر ، كما يقوم بذلك السياسي الذي قد
يتحالف مع أشد أعدائه العقائديين من أجل تحقيق مصلحة سياسية أو للحصول
على نصر سياسي ، ولا يتعامل مع الواقع بفكرة أنه واقع لا يمكن تغييره ،
وهذا هو الجانب الإيجابي للخطاب الثقافي ،
ولكن هناك جوانب سلبية للخطاب الثقافي فهو قد ينزع بصاحبه للتعالي على
الآخرين ، وقد يصيبها الابتعاد عن الآخرين ؛ لأنها تنزع للمطلق.....

ولا تنظر للأُمور من منطلق نسبي ، وعدم الواقعية في النظر للأمور التي
قد يصيبها نوع من " المثالية " غير المبررة .
وكذلك مثلاً ، هناك من يطرح أنه عندما يكون هناك مثقف منتم للمرجعية
العلمانية ، وفقيه منتم للمرجعية الإسلامية ويتم مقارنتهما ، فهنا قد
يحدث خطأ منهجياً في هذه المقارنة ؛ لأنها تتعامل مع وظيفتين مختلفتين من
خلال مرجعيتين مختلفتين ، فقد ينظر إلى أن الاختلاف الأساسي هنا هو
للمرجعية وليس للخطاب ، بينما يمكن أن يكون هناك اختلاف آخر يسلب
الاختلاف الأول كونه أساسياً . المقارنة الأكثر صحة في هذه المسألة ، كي
تكون المقارنة أدق ، هي مقارنة خطاب مثقف ديني بخطاب فقيه ديني ضمن نفس
المرجعية ، أو بين خطاب سياسي علماني وخطاب مثقف علماني ضمن نفس
المرجعية ، كي يتبرهن أن هناك اختلافاً حقيقياً بين الخطابين ، وبمعنى
دقيق ألا يكون هناك تناقض بين الخطابين ، باعتبار أن كلاًّ من الخطابين
ينزعان إلى مرجعية واحدة ، ولكن الاختلاف في الوسيلة التي توصل لذلك ،
فنجد في الوقت الذي يكون هناك اتفاق على المرجعية الفكرية ، نجد أن هناك
اختلافاً في التعامل ضمن المرجعية الواحدة والنظر إليها .
ومن هنا تنبثق إشكالية اختلاف الخطابات ، فهناك في داخل الثقافة
الإسلامية اختلافات واضحة في النظر ، كما نجد ذلك بوضوح بين الخطاب
الفلسفي والكلامي والفقهي والصوفي ، وكل هذه الخطابات ترجع للمرجعية
الإسلامية . وعلى سبيل المثال ، في إيران هناك صراع داخل الثقافة
الإيرانية الحديثة التي يشكل الإسلام جزءاً مهماً منها بين تيارين كبيرين
المحافظين والإصلاحيين ، بحسب التعبير السياسي للأطياف الموجودة في
الساحة الإيرانية ، وكل منهما يضم مثقفين وعلماء دين ولا يختلفان على
المرجعية .
يرى يحيى محمد في ذلك " أن أساس القطيعة بين المثقف أو المفكر والفقيه
إنما يعود إلى الاختلاف الحاصل بينهما على صعيد المصدر المعرفي ، ذلك أن
ما يتولد عن النص هو ليس نفسه الذي يتولد عن الواقع ، وأن مدّ الجسور
بينهما يستدعي تأسيس أحدهما على الآخر ، وهو ما يعمل عليه كل من المفكر
والفقيه ، ولكن بطريقة مغايرة . فبينما يقوم الآخر بتأسيس فهم الواقع على
النص ؛ يخالفه الأول بالعمل على العكس ، رغم أن النص والواقع كلاهما
عبارة عن كتابين لله تعالى ؛ تدويني وتكويني " ( 13 ) .

