ملامح خطيرة.. وآثار مريرة.. وحلول كثيرة..
القس يوحنا نصيف - الإسكندرية
أقدِّم في هذه السطور القليلة رؤيتي
الخاصّة للأحداث الطائفيّة الأخيرة
التي حدثت بالإسكندرية.. وسأحاول أن
أتناول فيها بعض الزوايا للأحداث..
الزاوية الأولى: بعض ملامح عن المناخ
العام الذي أفرز هذه الأحداث.
الزاوية الثانية: بعض الآثار السلبيّة
التي نتجَت عن الأحداث.
الزاوية الثالثة: بعض المُقترحات للخروج
من نفق الطائفيّة المُظلم.
أولاً: المناخ العام كان من الطبيعي أن
يفرز مثل هذه الأحداث، وإذا استمرّ
المناخ كما هو سيكون هناك المزيد.. وبعض
ملامح هذا المناخ ما يلي:
1- الركود السياسي والاقتصادي.. والركود
يولِّد الفساد، وهو أيضًا بيئة مناسِبة
لنمو التطرُّف والتيارات المتشدِّدة..
2- ضعف الوعي الشعبي نتيجة تضليل الخطاب
الإعلامي، واهتمامه بتوافه الأمور، على
حساب بناء الفكر، وتنمية الوعي والذوق
العام..
3- انتشار الفساد على نطاق واسع.. فكل شيء
يُشتَرى بالمال؛ من مانشيتات الصُّحف
حتى أصوات الناخبين، مرورًا بذمم الناس
وضمائرهم..
4- انفلات إعلامي صارخ، مع عدم وجود آلية
للمساءلة بالنسبة لِما يُنشَر في
الصُّحُف.. فحريّة الصحافة أمر جيِّد،
ولكن في الحقيقة لا يُمكن أن توجَد حريّة
حقيقيّة بدون ضوابط أو مساءلة.. فأين
الضمير الصُحَفي الأمين؟.. وماذا يُصنَع
أمام هذه الكميّات الهائلة من الأكاذيب
التي تُنشَر كل يوم..؟! وهي من أهمّ أسباب
اشتعال الفِتَن في مصر.. وكمثال: جريدة
الميدان نشرت في عددها التالي للعدد
الذي أثارت فيه الموضوع، وقالت: "لقد
نجحت حملة الميدان".. حملة التحريض
وإثارة الفِتنة يفتخرون أنها نجحت.. ولا
تعليق..!
5- غياب روح الحوار، وعدم التربية عليه من
الصِغَر في المدارس وفي داخل الأسرة..
فتأتي الانفعالات دائمًا صاخبة غير
مُنضبطة نتيجة عدم التدريب على التعبير
الحضاري، أو على إدارة الحوار
المُهَذَّب..
6- سيادة أسلوب التلقين في التعليم، مع أن
الحضارة الحديثة تعتمد منذ سنوات طويلة
أسلوب التكوين في التدريس عن طريق
الحوار والتفاعل بدلاً من التلقين..
7- عدم وضوح الرؤية بالنسبة للآخَر
الديني.. وتكوين صور مغلوطة، تساهم في
التحريض على كراهية الآخر، والسعي إلى
إلغائه.. وهذا نتيجة طبيعيّة للتعليم
الديني غير المتكامِل، والإعلام الذي
يستبعِد الآخَر الديني تمامًا إلاّ فيما
نَدُر، وبشكل موسمي..
8- سياسة الفرز والاستبعاد للمسيحيين،
والتي تمارسها الدولة، كمنهج ثابت منذ
أكثر من خمسين عامًا.. فليس خافيًا على
أحد أن هناك قطاعات في الدولة محظور على
أي مسيحي العمل فيها، وهناك مناصب عديدة
غير مسموح لأي مسيحي بالاقتراب منها
بشكل مُتَعَمَّد.. هذا بخلاف عمليات
التجفيف من المنابع، بمعنى تقليل نسبة
الالتحاق إلى درجة تقترب أحيانًا من
الصفر بالنسبة للسلك القضائي وسِلك
الشرطة والجيش، وعضويّة هيئة التدريس
بالجامعات، وحتى التعيين ببعض القطاعات
مثل قطاع البنوك وقطاع البترول...إلخ.
وهذا المنهج الذي يكرِّس الفرز على أساس
طائفي هو منهج مُخَرِّب لمصر.. مُخَرِّب
لقطاعات الدولة باستبعاد المسيحيين
الأكفاء منها، وهذه خسارة فادحة للبلاد..
كما أنه مُخَرِّب للعقول التي تتربّى
على الاستعلاء من ناحية، والإحساس
بالظُّلم والانزواء من ناحية أخرى.. هذه
السياسة الاستبعاديّة من المهم أن
تتحوَّل إلى سياسة استيعابيّة طبيعيّة...
نريد وطنًا يستوعب الجميع ولا يستبعِد
أحدًا.. لابد أن يكون للجميع مكان على
الطاولة المصريّة، وعدا ذلك فنحن أمام
جريمة عنصريّة لا يمكن أن يقبلها العالم
الآن..!