يتبع
الهوامش

1- خالد الحروب ، المثقفون العرب في معرض فرانكفورت : " غرامشيّو "
التوجه والالتزام ؟ ، صحيفة الاتحاد الإماراتية ، العدد 10692 ، الأربعاء
29 شعبان 1425 / 13 أكتوبر 2004 .
2- الإسلام والتجديد ، علي المؤمن ، بيروت : دار الروضة ، ط الأولى ،
1421هـ / 2000م ، ص 78-88 .
3- المثقفون في الحضارة العربية ، د. محمد عابد الجابري ، بيروت : مركز
دراسات الوحدة العربية ، ط الثانية ، كانون الثاني / يناير 2000، ص 25 .
4- المثقفون في الحضارة العربية ، مصدر سابق ، ص 24 .
5 - المثقف العربي همومه وعطاؤه ، مجموعة من الكتاب ، دراسة د. برهان
غليون ، تهميش المثقفين ومسألة بناء النخبة القيادية ، بيروت : مركز
دراسات الوحدة العربية ، ط الأولى ، ديسمبر 1995 ، ص 86 .
6- راجع ، الانتلجنسيا العربية : المثقفون والسلطة ، دراسة د. محمد
الدقس ، الانتلجنسيا العربية : الواقع والطموح ملاحظات أولية ، عمان :
منتدى الفكر العربي بالتعاون مع اتحاد المحامين العرب والجمعية العربية
لعلم الاجتماع ، ط الأولى ، عام 1988 ، ص 141 .
7- الانتلجنسيا العربية : المثقفون والسلطة ، مصدر سابق ، دراسة د. محمد
الدقس : الانتلجنسيا العربية : الواقع والطموح ملاحظات أولية ، ص 143 .
8- ندوة المثقف العربي ومهامه الراهنة ، خير الدين حسيب وآخرون ، بيروت :
مجلة المستقبل العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية ، العدد 51 ، مايو
1983 ، ص 112-113 .
9- دليل الناقد الأدبي ، د. ميجان الرويلي و د. سعد البازعي ، الدار
البيضاء – بيروت : المركز الثقافي العربي ، ط الثالثة ، 2002 ، ص 155 .
10- راجع ، دليل الناقد الأدبي ، مصدر سابق ، ص 155 .
11- آفاق العصر ، د. جابر عصفور ، دمشق – بيروت : دار المدى للثقافة
والنشر ، ط الأولى ، عام 1997 ، ص 73 .
12- راجع ، تحليل الخطاب ، د. حسن حنفي ، مجلة قضايا إسلامية معاصرة ،
العدد 19 ، 1423-2002 ، ص 222-224 .
13- العقل المثقف والعقل الفقيه ، يحيى محمد ، بيروت : مجلة الوعي
المعاصر ، العدد10-11 ، السنة الثالثة ، شتاء 2003م/1423هـ ، ص 47 .
المصدر:
http://www.johod.com/index.php?show=news&action=article&id=843

لأربعاء,تموز 04, 2007

نظرية المعرفة والمثقفون
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد
وعلى اله وأصحابه أجمعين .(الميامين)

عن مفهوم المعرفة وارتباطها بالمثقف .

يتضح لنا أن المعرفة هي الركيزة الأساسية للفرد الذي يوصف بالمثقف فهي
الخلفية العلمية والتجريبية والتعليمية للوعي عند المثقف التي من خلالها
يتم تحليل وتوصيف العلوم الإنسانية والعلوم التطبيقية ( المادية ) وعلم
الفلسفة ( الفكري ) بحيث أن المعرفة هي ادارك الأمور المحسوسة
والمعنوية التي يحدد بها المثقف اتجاهاته ومرجعيته العلمية والفكرية من
خلال التعليم والتجربة وأدارك بواطن الشيء المعنوي والمادي ومن ثم
تحليلها وإعطاء الحلول الناجعة لها .
فالمعرفة من حيث معناها اللغوي فمصدرها عرف أو عرفة هي الإدراك الحسي
والمعنوي بالشيء وهناك فرق بين المعرفة والعلم فالعلم اشمل أما المعرفة
فيها جزئية ليست شاملة لكل جوانبه ( الشيء ) وإحاطته إحاطة كاملة وتنقسم
المعرفة إلى قسمين :

المعرفة القبلية : وهي ترتكز على الإلهام والغريزة والفراسة .

المعرفة البعدية ( التجريبية ) : وهي ترتكز على الإحساس والتجارب
والممارسة ، وبالتالي إلى الاستقراء والاستنباط ومستلزماتهما المنهجية
( المعرفة العلمية والمعرفة التجريبية _ الدراجة _ ) .

وتجدر الإشارة إلى المعرفة العلمية التي تستند إلى مبدأي العليّة /
السببية ، والحتمية بمعنى أن كل ما يحدث ، إنما يحدث بعلة ، وأن نفس
العلل لابد أن تنتج نفس المعلولات في حال تساوي كافة الشروط والظروف
المحيطة بالعملية المعرفية .

ونقول أن الفعل العقلي هو الذي يدرك الظواهر ( عملية انعكاس الظواهر في
الوعي ) نتيجة ذلك الفعل ، أي حصول صورة الشيء في الذهن ، فالعملية
المعرفية عملية معقدة ، وهي تتعلق أساسا بطرفين اثنين هما :

العارف والمعروف المدرك والمدرك ( بكسر الراء وفتحها) الوعي والواقع ،
هذان الطرفان يمثلان وجهان لعمله واحدة، ويخضعان لجدلية الوحدة
والتمايز ، أي أن كل منهما يؤثر في الآخر ويتأثر به في نفس الوقت وتدور
نظرية المعرفة ، انطلاقا من هذه الإشكاليات ، حول عدد من التساؤلات :

ــ ماذا عليّ أن أعرف ؟
ــ ماذا يمكنني أن أعرف ؟
ــ ما هي وسائلي للمعرفة ؟





وبهذه الأسئلة نصل إلى مصطلح المثقف والتي تصل تعريفات المثقف إلى مائة
وستين تعريفا وعبوراً فوق تنظيرات كثيرة فان المثقف هو الشخص الذي يحمل
معني تعليميا مجرداً لأيهم أن يكون من أصحاب الشهادات العلية بمقدر ما
يقترن هذا بالتعامل مع قضايا العصر واتخاذ موقف محدد مما يحدث حوله
بالمعني الدقيق للكلمة يكون حكمه المؤسس على التأمل والمعرفة .

ولا يعني هذا أن الذي لا يعمل في العلوم الإنسانية ليس مثقفا فليس
المهندس الذي يعمل في العلوم التطبيقية أو البيروقراطي في الدولاب
الحكومي يخرج عن التعريف ولكن يتحول العالم إلى مثقف له دور كما في
اللحظة التي تظهر فيها اهتماماته بقضايا المجتمع الإنسانية فيخذ موقفا من
هذه القضايا .

فالمثقف هو رجل معرفة إنسانية أو علمية ولا يوجد فارق كبير بين المعرفة
النظرية والمعرفة العلمية ما دام الدور الايجابي قائماً وفاعلاً ،
ونستطيع أن نحدد أكثر تعريف المثقف حين نشير إلى كلمتين اثنين تتوافر في
المثقف أولاهما _ الوعي الاجتماعي _ فهو الفرد الذي يستطيع رؤية المجتمع
وتحديد قضاياه من رؤية شاملة وتحليل قضاياه على مستوي نظري متماسك .

والسمة الأخرى هو الدور الذي يؤديه صاحبه من خلال النشاط الذي يقوم به
بكفاءة وقدرة في مجال اختصاصه المهني وكفاءة الفكرية غير أن هناك عدة
مشكلات يجدر الإشارة إليها لتعميق تعريف المثقف وهي تتعلق بطبيعة التخصص
المهني للمثقف وطبيعة ( الكادر ) الذي يعرف به في المجتمع .

أما من حيث الإشكالية الأولى .

فان ثمة اتجاهات عاما يذهب إلى تقليل دور المثقف الفني أي المثقف الذي
يعمل في مجالات العلوم الإنسانية وأعني بذلك الذي يعملون في الدوائر
التخصصية كالكيمياء والرياضة ...... إلى الخ .

ويذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن أصحاب التخصصات العلمية يكونون اقل
استجابة من غيرهم للمعارضة الفعلية للنظام ممن ينتمون إلى العلوم
الإنسانية .

على إننا نستطيع القول استنادا إلى ما سبق أن المثقف مهما يكون مجال
تخصصه الإنساني أو العلمي يكون تحديد دورة بتوظيف معرفته في اتخاذ موقف
عملي من قضايا مجتمعه وتأكيد موقفه الايجابي .