ثانيًا: بعض الآثار السلبيّة التي نتجت
عن الأحداث:
1- شرخ في العلاقات بين المسيحيين
والمسلمين في بعض أحياء الإسكندرية.. على
مستوى الجيران أو زملاء العمل أو حتى
الأصدقاء..
2- جرح نفسي عميق في قلوب الكثير من
المسيحيين الذين فوجئوا بالهتافات
العدائيّة المدوّية، والشتائم البذيئة،
والمظاهرات الإرهابية الساعية إلى
التدمير والتخريب..
3- سلوكيَّات رديئة لم نشاهدها من قبل في
الإسكندريّة.. مثل البصق على الفتيات
المسيحيّات في الشوارع، وهذا تكرَّر
كثيرًا.. وبالطبع كل خطئهن أنهن غير
مُحَجَّبات.. وأيضًا السيَّارات الأجرة
(التاكسي) ظلّت لفترة طويلة لا تقف لأي
سيِّدة غير مُحَجَّبة، وإذا وقف فهو
يتوقَّف ليبصق عليها ثم يواصل السير..
وأيضًا مقاطعة المتاجر والمكتبات
المسيحيّة أو صالونات الحلاقة التي
يملكها المسيحيون.. وهذه الأمور تتحسَّن
تدريجيًّا الآن ومع مرور الوقت..!
4- تحرُّش وتطاوُل من بعض النوعيَّات غير
المُهَذَّبة على زملاء العمل من
المسيحيين والمسيحيَّات، بشكل خطير
وغير مسبوق.. وإن كانت الحكمة وكلمات
المحبّة الطيّبة قد عالجت الكثير من
المواقف العصيبة..!
ثالثًا: بعض المُقترحات للخروج من هذا
الوضع الخطير.. (وهي في مجملها مقترحات
طويلة المدى)..
1- إعادة الانضباط للصحافة، ومراعاة
الأمانة الصحفيّة والمهنيّة.. وأعتقد
أنه يلزم أن تقوم بهذا الدور نقابة
الصحفيين بشكل أكثر جديّة.. مع إجراءات
عقابيّة تصل إلى الإيقاف عن العمل
الصحفي للشخص، وغرامات كبيرة للصحف
الكاذبة إن لزم الأمر.. وفي الواقع أن
التزام نقابة الصحفيين بتحقيق الانضباط
المهني هو في رأيي أفضل من الدخول في
متاهات القضاء حول النشر..!
2- إعادة النظر في المناهج الدراسيّة
التي يكاد يكون الآخَر الديني فيها
ملغيًّا تمامًا.. مثال: في كراسة الخط
العربي للصف الثاني الابتدائي هناك آية
من القرآن بين كل عبارة وعبارة.. وهي
بالطبع تحمل معاني جميلة وبنَّاءة، وأنا
لا أعترض على هذا، ولكنني أتساءل: ما
المانع أيضًا من وجود ولو آيات قليلة من
الكتاب المقدَّس تحمل معاني جميلة أيضًا
مع هذه العبارات؟! فهذا يساهم في تعريف
الأولاد بالآخَر الديني بشكل بسيط وهادئ
وبنَّاء..!
3- قد يكون من المُفيد تدريس فكرة عن
الأديان المتنوِّعة في المدارس في سِن
مُبَكِّرة.. كل دين كما يشرح نفسه.. مع غرس
روح قبول الآخَر واحترام الاختلافات
بدون تعالي أو سُخرية.. وتقوية البُعد
الإنساني والروابط الإنسانيّة بصرف
النظر عن الاختلافات العقيديّة..
4- تغذية مستمرّة للوعي الشعبي بالإعلام
الجيِّد والبرامج الحواريّة الراقية،
التي تساهم في تنوير الأذهان وإيضاح
صورة حقيقيّة للآخَر، وتلغي الصور
المغلوطة التي قد تكون مرسومة في
الأذهان نتيجة الجهل أو التعاليم غير
السليمة.. مع تقديم نماذج للحوار الراقي
الذي يحترم الرأي الآخَر حتى وإن اختلف
معه.. فلابد أن تختلف الآراء، ولكن ليس
معنى هذا أن نتصارع.. بل نختلف ونقبل
بعضنا بعضًا، نختلف ونحترم بعضنا بعضًا،
نختلف ونتعاون مع بعضنا البعض.. نختلف
ونحب بعضنا البعض.. فكما أن هناك بعض نقاط
الاختلاف، فهناك أيضًا الكثير من نقاط
التلاقي بيننا... والتي يمكننا أن نبني
عليها تعايشًا سلميًّا راقيًا
وبنَّاءً.. أليس كذلك؟!
fryo...@hotmail.com
فى النهاية شكرا على تقديرك
الاستاذ الفاضل محتال
ان اكثر ما عجبنى فى مداخلتك الكريمة هى
مقولة رائعة اسمح لى ان أقتبسها منك و هى"
أننا ضد الظلم أينما كان
و ليس الدين دمار بل إستقرار "
ففعلا هناك امل فى هذه البلاد طالما ان
الناس تعلى القيم الانسانية على العصبية
الدينية و تدرك ان مواجهة الشر بالخير
أمضى و أفعل من مواجهته بالشر فإنا لا
أوافق مثلك تماما على الحدة التى فى
مشاركات الكثيرين هنا