وتلخيصا لكل التعريفات نقول أن تعريف المثقف لابد أن تتوفر فيه كما يلي :

* المثقف هو الذي حصل على قدر ما من التعليم بغض النظر عن تحديد
الشهادات أو الخضوع لضرورتها .
* المثقف هو الذي يضيف إلى المعرفة وعياً علمياً يمكنه أن يلعب دوراً
ايجابياً في حركة المجتمع من حوله .
* المثقف هو الذي يستطيع أن يبلور الوعي العلمي خلال أيدلوجية يحاول
الاستفادة بها في بلورة القضايا حوله والمشاركة فيها ، ولا يتحدد معيار
المثقف بطبيعة التعليم الذي حصل عليه ومن ثم فان أصحاب التخصص العلمي
كالمهندسين والكيميائيين وغيرهم يمكن أن يلعبوا ادوار المثقف في حالة
تواجد الوعي والتفاعل مع قضايا العصر ، وان هذا الوعي هو الذي يجب عنده
أن نقول أن العسكريين يمثلون فئة مثقفة بغض النظر عن درجة التعليم أو
( الكادر ) العسكري .

لاحظ الباحثون أن المثقف لا ينتمي إلى طبقة معينة حتى في أكثر الحالات
الماركسية تحديداً ، وهذا يعني أن الوضع الاجتماعي الذي ينتمي إليه
المثقف مع عدم إغفال المؤثرات الاجتماعية يظل يلعب دوراً لا يمكن إنكاره
في تشكيل وعيه الاجتماعي ومن ثم موقفة من قضايا مجتمعه .

ولكن الباحثون أيضا قالوا أن فئة كبيرة من المثقفون ينتمون إلى الطبقة
الوسطي وجز كبير من هذه الفئة من الفقراء المعدومين ، ويرتبط المثقف
وأحواله الاجتماعية _ بالحراك الاجتماعي _ بمعني يتنقل المثقف من طبقة
اجتماعية معينة إلى طبقة اجتماعية أخري وقد يسهم التعليم إلى حد كبير في
هذا التحول وهو ما دفع بالكثيرين إلى أن يلعبوا دوراً في الوصول ببعض
المثقفين بمن استفادوا بانجازات التعليم في الوصول إلى اعلي المراكز .
كتبها مير في 05:28 مساءً ::

المصدر: http://hgukjdg.maktoobblog.com/?all=1
عندما تنخر الطائفية عقل المثقف/ ناجي ألغزي/العراق

المقالة

عندما نتناول هكذا موضوع ساخن ومتداول في أروقة السياسيين والمثقفين على
حد سواء لابد لنا أن نذهب إلى تعريف الطائفية أولا والشخص الطائفي ,
وكذلك نعرف المثقف وأهميته في المجتمع .تعريف الطائفية- هي التعصب لأفكار
ومعتقدات تنتسب في الأصل إلى دين معين، دون آخر , أو مذهب دون آخر.
والطائفية عكس الوطنية التي تتبنى مبدأ المساواة والعيش دون أي تمييز ,
والطائفي هو من يحمل تلك المبادئ على أسس طائفية وعنصرية بحتة الغاية
منها المحاباة لطائفته دون الأخرى وإلغاء الآخرين دون المبالاة بأي روابط
أخرى مع أبناء مجتمعه .

أما تعريف المثقف – فهناك الكثير ممن ذهبوا إلى تعريف المثقف وكان
أكثــرهم ( انطونيو كرامشي) الإيطالي والذي اعتمد على معايير جديدة, تقوم
على الوظيفة والمكانة الاجتماعية التي يشغلها , حيث قال( إن كل إنسان
مثقف ولكن ليس لكل إنسان في المجتمع وظيفة المثقف). والمثقف هو الذي يعمل
ويتعامل بالفكر والعلم والمعرفة , كالفقيه والعالم والباحث والكاتب . أذن
فكل من يكون سلاحه فكره ولسانه رأيه فهو مثقف , والمثقف في المجتمعات
المتــقدمة والمتحضرة سلطة فاعلة ومؤثرة
ولكن هناك مجتمعات تمرُّ في مراحل حرجة وتحول تاريخي خطير , فقد تتجلّى
سلطة المثقف فيها . فهو مسئول أخلاقيا وتاريخيا اتجاه مجتمعه في تلك
اللحظة . أولا- بتشكيل الوعي , وثانيا - بتسليط الضوء على القيم الفكرية
والأخلاقية التي تنمي من مدارك الفرد وتوسع مفاهيمه ,بكونه منتجاً للوعي
الفكري . وهنا نقصد المثقف صاحب الفكر القيم , و ليس المثقف المنتج
للمعرفة السطحية . وان مجتمعنا العراقي يمرُّ في تلك المرحلة الحرجة
والحساسة في تاريخه السياسي والاجتماعي , وهناك أمراض خلفتها الأنظمة
التي جاءت لتحكم العراق في غفلة من الزمن , فذهبت بالعراق وأهله إلى
متاهات مظلمة , وللأسف نرى البعض من مثقفي العراق والوطن العربي الآن ,
يعكسون حالة التجزئة والشرذمة والاحتقان الطائفي الموجود في المجتمع
العراقي في الكثير من كتاباتهم وطروحاتهم الفكرية من خلال الصحف ومواقع
الانترنيت والفضائيات المسموعة والمرئية . فقد لا يستطيع الكثير من
المثقفين أن يبرئ نفسه من الاتهام أمام الشعب العراقي بكل طوائفه ولا
أمام التاريخ , فهو متهم في أخلاقه المهني وعدم حياديته في تناول
المواضيع السياسية الهامة في المجتمع , حيث انه فاقد لفاعليته الفكرية
اتجاه مهمته الأخلاقية والإنسانية واتجاه مجتمعه , لأنه لم يعمل بخصوصيته
الفكرية التي تعتمد على إنتاج المعرفة حيث اعد نفسه و أصبح في جوقة
القارعين لطبول الحرب مدركين لما يحصل لكن غير آبهين لما سيحصل . ولقد
نسى الكثير من مثقفي العراق التزامه الفكري والإنساني والأخلاقي والوطني
اتجاه قضايا شعبه ألأكثر أهمية من شحذ عواطف الناس بالاتجاه المعاكس . و
بدلا إن يمسك قلمه هادما كل حواجز العزلة والتفرقة التي تسمم هواء
الوطن ,راح يوسع الهوة بين ابناء المجتمع وينحر الجسد العراقي بأفكاره
المسمومة تارة والموبوءة تارة . حيث انه لم يبتكر آلية لتخفيف الاحتقان
الطائفي وإنقاذ الوطن من براثين الجهل الذي استشرى في ظل غياب العقل ,
وصمت الأصوات المعتدلة , ونفاق كبير مورس على كل المستويات . وإن مهمة
المثقف كبيرة وصعبة للغاية لأنه الأكثر خصوصية في المجتمع .أولا- لأنه
مستهدف بكل زمان ومكان من قبل النظام الحاكم ومرصود من قبل المجتمع ككل .
فقد يكون موقع المثقف أمام السلطة أما معارض أو مهادن فهو يعيش حالة صراع
مرير ربما يؤدي به إلى الهلاك أو إلى النفاق . وبما أن المثقف هو من يملك
ملكة الوعي ويستطيع تحريك العقل الراكد ووضع الكثير من النقاط على الحروف
لأنه يرى ما لا يراه غيره , فهو مكلف وملزم بنبذ كل مظاهر التشرذم
والتفرقة التي تؤدي بالمجتمع إلى الهاوية وتمزق نسيجه الاجتماعي والثقافي
والديني , وان من اشد مظاهر الفرقة هي الطائفية , وأخطرها الطائفية
الدينية في مجتمع مثل العراق ذو موروث ديني وتاريخي كبير . والذي يمر
بولادة قيصرية في عملية بناء الدولة العراقية الجديدة , وان الهدم
والتشويه الفكري الذي يلامس العقول البسيطة من عامة الناس , سيترك
تداعيات كبيرة وخطيرة جدا ربما تعطل وتأخر مسيرة البلد البطيئة
والمتعثرة , وان التحدي الأساسي الذي أمام المثقف العراقي في الوقت
الراهن هو أصلاح العطب الفكري المشوه لدى الكثير من طبقات المجتمع ,
ووقفة مع الضمير أمام السيل الهائل من الدماء العراقية . وان يرتقي إلى
مستوى المسئولية , فوق الشبهات وفوق ذاته المنجرفة تحت مسمى الطائفية ,
وعلى المثقف أن لا يبتعد عن لعبة خلط الأوراق المبللة بالأوراق الجافة .
فالرؤية لم تنعدم عند الجميع ولازلنا نتمتع بنظر جيد رغم إسرافنا في
استخدام الأجهزة الالكترونية , وإن العراق اليوم يحتاج إلى فكر باني
ومنتج وليس إلى فكر هدام ومعطل , وهناك الكثير من المثقفين التقليديين
كما يصنفهم أصحاب الفلسفة , ممن يعيش على ماض ثابت قديم ومتحجر . لا يريد
أن يصارح نفسه مع التطور ويكاشفها أمام التحول الحاصل في مجتمعه فهو
يحاول عبثا البحث والتنقيب في عبارات وأوهام الزمن الغابر , فالكثير من
يريد إعادة أنتاج إيديولوجيته الشوفينية الماضية بهموم المجتمع وقوته
اليومي من خلال تمازجها بطروحات طائفية يراد منها تزييف الواقع ونشرها
بين الناس . هؤلاء يعيشون في ضمير ظلامي مغيب عن الواقع ويحلمون بعودة
زمن الأفاعي الغليضة التي تملك السم الأكبر لحقن أوردتهم . وان ثقافة
الصراعات الطائفية لا تحقق إلا الدمار البشري , وان هذا الاتهام لا يتعدى
رجال الدين و مفكريهم ومثقفيهم الذين ربما لهم الباع الأكبر في إلزام
المجتمع بنبذ ظاهرة الطائفية أو التمسك بحبالها . فهم ملزمين أمام الله
والوطن بمهمات كبيرة وكثيرة أولا - توحيد صف الدين وإعلاء كلمة الله
ثانيا - عقلنة الدين من خلال تفسير عقلاني لبنية الدين التي تشكل قاعدة
أساسية للكثير من المذاهب , وكذلك حث الناس للانتماء الوطني أكثر منه
للطائفي وهذا مما يؤدي نتاجا طيبا على المجتمع ككل . لذا على النخب
المثقفة العربية والعراقية أن لا تغرق في وهم الطائفية التي تنخر المجتمع
وتشتت وحدته . وعلى المثقف أن يذيب العصبيات الطائفية المتوارثة من
الأزمنة الغابرة وصهرها في بوتقة المجتمع , وان لا يفقد مهمته في اتجاه
التغيير, فتتحول مهمته المعرفية التنويرية إلى تحريضية ويتحول إلى عضو في
جماعة تكفيرية ربما !! وقد يخسر دوره التاريخي والأخلاقي


alghe...@hotmail.com

الخاتمة:
أخوتي وأخواتي الكتاب العراقيين المحترمين
شكراً جزيلا لجميع ملاحظاتكم القيمة، وشكراً وافراً لجميع الذين قرءوا
هذه المقالات وأشاروا للشبهات والأخطاء. لم أنقل هذه المقالات على أساس
أنني عارف ومثقف وأود بيان ذلك، ولكن لكي يطلع عليها الناس ويأخذوا ما
يفيدهم وأخذ ما يفيدني. هلا ننطلق من تعريف المثقف حواراً بيننا لكي نطور
التلاحم بين الكتاب، ويشد بعضنا أزر الآخر خدمة لعراقنا وشعبنا. وأن أكثر
ما جاء هي أفكار مثقفين وباحثين، فهي ليست جهودي وحدي…وأن كل صغيرة
وكبيرة تأتي منكم أضعها في أعماق عقلي وضميري وأجعلها أوسمة أتباهى بها
مع ذاتي المعذب لكي تطفئ نيران عذاب العراقيين…الكلمة سلاح خطر، ويمكن
تحويلها لعوامل خير وإصلاح…فأختار أنت أيهما تفضل.

المخلص
عباس النوري
‏15‏/‏11‏/‏07
abbas...@gmail.com

Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages